‏إظهار الرسائل ذات التسميات النقد الإيروتيكي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات النقد الإيروتيكي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 ديسمبر 2020

ممدوح رزق: (سيرة الاختباء) سيرة فلسفية، وسعيد بالتعاون مع المخرج نواف الجناحي

محمد فوزي دياب

يعيش الكاتب والناقد ممدوح رزق حالة من التوهج الإبداعي اللافت حيث انتهى منذ فترة قصيرة من ورشته القصصية الثالثة، كما نشر مؤخراً أجزاءاً من مشاريع أدبية ونقدية وفلسفية يعمل عليها حالياً مثل (نصفي حجر)، (دكتور باركمان ومستر ويبستر)، (نبوءات لامرئية)، (مراوغة الإدراك في فلسفة شوبنهاور)، (البصق في البئر)، (النقد الإيروسي)، و(أحلام اللعنة العائلية). تتوزع هذه المشاريع بين المتوالية القصصية والرواية والنوفيلا، ومنها ما يوثّق اكتشافاً أدبياً، وآخر يصك مصطلحاً نقدياً جديداً. في نفس الوقت عُرض بمهرجان شيكاغو السينمائي الدولي وللمرة الأولى فيلم (مكان في الزمن) للمخرج الإماراتي نواف الجناحي عن قصة قصيرة لممدوح رزق، والذي يشارك أيضًا نخبة من الكتّاب والنقاد العرب في تحكيم جائزة أدب الخيال العلمي التي أطلقها بيت الفنون بواشنطن. في هذا الحوار يتحدث ممدوح رزق عن هذه الانشغالات المتعددة، وعن تأثير (كورونا) على مشاريعه، وكذلك توقعاته لما بعد صدورها.

ـ هل كان لـ (عزلة الجائحة) تأثير على عملك؟

بالتأكيد .. حتى شهر مارس من هذا العام كانت لدي خطة عمل مختلفة تمامًا ثم خلال مدة قليلة تغيرت كليًا .. بعد مرور ثمانية أشهر يمكنني القول إنه كان تغييرًا للأفضل، لكنني دون شك لم أكن أريده أن يحدث كنتيجة للوباء.

ـ هل لديك تصوّر معيّن حول ما سيحققه نشر (دكتور باركمان ومستر ويبستر)؟

يُفترض منطقيًا أن يحقق ما يليق باكتشاف يخص أحد أهم الألغاز الروائية في تاريخ الأدب العالمي، وهو الأصل الواقعي لرواية "دكتور جيكل ومستر هايد" .. اكتشاف يعتمد على التماثل الشامل مثلما ذكرت في الدراسة، أي أنه يتفوق على جميع الافتراضات والتخمينات الجزئية التي حاولت أن تُنسب للرواية عبر الزمن .. لكن بما أن الكتاب سيُنشر ـ حتى الآن ـ في "بلد عربي" فدعني أحتفظ بهذا التصوّر مؤقتًا لنفسي.

ـ وبالنسبة لـ (النقد الإيروسي) هل تتوقع أن يتم استخدام المصطلح في الدراسات النقدية بعد صدور الكتاب؟

في الحقيقة أنا غير مشغول بهذا .. ما يعنيني هو التطبيقات التي أمارسها بنفسي لهذا المنهج الجديد، الذي لا يخضع بالطبع للقواعد الصارمة في المناهج التقليدية .. نفس الأمر ينطبق كليًا حول أطروحتي عن شوبنهاور.

ـ ماذا عن تصنيف (سيرة الاختباء) التي تنشر حلقاتها منذ عام تقريباً؟ هل هي سيرة حياتية، أم أدبية، أم مزيج بين النوعين؟

بالنسبة لي هي سيرة فلسفية .. أولًا لأنها تستهدف الذاكرة الشخصية، التاريخ الثقافي، الحياة الأدبية المعاصرة .. ثانيًا لأنها تقوم على التشريحات التقويضية التي تستعمل موضوعات الفن والفكر المختلفة: التصوير، التحليل النفسي، السينما على سبيل المثال.

