السبت، 16 أكتوبر 2021

سيرة الاختباء (33)

كنت ومحمد محفوظ عضوين في قصر ثقافة الطفل بالمنصورة بداية التسعينيات.. كنا في المرحلة الإعدادية، ونكتب قصصنا القصيرة الأولى، ونحلم ـ منطقيًا ـ بنشرها.. لا أتذكر أننا كنا قد أرسلنا أيًا من تلك القصص القليلة المبكرة إلى الصحافة حينما أخذنا نسخًا بخط اليد منها وتوجهنا ذات يوم كصبيين رومانسيين إلى دار سنابل في شارع بورسعيد وعرضناها على صاحبها علاء وحيد طالبين منه أن ينشرها لنا في كتاب.. أخبرنا الرجل بتعاطف أبوي حاسم بأننا مازلنا صغيرين، وأن علينا الاستمرار في الكتابة، وأنه يجب نشر أعمالنا في الصحف والمجلات أولًا ثم بعد ذلك نفكر في إصدار مجموعة قصصية.. شعرنا بالإحباط ونحن عائدين إلى القصر في تلك الظهيرة الصيفية البعيدة بعدما أدركنا أن حلم رؤية اسمينا مطبوعًا على غلاف كتاب سوف يتأخر.. استقبلتنا مشرفة المكتبة في القصر بإعلان عن مسابقة في القصة القصيرة على مستوى محافظة الدقهلية.. سلّم كل منا قصة من أعماله التي رفض صاحب مكتبة سنابل طباعتها إلى المشرفة دون حماس.. لم يكن هذا هو الهدف الذي غادر كل منا بيته في ذلك اليوم من أجله، وربما كان اشتراكنا في المسابقة فقط حتى لا نعود بتلك القصص التي خرجنا بها كما هي.

بعد فترة أخبرتنا المشرفة ذات صباح بأنه على أعضاء قصر ثقافة الطفل التوجه معها إلى احتفال تقيمه المحافظة بمكتبة المنصورة العامة.. بدأ الحفل الذي حضره المحافظ مصطفى كامل وبعض المسؤولين وكثير من الأطفال والصبية الآخرين من خارج القصر؛ بدأ بتوزيع جوائز مسابقة القصة القصيرة.. حتى ذهابي إلى المكتبة وجلوسي بين الحاضرين؛ لم يكن لدي علم بأن توزيع الجوائز سيتم في ذلك الحفل، ولم يكن لدي علم بأن قصتي قد فازت إلا عند النداء على اسمي لكي أصعد إلى المنصة وأتسلم شهادة التقدير من المحافظ، ولم يكن لدي علم بأنني حصلت على المركز الأول إلا بعدما فتحت مظروف الشهادة وقرأت التهنئة المدوّنة بها.. كانت المفاجأة الأدبية السعيدة الأولى في حياتي وأنا في عُمر الثالثة عشر.. لحظتها شعرت بنوع من الانتصار على صاحب مكتبة سنابل، وبأنني لا أريد مواصلة البقاء في المكتبة ومتابعة بقية فقرات الحفل مثل بقية الحاضرين.. شعرت بأن عليّ العودة فورًا إلى البيت حتى أطلع أفراد أسرتي على جائزتي.. بالفعل تسللت خارج المكتبة وعدت إلى البيت وأنا أفكر في أن قصة محمد محفوظ لم تفز.

في العام التالي حصلت على شهادة تقدير في القصة القصيرة أيضًا من المركز القومي للثقافة وكانت جائزة على مستوى الوطن العربي وتسلمتها في حفل مسائي بدار الأوبرا مع زملاء لي في قصر ثقافة الطفل من الفائزين في مجالات أخرى.

بعد ذلك وفي السنة الدراسية الأولى بمدرسة جمال عبد الناصر الثانوية العسكرية حصلت على شهادة تقدير بعد الفوز بمسابقة القصة القصيرة التي أقامتها المدرسة.

وبعد خروجي من قصر ثقافة الطفل؛ حصلت كذلك على شهادة تقدير في القصة القصيرة بالمسابقة الأدبية التي أقامها نادي الأدب بالمنصورة في العام الأول لانضمامي له.

مازلت أحتفظ بشهادات تقدير البدايات تلك، وحينما أفتح في إحدى الجولات المتباعدة لتنظيم الأغراض القديمة ذلك الصندوق الكارتوني المترب الذي تستقر في خفائه؛ لا أتأملها كجوائز، وإنما كتعزيزات بدائية لروح التنافس التي طالما حاولت قتلها بداخلي.. لم أخلق منعدم الإحساس بالمنافسة مثلما كتب جون شتاينبك في رسالته إلى جون أوهارا، بل إنني لست واثقًا بشكل كامل في وجود هذا “الانعدام” بالمعني الحرفي للكلمة.. إن الأمر أشبه بأن تعاود أجزاء من نفسك النمو طوال استمرارك في قطعها بسكين ثلم.. ما تجذّر وتراكم وتشعّب وتوطد وتواطأ مع الهيمنة المبتذلة والخرقاء للتنازع وإثبات الأفضلية في “الحياة الثقافية العامة”.. ما أنت مُجبر عليه ومدفوع إليه غصبًا بسلطة الماضي الذي يسبق وجودك، والواقع المتجاوز لحلبات المصارعة التي يجذبك إليها رغمًا عنك آلهة التفوق الأدبي الرسمي من ناحية والمتفاخرون برضى تلك الآلهة عنهم من ناحية أخرى.

