السبت، 28 يناير 2017

سرقة الأساطير من الليل

(منذ سن مبكرة جداً ـ ربما عند عمر الخامسة أو السادسة، علمت أنني عندما سأكبر سيتعين عليّ أن أصبح كاتباً. بين حوالي عمر السابعة عشرة والرابعة والعشرين حاولت التخلي عن هذه الفكرة، لكنني قمت بذلك وأنا واع بأنني أُغضب طبيعتي الحقيقية، وأنني عاجلا أم آجلا سوف أستقر وأكتب كتباً).
جورج أورويل
لماذا أكتب
عمري الآن سبع وثلاثين سنة، وأعتقد أنه وقت ملائم لإدراك نوعية الخبرة التي صارت إليها هواية النظر إلى الخلف .. لقد أصبحت مشاهدة الماضي بالنسبة لي ـ ومنذ وقت بعيد ـ لا تعدو سوى محاولة الخطو داخل مقبرة جماعية، يتكاثر الموتى في ظلامها بتلاحق أعمى، أملا في العثور على عزاءات مستحيلة .. هذا التحريك القاهر للرأس في الاتجاه العكسي يتم بعنف أكثر الإرادات وحشية، والتي تليق بالاستفهام الإذلالي ذي الوجهين الساديين: (ما الذي حدث؟، ما الذي لم يحدث؟) .. هناك ضرورة لا سبيل للتفاوض عندي حول أهميتها الأساسية، الأمر الذي يجعل من سرعة تحققها دليلا غير قابل للشك على حسن الحظ .. أقصد بهذه الضرورة التخلص المبكر من الإيمان ـ الغريزي ـ بأن الكتابة سلاح لتغيير العالم .. لكن التخلي عن الوهم النضالي أو التنويري للكتابة لن يخدش اعتقادك بأنها السبيل المتفرد لأن تصبح أنت هذا العالم الذي لن يمكنك تغييره .. على النقيض؛ ربما يساهم هذا الاستيقاظ في تثبيت هوية أصيلة بكونها التعويذة السحرية التي تمكنك من تبادل ذاتك مع عناصر الوجود في غفلة مثالية، كطفل عنيد يسرق الأساطير من الليل .. أتصور الآن أن هذه الفضيلة الإعجازية التي لا تتعطل للكتابة يمكنها أن تفضي إلى نوع خاص ومختلف من الألم .. إنه اليقين الذي يمكن اكتشافه بعد سنوات طويلة من التطلع إلى نفسك كلص مبهر في حكاية عجائبية ممتدة، بأنك لم تعش حقاً هذه الحياة التي طالما استحضرت صورها الذهنية، معتمداً على أمانة الخيال في إنجاز التوحد بأسرارها .. لم يفقد جسدك ذاكرته ـ لو كان هذا مجدياً بالفعل ـ لصالح الامتلاك الواقعي للأماكن والأزمنة، معزولا عن اللغة .. هذا ما يضمن القوة المتحسرة واليائسة التي أراقب بها الآخرين الآن، الذين ربما لم يومض هاجس (الكتابة) في عقل أي منهم أبداً، ولو كخطأ شاحب .. لكن الندم على تلك المقايضات اللانهائية التي لم تتم، ولن تُعوّض، لا يمكن تبريره إلا بمزيج التباهي والامتنان الكامن في عجزك المستقر عن تصديق كيف يعيش كل هؤلاء البشر دون أن يجلس أي منهم ولو لمرة واحدة على الأقل كي يخلق حياته بالكلمات.
إلى أي شيء يرجع الشعور بالهزيمة؟ .. بماذا يسمى العمق الذي ينتمي إليه جرح خبيث كهذا؟ .. بعكس المتوقع فالقواعد المطلقة للحياة والموت ليست مصدر هذا الألم، وإنما اللغة نفسها .. الطبيعة غير المنقذة للغة تحديداً .. إن نزع (الخلاص الكامل) عن الكتابة يقود إلى مصير حتمي من التناقض: إدراك ماهية الخلود الجمالي، واستيعاب السهولة الفادحة للفناء التي تكمن في هذا الخلود .. حينما تتعرف على غياب القدرة التغييرية للكتابة؛ فإن هذا سيقترن بفهمٍ عفوي لخصائصها، وعلى نحو أدق لكونها أقرب إلى صوغ لأحلام ذاتية بواسطة التقمص .. هذا ما يمكن أن نطلق عليه امتلاك حصانة مؤكدة ضد الموت، وبالكيفية التي تبقيك خاضغا لهذا الموت أكثر مما يستطيع ارتكابه أي شكل آخر من القتل .. ستدرك أن اللغة بقدر ما تتيح لك أن تقبض على العالم، بقدر ما سترسخ لديك ـ كذخيرة ماكرة ـ الحقيقة المضادة، بأنه لم يكن من الممكن أبداً أن تنفّذ هذه الحيل والألاعيب الخارقة في الواقع.
أتخيل نفسي أحياناً بدافع من هذا الألم شخصاً لا يكتب .. واحد من هؤلاء الذين لم يومض هاجس (الكتابة) في عقولهم .. كأنني أحاول أن أكون فعلياً أحد الذين يمكنني صنعهم بالكلمات فحسب .. كأنني حينما أكون هذا الآخر سأتحول بالتالي إلى كل (الآخرين) الذين لم أستطع أن أكونهم إلا فقط عن طريق الخيال .. كأن الكتابة في حد ذاتها هي العائق الوحيد، المتمنع، الذي يذكرني مسبقاً بالنهايات الفاشلة لمحاولاتي .. لكن هذ التخيل هو شيء يخص الكتابة أيضاً حتى لو بدا معادياً لها .. جانب من ممارستها خارج الكلمات، ولهذا سيظل غير مرتبط بفكرة التخلي عنها، وهو ما لم أحاوله مطلقا منذ سبعة وثلاثين عاماً .. كانت الكتابة بالنسبة لي هي (الطبيعة الحقيقية) حينما كانت سلاحاً لتغيير العالم، وحينما أصبحت تعويذة سحرية تمكنني من تبادل ذاتي مع عناصر الوجود في غفلة مثالية، وحينما جعلتني موقنًا بأنني لم أعش حقا الحياة التي طالما استحضرت صورها الذهنية.
ربما تسعى الكتابة لتعيين ما يشبه تعريفاً جوهرياً لها من خلال هزائم اللغة .. أنها لا تعيش داخل الكلمات وإنما في ظلالها الغامضة .. في الارتباك المبهم لنقصانها .. في الصدوع الملغزة داخل كل تقمص .. في الإبهام المحيط بالأماكن والأزمنة التي وضعتها كبدائل لذاتي في الحكايات .. في الفراغات المجهولة بين جسدي اللغوي، وجسدي الأرضي .. في عدم القدرة على الإجابة على الوجهين الساديين للاستفهام الإذلالي: (ما الذي حدث؟، ما الذي لم يحدث؟) .. في انعدام الثقة تجاه أي إجابة محتملة .. ربما تسعى الكتابة طوال الوقت لتأكيد أنها هي التي تستخدمني لإنقاذ نفسها من حيث تصورت في لحظة مبكرة أنها ستتكفل بإنقاذي .. أن الأساطير حقيقة هي التي تسرقني من الليل، وأن في ذلك سعادة استثنائية، مدفوعة الثمن.      
مجموعة محاضرات ألقيتها خلال الورشة السردية التي أقامها مركز
(الفارابي) للأبحاث ـ 2014