ـ يُلاحظ أن أعمالك السردية (قيد الكتابة) يجمعها تناول الماضي العائلي بطرق مختلفة، كيف ترى ذلك؟

هذا صحيح بدرجة كبيرة، ولكن بما أنها لا تزال مشاريع في مرحلة العمل سأجيب باختصار: رواية "نبوءات لا مرئية" تتعلق بالكيفية التي يمكن أن تجعل حدثًا في الذاكرة نبوءة غير مدركة لأحداث لاحقة ومتباعدة زمنيًا، أما قصص "أحلام اللعنة العائلية" فهي دمج سحري بين الذكريات وأحلامي بها ـ بالمعنى الأشمل للحلم ـ وبالمدينة بوصفها متاهة سرية للأشباح، وذلك كمطاردة تشريحية للجذور الغامضة التي أنتجت تاريخًا ملعونًا، أما رواية "نصفي حجر" فهي إعادة خلق أسطورية لحياة أخي الأكبر تبدأ من لحظة موته بين أصدقائه، واعتمادًا على اقتفاء أثر خطواته الجامحة في مرحلتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

ـ حدثنا عن (مكان في الزمن)، التحضير للفيلم، والتعاون مع المخرج نواف الجناحي، وعرضه في مهرجان شيكاغو؟

يكفي القول أن إعداد الفيلم استغرق سنوات طويلة، وأنني سعيد بالتعاون مع المبدع نواف الجناحي، وصدقني فأنا لم أشاهد الفيلم حتى الآن، حيث أنتظر مشاهدته برفقة نواف الجناجي حين يُعرض بمصر، ولكن ما شاهدته في الإعلان الدعائي يجعلني ممتنًا لنواف حقًا.

ـ ماذا تمثل لك تجربة تحكيم جائزة الخيال العلمي التي أطلقها بيت الفنون بواشنطن؟

ككل التجارب السابقة التي شاركت فيها تحكيم الجوائز؛ أجدها فرصة جيدة للتعرّف على بصمات كتابة مختلفة بصرف النظر عن ضرورة تقييمها، خصوصًا في مجال مثل الخيال العلمي.

دورية (المساكن) الأدبية

نوفمبر 2020

 

الاثنين، 31 أغسطس 2020

ملاحظات حول إيروسية جورج باطاي

أقدم في هذه المقالة ملاحظات مبدئية حول كتاب "الإيروسية" لجورج باطاي، ترجمة محمد عادل مطيمط، بوصفه أحد فضاءات اللعب أو "متون التفكيك" المستعملة في مشروعي النقدي ـ قيد الكتابة: "النقد الإيروسي .. نحو اكتشاف شبقية التناص"، والذي يُعد مدخلًا تطبيقيًا لمنهج جديد مثلما أشرت في الجزء المنشور منه، ويتناول ـ حتى الآن ـ نصوص وصور مها الجويني، آن لويس جيرمين نيكر أو "مدام دو ستايل" في القرن 18، فوتوغرافيا نادية عبد الواحد في ستوديو فان ليو 1959، فيكتورين موران موديل إدوار مانيه في لوحة "غداء على العشب"، بيث بطلة مسرحية "منظر طبيعي" لهارولد بنتر، ميريل ستريب في أغنية The Winner Takes It All، وPam Grier في فيلم Foxy Brown.

يمكن التفكير في الصمت كطموح التوحد مع لاشعور اللغة من قبل أن تتحقق، أو البدائية المعتمة التي تسبق حدوثها، أي "ما قبل"، و"ما حول" اللغة كفكرة لا ترتبط بغير نفسها، ولا يقع شيء خارجها .. لا وجود لـ "الصمت" حيث لا يتوقف الخطاب ـ كخالق ـ عن العمل داخل أجساده التي تدعي "صمتها" أحيانًا، أو أنها تطارد "الصمت" الذي يحث عليه "فيتجنشتاين"، في حين أنها مطاردة ـ بفعل الخطاب نفسه ـ من ذلك الصمت .. بهذا ليس الصمت المتداول هو الصمت الأوّلي نفسه أو "ما وراء" الكلام الذي يتم الإصغاء إليه بل هو استمرارية متنكرة للكلام تتوهم الصمت، عماء يحاول أن يكون ظلًا لأصله.