لكن محاولة قتل روح التنافس قد لا تعني سوى الاستمتاع بمراقبتها وهي تتمادى.. بتشريحها بينما تمعن في ترسيخ سيطرتها وقهرها لحظة بعد أخرى.. بالسخرية (المنتهكة للحياء) من موظفي الكتابة، المسجونين في القيمة، وعبيد المقارنات التي يرعاها أولياء أمور الثقافة حيث لابد أن تنحاز معاييرها الزائفة والانتهازية إليهم؛ لأنهم من دونها لا يستطيعون النظر إلى أنفسهم بعين التقدير.

      موقع "الكتابة" ـ 16 أكتوبر 2021

مصلى السيدات

ـ هل شاهدتِ فيديو الفتاة التي ألقت بنفسها من الدور السادس في المول أمس؟

ـ نعم .. الله يرحمها ويغفر لها.

ـ تخيلي؛ لو قررت خلال تلك اللحظات أن تترك المقهى الذي كانت تبكي فيه قبل انتحارها وتتوجه إلى أقرب مسجد .. بالتأكيد كانت ستشعر هناك بالراحة والسكينة ولم تكن خسرت دنياها وآخرتها.

ـ وهل تعتقدين أنها كانت ستعثر على مسجد مفتوح في ذلك الوقت؟ .. للأسف المساجد تغلق أبوابها بمجرد الانتهاء من صلاة العشاء.

ـ أعتقد أنها كانت ستجد مسجد "الرحمة" القريب من المول لا يزال مفتوحًا .. كنت أمر أحيانًا من أمامه بعد صلاة العشاء، وأجد بعض المصلين داخله.

ـ كان هذا منذ زمن بعيد، أما الآن فكما قلت لكِ؛ المساجد تُغلق مبكرًا، فضلًا عن أن ذلك المسجد لا يوجد به مصلى للسيدات.

ـ صحيح؛ لكن يوجد مسجد آخر على بعد شارعين من المول فيه مصلى للسيدات اسمه مسجد "الرحمن" .. كان على الفتاة فقط أن تعبر إلى الجهة المقابلة ثم تدخل الشارع الذي تقع محطة البنزين على ناصيته وحينما تصل إلى نهايته تنعطف يمينًا ثم تسير بضعة أمتار وهناك ستجده على يسارها .. هذا المسجد يصلي به أبي أحيانًا، وأنا أيضًا صليت فيه من قبل، وأعرف أنه يظل مفتوحًا في المساء لبعض الوقت.

ـ ربما لم تكن الفتاة تعرف بوجوده.

ـ كان يمكنها أن تسأل أحدًا في محطة البنزين.

ـ الحياة صارت أسوأ منذ أن أصبحت المساجد تُغلق أبوابها مبكرًا.

ـ بل أصبحت أسوأ منذ أن ابتعد الناس عن الله كما تقول أمي.

ـ أعتقد أنني رأيت الفتاة المنتحرة من قبل.

ـ وأنا أيضًا .. ملامحها ليست غريبة عني.

ـ لكني لا أتذكر أين أو متى قابلتها.

ـ ربما في الشارع مثلًا.

ـ ربما ...

ـ أظن أنها صادفتنا في يوم ما ونظرت إلينا بطريقة ساخرة.

ـ كانت تنظر إليكِ وحدكِ يا مجنونة.

ـ أنا لست مجنونة .. أنتِ المجنونة.

ـ حسنًا، لا تغضبي .. كانت تنظر لي أيضًا.

ـ هل تعتقدين أن علينا الذهاب إلى ذلك المول ومشاهدة مكان انتحارها؟

ـ لو كنتِ ترغبين .. بشرط ألا نتأخر، أنتِ تعرفين أنه غير مسموح لي بذلك.

ـ اتفقنا .. ينبغي أن أخرج من الحمام الآن قبل أن يعتقد أبي وأمي أنني عدت للتحدث مع نفسي مجددًا.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 13 أكتوبر 2021 

الأحد، 10 أكتوبر 2021

سيرة الاختباء (32)

لدي حاوية محظورين كبيرة على فيسبوك.. تعددت الأسباب التي دفعتني لإلقاء كل منهم داخلها وإغلاق غطائها عليه (ربما سأكتب عن تلك الأسباب بالتفصيل فيما بعد)، لكنهم مع ذلك يمتلكون فضيلتين لا تتوفران في شخصيات أخرى: المصير المحسوم، حتى لو تحوّل في أحيان نادرة إلى وجود مؤقت (ولشرح هذه الفضيلة كتابة محتملة أيضًا)، والاختفاء وإن لم يكن كاملًا نتيجة عوامل لا يمكن السيطرة عليها.

