‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخبار الأدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أخبار الأدب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

ما يشبه الظل: نحو اجتياز فائض العتمة

يعيدنا عنوان مجموعة حسام المقدم "ما يشبه الظل" إلى نظرية الشخصية عند كارل يونج، وتحديدًا إلى مفهوم "الظل" الذي يشير إلى الجانب المظلم، أو موضع "الإنكار" في الشخصية، حيث يختبئ كل ما عاندت الأنا انتسابه إليها، ومن ثمّ قامت بإسقاطه على الآخرين. تحيلنا أيضًا قصص هذه المجموعة الصادرة عن بيت الحكمة إلى ما يمكن تسميته بـ "الكينونة المضادة"، أي ما تعتبره الذات "حالة وجود" مناقضة لها، وبالتالي تتخذ تجاه حضورها موقفًا متأرجحًا، يتداخل عبر طياته التجنب والمناوشة والتفاوض. هذا الموقف تجاه الكينونة المضادة لا يمثل "وجود" الذات، وإنما تمردها الخفي على نفسها. كفاحها المستتر لبلوغ حريتها أو "عدم الكينونة" بتعبير كارل ياسبرز.
"يمكنني أن أعدّ الكلمات التي تبادلتُها معه. أقول له: "إيه الأخبار؟"، يردّ: "مفيش جديد". في مرة أخرى أحاول أن أناقشه في أي شيء، مثل احتمال تغيير التوقيع في دفتر الحضور والانصراف إلى نظام بصمة الوجه. يكون ردّه: "مُمكن". لا يصلني شيء من "مُمكن"، يمرُّ بي خاطر أنه يُخفي أشياء لا يريد الكشف عنها، أو هو في الأساس لا يستريح للكلام معي، رُوحه تستقبل مني النّفور فتردُّه بأحسن منه. الغريب أنني بعد كل مرة أتلقّى فيها رُدوده الشحيحة؛ أُوشكُ أن أخلع حذائي وأُنَفِّض رأسي. أتمادَى في تأنيب نفسي: أستأهل ما يحدث لي، طالما أتكلم مع هذا الكائن. أتردد في الاعتراف أنّ مغناطيسا يجذبُني إلى مَنْ أكرههم".
في قصة "شرارة سوداء" يحدد الراوي شخصية "علاء" ككيان معاد له؛ شخصية تتسم بالانطواء والغموض وتثير الاستفزاز بالضرورة، وكأنها تصوّب إلى الراوي ملامح من "الظل" الذي يستبطنه، أي ما تأبى أنا الراوي الاعتراف باحتجابه في داخلها، ومن ثمّ تكشف الكتابة عن هذا النزاع بين الراوي وتلك الصورة المجسّدة من ظلامه الخفي في شخصية "علاء"، وتعادل الصور الأخرى التي "تجذب الراوي". يتحوّل الراوي هنا إلى ذات تُفصح عن ما تضمره تجاه الكينونة التي تعتبرها الأنا تمثيلًا لنقيضها. تُظهر أوراق اللعب مع خصمها الكامن أساسًا في داخلها: التقرّب، النفور، التلصص، الرجاء، الندم. أوراق لعب تُستخدم في مراوحة مستمرة، تصارع هذا الوجود المضاد، شوقًا لامتلاكه، لكي تقبض الذات على سرها بواسطة امتلاكه. نلاحظ التعبير الذي استعمله الراوي في وصف شعوره بالقلق من رؤية "علاء": "أشعر بِضَربات في رأسي تتجسّد وتتجاوز إيقاع النبضات، شيء في بطني يتكوّر ويلفُّ مُحدِثا وجَعًا". في مقابل تعريف ما في الرأس "ضربات"، نجد "لا تعريف" لما في البطن: "شيء". لماذا لم يعيّن الراوي تسمية لذلك الذي "يتكوّر ويلف مُحدثًا وجعًا" في بطنه كما فعل مع "الضربات التي تتجسّد وتتجاوز إيقاع النبضات" في رأسه؟ كان من السهل على الراوي أن يفعل ذلك بتحديد عضوي واضح كاضطراب أو تقلصات المعدة او الأمعاء مثلما وصف ما يحدث في رأسه. إن هذا الشيء هو "علاء" نفسه متخذًا طبيعة الجنين الذي يريد الراوي إنجابه / إجهاضه، وبالتالي الحصول على السلام الناجم عن مغادرة هذا الكائن لجسده، وبما أن علاء لا يمكن تعريفه؛ إذن هو "شيء". "علاء" جنين مجهول لا يمكن للراوي تسميته، هو فقط ابن "الظل" لدى الراوي، جسر غائم نحو الغيب، أي ما يجب للذات مطاردة خلاصها من نفسها عن طريق اجتيازه.
"عضضتُ شفتي، تلاحقت أنفاسي. أغمضتُ عينَيّ على زغلَلَة بصريّة، جَسَّدها ذهني المشحون. رأيتُه يرفعني بقوة ويضعُني في كرسي آخر، ثم يعود ويقعد مكاني. أتفاجَأ بنفسي في بيته، أتجوّل في الحجرات، أُبصر امرأة تقف في ركن، وهو هناك في مُواجهتها. من جسديهما تخرج أشعة صفراء قوية تتداخل في دوَّامة كبرى. صدري مُعبّأ بدُخان ضاغط. سأقوم حالا وأخنقه، لن أتركه حتى تخرج روحه. آه لو أرى روحه، أتأمّل شكلها، أقترب منها وألمسها. تحدث المعجزة، أَمدُّ يدي، وبمجرد أن أمسك ذلك الشيء وأتحسس رخاوة المطاط اللاصق؛ تَرجُّني رعشة قوية، أرميه وأجري".
يُمعن الراوي في كشف "ظلامه" المتمثل في شخصية "علاء"، ومن خلال ذلك النوع من العماء أو "الزغللة البصرية" التي تستدعيها / تخلقها "الكتابة"؛ تبصر الذات تلك الإرادة الباطنية لـ "الظل" حين تقوم في لحظة التيقظ أو الانتباه هذه بإزاحة "الأنا" عن عرشها المتوهم ليعلن الظلام عن نفسه كأصل متمنّع. إرادة مجابِهة للسلطة أبوية، تحوم حول الامتزاج بين الرمزي والخيالي؛ فـ "علاء" يحضر عبر هذه "الزغللة البصرية" كأب مستمد من الأب الواقعي، أي ما يمثل القانون اللغوي والاجتماعي للرغبة، كما أنه يجسد في نفس الوقت التصورات المثالية والعدائية للراوي تجاه ذلك الأب، ضمن سياق التقليد والمنافسة. يحلم الراوي باسترجاع أبوته الكونية عبر التوحد بذلك الاندماج بين الرمزي والخيالي. بالخضوع إليه ـ كصفقة مترصدة ـ حين يأخذ الراوي محل المرأة (التي تكابد مخاضًا لا ينتهي لولادة هذا الأب الكوني). أن يعاود امتلاك "الأم" التي تقف في ركن ـ استرداد ذاته من "مرحلة المرآة"، بحسب جاك لاكان، أي مقاومة إدراك أنه موضوع مستقل عن أمه"1" ـ ومن ثمّ يُبعث الوجود خارج ظلمة الأبوة نفسها. قتل ذلك الأب، انتزاع روحه الملغزة، الروح التي يستأثر بها، ولا يمكن تخيّل ملامستها على نحو كامل ومؤكد، وبالضرورة هي لا تٌعرَّف إلا بنقيضها، أي تلك النفس العابرة، التي تفتقر إلى السطوة الغيبية، المحكومة بالخوف من القبض على الزيف "القناع الجائر" لمفهوم الأبوة.
"أُردّد بلساني داخل فمي: لا تلتفت، إياك أن تُدير رقبتك، وجهه في انتظارك، يترصّدكَ أينما كُنتَ. أُريح رأسي على مسند الكرسي. يُشتّتُني هاجس أنه ينظر ناحيتي بمُعدّل نظرة كل ثانية، يفكر في لحظة التقاء نظرتينا، في الشرارة السوداء التي ستنفجر في منتصف المسافة بيننا".
تعيدنا "الشرارة السوداء" إلى كارل يونج ثانية: "إن وعي "الأنا" ليس سوى شرارة صغيرة في محيط الظلمة العظيم، ومع ذلك، فهو النور" "2". الراوي يراوغ الوعي بـ "الظل" / علاء كأنه رسول "جحيم دانتي" بوصف يونج نفسه للمكوّن المرفوض والمُلقى في النسيان أو ظلمة اللاوعي. ما لا يجب أن يكتب مشهد النهاية، أي ما يقرر المصير.
"آخر ما يخطر على بالي، في أسوأ الظّروف القَدَريّة، أن ننقلب في الترعة، وأكون مع هذا الشخص في عناق إجباري، يستميت على النجاة. سأدفعه عني بكل طاقتي المكبوتة، لا يمكن أن يكون وجهه آخر الوجوه التي آخُذها معي إلى الأبد".
