‏إظهار الرسائل ذات التسميات منصَّة (Rê) الثقافيَّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منصَّة (Rê) الثقافيَّة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 24 نوفمبر 2019

البيت


لم يكن يستطيع أن يبوح بما يريد لأحد من الذين يتعاقبون كل يوم على ركوب التاكسي الذي يقوده، وتحديدًا الذين تُظهر ملامحهم تقاربًا مع عمره، خاصة أثناء الدوران آخر الليل في سكون المدينة .. لم يقدر حتى على النظر في عيني أي منهم، ولو عبر المرآة الأمامية الصغيرة .. كان كل ما بوسعه هو تشغيل أغنيات قديمة كشفرة متوسلة، يرجو أن يلتقطها الجالس بجواره ويستجيب لها، قبل أن ينتهي الزمن الوداعي للصدفة التي جمعتهما .. لكن دائمًا ما يترك المغادر خيبة أمل جديدة، إما بسبب عدم الانتباه، أو الفهم الخاطئ للرسالة الرمزية المنبعثة من مسجّل السيارة .. خيبة أمل تضاف لمثيلاتها التي تزايدت، وتوطد تلاحمها بمرور السنوات، بحيث أصبحت مكوّنًا سريًا للتاكسي، ومصدر ترنّحه المتفاقم، الذي لا يشعر به إلا سائقه العجوز .. لم يكن يستطيع أن ينظر بالدموع المتراكمة في عينيه لأحد كي يسأله: هل يمكنك أن تصف لي الطريق إلى بيتي؟.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 22 نوفمبر 2019

الأحد، 8 سبتمبر 2019

غرام الطرقات

في مدينة كهذه، حيث تطارد المسالمين من العشاق الصغار عداوات متجذّرة، كان منطقيًا أن يكون لعجوز مثلها عمل مستقر .. يقصد بيتها ولد وبنت طلبًا للحماية فتخرج معهما، تسير برفقتهما داخل المنعطفات الهادئة أو الأقل ازدحامًا كأنها أم لأحدهما، كي تمنع عنهما التهديدات المحتملة عندما تتشبث كف كل منهما بالآخر .. تجلس بجانبهما فوق أريكة مواجهة للنهر فيقدران بفضل وجودها أن يتلاصقا، أو يختلسا على نحو متقطّع قبلات صغيرة، أو ملامسات جسدية أكثر تماديًا في أمان .. ما تكسبه العجوز من مهنتها لا يتجاوز بحسب ما أرادت تلك الحكايات التي تجمع كلماتها المتناثرة من عيون وملامح العشاق الصغار، وأفعالهم المسروقة في ظلها الأمومي، وهمساتهم الأشبه باعترافات غير متعمّدة لها، كذلك الانفعالات العابرة التي تحاول كتمان أسرارهم، فضلًا عن الكيفية التي يودّع بها كل منهما الآخر في نهاية اللقاء .. كانت أشبه بالخبيئة الثمينة التي يحتفظ بها زبائنها فيما بينهم، ولا يمررونها إلا لأقرانهم وثيقي الصلة من الأحبة الذين يقطعون خطواتهم الأولى داخل شوارع لا يستطيعون فيها وحدهم أن يصدوا الأذى عن أنفسهم .. هكذا استطاعت بالثقة المتبادلة أن تُبقي عملها خفيًا ورائجًا في ذات الوقت .. لم يكن حذرها راجعًا إلى أن معرفة الناس بمهنتها ستجعلهم بصورة عفوية يطلقون عليها "قوّادة غرام الطرقات"، وإنما لأن هذه المعرفة ستضع دون شك حدًا قاطعًا لعملها .. لكنها لم تكن تراهن فقط على وفاء زبائنها ـ الذي لم يُخدش أبدًا ـ بعهودهم معها، وإنما على الذاكرة المتخاذلة أيضًا لأولئك الذين يحاصرون العشاق الصغار المسالمين في كل مكان، خاصة مع تحديد مواعيد متباعدة لخروجها معهم، والتغيير المستمر لمسارات سيرهم، ومواضع جلوسهم.
كان للعجوز في شبابها أحبة لا تتذكر هل خرجت برفقتهم أم لا، وكان لها زوج مات بعد خمسة وأربعين عامًا من لحظة إغلاق باب البيت عليهما وحدهما للمرة الأولى، كما كان لها أربعة أبناء، مات ثلاثة منهم وبقي أصغرهم .. طفل أصبح في الثانية والأربعين الآن، يشاهد أمه وهي تكافح بواسطة الكلمات المتناثرة من العشاق الصغار المسالمين أن تتوصّل إلى ما لم تستطع على الإطلاق أن تفهمه من حكاياتها الشخصية القديمة .. أن تدرك ما ظل غائبًا عنها طوال الوقت من حكايات زوجها وأبنائها الموتى داخل شوارع تلك المدينة .. يراها هكذا كلما أغمض عينيه، كأنما يوقظها من قبرها، ويدفعها للقيام بالأمر حتى تنقذه قبل أن يلحق بهم .. لكنها كلما استمرت في الخروج برفقة الأحبة، والمشي بجوارهم، أو الجلوس بجانبهم أمام النهر كلما شعر بوطأة احتضاره تشتد، ومع هذا لم يكن قادرًا على الامتناع عن جعل أمه الميتة تكرر ذلك .. كالعادة رسم في ذهنه صيغة ساخرة لهذا الذي أصبح طقسًا يدور بلا توقف داخل عتمة جفونه المطبقة .. اعتبر أن جسده قد اكتشف مرضًا جديدًا، غير مسبوق؛ فهو الكائن الوحيد الذي كلما أغمض عينيه كلما شعر بضيق حاد ومتصاعد في التنفس.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 7 سبتمبر 2019
الصورة: Dagny, Bastugatan, Stockholm, 1949. Photograph by Christer Strömholm.