لدي مخطط ساخر تجاه المحظورين المقيمين في هذه الحاوية، ولأنه لم يأت موعد تنفيذه بعد؛ فإنهم يخطرون على ذهني في بعض الأوقات بطريقة سيئة.. أفكر في ما يمكن أن يكتبوه عني على صفحاتهم دون أن أعرف (استعراضات القهر الباعثة على الاستهزاء والشفقة).. في كيف يمكن أن يمر ما قد يكتبونه عني دون أن أدهس وجوههم بشكل فوري.. هل أريد أن أعرف؟ (يسهل عليّ ذلك دون شك).. طبعًا لا.. لماذا أفكر إذن بهذه الطريقة؟

هل لاهتزاز الثقة (المنطقي) في أن أظل حيًا حتي يأتي موعد تنفيذ المخطط الساخر؟ (أعمل الآن على معالجة تلك المعضلة في روايتي “وصية كلنكسر”).. هل لأنني محكوم بطبيعة لا تريد أن تسمح لأحد بأن يُفصح عن عداء ما تجاهي ولو في أدنى مستويات التجسّد؟.. هل لأن “الإختباء” يشترط ذلك الإخضاع حيث لا يمكن لمخبأك أن يصبح فردوسًا حقيقيًا إلا حينما تصفّي جميع حساباتك خارجه؟.. هل كل ما كتبته يطالبك دائمًا بذلك (كانتزاع بديهي لنوع من التعويضات “الثقافية” العادلة)؟.. هل تؤمن بأنه يتحتم عليك الاستجابة لهذا الإلحاح الذي لا يخمد؟

لا يتوقف الموت عن التحقق حتى عند تأتي اللحظة الملائمة لتنفيذ مخطط ما.. لا يتوقف إدراك العداوات عن التصاعد مهما ساد الصمت من حولك.. الصمت نفسه ـ الذي تكافح لإبقاء عزلتك في حمايته ـ هو الموطن الماكر للعداء.. أنت خاضع كلما أخضعت ـ أي كلما شعرت بنجاحك في ذلك ـ حيث لا حسابات تُصفّى، ولا مخبأ يتخلى عن كونه جحيمًا.. الكتابة التي تطالبك بتعويضها العادل هي سر وعيك بالموت المطلق والعداء المحصّن والجحيم المتجذر داخلك من قبل أن يتمثل في حجرة صغيرة، منزوية ومغلقة.. هي سر وعيك بأن التعويض العادل خرافة استعبادية.. فإذا كانت استجاباتك حتمية لإلحاحها بالانتقام؛ فإن الكتابة ذاتها هي جنية الأحلام التي تتواطأ مع كينونتك الغائبة على تفكيكه.

      موقع "الكتابة" ـ 8 أكتوبر 2021

الخميس، 7 أكتوبر 2021

"مكان في الزمن" في المغرب

بعد الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وإيطاليا، سيُعرض فيلم "مكان في الزمن" في المغرب للمرة الأولى وذلك في الدورة الـ 26 لـ مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف، والذي سيقام من 21 إلى 30 أكتوبر 2021 .. الفيلم للمخرج نواف الجناحي عن قصة لممدوح رزق.

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

قصائد قصيرة / ترجمة: ممدوح رزق

 

ملاءمة

مارغريت آتوود

أنت تلائمني

كما يتلاءم الخطّاف مع العين

خطّاف السمكة

والعين المفتوحة.

مخاطرة

أنيس نين

ثم جاء اليوم

عندما أصبحت المخاطرة

أن تبقى منكمشة

في برعمها.

كان ذلك أكثر إيلامًا

من المخاطرة

التي ينطوي عليها الأمر

لتزهر.

الاستيقاظ في نيويورك

مايا أنجيلو

الستائر تفرض إرادتها

ضد الريح

ينام الأطفال

يتبادلون الأحلام مع الملائكة

المدينة تسحب نفسها

لتبقى مستيقظة على قضبان مترو الأنفاق

و أنا، جرس إنذار، مستيقظة

مثل شائعة عن الحرب،

كذبة تمتد حتى الفجر،

عفوية، وغير مبالية.

سمكة غير مرئية

جوي هارجو

تسبح الأسماك غير المرئية في هذا المحيط الشبحي الذي تصفه الآن أمواج الرمل، والصخور البالية .. قريبًا ستتعلم السمكة الصغيرة العوم ثم يأتي البشر إلى الشاطئ ويرسمون الأحلام على الحجر المحتضر .. في وقت لاحق، بعد ذلك بكثير، سوف تخترق قاع المحيط شاحنات تحمل أحفاد الحالمين، الذين كانوا في طريقهم إلى المتجر القديم.