الجمعة، 27 يناير 2017

حفل الإرجاء

لم نكن نمتلك (طبقاً) يمرر للتليفزيون القديم بحجرة المعيشة تنويعات نقية من سكس العالم .. كمجنون سينمائي يحاول الاتصال بسكان الكواكب الأخرى قضيت سنوات طويلة، ليلة بعد الأخرى في السعي لاصطياد قنوات الـ (سيجما) القبرصية، والـ (أنتينا) اليونانية، والثانية الإسرائيلية، وكان هذا أقصى خدمة يمكن أن يؤديها (البوستر) لقضيبي .. بالطبع كان نادراً للغاية أن تجتمع عناصر المعجزة: التقاط أي من هذه القنوات مع وضوح الصورة بالتزامن مع عرض فيلم  (uncut).. أغلب السنوات قضيتها ممسكاً بقضيبي أمام شاشة مشوشة تماماً، تتحرك داخلها ظلال مطموسة انتظاراً لظهور إشارات لما يبدو أنه احتمال للحظة التصاق بين شبحين عاريين فأبدأ في الاستمناء .. كان يحدث أحياناً أن تتحسّن الصورة فجأة قبل وصولي إلى النشوة فأكتشف أن ما كنت أظنه مشهداً جنسياً لم يكن سوى منظر لطفل يحفر قبراً في حديقة بيته ليدفن قطته الميتة، أو رجل يقوم بتقطيع جثة امرأة مستخدماً منشار كهربائي، أو عجوز يعزف على البيانو مقطوعة ناعمة لـ (شوبان) فوق تلال هائلة من الأنقاض المحترقة .. كنت حينئذ أنقذ شهوتي من التراجع والانطفاء باستعادة فورية لجسد أم خطيبتي .. أؤمن حتى الآن أن مؤخرتها كانت تبتسم لي كلما نظرت إليها.
في هذه الفترة لم يكن أبي يعرف ماذا يفعل بخرائه .. كان يُخرج الأعاجيب البنية المزعجة، متفاوتة الأحجام من شرجه، ويقلبها بين يديه ليتفحصها باستغراب وغضب ثم يحاول التخلص منها في بيجامته، أو في أغطية الفراش والكراسي والكنبات، أو في ملاءة السرير ومسنده وحوافه، أو في الحوائط، أو يمدها إلى أي منا طالباً منه أن يأخذها ويجد تصريفاً لها.
كانت أمي تواجه صعوبة بالغة في الانتهاء من كتابة مسرحيتها (حفل الإرجاء)، ولم يكن ذلك راجعاً إلا لتهكم أختي من رغبة المؤلفة العجوز في الانتصار لوجهة نظر بطل المسرحية وهو قاص شاب يعتقد أن الكاتب العظيم لا يقدم أبداً تعريفاً واضحاً للحياة:
)الكتّاب العظام لا ينخدعون بهذه الخطيئة؛ فهم يبصرون تماماً الفخ المبهر الذي يطالبهم بهذا .. تلك الرفاهية الخبيثة جدير بها أولئك الذين ما زالوا يتفحصون الخط السيء واللغة الرديئة التي كُتبت بها الدعوة إلى الحفل .. الحياة أحقر من أن توصف، حتى أن هذه العبارة نفسها لا تنطوي مطلقاً على أي ضرورة أكثر من محاولة مفترضة للفوز برهان على السماجة القصوى).
في المقابل كانت أختي تنحاز لتصور البطل الآخر لمسرحية أمي وهو قاص كهل ينافس القاص الشاب على ثقوب طفلة في العاشرة، لم تحسم بعد هل تختار بينهما أم تجعل ثقوبها ممرات مشتركة يتصلان من خلالها  .. كان القاص الكهل لا يجد تعارضاً بين تعريف الحياة وأن تكون كاتباً عظيماً:
)تراكم غامض من الآلام ذات الحتمية العمياء، غير المكلفة بجهد .. إن ما تظنه فهماً لتلك الآلام هو في حقيقته رضوخاً إجبارياً لعذابها الذي لا سبيل لتعطيله .. احترام لخلوده لا يمكن التفاوض معه .. إن قدرك هو البقاء في جوع لتصديق أنك تحارب عدواً يمكن التغلب عليه، أو على الأقل يمكن استيعاب دوافع هزيمتك أمامه .. كأنك تمتلك وجوداً تصونه في الخفاء إرادة عاقلة، مطلقة القدرة، مثالية التدبير والنوايا، ومؤجلة الكشف حتى لو لم يكن العالم سوى نقيض دامغ لذلك التصور .. لقد عرفت منذ زمن طويل أنني مجرد معبر محترق، تمر من خلاله الصدف المتبلدة التي تدعي خضوعها لنظام يتخطى استمرارها المجرد، ولغاية تتجاوز الموت .. الموت نفسه ليس شيئاً حتى يمكنك أن تقاومه، أو تسترضي وحشيته، وتقنعه بخوض استعراض كاذب من عدم التكافؤ أمام الفراغ الأبدي .. الموت هو كل شيء بكافة ما تعنيه الدقة الإعجازية اللازمة للقهر، وذلك لا يعني أكثر من أنك ميت يتظاهر بالصراع ضد تدميره الذاتي، وترعاه حالة من التفاهة اللامبالية أشد وطأة مما قد ينتظره داخل قبر ما .. لقد كان للخيال فضل عظيم في رعاية اليقين بكوني مريضاً ـ مثل أي أحد ـ بوهم امتلاك الحدود التي يمكن توجيه ضربات ما من ورائها، لكن جسدي ليس إلا مكونات مضحكة من الغفلة .. فوضى أزلية معتمة لهزائم، وتوسلات، وآمال طائشة فاقدة الضمير والكرامة .. لاشك عندي في أن الكلمات هي وقود الحقارة ـ حيث لا يوجد ما يستحق الذكر ـ لذا فالكتابة لابد أن تكون توثيقاً ـ يجاهد للإفصاح عن كوابيسه في كل مناسبة ـ لفشل المحاولات المتكررة في الوصول إلى صمت نهائي، لا يثير الشفقة(.
في إحدى الليالي كنت أشاهد التليفزيون فارداً ساقيّ فوق كنبة الأنتريه المجاورة للكرسي الذي أجلس عليه .. كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل، وكانت كفي التي شكلت حضناً أسطوانياً لقضيبي تحت الشورت والكلوت تصعد وتهبط سريعاً بدعم ذهني يحاول إكساب خيالات الشاشة الضبابية ملامح وألوان .. كان تركيزي في هذه الليلة محصوراً في إعطاء ما كنت أظن أنها امرأة عارية تنام تحت رجل ما جسد طفلة العاشرة في المسرحية كما وصفتها أمي .. فجأة فُتح باب حجرة المعيشة ودخل أبي .. تشتيت الانتباه في بداية الاستمناء خاصة لو كان ناجماً عن مفاجأة صادمة سيؤدي في الغالب إلى انهيار تدريجي سريع للانتصاب، أما عند حدوثه بعد مرور الوقت فالنتيجة ستكون قذفاً فورياً تعيساً .. وقف أبي أمامي، ونظر في عينيّ دون أن ينزل بصره نحو يدي التي كانت لاتزال تحت الشورت والكلوت بينما الدفقات الساخنة للمني تتابع بارتباك مقتضب حسرةً على استمناء مبتور، لم يُختم بنهاية لائقة .. أخرج أبي من جيب بيجامته كرة متوسطة الحجم من الخراء، ثم ألقاها أمامي على الأرض بنفاذ صبر كشيء فشل في تشغيله .. صوته المهموم كان خافتاً بوعي للحرص على عدم إيقاظ أمي النائمة داخل حجرتها في نهاية الصالة، وأختي النائمة داخل غرفة مجاورة تشارك حجرة المعيشة في نفس البلكونة: (شوف هتعمل فيها إيه) .. كانت هناك أيضاً جدية في نبرته الواطئة كأنه يخبرني بعدم امتلاكي لعذر يبرر عدم الاستخدام الجيد للخراء بعد أن تكفل بتحويله إلى كرة .. أخرجت كفي المبتلة، ودون اهتمام بتجفيفها قمت لأربت على كتف أبي محاولاً تخفيف ضيقه، ثم أجلسته على الكرسي .. أمسكت بكرة الخراء، وقربتها منه: (عارف تعمل فيها إيه .. تاكلها) .. حدّق في عينيّ بدهشة لم تفقده هدوءه دون أن يتكلم .. (هي مش بتاعتك .. خلاص .. كُلها) .. قربتها أكثر حتى كادت تلامس شفتيه فزادت حدة الاستغراب في نظرته، ومع ذلك كشف فمه عن ثغرة صغيرة .. (شاطر .. افتح بقك كمان) .. تحولت عيناه من وجهي إلى كرة الخراء للحظات قليلة كأنه يُخضعها لتشريح أخير ثم مد رأسه وقضم قطعة ضئيلة مزينة بسائلي المنوي، وبدأ يمضغها بطقم الأسنان الأمامي .. ابتسمت لأشجعه على قضم المزيد في حين ظهرت على ملامحه عدم الاستساغة لطعم الخراء، لكن تعوّده على أدوية رديئة الطعم جعلته يقضم قطعة أخرى، كأنه يعتبر أن ما يبتلعه الآن جرعة أخرى تشبه السوائل الكريهة التي تجبره أمي على تناولها بالملعقة في مواعيد يومية ثابتة .. رأيت أن الاعتماد على ما علق بأصابعي من سائل منوي ليس كافياً لذا أدخلت يدي الأخرى تحت الشورت والكلوت لأجلب المزيد كي أغطي به الكرة البنية التي نقص حجمها .. ظل الضيق ينمو في ملامحه حتى تجمّدت على وضع الاستياء البالغ بعد خمس قضمات أنهى بها أبي وليمة الخراء والمني الصغيرة .. ربت على كتفيه ثم أنهضته وأمسكت بذراعه لأخرج به من حجرة المعيشة وأعبر به ظلام الصالة نحو غرفته التي تنام أمي في سريرها.
في اليوم التالي أنهت أمي مسرحيتها بعد نقاش سري مع أختي استغرق فترة استحمامهما معاً .. أسرعت إلى الشاشة والأزرار بجسد لا تزال قطرات وفيرة من ماء الدُش عالقة به كأنها توصلت إلى الحل السحري:
)الكتّاب العظام قد يحتاجون ـ كما ترى ـ لوصف الحياة حتى من حين لآخر عندما يأكل الغضب قلوبهم، وتذيب مرارة الضجر أرواحهم من قضاء الحفل ـ الذي دائماً ما ينتهي مبكراً ـ في خلق الرموز .. إنهم يحتاجون نفس الهدية الثمينة التي يمكن أن تعثر عليها فجأة عانس ما ظلت تراقب شقيقها الأصغر لليالٍ طويلة، سنة بعد الأخرى من فتحات شيش البلكونة وهو يستمني أمام شاشة مشوشة تماماً، تتحرك داخلها ظلال مطموسة، حتى تحقق حلمها ذات يوم ورأته يطعم أباها كرة من الخراء والمني).

