الاثنين، 24 سبتمبر 2018

عن "الجرائم الحقيقية"، والناقد الذي يحارب سلطة النقاد

أريد أن أبدأ عودتي لكتابة سلسلة مقالات "نقد استجابة القارئ العربي" بإعادة نشر قصتي القصيرة "الجرائم الحقيقية"، والتي نُشرت في أنطولوجيا السرد العربي منذ فترة قصيرة .. إعادة النشر هذه لا ترجع فقط إلى ارتباط القصة بالمشروع الذي بدأته على موقع "الكتابة" الثقافي في شكل باب أسبوعي بداية هذا العام، وإنما إلى علاقتها أيضًا بـ "نكتة" لم أتحدث عنها في وقتها، وهي أن فيسبوك قد قام بحذف "الجرائم الحقيقية" من صفحتي في اليوم التالي لنشرها، بناءً على بلاغات وردت إلى إدارته بحسب الرسالة التي تلقيتها، قبل أن أنجح في إعادة القصة إلى صفحتي ثانية .. من الذي يرغب في حذف هذه القصة، ويعمل على تحقيق ذلك بالفعل مع آخرين لديهم رغبة مماثلة عن طريق تقديم "بلاغات"؟ .. "الجرائم الحقيقية" لا تعطي فقط إجابة لهذا الاستفهام، وإنما تبيّن كذلك كيف يمكن لهذه البلاغات أن تؤكّد ما تضمنته هذه القصة.
أتذكر أنه منذ عام تقريبًا وفي إحدى الندوات؛ بدأ أحد الحاضرين مداخلته تعقيبًا على المحاضرة التي ألقيتها بوصفي "الناقد الذي يحارب سلطة النقاد" .. حسنًا .. هذا يشعرني بالسعادة، ولكنني سأضيف شيئًا أساسيًا؛ هناك العديد من النقاد الذين يدركون جيدًا تقديري لهم، حيث يعيشون بالفعل خارج الحفل الذي أقيمه على كل المنتفخين بسلطة النقد كفقاعات تعيسة، وتمنحني استجاباتهم الخفية والمعلنة عبر فيسبوك ـ مثلًا ـ تجاه ما أكتبه ضد أوهامهم الاستعلائية سعادة مضاعفة.
الجرائم الحقيقية
تواصل معي على فيسبوك محرر صحفي يعمل في مطبوعة ثقافية عربية راغبًا في إجراء حوار عن مشروع "نقد استجابة القارئ العربي" الذي أنشر مقالاته في باب أسبوعي على موقع "الكتابة" الثقافي. كعادتي طلبت منه قائمة بجميع الأسئلة حتى أرسل له إجاباتها دفعة واحدة في الموعد المحدد، على أن أقوم بالرد على أي استفهام أو استفسار جديد يطرأ في ذهن المحرر بناءً على تلك الإجابات. بعد أسبوعين تقريبًا تم نشر الحوار، وكان كالتالي:
الناقد ممدوح رزق: القارئ ليس إلهاً، وجودريدز قوّاد كتب.
في مطلع العام الحالي بدأ الناقد ممدوح رزق في كتابة سلسلة مقالات أسبوعية لموقع الكتابة الثقافي تحت عنوان (نقد استجابة القارئ العربي). حول هذا المشروع كان لنا معه هذا الحوار:
ـ لا تخلو مقالات (نقد استجابة القارئ العربي) من السخرية، إلى من توجهها تحديداً؟
هي سخرية من إيمان القارئ بأن فكرته الشخصية عن العمل الأدبي، وعن الكتابة بشكل عام بمثابة حقيقة مطلقة، وما قد يتبع هذا الإيمان من ممارسات عقابية تجاه الكاتب، ومحاولات فرض الوصاية على القرّاء الذين لديهم أفكار مختلفة، وكذلك من السلطة المعرفية التي تستثمر هذه الألوهة المزعومة للقارئ.
ـ ما هى ممارسات عقاب الكاتب التي تقصدها؟
في سلسلة المقالات تناولتها بشكل تفصيلي، ويندرج في إطارها الريفيوهات العدائية التي تتعمّد إهانة العمل الأدبي وكاتبه تحت دوافع أخلاقية أو دينية مثلًا، والتحذير من قراءة هذا العمل، والهجوم على المقاربات النقدية التي تحتفي به، وحتى التعقّب "القانوني"، وبالطبع تتفاوت مستويات اللغة أو حدة "البلاغة" المستخدمة في هذا العقاب.
ـ خصصت جزءاً كبيراً من (نقد استجابة القارئ العربي) لموقع جودريدز، كيف تعرض رؤيتك له الآن؟
موقع جودريدز ـ وما يشبهه ـ بالنسبة لي مجرد قوّاد كتب، يقوم على آليات انتهازية سخيفة، تستغل رغبة القارئ في تجاوز فرديته أو فضائه الخاص إلى المساهمة الأبوية في تحديد يقين عام عن الكتاب حتى لو لم يسبق له الاطلاع عليه أصلا، أو بحسب كم الحسابات المغشوشة التي يمتلكها على الموقع؛ ولهذا فمن العادي جدًا أن يعطي أحدهم لكتابك نجمة واحدة لأنك قمت بحظره على فيسبوك مثلًا، أو لأنك لم تكتب مقالًا عن الرواية التي أرسلها إليك، أو لأنك تهكمت عليه في أحد نصوصك، أو لمجرد الغيرة؛ لذا فتقييم الأعمال الأدبية بالنجوم مسألة تزييفية سمجة، وجديرة بالازدراء. الكاتب لا يقدم وجبات طعام، أو خدمة فندقية، ولا يكتب إرضاءً للجميع أو لأحد بعينه كي يكون للآخرين الحق في التعامل مع كتاباته بمنطق النجاح والفشل.
ـ ما هي علاقتك ككاتب بموقع جودريدز، وهل مازلت تستخدمه؟
تحدثت في أحد مقالات "نقد استجابة القارئ العربي" عن علاقتي بجودريدز، وذكرت أنني أضفت كتبي إلى الموقع عام 2009 ، وكنت أنشر أحيانًا قرءاتي النقدية به، ولم يكن الغرض كذلك ـ كما سبق وكتبت ـ هو قراءة التدوينات حول الكتب فحسب بل تأويل هذه التدوينات أيضًا، مراقبة سلوكها اللغوي، النطاقات التي تتحرك في حدودها، والمقارنة بينها. كان الغرض هو اقتفاء أثر ما تتبناه، وما تهمله، وتفسير الدوافع وراء ذلك. منذ فترة طويلة لم أعد أتصفح هذا الموقع إلا نادرًا، ولا يزال القراء يضيفون كتبي إليه، وأحيانًا لا أعرف بذلك إلا بعد مدة كبيرة.
ـ هل تهتم بمراجعات القراء عن أعمالك؟
لا أهتم سوى بالآراء والمقاربات التي تحاول اكتشاف وتشريح نصوصي، وتعيد خلقها لا أن تحاكمها؛ فمن السذاجة والعبث أن تنظر بجدية لمن يحاسبك على تجارب لا يعرف عنها شيئًا، أو على مخالفتك لما يظنه بتعنّت طفولي قواعد مقدسة للكتابة، أو على ما يعتبره ـ بمنتهى النطاعة العمياء ـ تعاملًا خاطئًا من جانبك مع آلامك الشخصية. "نقد استجابة القارئ العربي" يفكك هذه الأساطير المرتبطة بالتلقي، ويكشف مدى هزليتها وبؤسها، وهو في ذلك يطمح لكتابة تاريخ آخر للجماليات الأدبية والنقدية يجرّدها من الأوهام التحريمية المعتادة.
ـ ماذا تطلق إذن على سبب عدم تجاوب القارئ مع كتاب معين؟
أطلق عليه تباينًا في طبيعة الرؤى .. اختلاف الموقف الوجودي والجمالي من العالم .. عدم التوافق في الإدراك أو التفسير أو الاعتقاد .. الانفصال عن تاريخ مغاير لا يتحمّل أحد مسؤوليته .. غياب التفاهم أو الانسجام بين وعي بالحياة والموت ووعي آخر لا ذنب لأحد فيه .. لهذا فإنني لا أحترم القارئ أو الناقد المتزمت الذي ينصّب نفسه قاضيًا على نص لا يمتلك أدنى فكرة عن الماضي الذي أنتجه، وبدلًا من أن يُرجع عدم التوافق بينه وبين النص إلى انتفاء المساحات المشتركة أو الجسور التحريضية، فإنه يردّه بالسهولة العفوية السطحية والمتعالية إلى ما يُسميه "أخطاء الكاتب"، كأن هذا القارئ أو الناقد يمثل الصواب الأدبي في ذاته، وعلى جميع الكتّاب أن يعملوا لإرضاء ذائقته هو تحديدًا ومن يشابهه.
ـ ماذا عن كتابتك النقدية؟ هل لديك معيار مختلف لقراءة النصوص؟
في عملي النقدي لا أعيّن نفسي حاكمًا على كاتب أو مقيّما لجهده أو مصححًا لنصوصه أو أيًا من تلك الاعتداءات الوضيعة التي يحتاجها الكثيرون لإخفاء عجزهم، وإشباع نقصهم. إما أن يكون في العمل الأدبي ما يحفزني على تحليله، ويغريني باللعب التخييلي مع رموزه وعلاقاته، واقتياده إلى مناطق جدلية أبعد مما قد تقترحه التأويلات المباشرة، أو لا تنشأ هذه الصلة النفسية، أو يومض هذا الاستفزاز الذهني، وحينئذ لا أكتب عنه فحسب، وربما مؤقتًا وليس نهائيًا .. هكذا يتم الأمر بالنسبة لي ببساطة وفي صمت، دون استغلال لما يُطلق عليه "نقاط الضعف في العمل" كي أصدح بحكمتي الأدبية التي يجب أن يراعيها الجميع.
ـ تحدثت أيضاً في (نقد استجابة القارئ العربي) عن تدوينات القراءة. كيف أثبتت هذه التدوينات عدم وجود فرق بين القراء الذين يكتبون المراجعات والنقاد الأكاديميين حتى الذين لديهم مكانة معروفة في الحياة الثقافية العربية؟ 
لا يقتصر الأمر على الأكاديميين تحديدًا .. نعم هم نقاد لا فرق بينهم وبين القراء الذين لا يقدمون أنفسهم كنقاد .. أجيال متعاقبة عاشت بمعنى الكلمة عالة على النقد الأدبي بفضل هذه السلطة: "فشل الكاتب في كذا"، "أخفق الكاتب في كذا"، "لم ينجح الكاتب في كذا"، "هذا عمل مبتذل"، "هذه كتابة رديئة"، "هذا كاتب يسعى للشهرة"، "نحن في فوضى أدبية تسمح لكل من هب ودب بالكتابة" ... إلخ، وعلى جانب آخر ـ وهذا منطقي ـ تجدهم بارعين تمامًا في كتابة ملخصات للأعمال الأدبية، وفي إخضاع النصوص للدلالات المستهلكة، وتدوير المعاني التقليدية المغلفة أحيانًا بالتحذيرات الرقابية .. الناقد بالنسبة لي هو الذي يكشف العمل الأدبي، أو الفيلم السينمائي لكاتبه أو مخرجه مثلما يكشفه للقارئ أو المتفرج تمامًا،. يضيء احتمالات ملهمة، ولا يتوقف أمام التأويل السهل والمتداول للرموز بل يفكك السياقات الجاهزة، ويضع علاماتها الواضحة في نطاقات استفهامية، خالقًا فيما بينها علاقات مبتكرة ضمن "كتابة موازية" تشتبك حقًا مع النص.
ـ ما سبب توقفك عن كتابة الباب، وهل ستعود إليه قريباً؟
توقفت عن كتابته بسبب انشغالي بنوفيلا "جرثومة بو" التي كان يستدعي إنهاؤها قدرًا كبيرًا من التفرغ بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى، وسأعود لكتابة الباب خلال الشهر القادم.
* * *
بعد نشر الحوار بساعات قليلة نشر أحد النقاد الأكاديميين المعروفين منشورًا هجوميًا يصفني فيه ـ دون ذكر اسمي، ولكن بإشارة ضمنية إلى الحوار ـ بالغرور والتعالي وعدم احترام الآخرين .. كان هذا الناقد ـ فضلًا عن رجعيته النقدية ـ معروفًا أيضًا بهوسه بتصحيح الأخطاء اللغوية في النصوص التي ينشرها الكتّاب والشعراء في صفحته على فيسبوك، إلى جانب كتابة البوستات العدائية ضد "العابثين بقواعد الكتابة الأدبية" كما اعتاد أن يطلق عليهم دائمًا .. بالصدفة، وصلني أثناء قراءة المنشور إشعارًا من إحدى الصفحات الإخبارية عن العثور على جثة طفلة:
"تم العثور على جثة الطفلة حبيبة أحمد عبد الحليم - المختفية من قرية ديرب بقطارس مقتولة في شوال ملقى في الأراضي الزراعية بالتحديد بترعه مجاورة لأحد الأراضي الزراعيه، حيث تبين من بداية التحقيق بأن القاتل زوج أخت القتيله المدعوا/ ابراهيم وشقيقه المدعوا / الدسوقي بعد خطفها وتم اغتصابها والتخلص منها بعد ذلك بأحد الترع المتواجدة بالاراضي الزراعيه".
تحت الخبر المقترن بصورة الطفلة المبتسمة في فستانها الأبيض، والذي تتعاقب على وحشيته الوجوه التعبيرية للحزن والذهول والغضب، وعبارات الدعاء المصدومة، المطالبة بالقصاص العاجل؛ قمت بعمل "منشن" لهذا الناقد، دون كتابة أي شيء آخر .. بعد دقائق كتب تعليقًا يترحّم فيه على الطفلة مختومًا بسؤال مقتضب لي، تثقله الحدة البديهية عن السبب الذي جعلني أقوم بعمل "منشن" له تحت هذا الخبر المؤلم .. كتبت ردًا له بأنني كنت أنتظر منه أن يقوم كالعادة بتصحيح الأخطاء اللغوية والأسلوبية في هذا الخبر مثلما يفعل مع نصوص الآخرين .. علّق قائلًا بأنه من السخافة البالغة أن أطالبه بتصحيح اللغة في ظرفٍ كهذا، ثم أنهى الرد بما يشبه الصراخ: هذا ليس مجرد نص .. هذه جريمة حقيقية بشعة.
كانت العبارتان الأخيرتان المتوقعتان هما ما أردت الحصول عليه .. تركت فقط إيموشن الابتسامة العريضة كتعليق أخير لي ثم أغلقت الصفحة عائدًا لمقال جديد أكتب فيه عن رواية لا تقف وراءها جرائم حقيقية!.
موقع "الكتابة" ـ 23 سبتمبر 2018
اللوحة لـ jean rustin