لكن الكتابة لا ترصد المراوغة فقط، وإنما تحوم حول المواجهة بين الذات والظل، أي الثمن الذي يتحتم على الذات دفعه نتيجة لهذه المواجهة: "التخلي عن كل أمل" كما كُتب على أبواب الجحيم في الكوميديا الإلهية. النور هنا أشبه بالإشراق المعكوس، توغل عبر أغوار الذات مجردًا من "الحكمة"، اجتياح لعتمة الصدوع وصولًا إلى العدم، هي شرارة سوداء لكونها محوًا للذات، استبصارًا لفقدانها الذي يسبق ضلال الولادة، دحض المثال الغيبي الذي تريد أن تكونه، الإقرار بأنه لا سبيل لهذه الذات أمام كمالها المُهدر وحصانتها المستبعدة سوى إشهار لعنتها. أن تعلن حريتها بالتخلي عن كل تبرير أو تفسير أو استناد إلى دافع مبهم تقدم نفسها قربانًا لحمايته. التخلي عن كل رجاء في تعويض. لا شيء يعوّضها سوى الانتقام من سرها المتواري في صورة "الأب المهيمن".
"وقفتُ أمام المرآة الكبيرة في حجرة أمي، عرّيتُ نفسي، وضعتُ الشيء بين فخذيّ، أبعَدتُ عُضوي قليلا، البلبل أو الحمامة كما يقول العيال، استعرضتُ شَكلي الجديد، نُسختي المزدوجة، ابتسمتُ، تمايلتُ، قرفصتُ فانفرجَ فخذاي، هذه المرّة ظهرَ عضوي صغيرا منكمشا، أصبح لي شيئان، أحدهما "مَركِب" والآخر بلَحة ذابلة، قَرَّبتُهما، أصبحا مُتلاصقين".
تدفعنا قصة "تشكيل طيني يشبه حبة القمح" للبقاء في "نظرية الشخصية"، ولكن هذه المرة بالتوجه نحو مفهومي الأنيما والأنيموس عند كارل يونج، أو قوتي الذكورة والأنوثة المتصارعتين داخل الشخصية. يستعيد الراوي في القصة جذور تعرّفه على "المرأة" في تكوينه النفسي، من خلال تشكيل حبة قبح طينية تطابق ما رآه عند أمه وهي تستحم. لكنه ليس تعرفًا بدائيًا على النمط الآخر للشخصية فحسب، وهو ما سيتم لاحقًا إبعاده إلى ظلمة اللاشعور، وإنما البحث المبكر ـ في المقام الأول ـ عن الكمال. الشبق الغريزي للتمرد على النقص الذي يتخطى امتلاك الذكوري والأنثوي، للاعتراف بهذا العصيان ومن ثمّ العيش بوصفه حياة أصلية. ما كان على "الظل" أن يختطفه لكي تحافظ الأنا على "أمانها" وفقًا لشروط ذلك الكبت. يستعيد الراوي في القصة مطالبته المبكرة "المشفّرة" بالتحرر من جسده، أي التخلص من كينونته ليعود "ذاتًا كاملة بلا نقائض".
"أذكر أن عينيّ أبي لم تكونا مرتاحتين لتصرّفاتي، نظرتُه إليّ كلما رآني ألعب بأشياء لا تشغل بال عيال في سِنّي؛ يلعبون الكرة، أو يضربون بعضهم بغشوميّة في "صَلَّح".
حتى اليوم لا أزال أشكُّ أنه عرفَ سِرّ الشيء المُحرّم الذي صنعتُه، ولاحَظَ انشغالي البالغ بكرتونتي العامرة، حين كنتُ أُغيِّر أماكنها، من تحت سريري، إلى فوق الدولاب، إلى السطح مدفونة في القش.
هل كان هو الذي أخذ ذلك الشيء تحديدا من الكرتونة، دون أن يمسّ باقي الأشياء؟ يومها بحثتُ في الدار وعلى السطح، والنتيجة: فَصّ ملح وذاب. أتذكر استعراضي لتماثيلي أكثر من مرّة، صَففتُهم أمامي واحدا واحدا، بلا أمل في ظهور ذلك الناقص. عدتُ وجمعتُهم، ذاهبا بهم إلى تحت الكنبة في الصالة، دون أن أشغل نفسي بمدى أمان المكان من عدمه.
الغريب أنني لم أصنع شيئا جديدا يُعوّض ما فقدته مثلما أفعل مع مُجسّماتي الأخرى، انطفأت رغبتي في إنجاز تشكيل طيني يشبه الذي ضاع.
إلى هذه اللحظة لديّ اقتناع أنني لو فعلتُ؛ ما وصلتُ إلى تمام الشّبَه الذي كان".
يقف الأب، بكل ما يمثله واقعيًا ورمزيًا وخياليًا، أمام هذا الاكتشاف، مراقِبًا ومعاقِبًا في مواجهة هذا التوق العفوي للكمال، لإعادة اكتساب الأبوة الكونية التي تستحوذ وتتعدى "الرجل والمرأة". الأب ـ كمصدر متعال للسلطة ـ يتولى اختطاف هذه الشهوة "من كرتونة الراوي" إلى "الظلام". إلى "الظل" الكامن لدى الراوي، وكأنه لا فرق بين أن يُخفي الأب "ذلك الشيء" أو يتخلص منه الراوي بنفسه إرضاءً للاب وامتثالًا لنظرة التحريم التي تلاحقه بها عيناه. إن هذا المجسّم هو ما كان يمنح الحياة لتماثيل الراوي الأخرى باعتباره إيماءة نقية إلى الجوهر المؤجل لـ "المطلق" الذي يُفترض بالراوي استرداده. الدليل الملموس على وعي الراوي بالخلاص الكامن في إزاحة نقصه، في العثور على "اكتماله"، ومن ثمّ في قدرته على "الخلق" الناجمة عن هذا الاكتمال. هذا ما يجعل التماثيل / المخلوقات التي لم تنجح محاولات الراوي لبعث الحياة داخلها نتيجة فشله في استرجاع أبوته الكونية، المناوئة لمفهوم الأبوة في احتيالها الجحيمي المترفّع؛ هذا ما يجعل تلك التماثيل محض استعارة خاملة للراوي نفسه، ينقصها "الأمان الأبدي" الذي لا يُخدش، سواء بدا أنها آمنة حقًا ولو بكيفية مؤقتة أم لا. هكذا أفكر في الكتابة بوصفها رد فعل على الإخفاق الطفولي الذي تؤطره هذه الكلمات: "لم أصنع شيئا جديدا يُعوّض ما فقدته مثلما أفعل مع مُجسّماتي الأخرى، انطفأت رغبتي في إنجاز تشكيل طيني يشبه الذي ضاع. إلى هذه اللحظة لديّ اقتناع أنني لو فعلتُ؛ ما وصلتُ إلى تمام الشّبَه الذي كان". الكتابة اكتشاف للثأر المنطقي من هذا الحرمان المتجذّر. الحرمان من "الروح الملغزة"، القادرة على "الخلق الفعلي"، ودون بطش أبوي. أفكر في الكتابة كعقاب على ما تيقن منه الراوي خلال أيامه اللاحقة بأنه لا يمتلك قدرة خارقة على الشفاء من نقصانه، وأن كينونته هي النقيض القسري للكمال.
يغلب ضمير المتكلم على المجموعة، وهذه الملاحظة لن تبوح بسرها إلا مع اقتفاء أثر "الظلام" عبر قصصها سواء في حضوره الفعلي كما في قصتي "استدراج النور" و"عجينة سوداء"، أو في تلويحاته الضمنية كما في قصص "تانجو النوم"، و"غبار قوس قزح" و"سماء أسفل النافذة". الراوي يحاول التكلم أكثر من كونه متكلمًا بالفعل، فالظل ليس ما يكافح أن يرسمه (في الخارج) بل ما يسعى لاستبصاره في الداخل. الظلام الباطني يحفّز ويضاعف غضب الراوي ونقمته تجاه "ظلام الواقع" الذي يشير إليه ويؤكده انقطاع الكهرباء مثلًا، ومن ثمّ فإن لديه نبرة "التخبّط في العتمة" أو من يعرف أن ثمة ظلًا ينبغي التنقيب عنه، ولكنه يبقى على الدوام ظلًا "قيد التحري"، محاصرًا بالشك، مسيّجًا بالارتياب من كونه يقبل الاغتنام أو "ما يشبه الظل". لذا فالإشارات والتشكليلات الظلية التي تتحاور عبر بلكونتين في غياب الكهرباء، تدور نفسها في خبيئة كل من الرجل والمرأة داخل عزلة يسكنها الاغتراب، ويوطدها "الطبطبة والنوم". أيضًا "عُصارات الحبر المخلوطة بعجينة السطور" تنبئ بكونها ترسبًا داخل "النشوة والابتهالات والدموع". الظل ليس انعكاسًا لما تخوضه الأنا وإنما استقراءً لما لا يمكن لها أن تكونه. الأصل الذي تم استبداله بكينونة مصطنعة، مخادعة، ونستعيد كارل ياسبرز مجددًا حين نقول: تتلاشى في خيال الكتابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ يمكن هنا الرجوع إلى قراءتي لقصة "الأفعى" لجون شتاينبك ضمن كتابي عن كلاسيكيات القصة القصيرة "هل تؤمن بالأشباح؟".
2ـ راجع "الكتاب الأحمر"، كارل يونج، ترجمة: متيم الضايع ـ رنا بشور، دار الحوار 2015.