الثلاثاء، 24 يناير 2017

الثورة والخيال ما بعد الحداثي

يمكنك أن تقوم بالثورة، ولكن عليك ألا تنسى إطلاق النار على نفسك كل صباح  ...
(أما كيف لـ "رورتي" و"ليوتار" تفسير تجمع شعوب أوروبا الشرقية لإسقاط حكامها فهو متروك لتخمينات أي إنسان) ...
بهذه الجملة المتحدية اختتم المناضل الاشتراكي (أليكس كالينيكوس) مقاله (ما بعد الحداثة) الذي ترجمه (بشير السباعي) منذ أكثر من عشرين سنة .. كان من الواضح أن هذه الكلمات جاءت ردا على أفكارهما عن "تغيير العالم" والتي ناقشها (كالينيكوس) في المقال .. (جان ليوتار) وهو المفكر الذي يعتبر رائدا لحركة ما بعد الحداثة في فرنسا حينما أعلن عن إفلاس جميع (المرويات الكبرى) أكد على أنه لم يعد بوسعنا الإيمان بأية نظرية شاملة تسمح لنا بتفسير العالم وتغييره في آن واحد .. أيضا (ريتشارد رورتي) الفيلسوف الأمريكي تحدث عن أنه يتوجب علينا الكف عن الانشغال بمعرفة العالم وتغييره والتركيز بدلا من ذلك على تنمية علاقات شخصية؛ فمن الوجوه المحورية لما بعد الحداثة إنكار أن من المرغوب فيه أو حتى من الممكن بعد الانخراط بشكل جماعي في تغيير العالم .. كان ثمة ارتباط إذن بين (الثورة)، و(تغيير العالم)، وكان هناك من يؤمن بجدوى هذا الارتباط في مقابل من كان يعتبره مجرد (كيتش) حداثي .
في 2011 لا تختلف صورة العالم العربي من الخارج كثيرا عن فيلم سينمائي يخرج فيه الموتى الأحياء من قبورهم تباعا للانتقام من قتلتهم .. لكنه ليس فيلما مرعبا .. إنه مزيج من الرومانسية الجارفة والكارتون المبهر .. مدن مسحورة تتخلص فجأة من لعنتها، وتستيقظ من نوم طويل كما يحدث في الحكايات الخيالية .. هل هناك في هذه المعجزات المتعاقبة ما يمثل تحديا لما بعد الحداثة؟.
ربما تعني الثورة ـ من ضمن ما تعني ـ أن هناك اتفاقا وفهما مشتركا لحقيقة ما .. حقيقة ترعى دوافع وكيفية حدوث الثورة، وبالضرورة حقيقة الواقع الجديد الذي تسعى لتشييده .. هذه الحقيقة تحتاج لعقل كلي يمثل اندماجا لعقول كثيرة يجمعها يقين واحد وهدف واحد أيضا .. نجاح الثورة في تحقيق هذا الهدف سيبدو فورا أنه انتصار للحقيقة وللعقل وهما ـ طبقا لما بعد الحداثة ـ ليسا غير وهمين .. هل علينا أن نتذكر "فوكو" حينما قال أن إرادة المعرفة هي مجرد شكل واحد من أشكال إرادة السلطة؟، وأيضا حينما اعتبر أن الذات الإنسانية الفردية كتلة من الدوافع والرغبات التي تصوغها علاقات السلطة السائدة داخل المجتمع؟.
الثورات العربية، والمصرية كنموذج تعيد إلينا الجدل المتوفر بقوة في السؤال القديم: هل كانت ما بعد الحداثة استمرارا معدّلا أو محوّرا للحداثة أم قطيعة معها؟ .. لكنها لن تكتفي بذلك فحسب بل ربما بشكل أقوى ستدعم امتدادات هذا السؤال بتساؤلات أخرى: هذا التنافر أو التعارض الذي يبدو واضحا عند الكثيرين بين فلسفة ما بعد الحداثة وفكرة قيام ثورة شعبية هل يرجع إلى رفض ما بعد الحداثة لوجود الثورة من أساسها أم رفض الإيمان بأنها فعل تغيير للعالم ؟ .. هل استخدام فيسبوك وتويتر والموبايل وهي أدوات ما بعد حداثية بامتياز تحمل كافة إمكانيات خلخلة المركز وتفكيك البنية؛ هل استخدامها كأسلحة رئيسية في الثورات دليل على عدم صمود التشاؤم الشهير لما بعد الحداثة في مواجهة خلود التفاؤل الحداثي الذي صاحب مشروع التنوير وعمل عليه (هيجل) و(ماركس)، وارتبط بتفسير مسار التطور التاريخي؟  .. هل ما بعد الحداثة تحريض على عدم الحركة المؤطرة باليقين وبحيازة عناصر الفهم والثقة في المصير، أم تحريض على تأمل الشروط المتعالية والصراعات الملغزة المختبئة وراء الحركة واقتفاء أثر كل محاولة لتأصيل غايات ميتافيزيقية وكشف أمراض علاقات التواصل التي تسعى لتشكيل قواعد للأمان في حماية سلطة ما؟.
قد يكون ما أخذته ما بعد الحداثة على عاتقها في هذا الصدد أن تستحضر المتمنع في الثورة بآلية متجردة من الرونق المألوف .. من عوامل الرضى الذهني المعنية بالحفاظ على وحدة القطيع ونظامه لحظة الرغبة في الوصول إلى ما يُعجز عن الاهتداء إليه .. هي تنقب عن سبل منزوعة اللذة لتوفير شعور أكثر إخلاصا بما هو محصن، ولا يمكن التعبير عنه في الثورة بعيدا عن التناغم الشكلي المبتذل الكامن في طرق مهادنة غيابه الحداثية عبر النشوة والمواساة.
الثورة عارية .. الثورة بلا جسد .. نعم هي أيضا بلا روح ...
ربما تتجاوز ما بعد الحداثة ثنائية الرفض والقبول للثورة نحو التعامل معها كـ (لعبة لغوية) لا تحتكر المعنى بقدر ما تضمر اقتراحات وانحيازات ملتبسة ومراوغة .. أداء هادم يضلل الحكمة ويتفادى الخضوع لقواعد وأنماط مقدسة منسجما مع التفتيت المستمر للأنساق الذي يمنع الاحتمالات وتقاطعاتها المنهجية من تكوين هويات مستقرة .. هذه المفارقة والانفصال عن ما يدعي التأكيد والثبات المعرفي يتسق مع غياب (اللغة العليا) أو (الميتالغة) في مقابل ثلاث من (الميتاحكايات) ميّز بينها (ليوتار) كما أشار د . أحمد أبو زيد في مقاله: البحث عن (ما بعد الحداثة) وهي: العلم الوضعي، والهرمينوطيقا، والصراع الطبقي .. هذه القضايا والنظريات الشمولية التي فقدت مصداقيتها، وعلى هذا لم تعد هناك (حكاية عليا) مسبقة، أو صيغة خطاب تعلو فوق غيرها من الصيغ، أو شكل واحد للمعرفة يمكن اعتباره أساسا لبقية أشكال المعرفة الأخرى .. عدم وجود (ميتالغة) يعني غياب الخلفية التي تضم كل أشكال العبارات والتعبيرات، وهذا ما أعتقد أنه ينبغي تطبيقه على (الثورة) أثناء مقاربتها من منظور ما بعد حداثي بدءا من تغييب أي شروط مقررة سلفا عن ما يمكن أن تقود إليه الكلمة، وليس انتهاءا بتتبع المضمامين التي يمكن أن تتضح من استخداماتها وتوظيفاتها المتعددة، والتي لا ينبغي أن تتآلف مع اتجاه واحد متعسف من التفكير.