الثلاثاء، 9 يوليو 2019

الموت العجيب لطائر

لتفسير المشهد الصادم الذي باغتني عندما فتحت شباك حجرة نومي المُطل على الشارع الخلفي للبناية التي أسكنها؛ افترضت أن رحلة الطيران المتطوّح للكيس البلاستيكي الصغير قد انتهت بدقة قدرية غريبة عند هذا القضيب الحديدي البارز ضمن عدة قضبان مماثلة من حافة سطح البيت الذي لم يُكتمل بناؤه، والملاصق لشباك حجرتي .. أن ثلاثة ثقوب كانت بالكيس، وأن مصادفة لا تُصدّق قد جعلت هذه الثقوب توزّع أدوارها كمصيدة محكمة بحيث يهبط الأول على طرف القضيب البارز فيمر عبر فراغه الضئيل مثبّتًا الكيس بصلابته المرتفعة، ويتسع الثقب الثاني في طرفه بما يسمح للطائر الذي لم أتمكن من تحديد نوعه أن يعبر إلى الداخل، بينما يترك الثقب الثالث في منتصف الكيس مساحة خبيثة لجناحي الطائر كي يرتفعا من خلاله نحو الخارج، ولكنها لا تكفي لمرور بقية جسده، أو لخفض الجناحين ثانية واسترداد وضعيتهما السابقة .. أن الطائر ظل عالقًا، غير قادر على الانفلات رغم المحاولات المتكررة التي ربما استغرقت وقتًا طويلًا، وانتهت بموته محتجزًا داخل الكيس كتمثال من العفوية الخالصة، خلقت القضبان الحديدية المنتصبة مسرحًا مثاليًا لعرضه .. كانت القضبان في تجاورها وتقاطعها فوق الحافة تكوّن ما يشبه هيكلًا هوائيًا لتقديم القرابين، أو كأنها أعمدة صغيرة لغرفة إعدام مفتوحة، يمثّل الكيس البلاستيكي مشنقة تتدلى من أعلى إلى منتصفها.
هل يُحتمل أن يكون وقوع الطائر في هذا الفخ قد بدأ قبل أن يثبّت الكيس نفسه في القضيب الحديدي؟ .. تخيّلت أن الطائر ربما دخل إلى الكيس بينما كان لا يزال محلّقًا في الهواء، وأنه نتيجة لثقل الطائر العاجز عن تحرير جناحيه فقد تهاوى الكيس نحو القضيب البارز الذي اخترق ـ بنفس الدقة القدرية الغريبة ـ فراغ الثقب ليُبقي الكيس الممتلئ بالطائر عالقًا به .. كيف يمكن الاقتناع بهذا التصوّر؟ .. لماذا دخل الطائر إلى الكيس أصلًا؟ .. هل كان يبحث عن طعام؟ .. هل فعل ذلك كنوع من المرح الاعتيادي؟ .. هل كان يُطارد طائرًا آخر، أو حيوانًا نجح، على عكسه، في الهروب قبل اصطياده؟ .. هل استحوذت على وعيه رغبة محصّنة، لم يفهمها، أجبرته على دخول الكيس؟ .. هل كان أعمى، أم أن الظلام كان حالكًا إلى هذه الدرجة؟ .. كان مستوى القضيب المنتصب ـ رغم ارتفاعه ـ منخفضًا بالنسبة لطائر لن يدفعه مؤثر للنزول إليه سوى إغراء لا يقاوم، أو احتياج قهري بلغ ذروته .. هكذا اعتقدت.