الأحد، 23 سبتمبر 2018

يوميات: الأحد 23 سبتمبر 2018


أخرج من بيت العائلة بعد انتهاء زيارتي الأسبوعية لشقيقتي الكبرى .. كالعادة أسير في الطريق نحو بيتي مثقلًا بالأسى منقطع الرجاء تجاه كل ما يخصها: حياتها .. وحدتها .. عمرها الكبير الذي صارت إليه بوفرة جسيمة من القهر النفسي والجسدي .. أردد في داخلي ـ كالعادة أيضًا ـ وأنا أخرج من ميت حدر نحو الكوبري السفلي باتجاه الجوازات بأنني فاشل في تعويضها عن كل ما كان سببًا في تحطيمها، ولم أستطع حمايتها من شرّه .. الفشل الذي يعادل المسئولية الكاملة عن هذا الحطام .. أنا حتى لا أستطيع أن أقول لها كلمات شكر حقيقية تجاه كل ما تفعله من أجلي .. لا أستطيع أن أجعلها على الأقل تكتب عن كل ما عانت منه مثلما رسمت فريدا كاهلو آلامها في لوحات مثل "طفلة مع قناع الموت" أو "بدون أمل" أو "العامود المكسور" .. نجلس ونتحدث ونسترجع ذكرياتنا حيث يدور كل شيء عن الموت: الماضي حينما يكون فردوسًا مفقودًا أو جحيمًا غامضًا .. الأحبة الذين اختفوا تباعًا فجأة داخل قبورهم تاركين امرأة تقترب من الستين، وأخاها الأربعيني كأشلاء متناثرة تتظاهر بأنها جسدان متماسكان .. الأرق المختبئ في روح كلٍ منا بالعذاب المنتظر لمن سيبقى لديه وقت أطول حينما يختفي الآخر للأبد.
انتهيت صباح اليوم من قصيدة "لحظات الطيران المؤقتة"، والتي نجمت عن مشهد ظل يصاحبني منذ الأسبوع الماضي حين كنت أجلس وحدي في صالة "مارشال المحطة" عصرًا .. رأيت عبر النافذة الزجاجية الكبيرة بجواري كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا يطير بهدوء حتى أصبح عاليًا جدًا فوق ميدان المحطة .. ظللت أراقبه، بيقين أنه يشعر بالسعادة تحديدًا الآن، ربما وبصورة استثنائية مبهمة لا تتشابه مع مشهد مماثل سبق أن رأيته من قبل؛ حتى إنني شعرت بضحكات الكيس الصغير غير المسموعة وهو يواصل الابتعاد عن عينيّ وراء أسطح البيوت.
أثناء تصفّح برنامج العمل الخاص بي مررت على الإشارة المتعلقة بالبحث على الإنترنت عن مسابقات أدبية جديدة .. تجاهلتها مثلما تعوّدت أن أفعل منذ فترة طويلة .. أتذكر أن شريف صالح أثناء وجوده في المنصورة الشهر الماضي سألني إذا ما كنت قد أرسلت روايتي "إثر حادث أليم" إلى جائزة ساويرس؛ فأجبته بالنفي، وحينما سألني عن السبب أخبرته بالإجابة التي يعلمها كل كاتب في مصر فضحك وقال لي أنه لا مانع من المحاولة، فأعدت عليه الإجابة مرة أخرى مستخدمًا المزيد من كلماتي الأثيرة.

الجمعة، 21 سبتمبر 2018

يوميات: الجمعة 21 سبتمبر 2018


"ملك" تواصل العمل على لوحاتها الثلاث الخاصة بكتابنا القصصي المشترك، والذي أنوي نشره إلكترونيًا قريبًا .. ربما سأتحدث فيما بعد عن تجاربي مع "النشر الإلكتروني" خاصة بعد النقاشات التي دارت حين قررت إصدار نوفيلا "جرثومة بو" إلكترونيًا قبل أن أؤجّل نشرها مع ظهور احتمال لإصدارها ورقيًا في العراق بفضل صديقي الكاتب العزيز د. لؤي حمزة عباس .. ألمس بوضوح استفادة "ملك" من كورس الرسم الذي حصلت عليه في مركز "أركادا" منذ فترة قصيرة، كما تحاول أمها ـ التي ستساهم بالفوتوغرافيا في الكتاب ـ مساعدتها على تنفيذ ما طلبته في اللوحات: التوازن بين العفوية الطفولية والانضباط التقني .. أفكر في "ملك" وهي بعيدة عني أكثر مما أفعل في وجودها .. حينما نكون معًا أحاول تضليل ذلك التفكير الذي كان مهيمنًا في غيابها كي لا أفسد لحظاتنا التي تظل قصيرة دائمًا .. لكنها بمجرد أن تغمض عينيها آخر كل ليل بجانبي، وبينما ألعب دور شطرنج أخير على الهاتف قبل النوم؛ يطغى الشعور بالإثم خالصًا وحادًا في قلبي .. الشعور الذي لا يختفي، وإنما يتظاهر أحيانًا كمزحة من الجحيم بأنني نجحت في تضليله، كي يضاعف نفسه لحظة بعد أخرى .. ذات يوم سألتني "ملك": إنت عمرك ما عيّط يا بابا؟ .. كنت مضطرًا لقطع الطريق على استفهاماتها اللاحقة فكذبت عليها: وأنا صغيّر بس.
كان لدي وقت اليوم للخروج والذهاب إلى فندق "مارشال المحطة" ولكنني لم أرغب في مقابلة أحد .. لم أرغب في التحدث والتدخين والاستماع إلى الشخصيات التي تعرّفت عليها هذا العام، وأصبحت كلما غادرتهم ـ وبصورة متوقعة تمامًا ـ أكثر تأكدًا من ذلك اليقين الذي كان يرافقني منذ شهور وأنا أدور وحدي في ميدان المحطة والسكة الجديدة وشارع بنك مصر وسيدي عبد القادر وميت حدر قبل بداية علاقتي بهم .. اليقين بأن ثمة خسارة سيزيفية أخرى في انتظاري لو استطعت أن أكون صديقًا لهؤلاء .. بالترتيب المختصر؛ تم الأمر على هذا النحو الذي يبقى مفاجئًا رغم تكراره: قطع الصلة العبثية المهلكة بمن كانوا يصنّفون كأصدقاء مقربين لي بعد صدور "الفشل في النوم مع السيدة نون" عام 2014، والمقترن بحظرهم جميعًا على فيسبوك .. الدوران في شوارع الذاكرة بمفردي يومًا بعد آخر كقط ضال، يتحرك ويتوقف ويتلفت حوله بخوف، مراقبًا الوجوه والأجساد المتلاطمة، ومتطلعًا إلى البيوت القديمة الأشبه بكتل شاهقة من الرماد المتجمّد ذي الفجوات المتناثرة ثم العودة إلى مخبأه المظلم بحصيلة إضافية لاهثة من الحسرة واليأس والخذلان المكتوم .. البحث عن شخصيات جديدة تمنحني دون عداءٍ أو نقصان تاريخ المتعة والغرابة في المدينة حيث تكمن جذوري البعيدة والغامضة، أي تقدم لي بوفاء مثالي الذخيرة التي أحتاجها للانتقام من المكان الذي يحتجزني منذ 42 عامًا .. التسلل عبر نفق من المصادفات المتعمّدة نحو ما كانت تبدو كجماعة منتقاة من خزنة المرح .. تحريك الصخرة من قاع كل جثة إلى قمتها قبل أن تتدحرج ثانية لأسفل .. لكن لطالما كان بوسع سيزيف القول بأن تخيلاته الهازئة داخل الظلام المغلق للعزلة أكثر متعة وغرابة من العوالم التي تؤلفها ذرات الحجر، والنثرات المعدنية للجبل، والتي اعتبرها ألبير كامو دافعًا للسعادة النضالية عند سيزيف.
أضفت هذا المساء فكرة جديدة إلى قائمة المشاريع المؤجلة التي تتوهم حربًا غير متكافئة ضد الزمن .. فكرة ساخرة تستخدم شكل المعادلة الصادمة التي سبق أن لعب بها الكوميديان الأمريكي الفادح لوي سي كي في عرضه الرائع "بالطبع .. لكن ربما" .. أما معادلتي ـ التي تركّز بشكل أساسي على الوسط الأدبي في عاهرة الدنيا ـ فتفترض هذا التوازن: "لن تستطيع أن تمنع ... لكن يمكنك أن ...".