مجازات

سيلفيا بلاث

أنا لغز في تسع مقاطع

فيل، بيت مضجر،

بطيخة تتنزه على وترين

فاكهة حمراء وعاج وخشب ناعم

رغيف كبير بخميرة زائدة

مال جديد في حقيبة سمينة

أنا وسيلة، مرحلة، بقرة في عجل

أكلت كيسًا من التفاح الأخضر

واستقللت القطار الذي لا يمكن مغادرته.

مصادفة

ريتا دوف

عندما ظهرت؛ بدا الأمر كما لو أن مغناطيسًا ينظف الهواء.

لم أر تلك الابتسامة من قبل

أو شعرك، وهو يطير بلونه الفضي كتلويحة وداع

بالطبع لم ترني

ناديتك بهدوء

حتي يمكنك أن تختار عدم الإجابة

ثم ناديتك مرة أخرى

حينئذ استدرت نحو الضوء

عيناك

كانتا تبحثان عن اسمك.

أمي

لوسيل كليفتون

كانت أمي تتنقل بين الأيام

مثل جنية الأحلام في حقل؛

بدا وكأن ما لمسته كان لها …

بدا وكأن ما لمسته لم تستطع الإمساك به

وصلت إلينا تقريبًا عبر العشب العالي

ثم بدت وكأنها استدارت وركضت:

“ينبغي أن أعود الآن …

ينبغي أن أعود إلى الداخل الآن”.

السبت، 2 أكتوبر 2021

"نقد استجابة القارئ العربي" ونظرية الطاعة

كيف يمكن مقاربة استجابة القارئ العربي في ضوء نظرية الطاعة؟

نقدر باختصار أن نجعل تجربة قراءة رواية إيروتيكية مثلا في موضع اختبار "ستانلي ملغرام"؛ حيث يأخذ أحد المواقع التي تطالب القارئ بـ "تقييم" الرواية وليكن "جودريدز" دور المشرف الذي يتولى الإلحاح على المشارك لأداء دوره في الاختبار .. بوسعنا أيضًا أن نجعل اليقينيات والمحاذير الأخلاقية والدينية المتأصلة في وعي القارئ خلال تلك التجربة توازي الإجابات الصحيحة لأسئلة "الكلمات المتقابلة" التي يطرحها المشارك (المُعلم) على الممثل (المتعلّم) في الاختبار .. يمكن لكاتب الرواية في تجربة القراءة أن يحل مكان الممثل في اختبار ملغرام؛ حيث يتلقى الكاتب "المراجعات العقابية" من القارئ، المعادلة للصعقات الكهربائية التي يُفترض أن الممثل / المتعلّم يتعرّض لها من المُشارك / المُعلّم حين يُخطئ في الإجابة.

لنقرأ هذا الجزء من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي / مقدمة في جينالوجيا التأويل":

"إن قارئ النص "المصدوم"، صاحب رد الفعل العدائي سواء ذلك الذي يقدّم بلاغات أمنية، أو الذي يكتب مراجعات عقابية ضد العمل الأدبي وكاتبه قد يكون هو نفسه ذلك الشخص الذي قضى مراهقته كلها في ممارسة العادة السرية وهو يقرأ روايات ألبرتو مورافيا، وخليل حنا تادرس، ونبيل خالد بامتنان مماثل لما كان يشعر به تجاه مجلات "الشبكة"، و"الموعد"، و"طبيبك الخاص" .. ربما يكون نفس الشخص الذي لا يزال يؤمن بأنه كان يرتكب سلوكًا آثمًا اضطراريًا، وأن هذه الكتب التي كان يشتريها ويتداولها مع زملائه وأصدقائه في المدرسة وخارجها هي روايات "غير أخلاقية" تقدم "متعة محرمة" في مقابل "الأعمال الراقية" المنتمية إلى "الأدب الحقيقي"، والتي كتبها أدباء مشهورون يجب أن يكونوا محل ثقتنا كما علمتنا الدولة عبر أذرعها ومؤسساتها وأشباحها الدينية .. الذين لابد أن تختلف ما تتضمنه أعمالهم من عواطف جنسية عن ما تمتلئ به الروايات البذيئة الأخرى من إباحية .. هذا القارئ قد يتحتم عليه لأسباب مراوغة تتعلق بتاريخه الشخصي أو بعلاقته الملتبسة بالفضاء العام أن يتطهر علنًا من فكرة "الذنب" نفسها ـ حتى لو لم يكن يشعر أنه مذنب حقًا ـ وليس من مجرد ارتكابه، أي التطهر ـ ولو شكليًا ـ من تلك الطبيعة المطلقة التي تتجاوز حدوده الذاتية، وتشمله بما أنه جزء بديهي منها .. قد يتحتم عليه أن يُلبي ـ حتى كأداء روتيني مجرّد ـ هذا الإغراء الذي يطالبه طوال الوقت باستغلال الفرص المتاحة ـ خصوصًا لو ارتبط الأمر بمجرد كتابة أدبية أو فيلم سينمائي لن يكون لتجريم أي منهما ثمنًا ينبغي دفعه ـ لإثبات قدرته ـ أمام نفسه أولًا وخارج أي نظام أخلاقي مخادع ـ على المساهمة في تثبيت ما يُعتقد أنها "الحقيقة الأخلاقية" للبشرية كلها ـ ولو لم يكن يصدقها ـ وبالضرورة تمثل جزئيًا السلطة المثالية المفترضة للمجتمع التي تضمن استمراره كسفّاح نرجسي .. قد يتحتم على هذا القارئ ـ حينما يجدر به هذا ـ أن يضلل ويتجاوز ويحاول معالجة جميع ازدواجياته حول المتعة والتحريم، وما يُسمى بالخير والشر، وأن "يقيّم" كل ما كان سببًا في "سعادته المختلسة السيئة" بتبرّؤ حاسم، وإدانة قاطعة لما ليس "أدبًا" من حيث كونه ـ ببساطة ـ ليس "مؤدبًا" سواء كان مؤمنًا بهذا القرار أم لا، أو يحتاج لتقديمه كقربان، أو يُساير به هيمنة يسعى لإعادة اكتشاف وتجديد اندماجه الجسدي بقهرها تفاديًا للشعور بالغربة الذي يمكن أن يصيبه خارجها".