أخبار الأدب
9 نوفمبر 2025

 

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

مهنتي هي الرواية: سلطة "المثال"

لا تتعلق الأفكار التي يمكن تأملها والاشتباك مع إحالاتها عند قراءة كتاب "مهنتي هي الرواية" لهاروكي موراكامي، ترجمة أحمد حسن المعيني، بالرواية كنوع وحسب، وإنما بـ "الأدب" و"الكتابة" في المقام الأول بوصفهما مفهومين متداخلين ولكنهما غير متطابقين، ما يجعلهما ـ كما أرى ـ أقرب إلى الصراع من الانسجام والتآلف؛ فـ "الأدب" يستدعي بالضرورة سلطة "المثال" حتى مع غياب الملامح الواضحة أو السمات المحددة لحضوره، وحتى مع الإقرار بكون هذا "المثال" وهمًا متأصلًا، تعتمد الكتابة في طبيعتها الأكثر جذرية على فضحه، وهو ما تؤكده كلمات موراكامي نفسه في مقدمة الكتاب: "ومن نافل القول إنك إذا تحدثت إلى مئة روائي، فسوف تحصل على مئة طريقة مختلفة لكتابة الرواية". لكن في المقابل تتجلى هذه السلطة، التي أشرت إليها، من خلال حديث موراكامي الدائم عبر صفحات الكتاب الذي أصدرته دار الآداب عن ما يُسمّى "الجودة الروائية" بدءًا من تناوله لملابسات كتابة روايته الأولى، مرورًا بكل ما شهدته مسيرة عمله الروائي وحتى بداية تدوين هذه المقالات التي تضمنها كتابه.