نحن إزاء موقف لا يسعى لتشريح الثورة على أسس الماضي المتخم بالمذاهب والأفكار الكبرى، وما رسخته من علاقات وسلوكيات بل وفقا لاختفاءها .. مظهر من مظاهر التحرر من أنقاض المعتقدات يتخلى عن الانصياع للأحكام التي أرادت تثبيت نفسها كقانون مطلق؛ فالقصص التاريخية التي ارتبط بها ما هو (صادق)، و(عادل) لم تعد تملك مشروعيتها السابقة، ومن هنا تنبذ (الثورة) في وضعيتها ما بعد الحداثية ما يمكن أن يلحق بها من أذى التقيد بأصنام المعايير الفكرية التي سادت مجتمعات الحداثة.
تخطي المسلمات الحضارية يضع تلقائيا مفهوم (الثورة) في نطاق المساءلة والمحاكمة وليس الانتماء رغم اعتراف الـ (مابعد حداثيين) بأن مبادئ فلسفة التنويرٍ هي التي ساعدت على قيام الثورة الديمقراطية في فرنسا وأمريكا وزوال عهد الإقطاع وقيام النظام الاجتماعي الذي يؤمن بالعدل والمساواة، ولكنهم في نفس الوقت يدركون تماما أن التجارب والخبرات الإنسانية وكذلك الاتجاهات الثقافية قد وصلت إلى مرحلة من التعقد والتعددية ما يستدعي الحاجة إلى العثور على ما يتجاوز المقولات، وما تحمله من إرادات وما تنتجه من تأثيرات .. الحاجة إلى التقاط الإشارات والإيماءات التي تعطي لهذه المقولات سياقها الرمزي، وبالتالي تنزع عنها الحماية من انتهاك الرهان الدلالي لها وتبقيها داخل الفضاء المتسع دوما للتحولات.
على الثورة ـ ككل الأشياء ـ ألا تخدم أحدا ...
تحاول ما بعد الحداثة ربط الثورة بالخيال الحر أو تحديدا بما يسمى: (تأويل اللانهاية) بالتعبير الفرويدي، وهو انفلات من قانون المفهوم وإعادة التذكر والتنبوء .. تجاوز للميتافيزيقا وتجاوز لكافة محاولات تجاوزها السابقة، والتي لم تخرج بعيدا عن أرضها .. ذوبان الذات في ما ينبغي تأويله إلى ما لا نهاية ، وهذا ما يجعل (الثورة) خاضعة دوما للتساؤل .. يجعلها متاحة للتفكير ليس في أحداثها ولا معانيها فحسب بل وفي ما هو محتجب عنا منها سواء كان لحكم سابق أو لتصور مستقبلي .. تسعى (ما بعد الحداثة) هنا لتفادي خدعة البحث عن الأصل الماضوي في الثورة باعتبارها نتيجة مباشرة له ومتبرأة مما عداه حيث يعد هذا مجرد تكرار لما هو سابق .. (ليوتار) في مقاله (إعادة كتابة الحداثة) والذي ترجمه: (رضوان شقرون) و(منير حجوجي) يعطي نموذجين لهذه الخدعة قائلا :
(لقد اعتقد "ماركس" أنه قام بكشف وفضح الجريمة الأصلية  في أصل شر الحداثة "يتعلق الأمر باستغلال العمال" واعتقد كذلك كمحقق شرطة أنه بالتعرية عن الواقع سيمكن البشرية من الخروج من طاعونها الكبير .. إننا نعرف اليوم أن ثورة أكتوبر تحت غطاء الماركسية وفي العمق كل ثورة أخرى لم تقم ولن تقوم إلا بإعادة فتح الجرح ذاته: يمكن للتعيين وللتشخيص أن يتغيرا ولكن المرض نفسه يعاود الظهور داخل إعادة الكتابة هذه. . لقد اعتقد الماركسيون أنهم قضوا على اغتراب البشر، ولكنهم لم يقوموا إلا بتحويل هذا الاغتراب من مكانه.
نقترح الآن التوجه نحو الفلسفة: لقد حاول "نيتشه" تحرير الفكر وطريقة التفكير من قبضة ما سماه الميتافيزيقا، أي ذلك المبدأ الذي يشير منذ أفلاطون وحتى شوبنهاور إلى القضية الأساسية الوحيدة بالنسبة للبشر المتمثلة في الكشف عن الأساس الذي يمكنهم من التحدث بشكل ملائم مع الحقيقة، ومن الفعل وفقا للخير والعدل .. إن الطرح الأساسي عند "نيتشه" هو الاستحالة الجذرية لأي "وفقا لـ" نظرا لاستحالة المبدأ الأول أو الأصلي، تماما كما طرحت ذاتها فكرة الخير عند "أفلاطون" أو مبدأ العلة الكافية عند "لايبنز" .. إن كل خطاب بالنسبة لنيتشه بما في ذلك خطاب العلم أو الفلسفة يجب أن ينظر إليه كمنظور، ولكن "نيتشه" يسرع بدوره إلى تعيين ما يؤسس المنظورات ذاتها في ما يسميه إرادة القوة .. تعيد فلسفته بذلك إنتاج الطرح الميتافيزيقي وتحقق أكثر من ذلك وبشكل دوغمائي ومتكرر جوهر الميتافيزيقا لأن ميتافيزيقا الإرادة التي ينهي بها فلسفته هي ذاتها التي تحويها الأنظمة الفلسفية للغرب الحديث، وهو ما يوضحه هايدجر).
يذكرنا (ليوتار) في نفس المقال بقاعدة (الانتباه العائم المتساوي) التي ألح (فرويد) على أي محلل أن يحترمها: ضرورة إعطاء نفس الأهمية لكل ما ينتجه المريض من كلام حتى وإن بدا تافها أو دون قيمة .. تقول القاعدة ما مجمله: لا يجب إصدار حكم مسبق، يجب تعليق الحكم وجمع المعلومات وإعطاء الأهمية ذاتها لكل ما يأتي من المريض دون التدخل فيه .. من جهته، على المريض أن يحترم وضعا مماثلا: عليه أن يترك كلامه طليقا وأن يترك للأفكار والصور والمشاهد والأسماء والجمل تأخذ مجراها كما تنتج على لسانه وعلى جسده، (في فوضاها) دون أن يخضعها لاختيار أو قمع.
هذا التذكير يقيم علاقة بين (تأويل اللانهاية)، والإحساس والإنصات له بتعبير (ليوتار)، ولو طبقنا هذا على الثورة لحولناها إلى شذرات من جمل وكلمات ومقاطع تكوّن وحدات غير منطقية لمشاهد لا تأخذ في عين الاعتبار البحث عن قيمة .. طريقة / تقنية لا تقدم معرفة بل تستبدل التعريف بحضور الماضي كفاعل لا يطرح ركائزا قديمة وإنما يوفر للحاضر موضوع الفكر إحساسه الجديد.
يقول (كانط): (إن الخيال يعطي للعقل مجالا للتفكير أكثر مما يمنحه العمل المفهومي للفهم) .. الثورة إذن عليها أن تكون منفتحة للخيال وللتداعي الحر ولكل ما هو معلوم، ولكل ما نجهله .. أن يصير الزمن الشخصي هو زمن الجميع في نفس الوقت .. الثورة لا يكشف عنها ولا تُمثل وإنما  يُكشف عن عناصر لها تُوثق وفقا لآلية غير محاصرة بالحجج والبراهين .. إنها اللامنفعة مابعد الحداثية التي لا تقدم حقيقة بل تشتبك مع واقع يقع دائما خارج دائرة الفهم.
إبريل 2011
 photo: 28th of January 2011. Taken by Islam El Azzazi.