تحميل كتاب "نقد استجابة القارئ العربي"    

https://drive.google.com/file/d/1TPF1Qzc7NkO2I3_VeyHt9mUdvPjTtE_E/view

 

السبت، 18 سبتمبر 2021

فنار مهجور


 حين يُطفَئ مصباحي للأبد

سوف أسترد وظيفتي الأصلية

كسرٍ لا يكشفه إلا إخفاء محكم.

سأتوقف عن أن أكون وعدًا بالأمان

وأصبح دليلًا على كذبة الضوء

وبداهة الظلام في كل جسد.

سأترك البحر غنيمة للضجر

بعدما أتخلى عن دوري المصطنع

في لعبة الخطر والنجاة …

البحر كمقبرة معتمة

حيث تُدفن بتلاحق وصمت

أرواح العالقين في طمأنينة الأحلام:

السائرون في الشوارع

وساكنو البيوت

الخائفون من الغرق.

حين يُطفَئ مصباحي للأبد

لن أكون علامة ليلية

سأكون مصدرًا لليل

وذلك ما سيفسر الرهبة المُسْكرة

في نفس العابر

الذي يدور حول انتصابي المقبض

محدقًا في عيوني الخامدة

التي يعرف أنها من موضعها الشاهق

ترى ما لا يمكن رؤيته

وتختزن ما لا يمكن وصفه

وأن ذلك كان كافيًا

لأزيح عن خطواته الغافلة

مجرد وميض قد يتعثر به

في طريقه نحو النهاية.

اللوحة: Vilhelm Melbye

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2021

سيرة الاختباء (31)

نشرت جريدة "أخبار الأدب" في 29 أغسطس 2021 عددًا خاصًا بعنوان "نجيب محفوظ .. في ذكرى البنّاء الأعظم" .. وصف استسهالي مبتذل مثل هذا فيه من الشوفينية الرادعة أكبر بكثير مما يمكن أن يخطر في ذهن كاتبه، وذلك لا علاقة له بأدب نجيب محفوظ نفسه الذي لا يحتاج إلى صيغ تفضيل مطلقة وطفولية كهذه لتقديره، لكنها كافية لمجابهة أي نزعة للتمرد على التراتبية الأدبية أو هيمنة (الرموز والروّاد) على قمة السلم الوهمي للقيمة .. يذكرني هذا بعنوان مماثل على غلاف نفس الجريدة منذ حوالي 15 عامًا، حينما جمع المسؤولون عن تحريرها وقتئذ عشرين كاتبًا شابًا تقريبًا ـ لا أحتاج للقول بأنهم قاهريون ـ في ملف أطلقوا عليه "كتّاب الألفية في مصر" .. مسارات النشر والنقد والترجمة والجوائز ... إلخ قائمة بشكل أساسي على تشابكات لانهائية من التزييف والتواطؤ بين المكرسين مركزيًا (كتّاب، صحفيين، نقاد، ناشرين، أكاديميين)، وبمعنى آخر؛ لا يتحقق التاريخ الأدبي الرسمي إلا بتراكم متواصل من التضليل العام الذي يثبت تأثيره في النتائج الاستثنائية قبل التي تؤكده كواقع شامل.