قد يبدو عفويًا القول بأن "الجودة الأدبية"، وإن لم يكن لها شروط معيّنة، إلا أنها تظل شيئًا يمكن الإشارة إليه وإثباته، ومن ثمّ يمكن الوعي بغيابه والتدليل على ذلك في حالات أخرى. هذا يستدعي حتمًا التساؤل عن المنطق الذي يجمع بين "اللامعيارية" و"عدم تحقق المعيار" في الوقت نفسه؛ كيف تتحدث عن عدم توفر ما ليس له وجود من الأساس إن لم تكن ـ تحت وطأة الاحتياج القهري إلى حقيقة منقذة ـ قد اضطررت إلى التمسّك بنموذج شخصي، متعدد ومتغيّر، لكي تجعله يحل مكان ذلك الشيء غير المتوفر باعتبار هذا النموذج هو ذاته نفس الشيء "في عموميته"، مُناقضًا بالتالي "عدم وجود شروط معيّنة"؟. أليس الأكثر منطقية القول إنه طالما لكل مئة روائي مئة طريقة مختلفة لكتابة الرواية بتعبير موراكامي فإن فكرة "الجودة" نفسها ليست أكثر من هراء غريزي، لا يتسّق أمام هذا التنوّع غير المقيّد، وإن الأكثر عقلانية وملاءمة هو استبدال هذا المفهوم الشامل "المتسلط" بالرؤية الذاتية التي لا تعتمد على "التقييم" أو "القياس المرجعي" وإنما على بصمة النص نفسه سواء لدى كاتبه أو قارئه؟ أليس الأكثر منطقية أن تكون الرواية "كتابة" غير محكومة بالصواب والخطأ أو بـ "معايير الجودة" بعدما أثبت واقع الاختلاف بين طرق الكتابة سراب ما تدعيه من يقين؟
"الحقيقة أنني أشعر بشيء من الحرج حين أتحدث عن نفسي، وعن تجربتي في كتابة الرواية، هكذا، علانية؛ إذ تتملكني رغبة قوية في العزوف عن شرح رواياتي للآخرين، ذلك، أن الحديث عن كتبي يبدو لي نوعًا من الاعتذار أو التفاخر، أو ما يشبه التبرير. يتوّلد لدي هذا الانطباع دائمًا، مهما حاولت ألا أبدو كذلك".
إن "الاعتذار" و"التفاخر" و"التبرير" دلائل خضوع الفكر لـ "المثال" الذي أشرت إليه؛ إذ أن تلك المشاعر، في تجاورها أو اندماجها هنا، تبدو ناجمة عن الوعي بالتقصير، أو الوفاء بغرض، أو التبروء من نقص. الشعور بالندم ليس إلا قشرة، أحيانًا ـ أو غالبًا ـ يظل الكاتب عالقًا في سطوتها طوال حياته، لكن ثمة من يدرك أن ذلك ليس أكثر من استجابة تلقائية لـ "الخير والشر"، "الجميل والقبيح"، الجيد والرديء"، والكتابة ليست استثناءً هنا، أما في العمق، وراء تلك القشرة الحتمية، يكمن ـ ببساطة ـ ذلك الفهم الخلّاق بأن لكل وقت روايته، دون تقدير قيمة الرواية استنادًا إلى رواية أخرى، دون مقارنتها بتفضيلات "الفن الروائي" سواء كانت انتقاءات شخصية، أو انحيازات عامة. لكل لحظة حياتها، ما أراد الروائي أن يوثقه عن أشباحه خلالها؛ فإذ تجمّع الروائيون الآخرون والقراء كافة من كل مكان وزمان لحصار تلك اللحظة، بنوع من الفانتازيا العبثية، فإن "الجودة" التي سوف يُشهرها كل منهم عليها أن تخوض معركة الاستحقاق أولًا مع "جودة" الآخر قبل أن تحاول فرض نفسها على روايتك، مدحًا أو ذمًا.
"المهمة شاقة، ويجوز لنا القول إن قليلًا من الناس أهل لها، فمن يود إنجازها يحتاج إلى شيء خاص. الموهبة مهمة طبعًا، وركيزة أساسية، ولا شك في أن للحظ والأقدار دورًا كذلك، غير أن المرء يحتاج إلى شيء فوق ذلك، هو أقرب إلى أن يكون مؤهلًا من المؤهلات، يوجد عند أشخاص، ويغيب عند آخرين. يملكه البعض بالفطرة، فيما يكافح آخرون كفاحًا مريرًا كي يحصلوا عليه".
من يفكر، ولو على نحو عابر كومضة شاحبة، في أن "الموهبة" هي نفسها ذلك "الشيء الآخر" الذي تحدث عنه موراكامي لدى "الروائي"؟ نعرف كتّابًا أرادوا ـ مثلًا ـ كتابة الرواية ثم توقفوا بعد واحدة أو اثنتين، ونعرف كتابًا لم يبدأوا في كتابة رواياتهم إلا في منتصف العمر أو في نهايته، ونعرف كتّابًا شرع كل منهم في كتابة روايته الأولى ولم يكملها. أي "موهبة" هنا؟ أي معيار كوني تحتكم إليه؟ كيف يُقاس بصورة حاسمة ربع الموهبة ونصف الموهبة وثلاثة أرباع الموهبة والموهبة الكاملة؟! كل البشر يكتبون، بل إن كل كائن يكتب، هذه قناعتي، لكن ليس كل من يكتب قرر أن يكون "كاتبًا" بصورة ملموسة، لم يرغب كل من يفكر في الحياة والموت، ويراقب الناس، ويتأمل الدنيا أن يسجّل هواجسه ومشاعره وأحلامه وأسراره وخيالاته بطريقة ما، لن تتوقف بالضرورة عند كونها تسجيلًا،، بل ستكون هذه الطريقة نفسها اكتشافًا للخاطر، تنقيبًا في كل ما يُحَس، ومن ثمّ نوعًا من العيش، أو هو العيش كله. لم يرغب كل من جعل كتابته "مقروءة" أن يستمر في ذلك، وأن يفعل كل ما رأى أنه جدير بهذه الرغبة.
"أما الروائي الطموح فلا يحتاج إلا إلى معرفة أساسية بالكتابة (وهذا متوفر عند أغلب الناس)، وقلم، وأوراق، وقدرة على اختلاق قصة يمكن تطويرها إلى ما يشبه الرواية".
هل ثمة أسلوب "مقدس" لاختلاق القصص؟ هل هناك آلية ملزمة لتطوير القصة إلى "ما يشبه رواية"؟ ما الذي يمنع موراكامي حقيقة من إزاحة ما يطلق عليه "الموهبة" حتى وهو يتحدث عن إمكانية لا يمكن الحكم على عدم توفرها في شخص ما سواء قرر الكتابة أم لا؟ ما الذي يمنع موراكامي من استبعاد "الموهبة" باعتبار أن الأمر يرتبط جوهريًا بقدرة لا يمكن لأحد أن يضمن عدم وجودها في شخص آخر، وليس لأحد الحق في نفيها أو تجريدها منه؟ إنها "سلطة الجودة" التي يبدو أن موراكامي لا يستطيع كليًا التحرر منها، وهو ما يظهر جليًا في "تقييمه" لنفسه ولكتّاب آخرين مثل همنجواي، حتى وإن بدا أن كلماته تسعى بل وتؤمن بذلك التحرر بالفعل.
"لو تفكّرنا في الأمر الآن، لوجدنا أن عجزي عن كتابة رواية جيدة كان أمرًا طبيعيًا؛ فكيف لشخص مثلي لم يكتب أي شيء في حياته أن يسدد ضربة رائعة من مضربه؟ ربما كان من الخطأ أن أكتب شيئًا "روائيًا" أصلًا. قلت لنفسي: "لا تحاول أن تكتب شيئًا معقدًا. دعك من تلك الأفكار التي تحاول أن تحدد ما هي "الرواية" و"الأدب" ودوّن مشاعرك وأفكارك كما تطرأ لك، بحرية، بطريقة تحبها".
يتضح هنا أن "الحرية" عند موراكامي في كتابة روايته الأولى كانت أشبه بالطواف خلسة وبخطوات ارتجالية حول "المثال" خشية ملامسته، أو التعرّض للأذى من هيبته المستقرة، وهو أمر يبدو مستوعبًا حقًا في تلك المرحلة المبكرة أو مع بدايات الكتابة حتى لو كان هذا "المثال" غير متجسد بكيفية جازمة. لكن موراكامي لا يتخلص مطلقًا من سطوة "الرواية الجيدة" التي تعني بداهة نقيضها "الرواية الرديئة"، رغم محاولته لأن يفعل شيئًا خارج (الأفكار التي تحاول أن تحدد ما هي "الرواية" و"الأدب"). إن الكتابة ليست ضربة مضرب، حيث ثمة قواعد لتسديد هذه الضربة لا يمكن إهمالها ويُنتظر رغم ذلك أن تنجز هدفها. ليس في ضربة المضرب "خلق" أو "لعب ذاتي" أو "تجريب لمسارات متخيّلة"، وإنما هي فعل يتم في إطار "قانون ثابت" وبناءً عليه نجاح أو إخفاق.
"حين شرعت في كتابة روايتي الأولى "اسمع الريح تغني"، كنت أعرف أنه لا خيار لي سوى أن أكتب عن عدم إيجاد شيء أكتب عنه. كنت أعرف أنني إذا أردت أن أمضي قُدمًا كروائي، سأضطر إلى تحويل "عدم إيجاد شيء للكتابة عنه" إلى سلاح. إن لم أفعل ذلك، لن أقوى على مجابهة جيل من الكتّاب الذين سبقوني، وهذا في رأيي مثال على ما تنطوي عليه الكتابة بما هو متوفر لديك".
أتذكر الآن ما كتبه ميلان كونديرا في "خيانة الوصايا": "كروائي أشعر دائمًأ بأني ضمن التاريخ، وهذا يعني أنني أقف على الطريق، محاورًا أولئك الذين سبقوني، وربما حتى مع أولئك الذين سيأتون من بعدي (لكن بدرجة أقل). بالتأكيد أنا أتكلم عن تاريخ الرواية".
إن كتابة الرواية ـ بالنسبة لي وهو ما ينطبق على الكتابة عمومًا ـ هي تفاوض مع النوع، مخاتلة التصنيف، تقويض الجنس الأدبي من داخله، صفقة ماكرة بين "الحرية" و"التواصل مع الآخر"، بين "التعبير الجامح عن الذات" و"التاريخ"، مقامرة لدفع نفسي ككاتب لمراوغة هذا "التاريخ"، من قبل أن يؤدي ذلك إلى خلخلة مفاهيم الرواية / الكتابة / التلقي في وعي ـ ولا شعور ـ القارئ، ومن ثمّ الوجود ذاته.
أتصوّر لو أن صبيًا قرأ بعض الروايات ثم كتب اسمه على ورقة شجرة وأعطاها لأبيه وقال له: هذه روايتي؛ فإن أمام هذا الأب ردود فعل محتملة: الدهشة، الاستحسان، الاستهزاء، التجاهل، التعاطف، التوبيخ، تعريف الابن بما تعنيه "الرواية"، لكن ما هي فرصة أن يتساءل الأب: لماذا فعل الولد ذلك؟ .. أي شيء في حياته حرّضه على القيام بهذا الأمر الغريب؟ .. لماذا لم يطلق على ورقة الشجرة التي كتب عليها اسمه صفة أخرى: قصيدة أو قصة قصيرة مثلًا؟ .. ما علاقة هذا الفعل بما قرأه الولد من روايات؟ .. ما الذي يمثله هذا الفعل أمام ما يعرفه الأب نفسه عن حياته، عن أبوته، وعن الفن الروائي؟ .. كل من يكتب "رواية" يقوم بمثل ما فعله هذا الصبي .. كل من يكتب يفعل هذا بطريقته الخاصة، والتساؤلات التي قد تُثار في ذهن الأب، مع ضعف الفرصة، نتيجة لذلك ما هي إلا مداعبة غير مقصودة للألغام المخبوءة في جوف التاريخ.
أخبار الأدب
5 أكتوبر 2025

ظِل مَن في الداخل: تأويل الأصل

“ولكنه لم يكن معهم بقلبه أو بطبيعته الحقة. كانت ذاته الحقيقية تتجول في مكان آخر، بعيدًا جدًا، تتجول دون انقطاع ودون أن يراها أحد، ودون أن تكون لها أدنى صلة بحياته”.

أفكر دائمًا في أن هيرمان هيسه لا يعرف هنا عن تلك “الذات الحقيقية” أكثر من أنها “تتجول في مكان آخر”، وأن “القلب” أو “الطبيعة الحقة” تظاهر بالوجود، يشيان فحسب بمدى البُعد الذي تتجول تلك “الذات الحقيقية” خلاله دون انقطاع، وأن تعذرها لا يقتصر على كونها غير مرئية لأحد، وليس لديها أدنى صلة بالحياة، بل إنها الخفاء الأكثر جذرية لكل “أحد”، وعبر الكلمة والفعل، والصمت بالضرورة؛ يُشار إلى ذلك الخفاء. إنه التجول الذي يدفع الكلمة والفعل والصمت إلى أن يكونوا ذلك الخفاء، لا إيماءات إليه فقط. أفكر دائمًا في أن التجول هنا هو الكتابة.    