الأحد، 16 سبتمبر 2018

جزء من نوفيلا «جرثومة بو»

غادر السائق التاكسى، ووقف وحده فى الناحية المقابلة بالقرب منه ثم أشعل سيجارة، أما أنا، وخلال نصف ساعة أو أزيد قليلًا فقد طلبت من زينهم ثلاث مرات أن يرفع سعر النسخة.. فعلت هذا وبداخلى لذة غامرة لم أعهدها من قبل.. لذة الرأسمالى الجشع الذى يستغل احتياج الناس إلى سلعة ضرورية ليحصل على أقصى ربح ممكن.. نجحت لبرهة فى تناسى المعاناة التى عشتها أنا وأحمد قبل هذه اللحظة: إيجاد مكتب كمبيوتر يقبل التغاضى عن موضوعات العدد أو بالأحرى لا يمانع فى المجازفة من أجل تجهيزه للنشر خاصة بعد التدخل الأمنى الذى قام بإزالة ما سبق وتم إنجازه من كتابة وتنسيق على جهاز أحد المكاتب ذات مساء، ما اضطر صاحبه للاعتذار لنا فى النهاية عن إتمام التعاون.. موافقة مكتب الكمبيوتر فضلًا عن المخاطرة على تأجيل سداد الدفعة الأخيرة من المستحقات إلى ما بعد توزيع العدد.. تدبير المبلغ الذى يغطى بالكاد هذه التكاليف، وهو ما تم بشكل عسير بنقودنا القليلة، مع مساعدة كريمة من والد أحمد، واحتياجنا إلى عائد من البيع لتعويضها مع سداد الدين، ويساعدنا فى نفس الوقت مع الإعلانات المنتظرة على تمويل العدد القادم، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم الإيرادات الجيدة.. كنت أريد أن أستمتع فحسب بهذا الاكتشاف المفاجئ لذكائى التجارى الذى أقود به العملية.
بدأ المشترون فى التناقص تدريجيًا، وحينما توقف البيع تمامًا كان لدينا إحساس بأن الجريدة موجودة فى بيوت المنشأة كافة.. انتظرنا قليلًا ثم قررت أن نأخذ جولة فى شوارع القرية قبل مغادرتها كى نعطى فرصة أخيرة لكل من لم يحصل عليها.. بدأنا نتحرك، وواصل زينهم النداء على مانشيت قضية منصور، بينما أحمد بجواره يداعب سكسوكته، ويفكر مبتسمًا فى بيتزا «سى فود» التى يمكن أن نتعشى بها اليوم احتفالًا بالنجاح الساحق الذى حققناه فى هذا النهار الحار، والذى تفوّق مكسبه على حصيلة اليوم الأول من التوزيع.. عبر شباك التاكسى على يمينى رأيت أشخاصًا يهرولون من بعيد فى اتجاهنا داخل أرض زراعية، ويشيرون إلينا بالانتظار.. بمنتهى الاعتزاز والثقة طلبت من السائق التوقف استجابة لهؤلاء القراء الأعزاء الذين يخطون سريعًا بهذا الشكل للحاق بالجريدة.. لكنهم حينما اقتربوا ورأيت ملامحهم، وتبينت ما يحملونه فى أيديهم فتحت فمى لكن كلمة «دوووس» لم تجد الفرصة كى تخرج منه؛ إذ أصبح أربعة رجال فجأة أمام السيارة، بينما امتدت يد أحدهم فى لمح البصر عبر شباك السائق، وانتزعت مفتاح التشغيل من التابلوه.. كانوا ثلاثة شباب بأعمار متفاوتة، تتشابه وجوههم فى السمرة الباهتة، والقسمات الخشنة، ومعهم رجل يبدو فى منتصف الخمسينيات، نحيف، ذو قامة طويلة، ملامحه المنطفئة والمرهقة على نحو ما أقل سمرة من الشبان الثلاثة، وجميعهم يرتدون الجلاليب القروية الفضفاضة ذات الألوان المتقاربة فى انتمائها إلى تدرجات البيج، بينما تطفح عيونهم بشرٍ عظيم.. أسرعنا بالخروج من السيارة، بينما السباب لأهلنا ينهمر من أفواههم باللهجة الريفية المألوفة، وهم يشكلون دائرة غير كاملة حول التاكسى.. ظهر بعض الأطفال ووقفوا موزعين أجسادهم الصغيرة بين الرجال الأربعة ليغلقوا هذه الدائرة من حولنا، والمشاركة فى السباب، وبينما كنت أحاول تجاوز الصدمة، وتقدير الموقف بسرعة لاتخاذ التصرف السليم؛ لمحت شومة ترتفع فى الناحية الأخرى من التاكسى وتضرب رأس السائق فيما بدا أنه رد على محاولته لاسترداد المفتاح من الشاب فأمسك رأسه متوجعًا بانحناءة على وشك أن تكتمل كسقوط.. لم تكن الضربة بالقوة التى تقتله أو تصيبه بالإغماء أو بنزيف دموى، لكنها لم تكن أيضًا بالضعف الذى يمنعها من أن تنشىء ورمًا مؤلمًا.. زعقت فى زعيمهم الذى كان يقترب نحوى: «فى إيه؟.. عايزين إيه؟».
رد الرجل بزعيق مماثل: «أنا عمدة البلد، وعم منصور.. إنتو اللى مين؟.. مين الكبير بتاعكم؟».
تطوّع زينهم بإخلاص فورى، وأشار إلىّ قائلًا له: «الأستاذ».
رأيت عينى العمدة تتفحصان شعرى المقصوص «كابوريا»، والنظارة الشمسية، والسلسلة الذهبية التى أهدتها لى حبيبتى، والظاهرة من قميصى المفتوح فبدا كمشهد يعيبه غياب قطعة اللبان التى كان ينبغى أن توجد فى فمى الآن.. سألنى باشمئزاز: «بقى إنت كبيرهم؟».
أردت أن أضع يدى فى جانبى كنوع من التحدى وإثبات الشجاعة، لكننى انتبهت إلى الدلالة الخطرة لهذا الفعل مع الفكرة السلبية، التى أخذها الرجل من مظهرى فتراجعت عنه، واكتفيت بإشهار سبابتى اليمنى فى وجهه محذرًا وأنا أصيح بنبرة حادة: «أيوه، واطلع بينا على القسم.. اطلع بينا على القسم حالًا».
لو سألنى أحدهم عن أكثر الأفعال التى قمت بها فى حياتى حكمة وهى نادرة جدًا بالتأكيد فإننى سأختار دون تردد هذا التصرف.. لا أعرف، أو بمعنى أدق لا أصدق كيف جاءتنى هذه الفكرة اللحظية بالذهاب إلى قسم الشرطة، رغم عنف المفاجأة، وحصارنا غير المتوقع فى بلد مجهول على يد غرباء عدائيين، لا نعرف حدود نواياهم تجاهنا، الأمر الذى كرّس لمصيرنا غموضًا شرسًا.. لا أصدق كيف جاءتنى هذه الفكرة رغم عدم معرفتى بوجود قسم شرطة بالمنشأة أصلًا.. رأيت كأن هذا الأمر الذى وجّهته للعمدة قد وضع مع لهجة الوعيد حائطًا بيننا وبينهم.. ظهر عليه شعور بالارتباك مع خفوت الانطباع العدائى فى ملامحه كأنما أدرك المأزق المفاجئ الذى أصبح عالقًا فيه مع مجموعته بعد قطعهم الطريق وهجومهم علينا بهذا الشكل.. اكتشفت أنه كان على استعداد لهذا الارتباك، لأنه مع كل ما حدث لم يكن يعلم من نكون حقيقة، وأى جهة أو أشخاص يمكن أن يكونوا وراءنا، وقد ساعد تصميمى الغاضب على التوجّه إلى قسم الشرطة فى دعم إحساسه بالندم على هذا التسرّع، وبضرورة عدم التمادى، ومحاولة استدراك الأمر.. سار معنا كجبان عجوز هو وأفراد عصابته نحو قسم الشرطة الذى لم يكن بعيدًا عن المكان الذى تركنا فيه التاكسى بعد أن حصل السائق على مفاتيحه ثم أغلق أبوابه ونوافذه، وهو يتوجع من ألم رأسه الذى قام بربطه بمنديله الأبيض الكبير.
كان لقسم الشرطة فناء صغير ببلاط أبيض، دون سقف، مطوّق بسور أسمنتى قصير، ويفصله عن الشارع ثلاثة سلالم، رأيت أحد المخبرين بزيه التقليدى يجلس على كنبة خشبية وراء عتبته حينما وصل موكبنا المحاط بالأطفال.. رغم ما اعتبرته حلًا مؤقتًا للمشكلة إلا أنه بعد لحظات تحوّل إلى سبب لمضاعفة التوتر.. فكرت فى أن ما قمت به لم يكن خلاصًا من الأزمة، وإنما فى حقيقته انتقال بالمعركة من مواجهة غير متكافئة مع أعداء مدنيين إلى أسر «ميرى» لا يمكن الخلاص منه.
جريدة "الدستور" ـ 16 سبتمبر 2018