يسهل تعرية الكليشيه التوصيفي هذا عند كل محاولة للإجابة على الاستفهام البسيط الذي يحتم طرحه منطقيًا: أعظم بالنسبة لمن؟ .. بالتأكيد ليس للبشرية جميعها عبر العصور كافة, كما أن (الأعظم) قد يكون بالنسبة لأي إنسان متغيّرًا وليس ثابتًا، أي أن المعايير التي يقوم عليها حكم (العظمة) في لحظة ما بكل امتداداتها ربما تتبدل وتتلاشى فضلًا عن خضوعها طوال الوقت للمساءلة والجدل والمقارنة بمعايير أخرى، ولو كان بالنسبة للأغلبية كما يفترض (مبدع الوصف) فإنها الأغلبية التي يعرفها هو .. التي يستطيع قياسها وفقًا للحدود التي تتحرك داخلها فرديته وحسب وليست التي تتجسد في ذاتها داخل كل مكان وزمان كيقين كوني .. إذن هو أولًا وأخيرًا توصيف لوجهة نظر، وحينما يكون كذلك فإن موضعه البديهي هو عنوان مقال لصاحبها وليس عنوان ملف عن (كاتب) لا (إله).

أتذكر أنه منذ 4 سنوات طلب مني الأستاذ "السيد حسين" شهادة عن نجيب محفوظ لمجلة "الأهرام العربي" .. كتبت في هذه الشهادة تحليلًا مختصرًا لما أراها مظاهر دهاء الكتابة عند محفوظ .. لكنني فوجئت بنشر الشهادة مرفقة باقتباس يتضمن هذا التعبير: (رائد الرمزية السحرية) وهو ما لم يكن له أي حضور في الشهادة نفسها ويتنافر كليًا مع كتابتي بشكل عام، حيث أنني لا أستخدم كلمات مثل (رائد) أو (رمز) إلا لكي أسخر منها .. أدرك تمامًا الفرق بين تشريح جماليات الكاتب وبين التقديس الساذج له .. ببن التوحد والاشتباك بعوالمه السردية وبين تحويلها إلى سلطة لا تاريخية مرهبة .. رأيت الخطأ وقتئذ أقل أهمية من مجرد الإشارة له، ذلك لأن الشهادة نُشرت بالطبع في مدونتي بعنوانها الأصلي (الرمزية السحرية عند نجيب محفوظ) وكذلك في كتابي (استراقات الكتابة).

أستعير هذه الفقرة من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي ـ مقدمة في جينالوجيا التأويل" للإشارة إلى الدور الذي تمارسه ألقاب مثل "البنّاء الأعظم"، أو "الصانع الأمهر" كما أطلق أحدهم على المعجزة الفكاهية "إله السرد" ذات مرة:

"أستطيع أن أمتد بهذا الخط على استقامته الآن كي أفكر في هذا الخطاب النقدي المهيمن عبر التاريخ، والذي تقوده (أسماء) لم تمتلك (السلطة) إلا بفضل الأنساق المعرفية (المؤسسية) التي تكوّنت وتراكمت تدريجيًا من خلال آليات الفرز والتنميط والإقصاء، ولم يعد لزمنها الخاص تعريفًا إلا بواسطة لامركزيتها، أي التناسل العشوائي لعلاقات القوة المتشابكة داخل أنظمتها المحكومة بالمفاهيم. تُشكّل هذه الأنساق إذن منهجًا من القواعد التي تُخضع القراء بصورة عفوية لـ (بداهتها المطلقة)؛ حيث كل إدانة، أو كل إقرار للصواب أو الخطأ يمارسه القارئ سيستمد (شرعيته الجمالية) من هذا الوجود المعرفي الذي يمتد طغيانه كغرائز توجيهية وإرشادية تمثل (الحقيقة)".

هل أنا في حاجة الآن للتأكيد على تقديري واحترامي الشخصي لأسرة تحرير "أخبار الأدب" وخاصة الكاتبة منصورة عز الدين والأستاذ طارق الطاهر، وأنني أتشرف كثيرًا بالأعوام التي قضيتها في كتابة مقال شهري لـ "بستان الكتب" قبل أن أتوقف منذ عامين تقريبًا بصورة مؤقتة عن كتابة القراءات النقدية، وأنني كتبت مقالًا تهكميًا عن "كتّاب الألفية في مصر" قبل سنوات في موقع "شبكة شباب الشرق الأوسط" والذي كان يحرره الكاتب والمترجم "أحمد زيدان"؟ .. ربما أنا في احتياج لذلك حقًا نظرًا لأنني لا أتحدث مع أحد ولا أتبادل المكالمات الهاتفية أو الرسائل الإلكترونية أو المحادثات الخاصة مع من يمكنهم أن يجعلوني في غنى عن هذا التأكيد.   

ثمة فرق بين من يتصدى لماكينات التأليه الثقافي راهنًا وتاريخيًا بمعزل عن أطر الحماية النخبوية ومجردًا من التكاتفات المتحيزة للقبائل والجماعات الأدبية، وبين من يفعل ذلك ضامنًا لصلابة ما يرد عنه الأذى وما يوطده في الوقت نفسه كمتن مغاير.