السبت، 21 يناير 2017

اختصارات حول الفانتازيا

لا يؤسس كل تحديد فانتازي لحتمية ما يُسمى بالواقع وحسب فهو فضلاً عن تعيين المنطق الذي تخضع إليه قوانينه، والحدود التي تنتهي عندها سلطته، وطبيعة الانتهاكات المقوّضة لمسلماته يخلق كذلك ركائزاً بديهية لتاريخه .. هو شكل من أشكال إنتاج الحقيقة إذ يؤدي تمييز حقل الفانتازيا إلى عزله عن نظام من الإدراكات الحاسمة لعناصر الوجود: الشروط التكوينية، والأنماط المستقرة والمتغيرة لصراعاتها، وأيضاً الجذور الثابتة في الماضي التي تضمن للتصنيف والبرهنة الحماية من الشك .. فلنتأمل مثلاً القوة الجازمة لتعريف مصطلح (الفانتازيا)   (Fantasy)في معجم المصطلحات الأدبية المعاصر: (عملية تشكيل تخيلات، لا تملك وجوداً فعلياً، ويستحيل تحقيقها) " 1" ، أو لتعريف مصطلح (الفانتازيا الأدبية) في نفس المعجم: (عمل أدبي يتحرر من منطق الواقع والحقيقة في سرده، مبالغاً في افتتان خيال القراء)"2"  .. لنتأمل كذلك توصيف (ميلين كلاين) للفانتازيا في كتاب (أدب الفانتازيا مدخل إلى الواقع) لـ (تي . ي . ابتر) بأنها (القوة الدافعة وراء استبطان الواقع)"3" .. الواقع هنا قد يكون يقيناً ظاهراتياً (حقيقة فينومينولجية) أي يتمركز في بنية حسية تتوفر لتجاربها معطيات مباشرة، وبالضرورة قادرة على أن تخلق خطاباً يمكنه الإجابة عن التساؤلات المطروحة حول ماهيته .. تُعد إذن (الفانتازيا) ارتكاباً مضاداً للمضمون العقلي المثالي للظواهر، فهي كسر لهيمنة العلاقات الممكنة بين الأمور المعقولة.
(ويبدو أن الظواهرية تؤكد بأن إدراكنا للعالم هو إدراك لمعطيات حسية وحسب فالحديث عن الأشياء ليس إلا حديثا عن معطيات حسية عن هذا الشيء نفسه وهكذا تتكون الأطروحة الظواهرية على الشكل التالي : الأشياء الطبيعية ليست سوى بُنى منطقية من المعطيات الحسية إذاً “إن الأشياء إمكانات دائمة للإحساس” كما يقول مِل.
قد يتم توجيه انتقاد إلى المقول السابق “إن الأشياء إمكانات دائمة للإحساس” هو أن الفكرة ذاتها عن الشيء تتضمن أن وجوده ممكن من دون إدراك وبناء على ذلك لا يصح القول إن كل حديث عن أشياء مستقلة عن الحس يمكن اختزاله إلى حديث عن خبرة معتمدة على الحس. ويجيب المفكرون الظواهريون على هذا الاعتراض بأن الأشياء، في رأيهم، يمكن أن توجد غير مدرَكة، وكل الذي يؤكدونه هو جملة فرضية، وهي أنك إذا قلت ’’س’’ موجودة فكأنك قلت إن المعطيات الحسية المناسبة، في ظل الظروف الصحيحة، سوف تحصل. وفي رأيهم فكرة الشيء الذي لا ينتج معطيات حسية أبداً هي فكرة بلا معنى)"4".
بالربط بين (الأشياء الطبيعية) و(البُنى المنطقية) و(الظروف الصحيحة) و(المعنى) سنحصل على العديد من الاعتقادات المتلازمة أهمها تموضع العالم داخل نطاق ذهني مستوعب، وبالتالي فـ (الحدوث) القابل للتبرير هو الخاضع لقرارات ذلك النطاق كما أن تجاوزه (الخيال العجائبي) يعني الخروج مما يمكن أن نُطلق عليه المنطقة الأصلية، أو متن الوجود، أو ما يُسمى بـ (الواقع).
إن تفكيك التصور عن ثنائية (الواقع/ الخيال) وإذابة النقائض المحتملة بينهما سيقودنا نحو اكتشافات متلازمة أيضاً: انزياح الوجود عن ما يُعتقد أنه مركز له، وبالتالي فأي (حدوث) لا يشترط الخضوع لنسق سابق كي يمكن تبريره، ولذلك سيتحول التجاوز إلى ممارسة منطقية غير مصنفة كخروج عن أساس ما ـ حيث لا يوجد أساس بداهةً ـ ولن يُفرض انتماءها إلى هامش إذ أن المتن صار ملغياً، وأصبح العالم امتداداً منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ لا يحظى فيه نوع معين من الظواهر بقيمة مثالية أو أفضلية قياسية أو مكانة معيارية تتخطى نوعاً آخراً من الظواهر .. حينئذ لن يكون بوسعنا تمييز الفانتازيا بل لن نكون في حاجة إلى ذلك.
إذا كان الوعي بالغرابة في مقابل المألوف يمثل استجابة تلقائية لا يمكن تفاديها فعلى تلك الاستجابة أن تكون بداية التعارف وليس نهايته .. أتحدث عن مهمة النقد في الخروج بالعجائبي من الرواية إلى الوجود، أي تعيين غير الممكن ـ بحسب الظن السائد ـ في قلب الممكن المفهوم وليس مجرد الاكتفاء بلذة الوقوف عند ما تم الاعتياد على تسميته بـ (العوالم الموازية) .. أفكاري هنا لا تقصد المقارنة أو الاستبدال أو الإحالة إذ لا يزال كل ذلك خاضعاً لسلطة التنميط والفرز، وإنما أقصد إعطاء الفانتازي ثقل الحتمية، وإلزام المنطق، وسطوة القانون؛ فالغرائبية ـ وهو ما يفترض في تصوري أن يتكفل به جهد جوهري في عمل الناقد ـ يجب الكشف عن كونها ليست انصرافاً عن الواقع بل هدم لما يُعتقد أنها حدود له تحافظ على بقائه كمجرد (واقع) .. إن أشكال السرد الروائي التي تُقدم انحرافات طاغية عن ذاكرة متخمة بأساليب تقليدية وموضوعات مستهلكة ينبغي أن يكون لها نفس السلطة التي تتمتع بها (أشياء الواقع) حينما كان مجرد واقع ولكنه لم يعد كذلك بعدما صار وجوداً مفتوحاً، لا نهائياً، أكثر مراوغة وتوحشاً من أن تحكمه ثنائيات متعارضة .. الخبرة العجائبية إذن لا تؤثر أو تساهم في إنتاج الحقيقة وحسب وإنما تخلق التاريخ أيضاً، فاللحظة الحاضرة شارك في قرار (حدوثها) وفي الكيفية التي حصلت بها أساطير وحكايات شعبية وقصص خيالية، فردية وجماعية مختلفة .. بشكل أكثر تحديداً يمكن القول أنه لا يمكن إرجاع الزمن إلى ذاكرة دون الأخرى أو منح القدرة لتجارب على حساب تجارب مغايرة .. يقول (خوليو كورتاثر): (الفانتازي والملغز ليسا فقط الخيالات العظيمة في السينما والأدب والقصص والروايات. بل حاضر فينا أنفسنا، في تكويننا النفسي، ولا يستطيع العلم ولا الفلسفة أن يقدما لنا إلا تفسيرات بدائية وأولية)"5" .. على النقد أن يتفحص دائماً دور الفانتازيا في تشكيل أجسادنا إذ لم تعد هي الأخرى مجرد (فانتازيا) بعدما فقد ما يُسمى بالواقع أبوابه المغلقة. 
بالعودة إلى فقرة سابقة فالعالم حينما يصبح امتداداً منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ سيتحول حينئذ إلى نص هائل أي يمتلك الخطاب الذي ينظم الأحداث قوة الأحداث نفسها، ويكون للسرد سيطرة اللاسرد ذاتها"6" .. طموح الناقد تجاه ذلك الوجود المفتوح، اللانهائي حسبما أرى هو اللعب بما يمكن اعتباره كافة الاحتمالات المتساوية للرموز .. تشريح المعاني في ضوء المراوغة والتوحش .. الحرص على حرمان اللغة من أي مرجع حيث لا يوجد ما يضمن عدم تمظهر الكينونة في أي صورة أخرى، ولا يوجد ما يقدر على تعطيل عمل الفكر سواء في محاولات التصنيف أو الإيجاد .. أتذكر الآن المقارنة التي عقدتها في قراءتي لـ (نهاية السيد واي) لـ (سكارليت توماس) بين دعابة الفانتازيا في الرواية، وكتاب (مدخل إلى التفكيك) لـ (ميشيل رايان): (مع كل خطوة داخل (الظاهر) أو (الحسي) يسقط رسوخ ما مصحوباً بارتداد للنقطة الأولى .. قدم في يقين، والقدم  الأخرى في أنقاضه .. البقاء للعمى إذن كسلطة مهيمنة على كل نسق فكر أو سياق استنتاج محدد ـ لاحظ أن الذهن لم يعد إذن كياناً مغلقاً، والذكريات توقفت عن أن تكون حصناً سرياً ـ وهو ما تُحركه غريزة (العودة الدائمة للاكتشاف) تحت إلحاح أطر التفسير المنهكة)"7".
أريد الآن أن أطرح تطبيقاً شخصياً: في روايتي (خلق الموتى)"8" يتعلم أبي بعد أن تجاوز السبعين القرصنة الإلكترونية ثم يقوم بالاستيلاء على أحد المنتديات على الانترنت ليروي من خلاله في فصول متتابعة حكايات عن ماضيه ـ لا يهم الآن صدقها أو كذبها ـ مستخدماً توقيع (احتمال مستبعد) .. هذا ما يمكن أن يبدو غريباً .. لكنه الآن بعد (حدوثه الروائي) صار ممكناً، ولم يعد محاصراً داخل (العجائبي) إذ أصبح (المألوف) لا وجود له بل أصبح هناك عالم لا يمكن أن تُجزم معه أن لتحول أبي إلى (هاكر) لقبه (احتمال مستبعد) سلطة على جسدي أضعف من سلطة أي فعل آخر قام به أبي داخل ما سيتم تسميته في المقابل بـ (الواقع) .. فلنلاحظ تعمدي استخدام كلمة (أبي) ليس لأنني أتقمص الآن شخصية الراوي في (خلق الموتى)، ولكن لأنني لازلت أفكر في ذلك العالم منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ الذي يمكن للرواية ونقدها تحويله إلى نص هائل .. نص ينتقم من الموت اللازمني الطافح من تلك العبارة: (هذا مجرد خيال)، ويحرص كل الحرص على أن يضمن خلود التشوش الذي يستمتع به كل المشغولين بالموثوقية"9".
*شهادة خاصة بالمائدة المستديرة التي عُقدت تحت عنوان (الرواية والفانتازيا) بملتقى القاهرة للرواية العربية 2015
الهوامش
1ـ معجم المصطلحات الأدبية المعاصر، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني / بيروت، سوسبرس الدار البيضاء، ط1، 1985: 170.
2ـ المصدر نفسه: 170.
3ـ أدب الفانتازيا مدخل إلى الواقع، ت . ي . ابتر، ترجمة صبار سعدون السعدون، دار المأمون، بغداد 1989: 236.
4ـ الفينومينولوجية ونظرية المعرفة ـ فراس سراقبي / الأوان 14 نوفمبر 2009.
5ـ الشعور بما هو فانتازي ـ خوليو كورتاثر، ترجمة أحمد عبد اللطيف / أخبار الأدب 18 أكتوبر 2014.
6ـ كتب (جوناثان كلر) في دراسته (القصة والخطاب في تحليل السرد) ترجمة خيري دومة بموقع (أنفاس نت) في 22 نوفمبر 2014: (على المرء لكي يجعل من السرد موضوعًا للدراسة، أن يميز بين السرد واللاسرد، وهذا يتضمن بالضرورة أن السرد ينقل متوالية من الأحداث. وإذا كان السرد يُعرَف بأنه تمثيل لسلسلة من الأحداث، فإن على من يقوم بالتحليل أن يدرك هذه الأحداث، وأنها تقوم بوظيفتها وكأنها أمر لا علاقة له بالخطاب أو بالنص المدروس، كأنها شيء له وجود سابق على عملية التمثيل السردي، ومستقل عنها، وأن عملية السرد قامت بعد ذلك بنقلها).
7ـ دعابة التفكيك أو العلاقة بين نهاية السيد واي واللمبي 8 جيجا ـ ممدوح رزق / دروب 8 نوفمبر 2014.
8ـ رواية خلق الموتى ـ ممدوح رزق / سلسلة إبداع الحرية 2012.
9ـ كتب (تيم باركس) في (بحث في الموثوقية) المنشور بـ (نيويورك ريفيو أوف بوكس) وترجمته أماني لازار بمدونة (الأماني) في 16 فبراير 2015: (بهذه الطريقة أفسر الموثوقية: مهما كانت وسائل الكاتب العديدة التي يعيد تأليف مادته من خلالها، فهي مميزة باعتبارها مادته. قد نقول إنه منصاع/ة للحاجة، أو لمصدر الإلهام، حتى عندما يشرع في عمل من نوع مختلف. بتناولنا لكاتب جديد، قد يكون من الصعب أن نحدد فيما إذا كان العمل موثوقاً أو لا. في هذه الحالة، من الأفضل أن نستمتع بالتشوش الناجم عن عدم معرفتنا الأكيدة بمدى جدية كاتبنا، بوزن الحجج في كلا الجانبين).