يتكلم "الماركيس دو ساد" عن تجارب أبطاله ، وعن نفسه من خلال تلك التجارب كي يثبّت "كلامه" في دائرة العزلة المطلقة، وفي الوقت نفسه يمنح هذا الكلام انتماءً ضمنيًا مراوغًا لأطر التاريخ المعقول والأخلاقي .. أتحدث عن انتماء مضاد، مفارق، يمحو ما يجابهه، ومع ذلك يٌبقيه عالقًا في إبهام مغاير .. إنها محاولة تكييف أثر الجريمة "الخارجي" ليصبح مكوّنًا لمتعة الآثام المتراكمة في الداخل، حين يكون ذلك الأثر موضوع عمل، أو "أسلوبًا" لتخطي ذاته.

يمثل الانفصال Disontinuite الإرادة الجوهرية للصمت البدائي مقترنة بخديعته القهرية أي "الاتصال" حيث يكتشف الكائن نهايته .. حصيلة مغامرات الاتصال الفاشلة في الإيروسية الجنسية والانفعالية والمقدسة .. لكن اللامبالاة المطلقة Apathie ليست نفيًا حرًا أو اجتنابًا لعنف الوهم الاتصالي، ذلك لأنه يكمن أساسًا في اللغة، أو بالأحرى في لاشعورها كـ "صمت" قبلي، وبذلك لا مجال لتسكين "إيروسية اللغة" أي التمزق الخيالي للكينونة .. هي ليست طبيعة مجاورة في قائمة الوجوه الإيروسية: الأجساد والمشاعر والمقدس، وإنما يمكن القول إنها غريزة تلك الوجوه محتوية أقنعتها .. المشيئة المتجذرة، التي لا يستند حضورها على تجسداتها المؤقتة .. لذا كل خطوة في اتجاه "العزلة" هو تماد "لغوي" نحو المستحيل أو "الاتصال المطلق"، وليس تحررًا حيث لا يتوقف "الكلام" / مغامرات "الاتصال" مطلقًا مع الغياب الظاهري للآخر، ولا يتحقق "الصمت" بما أنه لن يكون أبدًا ذلك الصمت الأوّلي، أو ما وراء الكلام حقًا.

بذلك فالإيروسية "عنف الاتصال" تختبئ في الصمت، أو عتمة ما قبل اللغة المنطوية على الفردية / الانفصال كطيف "خامة" ينتج جسدًا / لغة .. تمثلات حسية تعلن الإيروسية بواسطتها عن نفسها، ولكنها لا تتجلى فيها .. تمرر وجودها ليس كحقيقة، وإنما كغموض غيبي .. كروح لا ممارسة، تُخفي سرها التدميري الممتلئ كاملًا بنقائه المتوعّد، والفائض بخيالاته غير المحكومة فيما قبل تمظهراته الجنسية والانفعالية والمقدسة.

ما يؤديه النقد الإيروسي هو تحويل التناص إلى استراتيجية كاشفة لعنف الاتصال اللانهائي بين النصوص المختلفة حيث يتداخل ما هو فني وشخصي وتاريخي، تصبح خلاله اللغة / الجسد في حالة تقويض متواصل لنفسها .. تجاوز مستمر لذاكرتها المعرفية .. بذلك لا تخلق اللغة "وهم الصمت" بما أن هذا الصمت / الكلام المتنكر ليس ناجمًا عن الرغبة في "استقرار لغوي"، وإنما تناوش "بدائية الصمت" بفعل سعيها المرتجل والمتلاحق لتغييب سلطتها .. الكفاح الشبقي المدوّخ لمراوغة هيمنتها الإدراكية أو سيطرة المعنى.