      موقع "الكتابة" ـ 14 سبتمبر 2021

الجمعة، 10 سبتمبر 2021

الإقناع

كان يلقب بالشيخ؛ يؤم الناس في الصلاة، ويلقي دروسًا دينية في المساجد، كما كانت لديه صفحة على فيسبوك ينشر فيها أقوالًا إيمانية مأثورة .. جاءته في الحلم تلك الليلة طفلة صغيرة مريضة بالسرطان كان قد نشر صورتها على صفحته مع دعاء بالشفاء لها .. رآها كما كانت في صورتها تمامًا وسمعها تسأله بصوت واهن:

ـ لماذا أتعذب؟

لم يكن يرى نفسه ولكنه سمع صوته يرد عليها:

ـ هذا ابتلاء من الله ويجب أن نرضى بقدره.

ـ أنا لم أقترف ذنبًا.

ـ الله سيعوضك في الجنة.

ـ لكني لا أستحق ما أنا فيه الآن.

استيقظ من نومه غاضبًا .. لم يكن مفزوعًا ولا حزينًا ولا حائرًا .. كان يشعر بالسخط فحسب لأنه فشل في إقناع الطفلة.

في الليلة التالية وبعد يوم أطاله الشعور بالعجز؛ جاءته الطفلة في الحلم ثانية .. لكنها هذه المرة كانت عارية كليًا وتمتلك جسدًا لم يصدق جماله بينما يرى نفسه يعتليها عاريًا أيضًا فوق سرير مستشفى .. بعدما انتهى من مضاجعتها وقبل أن ينهض من فوقها؛ نظر إلى وجهها الشاحب متسائلًا بابتسامة واثقة .. أومأت الطفلة الصغيرة بالإيجاب مبتسمة هي الأخرى برأسها الأصلع.

استيقظ من نومه سعيدًا وبينما كان يغتسل شعر بأنه يزيل عن جسده آثار معركة عابرة خرج منها منتصرًا.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 9 سبتمبر 2021 

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

مراجعات الكتب كمورفولوجيا تأديبية

من ضمن ما لاحظته أثناء دراستي للممارسات الخطابية للقرّاء العرب على موقع جودريدز ـ وهو ما سيضاف بشكل أكثر تفصيلًا للطبعة الجديدة من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي ـ مقدمة في جينالوجيا التأويل" ـ أن هناك مِن هؤلاء القراء إذا ما أبدى قبولًا أو تجاوبًا أو حتى احتفاءً بأعمال أدبية تنطوي على ما يسمى بكسر التابو الديني أو الجنسي فإن ذلك يكون مقترنًا بإدانة لما يعتبرها مشكلات أو عيوبًا في الأسلوب أو البنية النصية .. هذه الإدانة لا يتناولها من ضمن الانتهاك القيمي الذي أظهر توافقًا معه، أي بوصف تلك المشكلات أو العيوب في حقيقتها جانبًا من التمرد الشكلاني للعمل، والذي يتسق ويتلازم مع تجاوز "المحظور"، وإنما يقاربها كموضوع مستقل، لا يحتمل تعدد التأويل، ويجب النظر إليه من زاوية واحدة وهي "الإخفاق" .. فشل الكاتب في استعمال التقنيات أو تشييد النظام الأكثر ملاءمة لروايته على سبيل المثال .. الفشل هنا صفة لا يمكن أن يمنحها القارئ لنفسه أو أن يحكم على الأقل بـ "عدم الانسجام" بين وعيه القرائي والجماليات الكتابية التي يستخدمها النص، بل ينبغي بعفوية بالغة الثقة أن يلصق تلك الصفة بالروائي كخادم لغوي مكلف وحسب بإرضاء الجميع في كل مكان وزمان.

تبدو هذه الإدانة كأنها حيلة دفاعية لاواعية للتوازن .. تعويض التابو الذي تم القبول بكسره .. مقاومة الانتهاك القيمي بطريقة غير مباشرة .. تبدو هذه الإدانة كأنها عقاب ضروري للكاتب في مقابل التجاوب مع تمرده.

يحتاج القارئ أن يظهر كشخص منفتح، غير خاضع، أو حتى متسمًا بالجموح .. أن يُبعد عن صورته لدى الآخرين صفات الرجعية والتزمت والمسالمة تجاه الثوابت الأخلاقية .. يحتاج لأن يظهر أمام نفسه هكذا فعلًا أو أن يقنع ذاته بأنه قادر حقًا على التفكير بشكل تقويضي .. لكن هذا القارئ الذي لم يقدر على أن يكون ذلك الشخص على نحو تام فإنه يظل محكومًا باليقينيات التي تجبره على أن يجعل الكاتب يدفع ثمن انتهاكه .. حينئذ لا يعني الاحتفاء بكسر التابو إلا نوعًا من الرفض المراوغ سيعلن عن نفسه في موضع آخر (الشكل).