الخميس، 13 سبتمبر 2018

تفسير العتمة


ظل طوال حياته ينتظر هذه اللحظة .. لكن أية حياة؟ .. إنه لم يعرف شيئًا عن وجوده في العالم سوى بيع "غزل البنات" .. لا يتذكر ما الذي سبق بداية تجواله اليومي في الشوارع منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل .. لا يدرك هوية البشر الذين يعيش بينهم، أو طبيعة الذين يخطو بين أجسادهم طوال الوقت حاملًا العصا الخشبية الطويلة المستندة على كتفه، التي تلتف حولها الأكياس الصغيرة، والمزمار الذي يردد به النغمة الندائية المميزة، ولا التفاصيل والأشياء التي تتراكم وتتغير في عينيه، أو الأحداث التي تتكرر وتتبدل من حوله .. كان بائعًا لـ "غزل البنات" فحسب؛ ولهذا لم تكن مجرد مهنة بل كينونة مغلقة، ليس للحياة امتداد خارجها .. أما اللحظة التي كان ينتظرها فهي لم تكن رجاءً واضحًا، محفورًا في ذهنه؛ بل كانت هديرًا .. مجرد صوت ثابت، لا ينقطع على الإطلاق، لا تعلو نبرته ولا تخفت، أشبه بمزيج متجانس مما يصدره الموج ومحرّك قارب صغير .. اللحظة إذن لم تكن مستوعبة بالنسبة له، ولكنه كان دائمًا يشعر بغموضها في عقله، وربما كانت هي السر المبهم الذي جعله لم يتكلم أبدًا .. هكذا، وبفضل هذا التواطؤ المحكم بين الصمت والغفلة؛ لم يكن غريبًا أن يُعرّف بالجنون، أو بتسامح أزيد؛ بغرابة الأطوار.
كان يمكن أن يكون انتشال مجموعة من الناس لجثة طفل في الخامسة من النهر حدثًا عاديًا لولا أن بائع "غزل البنات" كان يقترب من المشهد .. اقترب حتى أصبح بجوار الجثة الراقدة على الأرض تمامًا .. تأمل ملامح الطفل الساكنة، جسده الصغير المنتفخ، ملابسه وحذاءه، ثم نظر إلى الوجوه التي تتزاحم .. أنصت قليلًا إلى ضجيجهم .. راقب حركاتهم وانفعالاتهم قبل أن يرفع العصا الخشبية التي تحمل أكياس "غزل البنات" من فوق كتفه، ويغرز طرفها المعدني الحاد في صدر الطفل .. كانت هذه هي اللحظة التي ينتظرها طوال حياته .. عرف ذلك وهو يغرز ما تحوّل إلى نصل مباغت في صدر الطفل .. تأكد من ذلك وهو ينفجر في الضحك بعدها .. الضحك القوي، المتلاحق، الذي لم يهمد رغم كل ما أصابه من الآخرين نتيجة ما حدث .. كأن هذه الضحكات هي البديل المختزن لجميع الكلمات التي لم ينطق بها مطلقًا.
في مقابل الاختفاء التام الملغز والأبدي لبائع "غزل البنات" بعد هذا اليوم؛ عاش الطفل الذي اُنتشلت جثته الغارقة، وأُضيف إليها ثقب صغير في الصدر .. بدأ حياة أخرى منفصلة كليًا عن ذاكرة هذه الجثة المثقوبة التي تم دفنها .. أصبحت له عائلة وجيران وزملاء دراسة وأصدقاء وحبيبة وزوجة وابنة صغيرة .. والآن؛ يفترض به أن يُكمل عامه الثاني والأربعين بعد ثلاثة شهور، دون أن يعرف شيئًا عن الطفل التي أُلقي قديمًا في الماء؛ ما الذي كانت عليه حياته قبل أن يغرق، ولماذا حدث له ذلك .. دون أن يعرف شيئًا عن بائع "غزل البنات"، ولا عصاته الخشبية التي غرز طرفها المعدني الحاد في صدر الطفل الميت، ولا ضحكاته القوية التي كانت علامة اختفائه .. كل ما يدركه أن صوت المزمار الذي يُطلقه باعة "غزل البنات" في الشوارع هو الوحيد الذي لا يؤلم أعصابه المحطمة من بين الأصوات العالية كافة التي تحاصره في جميع الأماكن، ويتمنى لو بوسعه أن ينشيء جحيمًا خاصًا لكل من يصدرها .. يدرك أيضًا أنه كلما تمدد فوق أريكة بجوار شباك حجرته المفتوح كي يدخن سيجارته، وينظر إلى السماء ثم يضحك بعد مرور الوقت حين يتذكر أنه سيموت يومًا ما كأنه لم يفكر أبدًا في أي شيء؛ أن هذه الضحكات لا تخصه بالكامل .. كأن ثمة مجهولًا يشاركه هذا الضحك، فضلًا عن شعوره الدائم بأن هذه الضحكات لا تنبعث إلا من نقطة ضئيلة، غامضة تمامًا داخل صدره.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 12 سبتمبر 2018

الأحد، 2 سبتمبر 2018

معارك الصحراء: الحروب الشكلية للعالم

بدت رواية "معارك الصحراء" للكاتب المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو، ترجمة سمر عزت، ومراجعة د. علي المنوفي، الصادرة عن سلسلة الجوائز بالهيئة العامة للكتاب، بدت بالنسبة لي أقرب إلى القصة القصيرة، ولا يرجع هذا إلى عدد صفحاتها التي لم تتجاوز 58 صفحة، وإنما إلى الحدث الصغير، الذي يمثل ما يشبه مفترقًا للطرق في السرد، وأقصد به الذهاب المختلس للراوي أو الطفل كارلوس إلى ماريانا أم زميله في المدرسة جيم إلى بيتها، ومصارحتها بحبه لها، ورد فعلها الأمومي الحنون والحزين تجاهه، وحديثها له عن تفهمها لمشاعره، وعن كونه طفلًا صغيرًا مثل ابنها، واستحالة أن يكون هناك شيء بينهما، ومطالبتها أن يعتبر الأمر مجرد مزحة، مصدرًا لسعادته، شيئًا عندما يكبر يتذكره بابتسامة وليس باستياء قبل أن تقبّله قبلة سريعة، ليس في شفتيه تمامًا، ولكن قريبًا منهما، مثل التي تقبّلها لابنها جيم قبل أن يذهب إلى المدرسة .. الحدث الذي ترتب على اكتشافه غضبًا عائليًا وسخرية مدرسية، ومحاولات تقويم نفسية ودينية للطفل قبل أن ينتقل إلى مدرسة أخرى، ثم يخبره أحد زملائه السابقين حين التقاه مصادفة أن ماريانا قد انتحرت بعد مشاجرة مع "السينيور" عندما واجهته هو وشركاءه في إحدى حفلاتهم بأنهم لصوص؛ فصفعها ونعتها بالعاهرة.
"هكذا يقولون في فترات الراحة .. إن والدة جيم ما هي إلا عشيقة هذا الرجل، وزوجته امرأة عجوز مروعة يُكتب عنها كثيرًا في الصحف. سوف ترى صورها عندما يذكرون شيئًا عن الأطفال الفقراء (ها .. ها .. يقول أبي إنهم يجعلونهم فقراء أولًا ثم يتصدقون عليهم). إنها امرأة مخيفة وبدينة جدًا. تشبه الببغاء أو الماموث؛ في حين أن أم جيم شابة صغيرة، في غاية الجمال، لدرجة أن البعض يعتقد أنها أخته. يقول أيالا: إنه ليس ابنًا لهذا التيس النشال الذي ينهب المكسيك، وإنما هو ابن لصحفي أمريكي أخذ الأم إلى سان فرانسيسكو ولم يتزوج بها قط. أما هذا السينيور، صديق الرئيس، فهو يسيء معاملة جيم المسكين".
كانت ماريانا تمثل للطفل كارلوس الحياة بكل غموضها الفاتن، المتمنّع والمحتجب وراء الابتذالات السائدة، والعنف المهيمن؛ لذا بدت قصة انتحارها كأنما تحمل نوعًا من الاستشراف لهذا الطفل بأنه لن يستطيع أن يمتلك الحياة فحسب، أي أن يخلّصها من الظلام الذي يطمس جمالها المجهول والمُهان، بل لن تكون لديه القدرة على التيقن من حقيقة وجودها أصلًا .. لذا سيظل العالم بالنسبة له "معارك صحراء" أي حروبًا ضبابية كالتي كانت تدور فوق التراب الأحمر لفناء مدرسته بين الأطفال .. مشاهد لا تقدم الحقيقة بقدر ما تحاول تمثيلها، أو بالأحرى تعيد إنتاج ادعاءاتها الشكلية المراوغة.
"طرقت كل الأبواب بمظهري المضحك وأنا في ثيابي البيضاء ممسكًا بالمضرب ويبيري ماسون، أسأل، أطل من الأبواب وعيناي مغرورقتان بالدموع. تفوح رائحة شوربة الأرز والفلفل الحار المحشي. استمع إليّ أصحاب الشقق بشيء من الخوف. يا لها من ثياب غير لائقة. إنه كان بيت الموت وليس ملعبًا للتنس. لا، إنني أعيش في هذا المنزل منذ العام 1939 وعلى حد علمي، لم تسكن هنا أية سيدة اسمها ماريانا. جيم؟ لا، لا نعرفه. في الطابق الثامن يسكن طفل في نفس سنك تقريبًا لكن اسمه إبيراردو. في شقة رقم أربعة؟ لا، كان يسكنها زوج من العجائز ولم ينجبوا أطفالًا. لكنني جئت هنا ملايين المرات إلى بيت جيم والسيدة ماريانا. إنها تهيؤات يا صغيري".
لم تكن ماريانا مجرد امرأة جميلة، وأم وحيدة، وعاشقة مقهورة، ولم تكن حكايتها القصيرة مع الطفل كارلوس مجرد موقف عابر، أو ذكرى هامشية مقارنة بمتن الاستدعاءات التي حشدها باتشيكو من خلال الراوي الصغير، والتي امتزجت فيها القصص المصورة القديمة والأغنيات ومسلسلات الراديو ومصارعات الثيران ومبارايات كرة القدم والبيسبول .. لم تكن ماريانا واحدة من ضمن التفاصيل الأقل أهمية من توثيق باتشيكو للفساد السياسي والبؤس الاجتماعي بل كانت صنيعة كل هذا .. كانت ماريانا مكوّنة من هذا القهر؛ لذا فلم تكن جزءًا مما يتم تذكره عن المكسيك القديمة في الرواية بل كانت أساسه .. كأن كل ما يتم استرجاعه من الماضي في وعي الطفل يساهم في خلقها .. كانت ماريانا هي الذكريات كافة التي حاول كارلوس أن ينقذها بكل ما تتضمنه من شخصيات وأحداث وأماكن وأزمنة .. أن يسحبها خارج ما يُفترض أنه واقعها، أي أن يقودها بعيدًا عن الظواهر العدائية نحو جوهرها غير المرئي، الذي لابد أنه ـ كما يتصوّر الطفل ـ يكمن كأصل في مكان ما .. كان الراوي الصغير يحاول إنقاذ نفسه من خلال ماريانا، ثم استمر في محاولته هذه بواسطة استدعاء ما فشل في القيام به وكتابته .. لهذا تحوّلت ماريانا في نهاية الرواية إلى ما يعادل الطيف .. نوع من أحلام اليقظة .. تخيّل يمتلك بداهته الخاصة.
"عدت إلى بيتي ولا يمكنني أن أتذكر ماذا فعلت بعد ذلك. من الواضح أنني ظللت أبكي أيامًا متواصلة. سافرنا بعدها إلى نيويورك. التحقت بمدرسة في فيرجينيا. أتذكر .. لا، لا أتذكر حتى أي سنة كانت. فقط لفحة من الذكرى أو ومضة من الصور تجعلني أستعيد كل ما كان وبعض الكلمات بعينها. هذه الأغنية فقط هي التي أسمعها مجددًا (مهما كان بُعد السماء، وعمق البحر، سوف يجتاز حبي لكِ كل عوائق العالم من أجلِك)".
تدعم الطريقة التي تعامل بها باتشيكو مع القضايا والصراعات والمتناقضات التي انعكست صورها وتأثيراتها على المساحة الأكبر من بنية السرد ما سبق واعتبرته قربًا لـ "معارك الصحراء" من القصة القصيرة .. الأزمات التي يمكن تلخيصها في هذا المقطع:
"إنه العالم القديم. يشكو الكبار من التضخم والتغيرات والازدحام وانعدام الأخلاق والضجيج والجرائم والتكدس السكاني والتسول والأجانب وانتشار الفساد والغنى الفاحش لدى القليلين والفقر المزري للأغلبية".
لم يتوغّل باتشيكو في تشريح عالم الطفل كارلوس وشخصياته وعلاقاته ـ كما فعل خوان مياس في رواية "العالم" مثلًا ـ بل كان يُخضع البشر والتفاصيل إلى الاقتضاب المنضبط، الأشبه بالتدوين السريع، أو التسجيل المتلاحق لأشياء العالم في نطاق محدد يربطها بالخراب السياسي والاجتماعي، والذي تتخلله التعليقات الموجزة الكاشفة عما يدور في وعي الطفل تجاه ما يعيشه ويختبره .. هذا الأداء الذي يقدم أقل المعطيات كي يحفّز مساحات تأويلية أكثر اتساعًا لم يمنح العمل طابع القصة القصيرة فقط، بل كان بمثابة المحرّض الأساسي على إعطاء اللقاء بين كارلوس وماريانا طبيعة الاحتمال، المؤكد، والمجسّد في الواقع حقًا بقدر الشك أو توهم حدوثه.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 2 سبتمبر 2018