الأربعاء، 18 يناير 2017

مختارات «هايكو الحرب» ... فراشة حطَّت على جثث

في كتابه «هايكو الحرب» الصادر حديثاً عن دار «فضاءات» في عمان يقدم آزاد إسكندر ذخيرة مترجمة من قصائد الهايكو لشعراء من جنسيات مختلفة. كتبت الروائية العراقية إنعام كجه جي، افتتاحية للكتاب بعنوان «قصائد ليست عصماء» تناولت خلالها الأصل الياباني لفن الهايكو، واستلهامه للطبيعة، ونزوعه إلى التماهي مع التفاصيل المتبدلة للفصول، من دون ثرثرة أو بلاغة مستهلكة. أشارت كجه جي كذلك إلى انتشار شعر الهايكو في العالم، وإلى ترجماته إلى العربية، سواء من اليابانية أو عبر لغات أخرى، كما عرّفت «هايكو الحرب» بأنه ليس كتاباً عن خراب الأرض بل عن أعطاب الروح.
ويرى المترجم أن هذا الكتاب في أحد وجوهه، هو ثأر شخصي من الحروب ومقترفيها، بعد أن غيَّرت حياته وجرّب النفي مرتين. كتب أيضاً أنه جمع هذه القصائد على مدى عامين، محاولاً أن يضم أقطار الأرض، في حين كان من الطبيعي أن تأتي أكثر القصائد من البلاد التي كان لها نصيب أكبر من ويلات الحروب.
تبدو قصائد الكتاب كأنها قرائن شعرية متباينة على الكينونة الواحدة التي تعطيها الحرب للكائنات والأشياء، فالطيور التي تهرب إلى السماء مع صفارة الإنذار مثلاً في قصيدة ج. كات، كان من بينها ذلك الطير الصغير الذي علَّمه طفل لاجئ الطيران بعد أن سقط من عشه في قصيدة ندى سابادي: «طفل لاجئ/ يعلم الطيران لطير صغير/ سقط من عشه». والطفلان اللذان عثر عليهما ناعومي، وهو يبحث عن قصائد مناهضة للحرب، سيفقد أحدهما يده، وسيحاول عبثاً أن يمسح دموعه بها في قصيدة سيلفا ميزيريت: «يد بتراء/ تحاول عبثاً/ أن تمسح الدموع». أما الجنود الدُمى الذين صفَّهم الصبي لمعركة حاسمة تحت مطر خريفي رتيب في قصيدة ريتشارد رايت فهم الجنود الدمى أنفسهم في قصيدة م. تشيستي، «أسلحة دُمى، جنود دُمى/ دبابات وطائرات وسفن دُمى/ لكن ما من دُمى بهيئة قبور». تمتد هذه الكينونة المشتركة بالضرورة إلى الأداءات المجازية للموجودات، أو العلاقات الرمزية بين كوابيسها.
يمكننا تصور أن الذكرى التي علق بها اللاجئ في قصيدة أندريا تشيكون هي ما كانت تتحدث به مارلينا رينزين إلى الشجرة عبر النافذة عن المطر وعن الحرب، وهي أيضاً ما كان يفكر فيه بيلي ويلسون وهو يضع شمعة مضاءة على كل نافذة مع قرع الطبول، قبل أن تتحوَّل الذكرى إلى طائرة ورقية فوق مخيم اللاجئين والأطفال المُترَبين في قصيدة سيرجي تومي، وإلى الضباب الذي يربط أنقاض جسر في قصيدة نيبوجسا سيمين: «إثر القصف/ أنقاض جسر/ يربطها الضباب». ربما تعني قراءة هذه المجموعة من قصائد الهايكو امتلاك الهوية الجماعية التي يحملها ضحايا الحروب على نحو جمالي. يمكن لكل فرد أن يكون بواسطة الشعر نسخة من المرأة العجوز التي تلعن بقاءها حية، بعد قصف قريتها في قصيدة زيلجكو فوندا، والطفل الذي يركض خلف فراشاته داخل حقل الألغام في قصيدة دوميترود. إيفريم، وأن يكون كذلك الفراشة ذاتها التي حطَّت على جثث في مقبرة جماعية قبل أن يرى جثته بينها في قصيدة سيلفا ميزيريت: «فراشة حطَّت على/ جثث في مقبرة جماعية/ الأرض ما زالت تدور».
يتحول التخييل إلى فعل انتماء لتلك العائلة الكبيرة من المقهورين والموتى، والذين يتبادلون الذكريات عبر الزمن من خلال رسائل مقتضبة، وخزات ولطمات كونية تكفَّل آزاد إسكندر بتجميعها، ليصبح العابر داخل هذا الظلام الأزلي من المفارقات الوحشية، قادراً على تمرير ماضيه إلى أحلامها، ويصير جزءاً من تلك الذاكرة الأبدية. يمثل الهايكو الحضور الشعري الأقرب إلى السكوت. التجسيد اللغوي الأكثر حدة للصرخات المكتومة، والذي قد يعد أقوى أشكال التماثل مع الطبيعة والتقمص لعناصرها. لنجرب على سبيل المثال تأمل قسوة الصمت في قصيدة كارل بالمر، «لا تتذكر/اسم الجندي/ في صورة زفافها». أو الشعور بغُصَّة الحلق في قصيدة بيل باولي، «ابنها ذهب إلى الحرب/ يدان شفيفتان/ في ضوء الشباك»، أو شرود النظرة في قصيدة فيسفينجا ماك ماستر، «نُذُرُ الثلج/ لا أحد ليوقد النار/ قريباً تأتي الذئاب». أو إطراق الرأس في قصيدة جورجا فوكيليتش، «نشرة أخبار المساء/ مقبرة جماعية أخرى/ أحوال الطقس». قصائد «هايكو الحرب» هي المعادل الشعري المضاد لمفردات القتل. الألغام التي يمكن للفقد أن يزرعها في قلب كل مجزرة، وفي تاريخ كل إبادة: الأكياس السوداء التي ترن بداخلها الهواتف النقالة بلا انقطاع في قصيدة ماركوس سولزبرغ، الرجال الذين على عكازات، ويبنون ميتماً جديداً لأطفال بندوب في قصيدة ألان سمرز. الحمامتان على السطح، تعاودان التقبيل بعد وقف إطلاق النار في قصيدة مدحت هينشيتش، كل قصيدة توازي رصاصة بندقية، وقذيفة دبابة، وصاروخ طائرة، في الزمن الضئيل للاندفاع، وفي الأثر الوجودي الذي لا يُمحى.
 جريدة (الحياة) اللندنية ـ الثلاثاء، 17 يناير/ كانون الثاني 2017

الأحد، 15 يناير 2017

مساء الخير يا حميد

ذات ظهيرة في منتصف الثمانينيات، تسلل طفل الابتدائي إلى حجرة أخيه الأكبر .. كانت عيون الـ (Abba)، و(Boney M)، و(Dolly Dots) تراقب حركته الحذرة من داخل البوسترات الكبيرة على الحائط .. امتدت يده لتفتح خزانة شرائط الكاسيت كي يلتقط أحدها ـ كالعادة ـ  ويستمع لأغانيه بصوت واطئ جداً تفادياً لغضب (الكبار)، ولدقائق قليلة قبل رجوع أخيه إلى البيت .. هذه المرة لم تخرج يده من الخزانة بـ (شبابيك)، أو(علموني عنيكي)، أو(بحبك لا)، وإنما وجد فيها شريط (رحيل) .. كانت أول مرة يرى صورتك، ومنعه الفضول من إعادة الشريط إلى مكانه، والتقاط واحد آخر من الشرائط الأخرى التي أحب أغنياتها .. لم يسمح الوقت لأن يستمع لأكثر من (يا بنية خشيتي بالي) لكنها كانت تكفي .. يتذكر الآن ابتسامته حينما فاجئته النشوة الغريبة التي أرسلتها إليه، وانت تكرر (للللللا لللا لالا) .. في هذا اليوم يا حميد بدأت حياة امتزجت فيها البيوت القديمة، والليالي، والشرفات، والحقول النائمة بجوار طرق السفر، والبحار، والأسطح العالية، والسماوات الممتدة أمام البصر، وألوان، وروائح، وبرودة الغروب، والشوارع الخالية، شاحبة الإضاءة .. بدأ السحر يا حميد، الذي ـ حتى الآن ـ يوفر للعذاب ما يحتاجه من اللعب بالحرير.
لم تفارقني طوال فترة التسعينيات الرغبة في التوصّل إلى ما يشبه صوتك .. كنت ـ ولازلت ـ أضحك بيني وبين نفسي كلما سمعتك، أو قرأتك وأنت تؤكد ـ وهو ما صار من أشهر الأقوال المأثورة عند أجيال متعاقبة ـ أنك لست مغنياً، ولا مطرباً وإنما مجرد مؤدٍ .. لازلت استمتع  بسخريتك ـ حتى لو لم تقصدها ـ من كل الذين لم يستطيعوا تحمّل ما ترتكبه .. تأكيداتك هذه التي لم تتعطل خلال عشرات السنوات كانت تعطيني في كل مرة فرصة للاستمتاع برؤية معاني، وتعريفات الطرب، والغناء وهي تتهاوى، ويتناثر غبارها محترقاً في أعمق جحيم متخيل تحت الأرض .. لماذا كنت في احتياج للتوصّل إلى ما يشبه صوتك؟ .. لأنني منذ اللحظة الأولى التي سمعتك فيها يا حميد، وأنا ازداد يقيناً بأن صوتك جعل كافة المغنيين ـ بالنسبة لي ـ يتكدسون في منطقة واحدة، بينما تعيش أنت في منطقة أخرى .. جميع المطربين بكل اختلافاتهم، وتنوعاتهم أصبحوا منذ (يابنية خشيتي بالي) ينتمون إلى عالم خاص، مقفل، تقف وحدك خارجه .. كان عجيباً، وبديهياً في الوقت ذاته أن اقتنع تماماً، وبشكل مباغت بأن صوتك لا يشبه سوى الهمس .. الفعل البسيط، العادي جداً، الذي بوسع أي شخص تأديته حتى وهو صامت أحياناً! .. هل يمكن تصديق أن هذا أساس تميزك، وتفرّدك بالنسبة لي؟! .. نعم يا حميد؛ فصوتك عندي هو إضاءة لكل الاحتمالات الممكنة للخفوت، ليس باعتباره مساراً ينتهي بك إلى مكان وسط أصحاب الحناجر الاستثنائية، وإنما حقق صوتك ما هو أكثر إعجازاً في تصوري .. أنك جعلت من (الدندنة) كأنها تمرير مختلس للأسرار .. تشكيلات متجاوزة، مدهشة التعدد من الارتجال للـ (الهمس) ـ وهو ما ينطبق بدقة على موسيقاك ـ جعلت منها تنغيماً غير متعالٍ، بل قادم من شعور كل كائن لا يمتلك (صوتاً جميلاً) بالمعايير التقليدية، ولكنه يريد أن يغني، أو يحاول أن يغني .. غناؤك يا حميد لا ينوب عن إحساس، أو فكر من يسمعك، ولكنه ينوب عن خفوت صوته حرفياً، لأن الكل قادر على الهمس، والكل لديه أسرار يريد تمريرها لآخرين، وفي الهمس كل الأصوات تصبح صوتاً واحداً، وأنت هذا الصوت الواحد يا حميد ..  حتى (الكحة)! .. الفرق الخارق بينك، وبين أي (مطرب) أنك لم تعرّف البشر بالمتعة التي لا يقوون على إنتاجها، وإنما عرّفتهم بالمتعة التي في استطاعتهم أن يمنحوها لأنفسهم دون وصاية حتى من (الفن) ذاته .. الهمس الذي يعلن بحدة أكثر عن ذاته كلما سعى للإرتفاع بنبرته .. هذا شديد الوضوح في صوتك يا حميد.
بعد ثلاثين سنة، وحينما أحاول ـ وهذا صعب للغاية ـ أن أضع أوصافاً لموسيقاك، ربما أول ما يخطر في بالي أنك الموسيقي الوحيد الذي يبدو أنه جمع كل الألحان التي أعشقها من التاريخ الشرقي، والغربي، ثم كوّن منها ذاكرة أشبه بقبعة الحاوي التي يخرج منها كل ما هو غير متوقع .. لكن ما عندك يا حميد يتخطى ما في قبعة الحاوي ..  أنت تأتي بما يلمس أفق من الإبهار لم يكن مرئياً، بل كان ـ ياللعجب ـ واضحاً، وملموساً دون انتباه .. هذا هو الجوهر الذي يمكن أن أكتب عنه إلى ما لا نهاية .. أن موسيقاك يا حميد تنجز ما يؤديه صوتك؛ فإذا كان صوتك (الدندنة الخافتة للهمس التي تنوب عن صوت من يسمعها)، فإن موسيقاك هي الافتراض المتجسد لنغمات كل شخص توحد مع تلك الموسيقى ، وأراد، أو حاول أن يبتكر موسيقاه الشخصية وفقاً لما يعرفه من تجارب، وخبرات سابقة .. كل شخص متعلّق بأنغامك يحلم بموسيقى متخلصة مما قد يبدو له تعقيداً تراثياً لا يمكن خلقه إلا بأيدي اصحابه، ويستحيل أن يتصدى له (العاديون) .. موسيقاك يا حميد هي موسيقى كل مؤمن بك لو نجح في تحرير هواجسه بواسطة جيتار مثلاً.
أنت لا تعرف يا حميد
هناك من لا يزال يطفئ ضوء غرفته كل ليلة، ويتمدد في سريره ثم يضع سماعتين في أذنيه، ويغمض عينيه، ويسمع (باجيلك من ورا الأحزان)، و(ضلاية شجرتنا)، و(مشينا)، و(مرّات)، و(ليلي طويل)، و(جيت الدنيا)، و(جيت يا شتا)، و(بروي)، و(بعد ما كان الحب)، و(عاتبيني)، و(عودة)، و(وين أيامك وين)، و(رسالة)، و(ياريتني نسمة صبا)، و(يا غالي) .. كل ليلة يا حميد يسمع هذه الأغنيات، ويبكي .. أقسم لك أنه يبكي، ولكنه ليس ذلك النوع من البكاء الذي تنهمر فيه الدموع للخارج .. أنت بالتأكيد تفهمني يا حميد .. أنا لم أعد كما كنت منذ ثلاثين سنة، ولا منذ عشرين، أو عشر سنوات، ولا حتى منذ أمس .. كل ما تدفعني أغنياتك لاستدعائه كل ليلة أصبح ميتاً .. حتى الغيوم الشتوية في العصر، والمساء التي كانت تعوم فوق الحجرات، والمقاهي، وصالات الفنادق، ولم يعد لدي سوى صورها .. حتى الغيوم الشتوية أصبحت ميتة يا حميد. 
موقع (قل) ـ 29 يونيو 2015