إن مراجعات الكتب التي تستعمل تعبيرات مثل "الحبكة الساذجة" .. "الشخصيات سيئة الرسم" .. "ضعف البناء الروائي" في تلك الأحوال تكون أقرب إلى مورفولوجيا تأديبية (محاكمة المكونات ووظائفها وعلاقاتها ودلالاتها) أي تلك التي تعيد إنتاج بنية النص بما يضمن أن يكون في حالة دفاع عن نفسه ولو على مستوى "تشكّله"، طالما ثمة سبب يدفع قارئه ـ ظاهريًا أو بدرجة ما ـ للتعايش مع مضمونه الانتهاكي.     

"مكان في الزمن" في إيطاليا

بعد الولايات المتحدة الأمريكية ومصر، سيُعرض فيلم "مكان في الزمن" في إيطاليا في الدورة الثامنة عشر لمهرجان Salento International Film Festival ، الذي يستمر من 7 إلى 12 سبتمبر 2021. الفيلم للمخرج نواف الجناحي عن قصة لممدوح رزق.

الخميس، 2 سبتمبر 2021

صبر الصياد

صباح الخير صديقي العزيز

أعلم أنك ستدهش من هذه الصيغة التي أفتتح بها رسالتي إليك نظرًا لأنك لا تعرفني؛ ما بالك إذن لو عرفت أنني في المراجعة الأخيرة فضلت أن أجعلها بديلة لـ (صديقي الوحيد) خشية ألا تصدقني .. فبالرغم من أن تصديق ذلك أو عدمه ليس مؤثرًا في مضمون الرسالة إلا أنني لا أعرف لماذا أشعر بضرورة مبهمة لأن أخبرك بأنني ابتعدت عن أصدقائي جميعهم منذ فترة طويلة، وأنه بعد زمن بسيط من ذلك الانقطاع التام، وحينما صادفت حسابك الشخصي على انستجرام اعتبرتك بالفعل صديقًا جديرًا بالبقاء في حياتي المتخلصة من الصداقات كافة.

أرسل إليك هذه الرسالة كي أعبر لك عن شعوري بالحزن تجاه ما أصابك بسبب جائحة كورونا، والتي جعلتك تضطر أحيانًا لارتداء الكمامة واستعمال المطهرات كما يبدو في بعض الصور والفيديوهات التي تنشرها، أو ربما تسببت لرحلاتك الجوية في تعطيل مؤقت .. أشعر بالحزن لأنني ببساطة أحب حياتك، وبالتالي لا أريد أن يلحق بها أي ضرر مهما كان تافهًا .. لست ساذجًا حتى أعتقد أنك إنسان سعيد لمجرد أنك تجوب العالم وترافق نساءً جميلات وترتاد أكثر الأماكن سحرًا، أو لأنك تأكل وتشرب وتلبس وتغني وترقص وتدخن وتسكر كما يليق بكائن يعيش رفاهية متوطدة .. لديك بالتأكيد تعاستك الخاصة، وكل ما في الأمر أنني كنت أتمنى لو اختبرت ذلك الشكل المجهول من التعاسة الذي يدفعك للعيش على هذا النحو .. كنت أتمنى أن أجرّب ذلك الألم الذي يظهرك كما لو كنت سعيدًا بهذه الصورة المخادعة لضعاف العقول .. أنا أيضًا لدي تعاستي الخاصة، لكن بوسعك القول أنه بعد تجاوزي الأربعين شعرت بالضجر من حياتي .. كان لدي رجاء بأن ألامس على الأقل تعاسة مختلفة داخل تلك المتع الظاهرية التي تشكّل حياتك .. ونظرًا لأنني أعجز كليًا عن ذلك فليس بمقدوري سوى أن أعيش صورك وفيديوهاتك على انستجرام.

لهذا، وبعدما لاحظت في الآونة الأخيرة أنك تخليت حتى عن التزاماتك البسيطة بالإجراءات الاحترازية فإنني أطلب منك أن تعاود استخدامها حماية لنفسك .. لا أريد لما أنت فيه أن يتوقف .. لا أريد لمنشوراتك الاحتفالية بالحياة، التي أعلم أن ثمة معاناة من نوع ما تتوارى خلفها، أن تنتهي .. منشوراتك التي أصبحت حياتي، وأنا كشخص عادي يخاف الموت لا أريد أن أفقد هذه الحياة .. حافظ عليها أرجوك .. أما إذا شعرت قبل نهاية عمرك بأنك تريد الانعزال عن العالم، وإعادة تأمل أسرارك البائسة، ثم تملكتك الرغبة في كتابة قصة قصيرة عن ذلك وطلبت مساعدتي؛ فإنك حتمًا ستكون قد قصدت الرجل المناسب، ولا أحتاج للقول بأنه حينئذ ستكون اللحظة التي يكتمل فيها امتناني لوجودك في حياتي .. اللحظة التي انتظرتها منذ أن اعتبرتك صديقي الوحيد.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 1 سبتمبر 2021

اللوحة لـ (بابلو بيكاسو)