بدءًا من العنوان، تكشف مجموعة “ظل مَن في الداخل” لحنان ماهر عن ما ستعتمد عليه قصائدها في تكوين رهانها الشعري. إن العالم في هذه المجموعة “انعكاس” خارجي لما هو كامن ومبهم في خفاء ذات مؤرقة بشروط انعزالها، أي أننا أمام افتراض لـ “أصل” أو “جوهر” ما، في باطن الكائن المشغول بمعنى اغترابه، والمنتِج لقصيدته، يعلن عن كونه مخبوءًا وغامضًا بواسطة خيالات معتمة تحيط بهذا الكائن وتُشكل “بداهة النفي” أو ما يُسمى بـ “الواقع”. هذا المستتر والملغز يمتلك “حياة” تثبتها “مَن” المستعملة في عنوان المجموعة بدلًا من “ما”، وبالتالي لديه إمكانية “الإدراك” وإن لم يكن هو نفسه “مُدرَكًا”.

لكن إنتاج القصيدة لن يُبقي ما هو في الخارج مجرد “صورة طيفية” لذلك الأصل المحتمل في الداخل، وإنما سيجعل هذا المتغيّر والمتأرجح / الظل، هو الجوهر المفترض، حيث تحوّله المغامرة الشعرية من كونه تمثيلًا لما هو كامن ومبهم إلى “أثر متنكر” أو “إيهام بالانعكاس”، أي أن “الخيالات المعتمة” المحيطة بالذات ستصبح هي نفسها خفاء هذه الذات، وليست محض إشارات له، وهكذا فقط تصبح “العزلة” امتدادًا مفتوحًا، لا تخص شروطها “الكائن” وحسب، وإنما يُقرأ بمنظورها موضوع “الاغتراب” نفسه.

“كنت حجرًا في قلب جبل/ أتنفس مملكة الشمس من شروق/ أموت عن غروب/ تدغدغني أقدام النمل/ تأخذني الرمال تحت إبطها”.

“الآن أنا حبيس مظروف/ مخنوق في درج/ وملطخ بالدماء/ كنت أداة قتل/ وهذا أخي مُنعت عنه الحياة/ بطبقات من الأسمنت والطلاء/ وآخر تتقاذفه أرجل الصِبية”.

“أشعر بالوحدة أفتقد جبلي/ أفتقد الهواء المحمّل بالرمال/ أفتقد هذه النملة ذات القرون الجميلة”.      

هذه المقاطع من قصيدة “حجر تائه”، حيث يُشكّل الوعي فكرته عن “الأصل” أو هاجس “الانتماء”، وهو بذلك يقاوم المراوغة التي تحدد طبيعة ذلك “الأصل” عبر السعي لموضعته في “موطن الإقصاء” فتتحوّل معالم النفي إلى “جوهر” لا “ظلال” فقط لتواريه وغموضه. تمنح حنان ماهر الحجر حياة، ليست حياة الذات بالأساس، ولكنها حياة ممكنة لـ “الأصل” الغائب في تمنّعه، ومن ثمّ تحاول أن تدفعه في سبيل الإدراك.

تتخلى الصور هنا عن كونها تلويحات نحو “الداخل”، وتصبح وجودًا فعليًا للذات، وقد أفصحت عن ما تضمره من “تيه”، تمامًا كما يتجسد سجنها، كما تستوعب اختناقها، كما تشعر بالدماء التي تلطخها. على هذا النحو يمكن لسؤال الماهية التي تسبق الذات، أن يكون استجوابًا لسر الماهية الذي يمنع الذات من الحضور محصّنة من اغترابها. الذي لم يتح لها سوى “ادعاء الحضور” لكي تنكر عدمها.    

“قلبي يعدو في البرية/ روّضه ذلك الفارس الضئيل؛/ لأركض في سباق ليس لي/ أحمله وسوطه على جلدي”.

“فتنتَني أطعمتني وجعًا للطيور/ لن أكون سِنًّا/ يدوس طينة الحب فيؤلمها؛ بل أكون بكاء موتٍ/ يغسل الغيوم/ بحفنة أحلام لم يحن وقت قطافها”.

“انكمش قلبي بارتعاده/ واستعاد خوفه المحقق/ أنتظر ضربة الألم؛/ فتزوغ مني العيون في سُبات”.

في هذه المقاطع من قصيدة “حصان أعمى” لسنا إزاء لعبة استبدال أو تقمص، وإنما نحن أمام أثر الامتداد المفتوح للعزلة؛ فالذات تمرر ما يبدو “ظلالًا” لما يكمن في وجدانها، حتى يكتسب ما يحاصرها / يُهلكها طبيعة الوجدان نفسه، وبالتالي يشف “مضمار السباق” عن الضوء المحتجب / الإبهام، في باطن هذه الذات، أو ما يصنع “الظل”، وكأن حنان ماهر بهذه الكيفية تجرد شروط العزلة من زيفها. كأنها تخلّص اغترابها من الحكمة التي تٌقرر وتُجيز الألم، البكاء، والخوف. الحكمة التي تستحوذ على المبرر الشامل لـ “العمى”.

“حينما استخدمنى كمرآة؛/ ليتأكد من هندمة ذهنه الشاسع/ لم أكن أكثر من نافذة قطار مكسورة/ يتسابق صبي وأصحابه بمحاذاة روحي/ يقذفني حجر في مقتل قلبي”.

“يتخبط بعضي ببعضي؛/ أحدثت جلبة لم يسمعها إلا الطريق/ ومع هذا جن جنون السائق/ الذي لم يصل بي إلى محطة/ كنت أتمناها”.

“حتى عندما قبّلني/ قلب ذلك الطفل الصغير/ على زجاج أيامي؛/ نهرته أمه وقالت:/ لا تقترب من النافذة”.

نلاحظ في قصيدة “نافذة القطار” هذا التوظيف للتناقض بين الثبات (المفعم بالتصدع) ممثلًا في  نافذة القطار، وبين الحركة ممثلةً في ما يتعاقب على هذه النافذة من استعمال. أفكر في أن القطار ذاكرة مجهولة تتضمن الماضي الفردي وتتخطاه من الاتجاهات كافة، وبما يوطد الحدس بأن هذا التخطي يستبعد مفهوم “الاتجاه” في حد ذاته. النافذة أشبه بعين عالقة بين الحياة والموت، مفتوحة، نظرتها حالكة، لا يمكنها أن تبصر أو تنتقل إلى مجال رؤية آخر. تحلم فقط بذلك الإبصار، بالانتقال أبعد من الحيز الذي تشغله غفلتها.

ما تحلم برؤيته إذن لا يدور خارج كونها “عينًا عالقة” بل يقع وراء عطل نظرتها. ماذا لو أرادت هذه العين المتحجرة في مكانها أن تخط أحلامها كقصائد؟ كخربشات في الظلام المطبق؟ لن يكون ذلك توثيقًا فحسب، بل سيكون أيضًا تسللًا إلى ما يتجاوز النظرة المعطلة. يصبح “الواقع” فضاءً متراميًا لذلك الحلم، وهنا يتحوّل الثبات إلى حركة، يتحوّل التصدع إلى “تعويذة” لإعادة خلق المتعاقبين على استعمال النافذة. يتحوّل الماضي الفردي إلى مناوشة عقابية للذاكرة المجهولة، للثأر من المسار المستبعد الذي لا يمرر قلبًا أصيب في مقتل، أو قبلة طفل صغير لنفسه وسط جلبة أزلية.

“وقتها لطمني فرع شجرة/ وترك لي أثر ندبة على شكل ورقته/ لم أستطع البكاء/ إلا عندما تجمع ندى الفجر الزائغ/ يسرق الهواء الملوث نقائي/ ويتركني مغبرة/ أنا مللت/ من سماع نفس موسيقى الترحال/ تعزفها فلنكات وقضبان حديد”.

لم تعد الذات خبيئة نفسها، ولم يعد ما يحيق بها أصداءً لصوتها المكتوم، وإنما أصبحت الذات أحجية مُشهرة للعالم، وهي بذلك تبوح بأن لغزها قد حل بدلًا منها. أنها خاضعة لاستبدال قهري يتقدم على سقوطها، ومن ثمّ فهي ذات غير متحققة، “الأصل” بالنسبة لها ليس إلا خاطر متبدّل، تتأمل من خلاله الندوب والبكاء والغبار والملل، تجابه بواسطته الحياة والموت، وكأن الشعر هو تأويل لهذا الخاطر، لكل فعل يُنبئ بهذا الجوهر، إثبات لإرجاء الذات، ما يذكرنا بكلمات جاك لاكان: “ما يبدو كأصل، لا يكون أصلًا إلا حين يُعاد تأويله من موقع لاحق، فالحدث الأصلي هو حدث مؤجّل”. كل حدث “باطني” تحوّل ظله إلى “متن” للعالم، هو استغراق في الانتظار المؤبد للذات أن توجد حقًا.