الخميس، 12 يناير 2017

(ديزي ميلر).. طفلة (هنري جيمس) الغامضة

إلى (آية البحقيري)
ربما تمثل (ديزي ميلر) النموذج الأنثوي الأكثر عدائية للأمان الذكوري. في روايته التي ترجمها (زكي الأسطة)، وصدرت عن دار (الحوار)؛ خلق (هنري جيمس) فتاة متجردة من الهويات الأخلاقية المألوفة، والتي تضمن عادة لخطوات الرجال التحرك نحو ما يُعتقد أنها الاتجاهات الصحيحة للامتلاك. كائن أشبه بطيف بشري يراوغ الرومانتيكية والمجون، ويضيئه خليط مقلق من الرقة واللامبالاة والعفوية والتهكم والتهذيب والعناد والتسامح. لم تقتحم (ديزي ميلر) العوالم الشخصية لأبناء المجتمع الأوروبي المحافظ بتعمّد تخريبي، بل مارست انتهاكًا أعظم. لقد انحازت إلى استقلاليتها عن المبادئ الأرستقراطية المتزمتة التي تتحكم في هذه العوالم، وحتى بلا تفكير في أنها ترتكب هذا التحرر. كان كل ما يعنيها هو إشباع الهوس الطفولي بالمرح، أي تلك الغريزة الأصيلة في تكوينها، والتي ظلت تقودها للاندفاعات غير الحذرة، والمعادية للفضاء العام المشيّد بقوة التسلط الأبوي والأمومي. لم يعطل الارتباك أو الخجل خطوات (ديزي ميلر) نحو تحقيق هذه اللذة، ودون أن يُسيّرها وعي ساذج أو غفلة شعورية، كما أن إدراكها للواقع كان نقيًا من الاستناد إلى عقيدة ثورية أو قيم مضادة للأعراف. كان سلوكها الفطري، المُصنّف بحسم كخصومة مع التقاليد، لا يجب التساهل مع طيشه، ليس أكثر من استجابة بديهية لضرورة أن تعيش فتاة حياتها.
(كانت الآنسة ميلر تبدو في غاية البراءة. كان عدد من الناس قد أخبره، قبل كل شيء، أن الفتيات الأمريكيات كنّ في غاية البراءة، وكان آخرون قد أخبروه، قبل كل شيء، أنهن لم يكنّ كذلك. وكان ميالًا إلى الاعتقاد بأن الآنسة ديزي ميلر كانت فتاة عابثة أمريكية جميلة. لم يكن حتى الآن قد أقام علاقة مع سيدات شابات من هذه الفئة. كان قد عرف، هنا في أوروبا، امرأتين أو ثلاثًا كن أكبر سنًا من الآنسة ديزي ميلر، وقد تزوّدن، كرمى للهيبة والاحترام بأزواج، كنّ على درجة من الغنج والدلال، وكنّ نساء خطيرات مريعات، وكانت علاقة المرء بهن عرضة لاتخاذ منحى خطير).
يمكن للاضطراب المستقر طوال زمن الرواية عند (وينتربورن) أن يذهب بتفكيرنا نحو إلهام يتجاوز الحالة العادية لرجل فشل في فهم فتاة واضحة إلى حد غامض تمامًا. هذه الحيرة الثابتة لـ (وينتربورن) العاجزة عن العثور على خلاص منقذ في علاقته بـ (ديزي ميلر) ربما تجعلنا نتصور أن هذه الفتاة ليست أكثر النماذج المؤرقة للسطوة الذكورية فحسب، بل هي أيضًا أكثر الغوايات الأنثوية الفاضحة للجرح النسوي عند الرجل، والتي تساهم بالتالي في تعزيز آلامه. نحن نشعر كأن عينًا سرية داخل (وينتربورن) تراقب ـ مع عيوننا ـ هذا التحوّل في ذاته. تتفحص الطبائع الأنثوية التي ستبدأ شخصيته في الاتسام بها، والتي كان يتوقع أو ينتظر وجودها في (ديزي ميلر). كأن الحصانة ضد الاضطراب العاطفي تمثل جانبًا جوهريًا في الهوية الذكورية، والتي يبدو تعرضها للتهديد أو الانهيار كأنه يتسبب بشكل أو بآخر في تجريد الرجل من خصائصها باعتبار أن الحيرة الوجدانية -على النقيض- جزء أساسي من الهوية الأنثوية في الوعي الذكوري.
(وظهر طيف سيدة، على مبعدة منهما، باهتًا جدًا في الظلام وهو يتقدم بحركة بطيئة مضطربة.
ولاح أنه توقف فجأة. سألها وينتربورن:
ـ هل أنت متأكدة من أنها أمك؟ هل تستطيعين تمييزها في هذا الغسق الكثيف؟
فصاحت الآنسة ديزي ميلر وهي تطلق ضحكة:
ـ حسنًا. أعتقد أنني أعرف أمي. لاسيما عندما تكون قد خلعت عليها شالي أيضًا! إنها دائمًا ترتدي أشيائي.
وحامت السيدة المعنية، بعد أن توقفت عن التقدم، بغموض حول المكان الذي أوقفت فيه خطواتها.
قال وينتربورن:
ـ أمك لا تراك على ما أخشى.
وأضاف وهو يعتقد أن الدعابة مباحة مع الآنسة ميلر:
ـ أو ربما، ربما تشعر بالذنب بخصوص شالك).
يتميز الحوار عند (هنري جيمس) بالقدرة على إنجاز العديد من الوظائف البنائية، التي تتخطى الأدوار التقليدية لتبادل الأحاديث بين الشخصيات؛ فالحوار في رواية (ديزي ميلر) على سبيل المثال يؤدي مهمة الراصد المتمعن للمكان والزمن، كما أنه يمتد خارج حدودهما ليدمج تاريخ اللحظة بحاضرها، دون استدعاء مباشر للماضي، بل عبر الإشارات الإيحائية المتداولة. يقوم الحوار أيضًا في الرواية بعمل المونولوج عن طريق التحرك بين الظاهر والباطن لدى المتحدث، أي أنه يحقق مساحات مشتركة بين التكلّم والتفكير، وهو ما يجعل حوارات أخرى تدور بين الأرواح أثناء تبادل الحديث بين الألسن. يدفع الحوار كذلك السرد للأمام، ليس بتطوير المعطيات المعرفية للحكي ودعمها فقط، وإنما بواسطة التركيز الحسي الانتقائي أيضًا، والتثبيت السيكولوجي لما تم حكيه على نحو يجعل من التصاعد الدرامي في الرواية مستلهمًا كبصيرة جمالية دون انكشاف.
(وكان وينتربورن في الفترة الفاصلة قد فكر كثيرًا بديزي ميلر وتصرفاتها المحيرة. وذات يوم تحدث مع عمته عنها، وقال إن ضميره كان مثقلًا لأنه ظلمها. قالت السيدة كوستيلو:
ـ أنا على يقين من أنني لا أعرف كيف أثّر ظلمك عليها.
ـ لقد بعثت إليّ برسالة قبل وفاتها لم أفهمها آنذاك، ولكنني فهمتها فيما بعد. إنها تقدّر احترام المرء حق التقدير).
كان يمكن لـ (هنري جيمس) أن يحتفظ بسبب موت (ديزي ميلر) مبهمًا كوسيلة اعتيادية، يحصل القارئ من خلالها على أقوى تحريض ممكن للتفكير في أن فتاة (غريبة) مثلها لم يكن ينبغي أن تعيش في هذا العالم. لكنه جعلها تموت بالحمى ليحاول أن يترك أثرًا أبعد من التعاطف مع طفلة لم ترغب في المقاومة بقدر ما كانت تريد أن تتنفس. أراد (هنري جيمس) أن يتم تأمل هذه الفتاة كبشر، تعيش وتموت لنفس الأسباب المحتملة، وأنها سواء بدت كعدو لا أخلاقي لمجتمع ما أو كطيف بشري استرد ملائكيته الناقصة بالموت فإن لها ـ مثلنا تمامًا ـ زمن محدود قد ينتهي في لحظة ما. هذه اللحظة لن تكون ختامًا لحياة بل ركلا لأحلام لم تتحقق نحو الظلام.
 موقع (زائد 18) ـ الخميس 12 يناير 2017