الأربعاء، 29 أغسطس 2018

الجرائم الحقيقية

تواصل معي على فيسبوك محرر صحفي يعمل في مطبوعة ثقافية عربية راغبًا في إجراء حوار عن مشروع "نقد استجابة القارئ العربي" الذي أنشر مقالاته في باب أسبوعي على موقع "الكتابة" الثقافي. كعادتي طلبت منه قائمة بجميع الأسئلة حتى أرسل له إجاباتها دفعة واحدة في الموعد المحدد، على أن أقوم بالرد على أي استفهام أو استفسار جديد يطرأ في ذهن المحرر بناءًا على تلك الإجابات. بعد أسبوعين تقريبًا تم نشر الحوار، وكان كالتالي:
الناقد ممدوح رزق: القارئ ليس إلهاً، وجودريدز قوّاد كتب.
في مطلع العام الحالي بدأ الناقد ممدوح رزق في كتابة سلسلة مقالات أسبوعية لموقع الكتابة الثقافي تحت عنوان (نقد استجابة القارئ العربي). حول هذا المشروع كان لنا معه هذا الحوار:
ـ لا تخلو مقالات (نقد استجابة القارئ العربي) من السخرية، إلى من توجهها تحديداً؟
هي سخرية من إيمان القارئ بأن فكرته الشخصية عن العمل الأدبي، وعن الكتابة بشكل عام بمثابة حقيقة مطلقة، وما قد يتبع هذا الإيمان من ممارسات عقابية تجاه الكاتب، ومحاولات فرض الوصاية على القرّاء الذين لديهم أفكار مختلفة، وكذلك من السلطة المعرفية التي تستثمر هذه الألوهة المزعومة للقارئ.
ـ ما هى ممارسات عقاب الكاتب التي تقصدها؟
في سلسلة المقالات تناولتها بشكل تفصيلي، ويندرج في إطارها الريفيوهات العدائية التي تتعمّد إهانة العمل الأدبي وكاتبه تحت دوافع أخلاقية أو دينية مثلًا، والتحذير من قراءة هذا العمل، والهجوم على المقاربات النقدية التي تحتفي به، وحتى التعقّب "القانوني"، وبالطبع تتفاوت مستويات اللغة أو حدة "البلاغة" المستخدمة في هذا العقاب.
ـ خصصت جزءاً كبيراً من (نقد استجابة القارئ العربي) لموقع جودريدز، كيف تعرض رؤيتك له الآن؟
موقع جودريدز ـ وما يشبهه ـ بالنسبة لي مجرد قوّاد كتب، يقوم على آليات انتهازية سخيفة، تستغل رغبة القارئ في تجاوز فرديته أو فضائه الخاص إلى المساهمة الأبوية في تحديد يقين عام عن الكتاب حتى لو لم يسبق له الاطلاع عليه أصلا، أو بحسب كم الحسابات المغشوشة التي يمتلكها على الموقع؛ ولهذا فمن العادي جدًا أن يعطي أحدهم لكتابك نجمة واحدة لأنك قمت بحظره على فيسبوك مثلًا، أو لأنك لم تكتب مقالًا عن الرواية التي أرسلها إليك، أو لأنك تهكمت عليه في أحد نصوصك، أو لمجرد الغيرة؛ لذا فتقييم الأعمال الأدبية بالنجوم مسألة تزييفية سمجة، وجديرة بالازدراء. الكاتب لا يقدم وجبات طعام، أو خدمة فندقية، ولا يكتب إرضاءًا للجميع أو لأحد بعينه كي يكون للآخرين الحق في التعامل مع كتاباته بمنطق النجاح والفشل.
ـ ما هي علاقتك ككاتب بموقع جودريدز، وهل مازلت تستخدمه؟
تحدثت في أحد مقالات "نقد استجابة القارئ العربي" عن علاقتي بجودريدز، وذكرت أنني أضفت كتبي إلى الموقع عام 2009 ، وكنت أنشر أحيانًا قرءاتي النقدية به، ولم يكن الغرض كذلك ـ كما سبق وكتبت ـ هو قراءة التدوينات حول الكتب فحسب بل تأويل هذه التدوينات أيضًا، مراقبة سلوكها اللغوي، النطاقات التي تتحرك في حدودها، والمقارنة بينها. كان الغرض هو اقتفاء أثر ما تتبناه، وما تهمله، وتفسير الدوافع وراء ذلك. منذ فترة طويلة لم أعد أتصفح هذا الموقع إلا نادرًا، ولا يزال القراء يضيفون كتبي إليه، وأحيانًا لا أعرف بذلك إلا بعد مدة كبيرة.
ـ هل تهتم بمراجعات القراء عن أعمالك؟
لا أهتم سوى بالآراء والمقاربات التي تحاول اكتشاف وتشريح نصوصي، وتعيد خلقها لا أن تحاكمها؛ فمن السذاجة والعبث أن تنظر بجدية لمن يحاسبك على تجارب لا يعرف عنها شيئًا، أو على مخالفتك لما يظنه بتعنّت طفولي قواعد مقدسة للكتابة، أو على ما يعتبره ـ بمنتهى النطاعة العمياء ـ تعاملًا خاطئًا من جانبك مع آلامك الشخصية. "نقد استجابة القارئ العربي" يفكك هذه الأساطير المرتبطة بالتلقي، ويكشف مدى هزليتها وبؤسها، وهو في ذلك يطمح لكتابة تاريخ آخر للجماليات الأدبية والنقدية يجرّدها من الأوهام التحريمية المعتادة.
ـ ماذا تطلق إذن على سبب عدم تجاوب القارئ مع كتاب معين؟
أطلق عليه تباينًا في طبيعة الرؤى .. اختلاف الموقف الوجودي والجمالي من العالم .. عدم التوافق في الإدراك أو التفسير أو الاعتقاد .. الانفصال عن تاريخ مغاير لا يتحمّل أحد مسؤوليته .. غياب التفاهم أو الانسجام بين وعي بالحياة والموت ووعي آخر لا ذنب لأحد فيه .. لهذا فإنني لا أحترم القارئ أو الناقد المتزمت الذي ينصّب نفسه قاضيًا على نص لا يمتلك أدنى فكرة عن الماضي الذي أنتجه، وبدلًا من أن يُرجع عدم التوافق بينه وبين النص إلى انتفاء المساحات المشتركة أو الجسور التحريضية، فإنه يردّه بالسهولة العفوية السطحية والمتعالية إلى ما يُسميه "أخطاء الكاتب"، كأن هذا القارئ أو الناقد يمثل الصواب الأدبي في ذاته، وعلى جميع الكتّاب أن يعملوا لإرضاء ذائقته هو تحديدًا ومن يشابهه.
ـ ماذا عن كتابتك النقدية؟ هل لديك معيار مختلف لقراءة النصوص؟
في عملي النقدي لا أعيّن نفسي حاكمًا على كاتب أو مقيّما لجهده أو مصححًا لنصوصه أو أيًا من تلك الاعتداءات الوضيعة التي يحتاجها الكثيرون لإخفاء عجزهم، وإشباع نقصهم. إما أن يكون في العمل الأدبي ما يحفزني على تحليله، ويغريني باللعب التخييلي مع رموزه وعلاقاته، واقتياده إلى مناطق جدلية أبعد مما قد تقترحه التأويلات المباشرة، أو لا تنشأ هذه الصلة النفسية، أو يومض هذا الاستفزاز الذهني، وحينئذ لا أكتب عنه فحسب، وربما مؤقتًا وليس نهائيًا .. هكذا يتم الأمر بالنسبة لي ببساطة وفي صمت، دون استغلال لما يُطلق عليه "نقاط الضعف في العمل" كي أصدح بحكمتي الأدبية التي يجب أن يراعيها الجميع.
ـ تحدثت أيضاً في (نقد استجابة القارئ العربي) عن تدوينات القراءة. كيف أثبتت هذه التدوينات عدم وجود فرق بين القراء الذين يكتبون المراجعات والنقاد الأكاديميين حتى الذين لديهم مكانة معروفة في الحياة الثقافية العربية؟      
لا يقتصر الأمر على الأكاديميين تحديدًا .. نعم هم نقاد لا فرق بينهم وبين القراء الذين لا يقدمون أنفسهم كنقاد .. أجيال متعاقبة عاشت بمعنى الكلمة عالة على النقد الأدبي بفضل هذه السلطة: "فشل الكاتب في كذا"، "أخفق الكاتب في كذا"، "لم ينجح الكاتب في كذا"، "هذا عمل مبتذل"، "هذه كتابة رديئة"، "هذا كاتب يسعى للشهرة"، "نحن في فوضى أدبية تسمح لكل من هب ودب بالكتابة" ... إلخ، وعلى جانب آخر ـ وهذا منطقي ـ تجدهم بارعين تمامًا في كتابة ملخصات للأعمال الأدبية، وفي إخضاع النصوص للدلالات المستهلكة، وتدوير المعاني التقليدية المغلفة أحيانًا بالتحذيرات الرقابية .. الناقد بالنسبة لي هو الذي يكشف العمل الأدبي، أو الفيلم السينمائي لكاتبه أو مخرجه مثلما يكشفه للقارئ أو المتفرج تمامًا،. يضيء احتمالات ملهمة، ولا يتوقف أمام التأويل السهل والمتداول للرموز بل يفكك السياقات الجاهزة، ويضع علاماتها الواضحة في نطاقات استفهامية، خالقًا فيما بينها علاقات مبتكرة ضمن "كتابة موازية" تشتبك حقًا مع النص.
 ـ ما سبب توقفك عن كتابة الباب، وهل ستعود إليه قريباً؟
توقفت عن كتابته بسبب انشغالي بنوفيلا "جرثومة بو" التي كان يستدعي إنهاؤها قدرًا كبيرًا من التفرغ بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى، وسأعود لكتابة الباب خلال الشهر القادم.
* * *
بعد نشر الحوار بساعات قليلة نشر أحد النقاد الأكاديميين المعروفين منشورًا هجوميًا يصفني فيه ـ دون ذكر اسمي، ولكن بإشارة ضمنية إلى الحوار ـ بالغرور والتعالي وعدم احترام الآخرين .. كان هذا الناقد ـ فضلًا عن رجعيته النقدية ـ معروفًا أيضًا بهوسه بتصحيح الأخطاء اللغوية في النصوص التي ينشرها الكتّاب والشعراء في صفحته على فيسبوك، إلى جانب كتابة البوستات العدائية ضد "العابثين بقواعد الكتابة الأدبية" كما اعتاد أن يطلق عليهم دائمًا .. بالصدفة، وصلني أثناء قراءة المنشور إشعارًا من إحدى الصفحات الإخبارية عن العثور على جثة طفلة:
"تم العثور على جثة الطفلة حبيبة أحمد عبد الحليم - المختفية من قرية ديرب بقطارس مقتولة في شوال ملقى في الأراضي الزراعية بالتحديد بترعه مجاورة لأحد الأراضي الزراعيه، حيث تبين من بداية التحقيق بأن القاتل زوج أخت القتيله المدعوا/ ابراهيم وشقيقه المدعوا / الدسوقي بعد خطفها وتم اغتصابها والتخلص منها بعد ذلك بأحد الترع المتواجدة بالاراضي الزراعيه".
تحت الخبر المقترن بصورة الطفلة المبتسمة في فستانها الأبيض، والذي تتعاقب على وحشيته الوجوه التعبيرية للحزن والذهول والغضب، وعبارات الدعاء المصدومة، المطالبة بالقصاص العاجل؛ قمت بعمل "منشن" لهذا الناقد، دون كتابة أي شيء آخر .. بعد دقائق كتب تعليقًا يترحّم فيه على الطفلة مختومًا بسؤال مقتضب لي، تثقله الحدة البديهية عن السبب الذي جعلني أقوم بعمل "منشن" له تحت هذا الخبر المؤلم .. كتبت ردًا له بأنني كنت أنتظر منه أن يقوم كالعادة بتصحيح الأخطاء اللغوية والأسلوبية في هذا الخبر مثلما يفعل مع نصوص الآخرين .. علّق قائلًا بأنه من السخافة البالغة أن أطالبه بتصحيح اللغة في ظرفٍ كهذا، ثم أنهى الرد بما يشبه الصراخ: هذا ليس مجرد نص .. هذه جريمة حقيقية بشعة.
كانت العبارتان الأخيرتان المتوقعتان هما ما أردت الحصول عليه .. تركت فقط إيموشن الابتسامة العريضة كتعليق أخير لي ثم أغلقت الصفحة عائدًا لمقال جديد أكتب فيه عن رواية لا تقف وراءها جرائم حقيقية!.
اللوحة لـ Jacques de Loustal
أنطولوجيا السرد العربي ـ 28 أغسطس 2018