أخبار الأدب

5 سبتمبر 2025

 

الأربعاء، 13 أغسطس 2025

ثلاث نساء في غرفة ضيقة: النقيض الغائب

بقدر ما تتخفف مجموعة "ثلاث نساء في غرفة ضيقة" للكاتبة هناء متولي من الحيل اللغوية ـ وهو أمر يختلف عن تعدد تقنيات السرد؛ بقدر ما تدفع قصصها للتفكير في هاجس لغوي أساسي وهو "النقائض". كأن هذا التخفف من الحيل هو ما يتسق مع الرغبة المضمرة لهذه القصص تحديدًا في تشريح معنى "النقيض" وخلخلته. عن أي نقيض نتحدث، وكيف تتم هذه الخلخلة؟ .. لنفكر في "القهر" مثلًا، الكلمة التي تبدو الأكثر عفوية الآن؛ إنه قدر أنثوي متوطد ومهيمن في المجموعة، لكنه لا يتجلى قصصيًا هنا باعتباره وجودًا مخالفًا لوجود آخر، وهذا ما ينبئ بالموضوع اللغوي الذي نقاربه، وهو "الإمكانية المستبعدة". إن "القهر" ليس نقيضًا لطبيعة مغايرة، معارضة، قابلة للامتلاك، ولكنه "الوجود" وحسب، ما يُعرّف الحياة كليًا دون تداخل من طبائع أخرى معاكسة. هذا ما تطمسه اللغة بواسطة "النقائض". تزيف هذه المخالفة لكي توهم بأن ثمة احتمالًا آخر، نقيًا من الشر. النساء في مجموعة هناء متولي وبينما يختبرن أشكالًأ متعددة من القهر، تناوش كل منهن هذا الاحتيال، الذي يمثل جوهر القهر نفسه، أي التعهد اللغوي بإمكانية أخرى للوجود. كل تجربة أنثوية هي حدس قصصي مختلف بكونها إمكانية مستبعدة.  

"كأنكِ تركتِ لي خريطة في دفاترك، تشير إلى تلك الأماكن العميقة داخل النفس حيث تختبئ الظلال خلف الضوء. أكمل طريقي اليوم بحبر لا يزال يحمل شيئًا من دفء أصابعك، وأعدك أنني سأكتب حتى حين تلتهم النار القلم، كما كتبتِ حين كان العالم بأكمله صامتًا. سأترك خلفي كلمات تقاوم الذبول، تمامًا كما فعلتِ، وسأكتب عن كل ما أردتِ قوله ولم تسنح لكِ الفرصة لنطقه. هذا الكتاب جزء من الحوار الذي لم نتمكن يومًا من بدءه، لكنه اليوم بين يديكِ، حيثما كنتِ. أراكِ بين السطور، تبتسمين نصف ابتسامة، وكأنكِ تخبرينني أن الكتابة ليست النجاة، لكنها الطائر الذي يحلق بنا فوق الخراب، يبحث عن عشٍ في الفراغ اللامتناهي.

سأبقى أكتب، لا لأهرب، بل لأجد نفسي بين الرماد، وأحاول، كما حاولتِ، أن أترك بصمة ضوء وسط العتمة".

تجسد سيلفيا بلاث هذا الوعي بغياب "النقائض"، لذا يٌستدعى إدراكها للعالم في إهداء المجموعة وتصديرها وعبر قصصها ككل. ليس للألم وجود مخالف، وهذا ما يجعله "مألوفًا". ما تستبصره الظلال خلف الضوء. ما يستبطن "النار" التي تجابه "صمت العالم". "الذبول" الشاهد على "الإمكانية المستبعدة". إن الطائر المحلق / الكتابة لا يبحث عن طبيعة مغايرة للحياة بعدما أيقن استحالتها، ولكنه يلاعب "الخراب" مثلما تبتسم الفريسة ـ نصف ابتسامة ـ لصائدها. ذلك وحده ما يمكن امتلاكه "عش في الفراغ اللامتناهي" حيث لا يُعرّف الامتلاك إلا بما يُفقد. إلا بالتيقظ إلى أنه لا شيء يعارض الفقد. البصمة التي يتركها المحترق بين الرماد. التي يحفرها داخل العتمة متدثرًا بالخوف من أن يبقى وحيدًا مع عقله.

"مَن يصدق خلو ميدان التحرير من الناس وحركة السيارات في ظهر أغسطس؟! مسحَت عرقها بطرف قميصها، وتلفَّتَت حولها، ما زالت تلهث، ثُمَّ استأنفَت العَدوَ تجاه محطة المترو، نزلَت إلى باطن المحطة الخالية المهجورة، تسلَّقَت الحواجز ودلفَت إلى الرَّصيف تنتظر القطار القادم، انتظرَت طويلاً إلى أن نامَت على أحد المقاعد غارقة في كابوس، تفيق فزعةً، تشعر بأشباح احتلُّوا محطة المترو، تجري صاعدة إلى الميدان من جديد".

هذا التجرد المتأصل، أي الذي يستبق الوجود، من البديل المعاكس للحياة هو ما يخلق اللهاث، العرق، تعثر الرؤية، تحديدًا الوعي بحتمية هذا التجرد، هو ما يخلق الفراغ، بالأحرى يكشفه. تعدو الراوية في قصة "سبب مفاجئ للنوم الطويل" عبر ذلك الخلاء المتقد، المقترن بالتلفت الحائر وسط الأشباح، كأنها تجسّد ذلك الطائر الذي يحلق فوق الخراب، فوق ما أصبح مهجورًا، أي ما تم الانتباه إلى كونه مهجورًا منذ الأزل. ماذا ينتظر شحوبها وكدرها ودوارها؟. ما الذي تسعى إليه وراء الضبابية والطنين؟ لم يختف شيء من الوجود، ولكن العمى قد بلغ مقصده. أصبح العمى إدراكًا، ومن ثمّ "أبصرت" الراوية ما تم طمسه. الراوية تنتظر نهاية النقائض الغائبة، تسعى نحو الحد الأخير للتجرد، وكأنها بذلك الشقاء الهازئ تطارد مُسمّى الأبدية. ميدان التحرير موطن "مألوف" للازدحام، لذا هو مكان ملائم لكشف الفراغ في بداهته. لتعطيل الذاكرة، هي قيامة ذاتية إذن ناجمة عن التيقظ إلى عدم وجود احتمال آخر "نقيًا من الشر". الانتباه الذي لا يستبعد التذكر، ولا محاولة التشبث بالخيوط المقطوعة "كأنها خيوط حقًا"، لكنه ـ وفقًا للوعي بالإمكانية المستبعدة للحياة ـ  لا يبقيه تذكرًا ولا تشبثًا، وإنما استجوابًا للغياب، للاحتيال اللغوي، يتقمص ظاهريًأ الأدوار المعتادة "الحب، العائلة"، لكي يحرّض الظلال التي تسكنها على إزاحة سراب الحضور حيث لا حبيب حقًا ولا عائلة، ليس هناك سوى راوية بقيت وحيدة مع عقلها لتكتشف سببًا مفاجئًا للنوم الطويل.

"علم البساطي أن فردوس كانت طعمًا للإيقاع به، لما سمح لها بالعبور؛ عبرت معها بقية شخصياته. نصبت له النساء محاكمة، لم يتوقفن عن توجيه اللوم والتهم إليه، حمَّلنه وزر أوجاعهن بخلقهن شخصيات ضعيفة ومخطئة".

في قصة "ثلاث نساء في غرفة ضيقة" يبرز "غياب النقائض" بحدة ساطعة؛ حيث يواجه الكاتب محمد البساطي نساء اعماله اللاتي تمردن على مصائرهن المكتوبة وأردن منه تغييرها. إنه استفهام "الإمكانية المستبعدة" الذي تشهره كل امرأة أمام وجودها. الاستفهام الذي يعلن عن نفسه عبر كل "كتابة". هل يُحتمل أن يكون "التغيير" استبدالًا جذريًا، استدراكيًا، خلاصًا من الحياة والموت؟ هو استفهام لا يستهدف إجابة، ذلك لأن نساء أعمال البساطي لن يحرر كلًا منهن مصير آخر، لكن هذا الاستفهام هو الكيفية التي تجابه بها النار صمت العالم. الطريقة التي تتأمل بها المرأة ذبول أحلامها في قبضة التعهد اللغوي بإمكانية أخرى للوجود، أو ـ كما سبق وذكرت ـ جوهر القهر نفسه.