كيف بدأ الحدث الغامض وانتهى دون سماع أي صوت لمجاهدة الطائر في التملّص من الكيس، أو نداء استغاثة ليأسه بعدما أيقن استحالة تخليص جناحيه رغم المسافة الصغيرة للغاية بين شباك حجرة نومي والسطح المجاور؟ .. هل لم يكن يستطيع النطق؟ ..  كيف لم يقدر على تمزيق الكيس بمنقاره أو بمخالبه؟ .. لم يكن بوسعي تبيّن أدوات المقاومة هذه بسبب الحالة الشكلية التي تتخذها جثة الطائر، ولكنني فكّرت في ضرورة وجودها، مثلما كان لدي تأكد من أنه لو كان قد حاول استخدامها فإنها لم تكن ستُجدي نفعًا رغم الهشاشة المفترضة للكيس .. هل مات نتيجة الاختناق، أم بسبب الجوع والعطش، أم بفعل المجهود الشاق الذي بذله، أم تحت وطأة الرعب؟ .. هل كان مريضًا؟ .. لماذا يبدو الطائر كأنما دفع حياته ثمنًا لجموح اضطراري، لا يمكن لأحد سواه أن يستوعبه؟ .. كانت جميع التفاصيل التي تُشكّل سطح البيت الخالي، غير المشيّد بالكامل، وكذلك الفضاء الواسع المحيط به تستبعد تمامًا أي تدخّل لقصدٍ بشري في الأمر .. لم يكن بمقدور أي شخص الوصول إلى هذا المكان ومغادرته إلا بعد النجاة من سقوط يكاد يكون حتميًا،  فضلًا عن غياب الدافع المنطقي الذي يمكن أن يقود إلى تدبير هذا المشهد، والإقدام على مخاطرة مهلكة كتلك في سبيل تنفيذه .. هل ما استحوذ على وعي الطائر وقتئذ كانت رغبة انتحارية مبهمة، وجدت ضالتها على نحو مفاجئ في الكيس العالق بالقضيب الحديدي؟.
جعلت زوجتي تتفحص المنظر، ولم يخرج تفسيرها عما افترضته من قبل، وظل غير مقنّع بالنسبة لي ... التقطت بهاتفي المحمول صورة لجثة الطائر، وأطلعت عائلتي وأصدقائي ومعارفي عليها، ولم يمنحني أي منهم تبريرًا مُرضيًا يُعارض ما تخيّلته، أو حتى يضيف إليه أو يعدّله .. اتفقوا جميعًا على ما بدا أنها حقيقة بديهية، كان رفضي لها يزداد طمأنينة يومًا بعد آخر، رغم أنها كانت أول ما خطر تلقائيًا في ذهني عند رؤية الطائر .. كان لدي يقين بأن ثمة تفسيرًا حاسمًا، مغايرًا تمامًا لأي تصوّر ممكن يعتمد على مشيئة الصدف، والتعاقب العفوي للوقائع التي أنتجت هذا اللغز .. كنت أدرك أن هذا التفسير يكمن في خفاءِ ما، ينتظر اللحظة المناسبة لإزاحة ظلامه المتمنّع، وبالكيفية الجديرة بالكشف عن التعمّد المجهول لما حدث.
مرت سنوات كثيرة منذ هذا اليوم .. مع ذلك كانت قليلة جدًا بالنسبة لي .. ظل كل ما ينتمي إلى الماضي يتبدد بانسياب تدريجي أمام طغيان لا يخفت لهذا المشهد، ومحاولتي المستمرة للعثور على الحقيقة .. أصبحت الأيام كلها يومًا واحدًا ممتدًا عبر السنوات، ومغلقًا بإحكام على السر الذي لم أنجح بعد في التوصّل إليه .. يوم واحد، بدأ كعمرٍ آخر منذ اللحظة التي فتحت خلالها شباك حجرتي، ووجدت جثة الطائر المعلقة فوق حافة سطح البيت الذي لم يُكتمل بناؤه حتى الآن .. توقفت ذاكرتي شيئًا فشيئًا عن