الأحد، 19 أغسطس 2018

الصفعات

أدخل إلى حجرة شقيقتي الكبرى باكيًا بحرقة وأطلب منها أن تقتلني .. لا ترد عليّ، ولا تلتفت ناحيتي .. ألح عليها متوسلًا، لكنها تواصل تجاهلها التام لي .. أخرج من حجرتها متوجهًا إلى حجرة أمي .. أقول لها بنحيب أشد أن أختي رفضت قتلي، وأن عليها أن تفعل هذا بدلًا منها .. تضحك أمي بسخرية حقيقية ثم تقول أنهما لن تقتلاني، وأنني مهما فعلت فإن هذا لن يمنعها من أن تخبر أبي بعد عودته باللفظ السافل الذي خرج من فمي منذ لحظات.
 قبل قليل كانت شقيقتي الكبرى توّجه إهانة اعتيادية لي .. رددت عليها قائلا: "إللي يتكلم معايا كده هنيكه"...
ربما كان انفجار أنبوبة البوتاجاز سيُحدث أثرًا أخف من ذلك الذي صنعته هذه الكلمة التي لم تكن هذه بداية نطقي لها داخل البيت وإنما في حياتي بشكل عام .. دخلت أختي إلى حجرتها وأغلقت على نفسها، ودخلت أمي إلى حجرتها وأغلقت على نفسها، وبقيت واقفًا وحدي صامتًا في منتصف الصالة .. شعرت بما يشبه الإفاقة في أقصى حد صادم لها .. نعم .. أنا الذي تفوهت بهذه الكلمة، وكنت أخاطب شقيقتي الكبرى، أمام أمي .. لا أصدق أنني فعلت ذلك مهما كانت رغبتي الملحة في تجريب المفردات والتعبيرات الشعبية الوضيعة التي لا تنتمي إلى قاموسي اللغوي، لكنها تغزو حياتي عبر الشارع والمدرسة .. بدأت في البكاء .. كان الرعب من أبي الذي اقترب موعد رجوعه يقتلني دون شك، ولكنني كنت صادقًا في رغبتي أن أقتل بيد إحداهما .. لم يكن هذا الإلحاح المنتحب مجرد رجاء يائس للحصول على الغفران الذي يمحو إصرارهما المفروغ من حتميته على إبلاغ أبي بقدر ما كان توسلًا حقيقيًا لنيل العقاب المستحق بالنسبة لي على هذه الجريمة التي لا أستوعب ارتكابي لها .. كان حرماني من الحياة هو الجزاء الوحيد العادل، الذي يناسب حجم الإثم البشع الذي انتهكت به البراءة الخالصة لهاتين الشخصيتين الملائكيتين، واللتين كانتا قبل تفوهي بهذا اللفظ تتسمان بعكس ذلك تمامًا .. كانتا عبدتين شريرتين وبائستين لأبي .. جاسوستين مرتعدتين له ضدي، تتلذذان بلهفة بعقابه لي كي تتمكن روحاهما المشوهتين من تحمّل عذابهما.
عاد أبي ودخل حجرته ثم أخبرته أمي فنادى عليّ وأمرني بالجلوس فوق السرير .. سألني وهو يقترب نحوي بجسده الغليظ القوي إذا كنت قد قلت هذه الكلمة بالفعل .. ظللت أميل للخلف على السرير مع قرب التصاقه بي وهو يرفع يده السمينة المطبقة عدا الإبهام والسبابة والوسطى المضمومة لأعلى في إشارة الاستفهام المهدد، وأنا أغمغم بصوت واطئ مرتعش، ودقات قلب قوية متسارعة، وأنفاس متقطعة، وارتجافات منتفضة في كل جسدي: "أنا مش عارف قلت كذه إزاي" .. هكذا يقولون في الأفلام والمسلسلات عند المآزق الصعبة والمحرجة، وتتم مسامحتهم ويفلتون أحيانًا .. ها أنا مستمر في تقليد الآخرين ... ثم .. طااااااااخ.
بقيت في سرير أبي، وتحت الغطاء لفترة خلال هذه الليلة .. ربما مثلما تظل أمي قدرًا من الوقت في نفس المكان بعد مضاجعته لها قبل أن تنهض لتدخل الحمام .. بقيت في سرير أبي لأنه أمرني بعد الصفعة المهولة، الروتينية، القادرة على أن تكون حرقتها أكثر صدمًا وإذلالاً من سابقتها دائمًا أن أظل هناك، وألا أخرج من حجرته إلى أن يأذن لي .. ربما كانت هذه هي الإضافة الضرورية المطلوبة في العقاب نتيجة طبيعة الذنب .. كان ما فعلته غير معهود، وأفظع من الأخطاء الاعتيادية التي تواجه بالصفعات وحسب؛ لذا كان لابد لعقاب أبي أن يمنحه متعة تتجاوز ما يحصل عليه كل مرة من ألمي .. منذ تلك الليلة وحتى الآن أصبحت الصفعات تلطمني من الجميع، ومن كل شيء، خاصة لو كان يبدو جميلًا أو غير عدائي: كلمات الآخرين .. ضحكاتهم .. صمتهم .. نظراتهم .. حواراتي الداخلية مع نفسي .. تطلعي لوجهي في المرآة .. الأشياء التي أراقبها ومازال هناك في العالم من يعتقد أنها تخلو من الحياة.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة
photo by sebastian luczywo

الجمعة، 10 أغسطس 2018

بعض الأمور غير الجيدة

تأخذني أمي من يدي، وبدلًا من أن نذهب إلى المدرسة أو السوق أو بيت جدتي تصعد بي إلى السماء .. تجلسني بجوارها فوق أعلى سحابة بيضاء ثم توجّه ملامحها العجوز الغاضبة نحو الأمام وتخاطب شيئًا لا أراه بعصبية وهي تشير إليّ: إنه لا يصدق أنك هنا .. عليك أن تقنعه بذلك قبل فوات الأوان.
أقول لها بنفاذ صبر: هذا غير صحيح .. أنا أعرف أنه موجود، كل ما في الأمر أنني كنت أتمنى لو لم يكن شريرًا.
تزعق أمي في وجهي: إنه ليس كذلك.
ابتسم متهكمًا وأقول لها: حقًا؟ .. إنه حتى لم يعالج بصرك إلى الآن، ومازلتِ تحتاجين لارتداء النظارة ذات العدستين السميكتين .. أنظري إلى نفسك .. لقد ترك كل شيء فيكِ على حاله رغم إيمانك بطيبته: الشعر الأبيض .. التجاعيد المتهدلة .. الجسد البدين المتهالك .. علامات الأمراض المزمنة في وجهك .. أظن أن بطنك لا يزال مفتوحًا أيضًا وراء هذه الملابس من أثر الجراحة التي أجريت لكِ في يومك الأخير على الأرض.
فجأة أسمع ضحكة مفتعلة تصدر من الناحية التي كانت أمي توجّه حديثها إليها .. يظهر أبي مبتسمًا بتوهان مألوف ويتقدم نحونا ثم يقول بنبرة خافتة مخاطبًا أمي: لا تصدقيه، هو لا يؤمن بوجودي لأنه قرأ أكثر مما يجب من الكتب السيئة التي انتقلت شياطينها إلى عقله.
ثم يتوجه بعينيه الزائغتين لي: من الضروري أحيانًا أن تحدث بعض الأمور غير الجيدة حتى لو لم نعرف أسبابها المنطقية.
يتراجع أبي قليلًا ثم يقلّب عينيه بيني وبين أمي بحيرةٍ أزيد ثم يقول مرتبكًا بتوجّس: من أنتما؟، وما الذي جاء بكما هنا؟ .. ما الذي كنا نتكلم عنه؟
أشير إليه مخاطبًا أمي بزهق: أنظري .. إنه لا يزال مريضًا بالزهايمر، ولابد أنه سيضع يده بعد قليل في مؤخرته كالمعتاد ليُخرج قطع الخراء منها ثم يمدها إلينا صارخًا كي نأخذها ونجد حلًا لها قبل أن يقذفها أمامنا .. هذا فقط أحد الأمور غير الجيدة التي من الضروري أن تحدث أحيانًا.
ظل أبي يتلفت حوله مرتعشًا ثم راح يطلق ضراطه التقليدي بشكل متواصل قبل أن تنهض أمي في صمت مستسلم وتربت على كتفه ثم تمسك بذراعه لتقوده ببطء نحو الجهة التي خرج منها بينما أمعائها المسدودة تتدلى من شق بطنها الواسع، وأنا أتابع اختفاءهما التدريجي وسط السُحب.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة
اللوحة لـ "بابلو بيكاسو".