"حبيبتي.. سأتوقَّف عن الكتابة لكِ.. ستكونُ هذه آخر مناجاة لرُوحكِ.. لقد أنهيتُ كلَّ شيءٍ وخلَّصتُ فتاتي الصَّغيرة من خطيئة ميلادها..

ميرنا.. ابحثي عن رُوحها حولكِ وأبقيها مُطمئنَّةً إلى جوارِك..".

يمكن تتبع هذا الحدس بانتفاء الاحتمال الآخر "المنقذ" عبر قصص المجموعة، حين نفكر في "نقيض" حياة المرأة التي تكابد الإذلال من زوجها بسبب عدم الإنجاب في قصة "دموع الكراميل"، وكذلك المرأة التي تكتب لشقيقتها المنتحرة يوميات إنجابها، وعن زوجها واكتئابها وطفلتها الصغيرة التي "خلصتها في النهاية من خطيئة ميلادها" في قصة "رسائل إلى ميرنا"، وأيضًا ميرنا نفسها مريضة الاضطراب الوجداني ثنائي القطب في قصة "فتاة الباي بولار". يلاحظ في هذه القصص أن المعاناة تقود إلى "إنهاء حياة". الحياة التي ـ بعكس ما تدعي ـ بلا نقائض. مجردة من البدائل، تختلف أشكالها وصورها وتظل "البقعة الأكثر سوادًا في المجرة" بحسب ما كتبت الراوية في قصة "رسائل إلى ميرنا". قصص المجموعة تخبرنا أن "القتل والانتحار" ليسا نقيضين إذا أدركنا بأن الحياة التي يتم التخلص منها ليس لها احتمال آخر. أن "الاغتصاب" حدث يتقدم على أي ولادة، حيث لا "اختيار" بعدها محصن من الألم والفناء. إذا تحوّل هذا الإدراك إلى قرين سادي لا تنفلت لحظة في وعيك خارج سطوته المنتشية.

ليس غريبًا أن تذكرني نساء مجموعة هناء متولي بـ "نوال" / سعاد حسني بطلة فيلم "موعد على العشاء" لمحمد خان، وتحديدًا التلصص المتبادل بينها والموت مثلما كتبت في مقال سابق:

"كانت نوال والموت يتبادل كل منهما التلصص على الآخر منذ اللحظة الأولى وحتى الصمت الأخير. ذلك ما يبرهنه ـ بتجاوز الدلالة التقليدية لقمع حريتها ـ التركيز على وجودها وراء أبواب ونوافذ وأسطح زجاجية. كانت نوال تتلصص على نفسها وعلى كائنات وأشياء الواقع وعلى العيون كافة التي تحدّق في وجهها كمقاومة غاضبة لعذابها المبهم. كمحاولة للانتقام من عمائها الراسخ ولو بنزع الغفلة عن دموعها. كانت تكافح للعثور على خلاص ما وراء الجدران المعتمة التي تحاصرها كلعنة أبدية. أما الموت فكان يختلس الرؤية، ومن خلال كائنات وأشياء الواقع، إلى ملامح نوال كجائع مخبوء يجهّز وليمة صغيرة لأمعائه".

إن الإمكانية الوحيدة غير المستبعدة أن تتبادل النساء أماكنها داخل الغرفة الضيقة. هي إمكانية ليست بصدد الحدوث، ولكن هذا التبادل متزامن، يجري ضمنًا طوال وجودهن داخل هذه الغرفة؛ حيث لا حياة بلا مشاهد ممزقة، أو جروح متكررة، أو محاولات لتمرير الوحشة من البوح المتداعي إلى ما وراء القص، لكي تكون الحياة هي القصة نفسها. لا رسالة تفرغ من كلمات سيلفيا بلاث، ولا بورتريه يخلو من وجه فريدا كاهلو.

أخبار الأدب

3 أغسطس 2025

سيرة حنان: جدران غير مرئية

أعادتني رواية "سيرة حنان" لوائل ياسين إلى روايته السابقة "لا شيء يحدث هنا"، وتحديدًا إلى الإيقاع الذي كُتبت به تلك الرواية، وهو ما كان يمثّل، كما كتبت في قراءتي لها، الحيلة اللغوية التي يُكسب بها الروائي ما يسرده شكل المعرفة. ظاهر الطبيعة الغنائية في الحكايات الشعبية، إيحاءاتها، ظلالها المتأرجحة التي يستعيرها الروائي لكي يراوغ اليقين المتداول في تلك الحكايات. يذكرني هذا الإيقاع بالأسلوب السردي عند نجيب محفوظ، ونحن نعرف التأثيرات المبكرة لحكايات الرواة الشعبيين في المقاهي القديمة على بصيرته الكتابية، كذلك يمكنني مقاربة لغة وائل ياسين، التي أراها وريثة تجربته الوطيدة في كتابة شعر العامية، وذلك ما يجعلني حين أقرأ عمله الروائي أشعر بأنني "أستمع" إلى قصائده ولكن في طبيعتها الفصحى، وتحديدًا الجوهر الحكائي لتلك القصائد.

هذا الإيقاع يبدو كأنه ارتحال في خفاء الوصل بين الموجودات، أي اكتشاف منغّم لما يشمل الماديات وحركتها من انسجام كوني مستتر، يتجاوز المكان والزمان. سَفَر بلاغي، يخلق جسورًا روحية أو ينظّم طقوس توحد وغياب في المشيئة المحتجبة لمكائد الأقدار وتدابير المصائر .

"صف طويل من الأبواب مرصوصة على جدار، صماء لولا بعض الخربشة والخدوش، أو هي نقوش دفنها الوسخ. درف كثيرة اعتادت أن تُفتح على كل شيء قبل أن يخلعها الفيضان بلحم البيت ويتركها في الخواء. ينقلها مقاول لمقاول، مخزن لمركب لشيال يدفعها عن كتفه على هذا الجدار، مرمية بلا حكاية تُقفل عليها، ولا جسد فائر تحميه، دون عين تتلصص ولا أذن تتسمع ولا رائحة كمكمة تخرج ولا شمس تدخل. قطعة من الخشب وشيال فحسب".

هذا المشهد الافتتاحي للرواية أشبه بلوحة لفان جوخ إذا ما أضفنا إليه الصراخ والدوار اللوني المميز لأعماله كـ "ليلة النجوم" مثلًا أو "حقل القمح وأشجار السَرو" أو "طريق الريف في بروفانس في المساء". "أبواب متروكة في الخواء" تعيدني إلى "الخواء العليم" الذي تحدثت عنه في قراءتي لرواية وائل ياسين السابقة "لا شيء يحدث هنا": "الخواء هو الراوي متنكرًا في صوت مألوف. كأن الحكاية حلم جماعي يمر في رأسه. حلم يكافح لتجميع أشلاء الخيال المتطايرة من أذهان الرواة عبر الزمن، والرأس الذي لا يمكن اصطياده. يمتد الحلم من الأصل الغامض له، ويمر عبر الأجساد المتعاقبة، مشكّلًا نفسه على نحو مغاير كما يليق بالإرث الذي يترصّد كل شخصية، وبالجسور المحترقة التي ستحاول العبور منها نحو ظلام الآخر".

الإيقاع في هذا المشهد الافتتاحي، وكما أدركنا دوره كحيلة لتقويض المعرفة بواسطة الادعاء الشكلي لوجودها، هذا الإيقاع هو حركة في خفاء الخلخلة وليس الوصل، وبذلك يكون "التفكك" هو الموضوع المستتر لـ "التجانس" المعلن الذي تتظاهر به اللغة. "التجانس" الذي يبدو أنه يتم توظيفه لمقاومة ما أصاب الأبواب من "انفصال" عن بيوتها. الأبواب هنا في حالة مناقضة، كاشفة لطبيعة أصلية، أي هادمة لما اعتادت أن توهم بها سماتها وأدوارها، تستغل الإيقاع الذي يريد تغطية انفصالها لكي يبرز هذا الانفصال بشكل مضاعف. الأبواب هنا تُعطّل مفهومها؛ فهي لم تعد وعدًا بالدخول والخروج، البقاء والرحيل، الإخفاء والفضح، الاحتجاز والتحرر، السكن والتشرد، الأمان والأذى، التلصص والمواجهة، هذا التعطيل المفاهيمي للأبواب سيبدّل بالضرورة من طبيعة الأجساد التي تستعملها، يكشف ما يخبئه الوعي، الحركة، الرغبة لديها، ما لا يبصره الجسد عن نفسه.