استرجاع ما لا يتعلّق بهذا السر، ولم يتمكن أي مما جرى في العالم بعد ذلك، أو حتى داخل الواقع الذي يخصني بصورة مباشرة من التسلل إلى هذه الحياة الجديدة مهما كانت أهميته أو ضراوته .. حتى طفلتي لم تعد بالنسبة لي أكثر من كائن يعيش خارج عزلتي، تتوالى فحسب على جسده متغيرات النمو .. أحلامي نفسها ـ مع ندرتها ـ امتنعت عن مغادرة مشهد الطائر، وإن بقي هذا المنظر كما هو في اليقظة، لا يخدشه تحريف أو تشابك مع صور أخرى .. لم أعد أفكر سوى في اللحظات الغامضة التي سبقت موت الطائر داخل الكيس البلاستيكي الصغير العالق بالقضيب الحديدي .. توقفت عن القيام بأي شيء عدا إطلاع الغرباء في كل مكان على صورة الطائر، وسؤالهم عما يظنون أنه قد حدث قبل تحوّله إلى جثة .. كل هذه السنوات لم تضف جديدًا، ولم تُعطل التفسير القديم الخائب الذي كلما تراكم تصديقه، كلما تعمّقت سذاجته في نفسي، وتوحّشت كراهيتي لسطوته .. بمرور الزمن راح يتلاشى كل ما كان يحدد هويتي عند الآخرين، ولم أعد بالنسبة للجميع سوى "الرجل الذي يطارد الموت العجيب لطائر".
أعتقد أنه لم يعد لدي الكثير من الوقت، ورغم أن سنواتي الأخيرة قد اقتصرت بشكل قاطع على التفسير الغائب لموت الطائر إلا أنني لم أشعر للحظة واحدة بأنني أهدرتها .. على العكس؛ لا تزال ثقتي تتزايد في أنني كرّست هذه السنوات لأكثر الأمور صوابًا، بل لن أكون مخطئًا لو قلت أن هذا الانشغال المهيمن بالطبيعة الملغزة لموت الطائر كان بمثابة الختام الوحيد اللائق بحياتي التي نجحت في تعزيز انفصالها عن الخرافات الأخرى .. أن الماضي بأكمله الذي سبق لحظة اكتشافي لجثة الطائر كان يسعى من أجل هذه النهاية على نحو مستتر، وإن كان لم يتوقف عن إعطاء العلامات الموحية بذلك بين حين وآخر .. وبالرغم من أنني لم أعثر على الحقيقة حتى الآن إلا أنني أشعر بالسعادة، ليس فقط لأن حياتي تنتهي بهذا النوع من الألم، بل لأن جثة الطائر لا تزال معلقة أيضًا في القضيب الحديدي رغم مرور كل هذه الفترة، ولم يظهر عليها أي أثر للفناء .. كأن الطائر لم يمت إلا منذ لحظة واحدة، أو كأنه يعيش في سكونه الطويل حياة مختلفة، لا يضمن استمرارها سوى محاولتي المتواصلة لإيجاد السر المختبئ .. أتخيل أنني إذا تمكنت ـ ولو في اللحظة الأخيرة من حياتي ـ من امتلاك التفسير الصحيح فإن الطائر لن يبدأ في زواله الجسدي بل سيكون باستطاعته الانفلات من الكيس العالق بالقضيب المنتصب .. هذا ما تؤكده الرعشات المتباعدة، متناهية الخفوت لجناحيه المحتجزين طوال هذه السنوات.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 8 يوليو 2019
اللوحة: Rene Magritte