الثلاثاء، 10 يناير 2017

نصوص متحركة

عندما خرج (الفشل في النوم مع السيدة نون)"1" من الظلام فجأة جاءته رسالة من (قراءة الماضي)"2" لتكشف له عن إحساسها بالتوتر الشديد من وجوده .. أخبرته بأنها لا تعرف لماذا تكتب له هذا: (ربما أردت أن ترى توتري فحسب) .. كان يعلم أنه ينتظرها ـ عند اكتمال عبورها إليه ـ ما هو أكثر قسوة من التوتر، أو أن شعلة القلق ستنطفيء بيُسرٍ متهكم، لن يُصدق .. لم تكن هذه الرسالة هي ما ينتظره (الفشل في النوم مع السيدة نون) من خروجه، أو ـ بصدق أكبر ـ لم تكن أجمل الأحلام التي تمنى أن يحققها وجوده .. لكن (الفشل في النوم مع السيدة نون) شعر باللذة أثناء قراءة الرسالة وكان هذا منطقي جداً .. ليس فقط لأنه اعتبرها هدية غير متوقعة، بل لأنها بدت كإشارة ثمينة على أن الأحلام ستتحقق بالفعل .. شعر كذلك بالضيق، وكان هذا منطقي أيضاً .. ليس فقط لأن توتر (قراءة الماضي) كان يؤلمه ـ ربما ظن للحظات أنه توتر مزيف سيكون رائعاً عدم الوقوع في فخه ـ بل لأنه كان متأكداً من أن أي محاولة من جانبه لتخفيف توترها ـ كتب بالفعل بعض الكلمات الكارثية كطمأنة كاذبة ثم مسحها كمن يفيق من نوبة هذيان ـ سواء نجحت هذه المحاولة أو أخفقت ستكون ـ فضلاً عن إلقاء الهدية غير المتوقعة في صندوق القمامة ـ بمثابة هدم للجسور التي ستمر فوقها الأحلام في طريقها إلى الواقع .. لم يكن أمامه سوى الصمت، وكان هذا هو التصرف الصحيح الوحيد، الذي يستحق أن يُزرع في مكان سري بداخله كوردة تفاخر نادرة يمكنه الرجوع إليها في أي وقت.
بعد شهور قليلة من هذه الرسالة رُدت الهدية غير المتوقعة إلى (قراءة الماضي) .. لم يكن (الفشل في النوم مع السيدة نون) هو من ردها بالطبع، وإنما كان (قراءات)"3" .. أهدى (قراءات) إلى (قراءة الماضي): (أن تتناولك رواية أو هل تراني فعلاً بهذه الطريقة؟)"4" .. ربما لا يزال (الفشل في النوم مع السيدة نون) يفكر: هل كانت هدية (قراءات) متعمدة أم أنها ذهبت إلى (قراءة الماضي) في هذا الوقت تحديداً عن طريق الصدفة ـ بالتأكيد يحب (الفشل في النوم مع السيدة نون) تصوّر أن تدخّل (قراءات) كان مقصوداً .. لكنه بدرجة أكبر كان ممتناً للسعادة التي منحتها (أن تتناولك رواية أو هل تراني فعلاً بهذه الطريقة؟) إلى (قراءة الماضي) إذ لم تكن لتلك السعادة علاقة بأحلامه التي لم تتحقق حتى الآن.
بعد الانتهاء من مائدة مستديرة عن (الرواية والفانتازيا) ـ يا لسخرية القدر ـ تقابل (الفشل في النوم مع السيدة نون) و(قراءات) .. مصافحة سريعة وابتسامة خاطفة ثم اختفاء فوري .. كانت تلك الحدود هي أقصى ما يمكن السماح به للواقع حتى لا تطغى الأجساد الحقيقية على الدعابة.

1ـ رواية لـ (ممدوح رزق) ـ دار الحضارة 2014
2ـ نص لـ (إيمان مرسال) من ديوان (جغرافيا بديلة) ـ دار شرقيات 2006
3ـ مدونة للمترجم (أحمد شافعي).
4ـ مقال لـ (ميشيل هونيفن) ـ ترجمة: (أحمد شافعي). 


الأحد، 8 يناير 2017

السيئ في الأمر

عند باب غرفتي:
الأيادي الصغيرة ممتدة؛ كي اهديدها عيديه، وقبلا ً مشحونة بدعاء الفرح، وتهديني في نفس اللحظة ابتسامات من القلب إلى القلب ، غير أنني أقف صامتة، متردده في الإندماج مع هكذا مشهد وأحاول الفرح ..متسائلة: ترى هل يمكنني تقمص السعادة؟ هل سأجرؤ على ارسال همي لمثواه الأخير، أو المؤقت؟ أسرع للداخل، أسحب كرسي وأقربه من دولابي الخشبي، أصعد ببطئ حاملة على عاتق الزمن هم الأسئلة. أسحب حقيبة سفري وألقيها على السرير ومن ثم افتح دولابي أبحث عن أي شيء وكل شيئ لألقيه في الحقيبة، نعم قررت ترك العيد ، آثرت السفر بعيدا حيث لا مجال لاضطهاد نفسي الصامته وجعلها تفرح بالإكراه.
على متن الطائرة:
هنا الوجوه كلها تفتعل الإرهاق والملل، كما أن رائحة القطط والكلاب تملئ المكان ومن حيث لا أدري! يفترض بي تحمل كل هذا والقليل من بكاء الملائكة الصغار..هممم لا بأس قريبا سينام الجميع ..وسأضل أنا حارسة الزمن اعانق صوت المحرك...وأعد المرات التي يدخل فيها الجميع لبيت الراحة!
السيئ في الأمر:
تذكرت ما قد يجعلني أتنفس قليلا ، أسحب حقيبة يدي ، أبحث داخلها عن مجموعة جديدة للكاتب الشاعر المصري (ممدوح رزق)،أرسل لي نسخة خاصه على البريد ، كما أنه أرسل يسألني رأي عن المجموعة ، ووعدته أنني سأقرئها وأرسل رأي في أقرب فرصة ..هو لا يعلم ما سيعلمه بعد قراءة هذه السطور ..لا يعلم أني أخذت مجموعته معي إلى ثلاث دول ممنية نفسي بقرائتها في أقرب فرصة ،و لم أفعل ! ..لكنني في هذه الرحلة فعلت..أخرجتها من حقيبة يدي وقرأتها على متن الطائرة . قرئتها وروحي في صمت وألم مدعق، أتنفس روائح مختلطة، وأبعد عن ذاكرتي عناصر سوداء، قرئتها وفي خاطري شيء من الرفض لهذه الأرض..وكرهه شديد للمعادن والأسمنت...قرئتها وبصيص الفرح قارب على الانتهاء...وحين أتممتها شعرت بأني لست وحدي ..وأن على هذه الأرض هناك من يشعر بالنملة ، ويطبطب على دميته قبل أن ينام، مجموعة الكاتب لا تخلو من الواقع الذي ينكره أغلب المجتمع ويبتسم ويفرح رغم قسوته، ولا تخلو من ذاتية عامة، يجوز للجميع ارتدائها عباءة، والإشارة لها بأنها تشبهه أو تخصه ، وأيضا من تفاصيل خاصة مؤلمة وقد تصل لحد القبح لكنها تصل بأسلوب مهندم يوحي بالصلابة. مليئة بالتفاصيل، والأزمنة، تعج بالشخوص المقربين والغرباء ، وكأنها فيلم من النوع الفني، النوع الذي يحمل نكهة الشارع، وضجة العمر، لا يسعني إلا أن أشكرك على هذا الإهداء، وأهنئك على المجموعة التي لا تقول سوى الحقيقة وحتى إن كانت محبطة أو ربما أصابها الخذل فهي لم تجد الكثير من المنطق أو حتى السعادة لطرحها ، ما يميزها الشجاعه في الطرح، حتى وإن كان على حساب الروح ، وكأن جملك ملابس منشورة على حبال الوقت تتافخر بإنجازات ليست من الخيال..وتقطر على المارة ماء غسيل ساخن.
باريس:
هنا.. أهدرت روحي التي تلازمني منذ زمن، وتركتها تذوب في المطر.. مع ابتسامة سخرية، هنا وجدت روحا جديده لا تشبهني لكنها ترضيني لبعض الوقت...
منال علي بن عمرو ـ مجلة (المرأة اليوم) / 18ـ 12 ـ 2008