موقع "الكتابة" ـ 30 أغسطس 2020

الاثنين، 21 مارس 2016

النقد الإيروتيكي

سأقتبس الآن فقرة من مقال سابق لي بعنوان (من الشعر إلى الواقع): (لكن الواقع يرتفع فوق حتمية الحدوث الفعلي؛ فالأكاذيب تساهم في إنتاج الحقيقة بضرورة مساوية لما تنجزه التجارب المدركة .. الإشارات التوثيقية هي آثار تتخطى الصدق والادعاء، فتظهر كمقاطع من مذكرات خاصة لحياة أُعيد تشكيلها على نحو لا يُراد التشكيك في صوابه .. من هنا يبدو الوجود كأنه غنائم من الخبرات المتصارعة التي يتم تمريرها داخل الشعر ثم إعادتها إلى العالم كحضور مغاير، طبيعة مختلفة، لكنها مؤكدة باعتبارها احتمالات لها صفة البداهة، أي تستعير إلزام الظواهر والمشاهد الملموسة).
وصفت (مها الجويني) نصها بأنه (بورتريه مستقبلي تخييلي)، وأنا لا يعنيني كيفية تصور المستقبل أو مساحة الخيال في النص لأن هذا البورتريه أصبح هو الواقع الذي أمتلكه عن (مها الجويني) .. الحقيقة التي تتجاوز الاستفهام حول إذا ما كانت أحداث النص قد وقعت جميعها بالفعل أو بعض منها أو لم تقع على الإطلاق، وإذا كانت هذه الأحداث في طريقها للوجود (مستقبلاً) سواء بكاملها أو بكثير أو قليل منها أو لن توجد أبداً .. لقد وقعت ـ بالنسبة لي ـ جميع أحداث هذا النص فعلاً بمجرد كتابته، أي بمجرد أن شكّلتها (مها الجويني) لذا أصبحت هي الحقيقة التي تعلو فوق الانشغال بمدى الصدق والزيف في متنها .. إن (مازال مقتنعا بأنه أول من افتضها) هو النص الذي لا يوجد شيء خارجه بحسب (جاك دريدا)، أي أنه الوجود الخاص بـ (مها الجويني) الذي يتجاوز حدوده الكتابية المعلنة ليشمل حياتها بأكملها، حتى التفاصيل التي بدا أنه لم يتضمنها .. لقد تعاملت مع هذا النص كأثر شخصي مدعوم بالتأكيدات المعرفية التي يمكن الحصول عليها من الأدلة المتاحة على الإنترنت عن (مها الجويني)، والتي تتطابق بشكل ما مع (المعلومات) الواردة في النص .. هذه الممارسة النقدية ستقودني إلى متعة حسية تتأسس على العلاقات الجمالية بين (الكتابة) و(الصورة) و(التناص)، والتي ستُخلق بالتالي على إثرها علاقات شبقية لانهائية، تتخطى الارتباطات التمهيدية التي تجمع النص الأدبي والفوتوغرافيا الشخصية والتفاعلات المشيّدة مع نصوص كتابية وبصرية أخرى .. هل يعيد النقد الإيروتيكي ـ بهذه الطريقة ـ تعريف النص الإيروتيكي؟ .. هذا مؤكد، ولكن ينبغي أن أكون أكثر دقة وأقول أن النقد الإيروتيكي سيحوّل تعريف النص الإيروتيكي إلى احتمالات لا يمكن تأطيرها، تزاوج بين الفني والشخصي والتاريخي حيث لا يمكن تعطيل (إعادة الكتابة) عند ذات معيّنة في لعبة التداول والإرجاء وتغييب المعنى.
من كتاب "النقد الإيروتيكي / مدخل تطبيقي لمنهج جديد" ـ يصدر قريباً.
الصورة: (نادية عبد الواحد بعدسة فان ليو).