السبت، 9 فبراير 2019

قطع الزجاج الضئيلة

منذ أن سمع فجأة هذا الصوت الرهيب الذي يشبه ارتطام لوح زجاجي هائل سقط من السماء بأرض غاية في الصلابة، ومنذ أن تأكد أن هذا الصوت قد انبعث داخل جسده، ولم يسمعه أحد آخر؛ تحوّلت الكلمات التي ينطقها كافة إلى شظايا زجاجية متناهية الصغر .. يطلب من زوجته أن تصمت قليلًا فتتناثر قطع الزجاج الضئيلة بعدد الحروف التي كانت ستتضمنها عبارته المعتادة في هذه اللحظة .. يقرأ لطفلته قصة "سنووايت والأقزام السبعة" .. يسرد لشقيقته العجوز التي تعيش بمفردها حادثة قتل واغتصاب جديدة قرأها كي يستمتع بذهولها الخائف .. يشرح لصاحبه على المقهى لماذا يتمنى لو عاد به الزمن عشرين سنة محتفظًا بمعرفة المصير الذي انتهت إليه حياته بعد تجاوز الأربعين .. يسأل سائق التاكسي ذا الملامح الشائخة إن كان يمتلك صورًا فوتوغرافية قديمة لشوارع المدينة .. يتحدث في ندوة أدبية عن العوامل الطفولية التي أثّرت في كتابته للقصة القصيرة .. لا تتوقف الشظايا الزجاجية عن التدفق من فمه.
كان صوت الارتطام مفاجئًا، ولكنه لم يزرع صدمة .. حتى الدهشة التي رافقت بداية التدافع لقطع الزجاج الضئيلة من بين شفتيه كانت بسيطة ومؤقتة، خاصة بعدما انتبه إلى عدم الشعور بألم، أو إنهاك، أو بجرح ما قد نشأ عن هذا الانهمار المسنون، وفي المقابل لم يسبب غياب الكلمات متاعب للآخرين أكثر من احتياجهم الدائم لترك مساحة حذر صغيرة بين أجسادهم وفمه حين يتكلم .. كان الجميع يستوعب ما يود أن يقوله عبر هذه الشظايا الزجاجية، بنفس الآلية المعهودة للإدراك، كأنما ليس هناك فرق أن يتكلم بلغة أو بأخرى .. على نحو ما كان يجب أن يكون هذا مُريحًا، ولكنه للأسف لم يكن كذلك؛ فالعبء الأفظع الذي لم يكن هناك طريقة لتجنّبه هو ضرورة أن يتخلص بنفسه من قطع الزجاج الضئيلة الناجمة عن حديثه، والتي كان يرفض الجميع مساعدته في لمّها، ثم إلقائها في أكياس القمامة .. كان يتعيّن أن يفعل هذا بيديه، لأنها شظاياه وحده، وبالضرورة لزم عليه دائمًا أن يزيحها من المسافات التي تفصله عن الآخرين .. أصبح يحمل معه طوال الوقت حقيبة كبيرة تحوي فرشاة وجاروفًا وأكياسًا سوداء كأنها أدوات لمهنة يعيش منها، ورغم أنه لم يكن يتحدث كثيرًا أصلًا إلا أنه قرر تقليل لحظات كلامه، مقررًا أن ما حدث يمكن اعتباره دافعًا قويًا للوصول إلى ما كان يتمناه منذ زمن طويل أي الخرس التام.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 8 فبراير 2019
اللوحة: محسن البلاسي.

الخميس، 15 نوفمبر 2018

كتمثال يحدّق في حائط

من وراء هذه النافذة الزجاجية الكبيرة
التي تطل على الميدان الواسع
رأيت كثيرات يشبهونكِ من بعيد
ملامحك                     
جسدك
طريقة خطوك
وكلما اقتربت أي منهن
أتأكد أنها سرابك الخبيث
الذي يعرف كيف يكون بصرًا حادًا
أتدركين ماذا يعني هذا
أنكِ لن تدخلي أبدًا من هذا الباب
دون موعد لا أقدر على تبريره
بابتسامتك التي لم تومض خارج مخبئي
منذ ثمانية أشهر ويومين وأربع ساعات
وأنكِ لن تجلسي أمام احتضاري الغافل
الذي جررته من أمام صورتك على شاشة اللابتوب في بيتي
إلى هذا المقعد الذي لم يتحوّل رغم الانتظار الطويل
ومراقبة الموتى
إلى عرش سماوي...
أنكِ لن تقرأي لي قصتك الجديدة
لا لكي أساعدك على إعادة خلقها
مثلما تعوّدت الحياة أن ترسم يقينًا قاصرًا لنا
بل لأكتشف أنها رسالتك المشفّرة
التي ليس بوسعها أن تكون خطابًا عاريًا
يخبرني بأنه إذا كان هذا شتائي الأخير
فإنني أستطيع اختلاس نهايتي داخلك.
أتدركين ماذا يعني هذا أيضًا
أن كل من رأيتهن من وراء النافذة الزجاجية الكبيرة
التي تطل على الميدان الواسع
كانوا حقًا أنتِ.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 13 نوفمبر 2018
اللوحة للفنان التشكيلي: أكرم زافي ـ سوريا.