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

إفراغ اللغة من نفسها


هناك نكتة طفولية قديمة، غير مضحكة، تقول: سأل معلم أحد التلاميذ "إعرب هذه الجملة: "ضرب المعلم الولد"؛ فرد عليه التلميذ: "ضرب: فعل إجرام ـ المعلم: ابن حرام ـ الولد: مسكين يا حرام" .. حسنًا .. قد تؤدي سخافة هذه النكتة لاستجابة عكسية، لكنني أفكر في هذا التلميذ لو مد خط الفكاهة المفترضة على استقامته حتى يصل بعد سنوات طويلة إلى التفكير في إعراب "خلق الله الإنسان" دون أن يُطلب منه ذلك.
كتبت ذات يوم ـ وهو ما اعتبرها نكتة أخرى عن نفسي ـ في قصة "المرض" بمجموعة "مكان جيد لسلحفاة محنطة":
"لن أتمكن أبدا من العيش في كوخ.. الكوخ الذي حاولت بناءه مرة بوسائد وأغطية السرير، ومرة بقطع خشبية قديمة في بلكونة الأسرة، ومرات لا حصر لها بمبررات متغيرة للثقة في الغيب داخل روحي.. الكوخ الذي لم يكتمل بناؤه أبدًا ليس بسبب حروب الآخرين ضد عزلتك، ولا شهوة الطرد التي تواجهك بها كل الأماكن بقدر رغبة مبهمة داخل ذاتك في التخلص منه لا تنجح الأسباب الملموسة التي يمكن العثور عليها في تفسيرها.. رغبة قد يبدو حقًا أنها نتيجة هزائم مدركة وأحلام يمكن التفاوض مع الدنيا بشأنها، لكنك ستشعر في نفس الوقت بأن هذه الرغبة متجذرة في مركز أكثر عمقًا مما يمكن تصوره .. أن قوتها الحقيقية تكمن في كونها إشارة خبيثة ربما تعطيك انطباعًا أوليًا بأنها لا تستحق الانتباه ثم تستوعب تدريجيًا أن هذه الإشارة ما هي إلا إلحاح يعلن عن بداهته الأزلية دون تأسيس على تمهيد منطقي .. إلحاح منفصل عن الهزائم والأحلام وينمو دون تدخل منك أو من غيرك حتى يصل تصاعده إلى نقطة يصبح من الحتمي فيها أن تكون في الخارج .. أن تُجبر على إبقاء نفسك بعيدًا عن أي كوخ ترغب بشدة في أن تسكنه".
عمري الآن واحد وأربعون عامًا، ولا يمكنني بأي حال من الأحوال، وبمنتهى الرعب والحسرة اللائقين تصديق أي مما يمكن أن ينطوي عليه هذا الرقم بدءًا من التغييرات الجسدية المفاجئة، والمتسارعة: الصلع .. الشيب .. خطوط الجبهة .. التجاعيد .. صغر العينين وانسحابهما للداخل .. انطفاء الوجه .. الوهن .. الخمول .. الثقل المتخشّب للعظام والمفاصل .. مرورًا بالتفكير في كل ما حدث لي، وحتى تخيّل ما بعد الموت .. الغريب في الأمر أنني قبل بلوغ الأربعين بقليل بدأت أتخلص من الخوف المرتبط بفقدان الحياة والتعرّض إلى المخاطر القاتلة، وهو ما كان بمثابة السجن المظلم الذي اُعتقلت حياتي داخله خلال مرحلتي العشرينيات والثلاثينيات .. أصبحت أسير بمفردي لوقت طويل، وأجلس في الأماكن العامة البعيدة عن أقرب من أعرفهم، كما بدأت أسافر وحدي، وكلها أمور كان من المستحيل القيام بها منذ أن كان عمري أربعًا وعشرين سنة تقريبًا .. لم أعد أفكر مثل العشرين عامًا الماضية مع كل لحظة في الموت المفاجئ أو الإصابة بالأمراض الخطيرة أو في التعرّض للحوادث القاتلة .. أصبحت أعيش الموت دون التوقف عند أسبابه .. أعتقد أن الأمر له علاقة أيضًا باللغة .. بالوعي بما استهلكته هذه اللغة من نفسي .. بما استعملته من الألم والرعب والحسرة والحيرة والاضطراب والضجر واليأس .. الكلمات التي لم تعد تعني أي شيء مقارنة بما أشعر به ومع ذلك أصر على استخدامها كمن يدخن السجائر بشراهة قاتلة دون شعور بمذاقها .. الشراهة التي تزيد من إدمانه بدلًا من أن تعالجه .. بالنسبة لي هو الانتقام من لعنة اللغة بإفراغها من نفسها، ليس فقط لكونها عاجزة، بل للوصول إلى ما هو أبعد من قسوتها أي فراغها الأخير .. الثأر مما كانت تدعيه في الماضي للوعي الذي استخدمته هذه اللغة في مراحل مبكرة من عمر الذات .. كذلك السخرية مما صار إليه الاحتراق الجسدي المتواصل على مدار العمر، والذي لم يكن سوى قربانًا لها حيث يوجد كل شيء داخلها .. حيث لا يوجد أي شيء داخلها .. ربما هي الطريقة التي يصل فيها الألم إلى ذروته بعد مرور وقت طويل من الفشل مع الوجود، ومن بقاء الألم طوال الوقت خارج اللغة التي كانت وستظل بشكل حتمي هي الوجود ذاته .. يبدو هذا الأثر كأنه استسلام أو تعايش أو حتى معالجة لكل الجروح المرضية التي طالما عانيت بسببها: الدوار .. ضيق التنفس .. دقات القلب القوية المتسارعة .. الغثيان .. الهبوط .. الرعشة .. التعرّق .. أصبح الغضب المتوسّل في قمته كامنًا دون تأثيرات خارجية إلا في الحدود البسيطة مقارنة بالماضي، كأنما تم إزاحته وطويه داخل أعمق حيز في جسدي كي يُخفي هذا الذي يبدو انسجامًا حركيًا مع العالم الصرخات الاحتضارية الأخيرة في أقصى حدود لها .. موسيقى ضبابية تحجب رغم هدوئها التدرّجات المنذرة باقتراب النهاية الانفجارية كصوت أقل من انقطاع خيط رفيع جدًا كما كتبت في نص سابق.
سأخرج من العالم ممتنًا لأشياء كثيرة في الواقع، منها ـ على سبيل المثال ـ  ذكرياتي الطفولية في الثمانينيات، وأنني لم أمت في عمر أبكر من اللحظة التي انتهت حياتي فيها، وأنني كتبت كل ما حاولت أن أكتبه، وأن زوجتي كانت جميلة، وأنني كنت منتميًا كرويًا للأهلي، وأنني كنت قادرًا على التخلص من الأصدقاء ببساطة متناهية، وأنني كنت أمتلك من الفطنة ما جعلني أطلب من عائلتي إذا أصابني مرض عقلي أو نفسي في نهاية حياتي وتحولت إلى عجوز تتوكأ عصبيته المرتعشة على عصا، وتترقرق دموع قديمة في عينيه لتمتزج بمخاط أنفه السائب معظم الوقت، ويدور بين الندوات والمقاهي ويصرخ مطالبًا بالتوقف عن "الابتذال" الروائي و"الفوضى"النقدية، راجيًا العثور على كاتبة صغيرة ذات قلب رقيق، تُكرم شيخوخته الأدبية اليائسة بـ "بلوجوب" مشفق؛ فإن عليهم منعي من مغادرة البيت مهما استخدموا في ذلك من عنف.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة
الصورة لـ Josef Koudelka

السبت، 4 أغسطس 2018

بين بابين: خارج السجن .. داخل الموت

في روايته "بين بابين" الصادرة حديثًا عن دار نينوى؛ يستعمل الكاتب اليمني بدر أحمد التفاصيل التقليدية للسجن كي يجعلنا نفكر في أنه أكثر مراوغة مما تكوّنه هذه التفاصيل حقًا .. أن هذه العناصر المألوفة مجرد تجسيدات رمزية مباشرة عن وجود مبهم، لا يمكن امتلاكه حسيًا على نحو كامل .. أن السجن "فكرة" تتجاوز دائمًا المحاولة لجعلها متعيّنة كليًا أي قابلة للإدراك التام .. السارد في الرواية مع عدم تحديد اسمه أو هويته أو مكان وزمن وأسباب اعتقاله يؤكد على كونه مسجونًا في داخله .. في بشريته .. في الحياة التي لا يمكنه التحرر منها حيث لا يوجد خارجها سوى الموت .. إنه في استعادته وتوثيقه أو تخيله لما يشبه ذاكرة جماعية مشتركة للمقاومة والقتل والاعتقال يحاول أن يُثبّت شعورًا أقوى بأن الوحشية لا تكمن في تلك الصور بقدر ما تكمن في مسارات الوجود التي كانت هذه المشاهد نتيجة لها، أي أنها تتمثّل في كل فعل وكلمة وفراغ.
"أنا معزول تمامًا عن العالم الخارجي، وحتى أفكاري، ذكرياتي، وحياتي السابقة. هنا يتشابه الليل والنهار إلى حد كبير، فلا نافذة تمدني بالهواء والضوء؛ فقط فتحة صغيرة جدًا في أعلى السقف، يخترق حوافها المدببة عمود صغير من ضوء الشمس، يعبر فضاء الزنزانة يوميًا، وعلى مدى ساعة كاملة، ويستقر في قاعها".
كأن هذه الذاكرة بطغيانها المطلق هي التي تحلم بالراوي في سجنه، تستخدم آلامه في استرجاع ماضيها .. كأن هذا السجين ممر للأرواح، تعبر خلاله ما يراها نسخًا منه، كل حياة شكّلته، وخلقت وجوده في هذا المكان وهذه اللحظة .. يتقمّص العذابات لا لكي يعيشها مجددًا بل ليكافح تكرارها الحتمي .. ليحاول التوّصل إلى ذلك الجوهر التدميري الغامض الذي يضمن التماثل بين التجارب والخبرات وبالضرورة الانعزال حيث لا يمكن لأحد أن ينقذ الآخر .. يصبح الهذيان هو المجابهة اليائسة لهذا الجوهر الذي لا سبيل لاستيعابه ..  الهذيان أشبه بإعادة ميلاد للعالم .. محاولة نكوصية لتعلّم اللغة والتفكير والحركة لبناء الوعي الجدير بامتلاكه هذا السجين كي يتخلّص مما هو عالق في ظلامه .. يمارس السارد نفس الآلية التكرارية في الاستعادة، ولكن بشكل مضاد .. حينما تتكرر الأحداث الدموية في ذهنه بينما يرقد في عتمة السجن فهذا يجعلها وفقًا لطموحه منقطع الرجاء في نطاق الاحتمال بأن تكشف عن حقيقتها المخبوءة .. يجعلها قابلة لإيقاف استمرارها القهري .. لتعطيل التشابه .. إذن لا يعمل الهذيان من أجل اللحظة القادمة فحسب، وإنما أيضًا لإعادة صياغة الذاكرة الوحشية التي سبقت وجود الراوي في السجن، والتي حينئذ ستتيح له التعرّف على ملامحه حين يتحسسها في الظلام كما لم يفعل من قبل.
"غادرت مريم صفها، واقتربت نحوي، وقبل أن تقول شيئًا شاهدنا في الأفق البعيد نقطة معلقة بين السماء والأرض. لم تكن النقطة سوى طائرة هليوكوبتر إسرائيلية في وضع استعداد قتالي. في الجهة اليمنى من المعسكر كانت تقف طائرة هليوكوبتر في الوضعية نفسها. دارت الأعين بذعر بين الطائرتين المعلقتين بين السماء والأرض"
بهذه الكيفية ربما نتأمل علاقة السجين بالمقاتلة "مريم" التي يسترجعها كأنها إعادة إنتاج لقصة الخلق .. الكابوس الواقعي المعادل للميثولوجيا .. تتكرر هذه القصة بطرق مختلفة بتركيز على موضوع "الأبوة" .. التماثل بين السجّان والأب .. الرجل الذي يتعارك مع زوجته ويضاجعها  كمسخين، بشراسة بوهيمية .. المشاهد التي بلا تعريف يوضحها أو ذاكرة تفسرها .. هو التكرار الوحشي فقط، الذي عليه أن يتعاقب دون معنى .. لننتبه إلى هذا الأداء: بعد اكتشاف السارد لوجود المصباح في زنزانته، وبعد اكتشافه لمحتوياتها بعد وقت طويل من إقامته في ظلامها سيمد يده نحو المفتاح الكهربائي ويعيد إطفاء وإشعال المصباح أكثر من مرة .. سيتكرر هذا الأداء من الرجل الذي يتذكره الراوي، والذي كان دائم العراك الجنوني مع زوجته قبل انتحاره .. إن إعادة فتح الضوء وإغلاقه هي المحاولة الأخيرة ربما للتيقن من أن هذا ما لديك بالفعل .. أن الأشياء التي يسقط عليها الضوء هي ما تحاصرك حقًا .. كأن الضوء بهذا الفتح والغلق سيغيّر ما يقع عليه .. كأن السجين بهذا الأداء يتوسّل للضوء أن يكشف عن تفاصيل أخرى .. إذا كان الرجل قد انتحر؛ فإن الراوي أدرك أن "أنس" ذلك الوجه الباسم الذي شكّله من الحصى كصديق يشاركه الزنزانة ليس أكثر من مجرد حصوات بالفعل .. يبدو إذن إطلاق الرجل للرصاص على رأسه كأنه هو نفسه رمي السجين المتتابع للحصوات التي كانت تكوّن وجه "أنس" في جردل البول بعد أن كشف له الضوء أن هذا الوجه بلا أهمية .. لقد كان الراوي يلقي بملامحه هو في هذا الجردل .. بكينونته التي لا تملك شيئًا داخل هذا الصمت.
"أتذكر أيضًا أنها في إحدى الليالي حطمت زجاجة زرقاء على جمجته، بعد أن شتمها وبصق عليها. وما زلت أتذكر كيف تطاير الزجاج في الهواء، وكيف هوى جسده على الأرض بعنف دون حراك، والدماء تسيل على وجهه ورقبته. يومها ظلت للحظات تحدّق بمقت وازدراء في جسده المسجي على الأرض، ثم رفعت طرف ثوبها حتى أعلى فخذيها النحيلين وهى تتمتم بكلمات غاضبة، ثم أنزلت سروالها الداخلي الأسود وركلته بقدمها جانبًا، ثم تبولت واقفة على وجهه المدمى".
كتب بدر أحمد روايته انطلاقًا من أن الحرب بالتصوّر الأشمل، دون إطار، تحضر في كل شيء، ليس بين البلدان والجماعات وحسب، وإنما بين الذات ونفسها، في العلاقات بين الكائنات، وبين الفرد وأشيائه .. بهذا حينما يستعين بأحداث النضال الفلسطيني، والحرب الأهلية اللبنانية فهو يسعى لمجاورتها مع الحروب الأخرى التي تهيمن على الواقع باعتبارها محرّكه الأساسي، ولذلك فإن الأشلاء والدماء والصرخات هي ما تكوّن طبيعة العالم التي يمكن أن تعبّر عنها أدق تفاصيله، وأكثرها التباسًا، وحتى تلك التي تحمل في الظاهر يقينًا مناقضًا لهذه الطبيعة.
"أثناء الغارات وعمليات القصف العشوائي للأحياء السكنية، كنت أحتمي أسفل سرير معدنيّ، بمعية أطفال لا أتذكر عددهم، ولا وجوههم، ولا حتى أسماءهم، لكني أتذكر أننا، وحال شعورنا بالخطر، كنا نتدافع، عبر البهو والرواق، كقطيع أرانب مذعور، ثم ندلف إحدى الغرف المظلمة ونختبئ أسفل سرير ضخم ترتجف أجسادنا تحته وننتفض على وقع كل انفجار".
مراقبة حركة يد السجّان التي تدفع بالطعام والماء للسارد عبر فتحة ضيقة قد تدفعنا للتفكير في اللغة .. في الوعي الذاتي .. فيما نصدقه ونريد للآخرين مشاطرتنا له .. قد تدفعنا للتفكير في الاختيار الذي تلتهمه الصراصير مثلما كانت تفعل مع الطعام في زنزانة السجين .. الاختيار المتوهم وبناءًا عليه تكون اللغة التي نستعملها، الوعي الذي يحرّك خطواتنا في العالم، ويحدد معاركنا وهزائمنا ومصائرنا، وقبل كل ذلك يكرّس لظنوننا الاضطرارية بأننا نختار حقًا.
"جرت العادة أن تصبغ جدران وأبواب ونوافذ السجون باللون الرصاصي أو الأخضر الزيتوني. حقيقة لا أدري لمّ!! إنما يبدو الأمر وكأنه عرف أو نظام متبع، وهذا يعني أني لست في زنزانة خاضعة لسلطة الدولة".
يدعم تبيّن الراوي لزنزانته بعد خروجه منها أنها لم تكن سجنًا بل غرفة قديمة وحيدة فوق هضبة مقفرة؛ يدعم الطابع الكافكاوي للرواية، وهذا ما يجعلني أستعيد هذه السطور من مقال سابق لي عن قصة "أمام القانون" لكافكا ضمن كتابي عن كلاسيكيات القصة القصيرة "هل تؤمن بالأشباح؟":
"إن القصة السرية التي رواها (كافكا) بوضوح وبساطة ليست سوى كابوس دارت أحداثه داخل جسد الرجل الريفي ـ ربما استغرقت عمره كاملاً ـ الذي أُرغم تلقائياً بدافع من أسس قامعة خفية لا سبيل لمقاومة إغرائها ـ كالوهج الذي لا يقطعه خمود، المتدفق من داخل البوابة ـ على خلق ما يُسمى بالقانون مستخدماً أوهام وخيالات ستجعله كياناً غير معروف، يستعبد صاحبه دون أن يُرى أبداً".
بالتالي فهذا الاكتشاف يدعم ما سبق وأشرت إليه بأن السجن لا تكوّنه المعطيات المباشرة التي يتم توظيفها كرموز خطابية، وكذلك لا يستمد مراوغته من مجرد كونه فكرة داخلية، وإنما من الخيال الشخصي .. البصمة التي تحفر اختلافها ضمن التطابق، وهي بذلك تتوصل إلى مكان خاص وزمن مفارق كما فعل سجين بدر أحمد، بل وتخلق السجّان والوعاء والحصوات والضوء والصراصير والجدران والفتحات مثلما تخلق المطلق الذي تجعله أصلًا ومحركًا ومُنهيًا، أو تمنعه من العبور إلى كوابيسها، أو تقتله.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 5 أغسطس 2018

الخميس، 2 أغسطس 2018

جزء من نوفيلا "جرثومة بو" / القصة الحقيقية لمنصور عبد الرحيم ـ تصدر قريبًا

كان الملف مقسّمًا بين الخطابات التي تشغل الحيز الأكبر منه، والرسومات التي ليس هناك تأكيد هل خطّها منصور بنفسه أم بيد أحد آخر، وتصوّر طرق التعذيب التي يتعرّض لها، بالإضافة إلى قصاصات الصحف والمجلات القليلة التي نشرت إشارات تافهة عن الموضوع، والتي يبدو أن ثمة يدًا تساعده في الحصول عليها داخل قبره العسكري .. كانت لكلمات منصور بنية متصدّعة، تشبه تمامًا كتابة طفل لم تتطوّر بعد مهارته في تشكيل الحروف وتوصيلها ببعضها .. كأن كلماته المتكسّرة، والربط العسير، غير العفوي بين حروفها ليست إلا صورة لأصابع منصور المحطمة، التي تم ترميمها باستخفاف .. بالتناقض مع الكلمات كانت الرسومات أكثر انضباطًا، وتتميز بقدر كبير من الإتقان الفني يثير الدهشة عند مقارنتها بالكتابة .. كانت تبدو كأن منصور قد حصل من السجّانين على نسخة من الأشكال التوضيحية التي يتضمنها كتاب التعذيب الذي يسترشدون به ثم قام بوضع ورقة الخطاب الشفافة فوق كل رسم ليتتبع بقلمه الرصاص خطوط الشكل الذي يظهر تحتها .. كانت هناك أيضًا صورة بالأبيض والأسود لمنصور يظهر خلالها شابًا في العشرينيات، غير مبتسم، بشعر كثيف، ولحية خفيفة، كما تخلو الصورة من الإشارة لستوديو التصوير، والتاريخ الدقيق لهذه اللقطة بعكس المعتاد .. كان في الصورة شيء من الغرابة المقلقة، ربما بسبب الأبيض والأسود؛ فهي مع عدم حداثتها مازالت تنتمي للزمن الذي جعلت فيه الألوان هذا النوع من الصور شيئًا نادرًا أو على الأقل غير شائع .. لهذا تبدو الصورة أكثر قدمًا مما قد تكون في الواقع، ويبدو منصور خلالها بعينيه الخاليتين من أي انطباع كأنه شخص عاش في سالف العصر والأوان.
أكثر من مرة وضعت صورة منصور ملاصقة لرسومات التعذيب محاولًا دمج وجهه بالجسد الذي يتم التنكيل به في نسخ مختلفة .. لابد أنها لم تكن المرة الأولى التي أجرّب فيها عملية التركيب بين صورتين سعيًا لخلق صورة ذهنية ثالثة، ولكنني لا أعتقد أنني حصلت على انسجام أكثر إحكامًا من هذه اللحظة .. كان وجه منصور يتوحّد مع كل رسم بتناغم فوري، كأنه جسد مستيقظ، يدرك تناثره، ويتحرك ذاتيًا لاستعادة التلاحم بين أشلائه بمجرد العثور عليها .. بدت ملامحه مع هذا الاكتمال كأنها مرسومة هي الأخرى بالقلم الرصاص، أما خطوط جسده على الورق فكانت تتحوّل إلى جلدٍ عارٍ، تنزف منه الدماء، ويكسو عظامًا مكسورة.
لم يكن في الملف أي ذكر لحياة منصور قبل سفره إلى السعودية إلا تلك المتعلقة بقضيته نفسها؛ فهو حاصل على شهادة الثانوية الصناعية، شعبة ميكانيكا السيارات سنة 1983 من مدرسة المنصورة الصناعية بنين، وهذه البيانات وردت بالمستخرج الرسمي الذي قدمه منصور إلى السفارة السعودية، والصادر من مديرية التربية والتعليم "إدارة شئون الطلاب" .. جميع الخطابات تبدأ من السجن وتنتهي داخله؛ إذ لم يكن هناك أي توضيحات حول ملابسات سفر منصور إلى السعودية، أو عن حياته هناك قبل اعتقاله منذ سبع سنوات .. كان منصور في كل رسالة يخاطب الجميع: إخوته وأقاربه والمسئولين الحكوميين ورؤساء التحرير والصحفيين والإذاعات ورؤساء الأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان وبعض المحامين في المنصورة والقاهرة .. كلها مناشدات بالتدخل لإنقاذه، وتحمل نفس الصيّغ والمعلومات تقريبًا، أما عن طريقة تهريب الرسائل فيرجع الفضل فيها بحسب تأكيد منصور إلى شخص متعاطف معه يُدعى صادق، ويعمل باحثًا اجتماعيًا بالسجن، ويبدو أنه قد ساعده أيضًا في الحصول على عناوين المراسلات، وتزويده بالمعلومات التي لم يكن له أن يعرفها بدونه، وربما كان هو صاحب اليد المجهولة التي رسمت أشكال التعذيب بهذه المهارة .. على هذا بدا كأن "صادق" هو الملاك السري الوحيد في حياة منصور، لكنه بكل تأكيد كان ملاكًا ناقصًا، فالقدرة على إنقاذه من هذا الجحيم كانت معطلة تمامًا.
موقع (الكتابة) ـ 31 يوليو 2018