ذلك ما يهدم رمزية الأبواب التي أشار لها غاستون باشلار، أي "فكرة الانتقال" من شيء إلى آخر، أو الأفق المجازي للخطو أو الاجتياز، حيث يمثل العبور من مكان إلى مكان تغيّرًا أو تحوّلًا ما، وهو ما يمتد عفويًا إلى "الأبواب" في مجموعها، أي التي لم تصرّح بعد بـ "الانفصال" المتجذر في حكمتها المرئية. الباب، وفقًا لذلك، جدار مطلق، غير مرئي، لا يمكن اختراقه، ليس بين جسد وآخر وحسب، وإنما، في المقام الأول، بين الجسد ونفسه، بين كل ما ينطوي عليه كل جسد ونفسه، وكأن الجسد في حد ذاته هو الباب الذي لا يُفتح. الجدار الناجم عن هدم الثقة التي تزعمها آلية الفتح والإغلاق.

من هنا لم يعد الخلاء أو التخلي أو التجلي أو الندم أو المس أو الونس أو التيه أبوابًا، وإنما إشارات خيالية للفكر، لتذويب حركة هذه الأبواب، لتعرية ما يواريه إيقاعها الذي تجسده اللغة، ومن ثمّ فكل باب هو الذي يحكي سرابه، يفتت ذاكرة ما يسرده لتصير الحكايات كأنها بلا ماض فعلي حيث لا يعدو ما تسترده سوى أطياف متناثرة، متحوّلة طوال الوقت، وهذا ما تمثله الطبيعة الشذرية لفصول الرواية. كأننا "ننصت" إلى راو متنكر، يمرر عماءً متجذرًا من ثنايا ما يبدو أنه نتاج علمه، وبالتالي فكل ما "يتفوّه" به هو نسخة من شخص، شيء، حدث، قابل للاستبدال، للمحو من أجل سياق آخر، كما لو أن استعادة الذاكرة تجريب للاحتمالات، أو خلق ما يُسمى أبوابًا في "العراء".

"ماذا رأى الأستاذ فرج في سعيد؟ أو بالأحرى: ماذا رأى سعيد في فرج؟ لا نعرف. لكن، بعد ظهور حنان في الصورة مع سعيد، شيء ما حدث، شرارة ما نشبت في كومة قش، إشارات بينهما غير مفهومة اكتسبت معنى مشتركًا لم يقدرا على تمييزه".

في هذا المقطع مثال للطريقة المألوفة التي يعتمدها الراوي الشعبي حين يلجأ إلى وقفة تصرّح تشويقًا لا اعترافًا بعدم المعرفة ، وفي نفس الوقت يثبّت بواسطة الإيقاع الذي ينظّم حكايته علمه بإجابة استفهامه. نلاحظ مثلًا في بداية المقطع تساؤلين متعاقبين، يأتي الثاني استدراكًا للأول، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن ذلك التساؤل الأول والاكتفاء بالثاني، يحتاج الإيقاع إلى هذا التعاقب للتساؤلين ليجذب الذهن إلى لعبته. وائل ياسين يستخدم هذا التقنية ليضاعف الخدعة، أو ليطوّر اللعبة، فالراوي لا يعرف حقًا وإن بدا أنه يوحي فقط بالتظاهر أنه ليس متأكدًا مما تخفيه النفوس؛ فإذا كان الراوي الشعبي يوارب بابًا بين الشك والجزم؛ فإننا هنا إزاء إلهام بتعذر الفصل بين مكانين. الباب هنا ليس علامة بين الغفلة والكشف، ولكنه شاهد على الغياب، غيابه كوسيلة إدراك، ومن ثمّ غياب ما يوهم بكونه قابلًا للإدراك على جانبيه، وكأن حضوره كشاهد فحسب هو "الحكاية" في حد ذاتها. كأن الأبواب ـ في عرائها ـ تلهو بما اعتادت أن تكون عليه "الحكايات".

"في السهل الممتنع، تكون الفريسة بين يديك، وحين تقفل يديك، تقفلهما على الهواء، تستفز الصياد فيك، تحبطه في الوقت الذي يتصور أنه أمسكها، وتعطيه الأمل كلما يئس وظن أنها بعيد. لعبة جميلة ومضمونة، لكن ليست لحنان، هي لا تحبط الصياد فيك، بل على العكس، تؤججه، وتشي له بطرق جديدة في الصيد كل مرة تلتقي أعينكما. تقول ليست أي فريسة يا صياد والسلام، إنما أنا الفريسة بألف ولام التعريف، أنا التي بالضبط، أنا التي تعرف كيف أشبعك، وبعدما تشبع، تعرف كيف تكون فريسة جديدة كل مرة. قلت لك يا صياد أنا الفريسة بألف ولام التعريف".

هل يذكركم هذا المقطع بشيء؟ ألا يبدو وصف حنان كأنه اختصار للإيقاع المخاتل وتفكيك مفهوم الأبواب؟ لا شيء يمنعك من الانتقال أو من التصوّر بأنك تنتقل، وأنك تعثر على غنيمة ما نتيجة لهذا الانتقال، بما يعني أنك لن تلاقي فراغًا صادمًا في جميع الأحوال، ولكنك في كل حركة أو خطوة، ومثلما تلمس حنان أو تتوغل إليها، وتظن أنك قد أحرزت ما أردته، فإنك في كل مرة ستوقن أن ثمة شيئًا غامضًا أبعد مما طاله فعلك، أكثر إغواءً مما أتاحه لك "الدخول والخروج". شيء يجعل ما سبق أن قبضت عليه خيالًا عابرًا. أن حنان دائمًا في مكان مجهول لا يمكن رصده أو التحايل على وصفه أي إفشاء العجز عن بلوغه إلا بالاستمرار في اتباع "الإيقاع"، واستعمال "الأبواب".

يمكنني القول إن "سيرة حنان" بهذه الوفرة في الشخصيات والأحداث رواية "الحكي" أكثر مما هي رواية "الذات"، وأعني هنا أنها تقوم على الملامح التي تختزل تاريخ كل شخصية بما يربطها بالشخصيات الأخرى بعكس رواية "الذات" التي  موضوعها الأساسي شخصية واحدة أو تنناول عددًا قليلًا من الشخصيات بالتركيز والتعمق في ما لا تدركه الشخصية عن نفسها، بحيث يحتل عالمها الداخلي بكل أغواره وصدوعه وبما تخفيه من هواجس وكوابيس منفصلة عن بقية الشخصيات؛ يحتل هذا العالم متن الرواية. أتحدث عن الفرق بين رواية مثل "اللص والكلاب" و"خان الخليلي" وبين "الثلاثية" و"الحرافيش" مثلًا. هذه ليست قاعدة بالتأكيد، ولا إجراءً تصنيفيًا، وإنما رؤية أو منظور خاص لـ "إعادة كتابتي للروايات"، وليس حكمًا تجاه الفن الروائي بشكل عام. هذه الملامح التي تختزل تاريخ كل شخصية تتوافق مع ما ذكرته عن تقويض بداهة "الأبواب"؛ فالشخصية هنا أنقاض تحاول التماسك، وتكشف زيفه في الوقت نفسه، عبر صلاتها المتوقعة بالآخرين، وليس بانقطاعها عن حيواتهم، أو بانعزالها عن ما يجمعهم. لهذا فقارئ الرواية يحتاج إلى بوصلة ذاتية للتحرك داخل "المولد"، ليس باحتواء الشخصيات كافة في فضاء استقرائي شامل أو بما يطلق عليه "النظرة البانورامية" التي تساير الازدحام، وإنما بخلق أداة تأويلية ـ كهدم رمزية الأبواب ـ أشبه بمرشد للبصيرة، لا تحلق وإنما تكسّر الطبقات والحوائط، استهدافًا لغاية أو غرض تعرف أنه السر الذي تدفنه العمومية، وهو بالتحديد ما يمكنه إزاحتها. أداة تلتقط الومضات الناجمة عن كل ما تجمع واحتشد، التي لا تُبقيه جمعًا ولا حشدًا، كأن هذه الأداة هي الشبح المستقل الذي يناوش عتمة الباطن لدى كل شخصية رغم ما تختلف به عن شخصية أخرى، وبما يتعدى الظاهر الاجتماعي أو السياسي في الرواية.

كيف يمكن تأمل "المقدس" بواسطة "سيرة حنان"؟ .. ألا يحدث ذلك حين نفكر في الأبواب باعتبارها "جدران مطلقة، غير مرئية، لا يمكن اختراقها"؟ .. حين نفكر في أن "بيع الهوى" هو "حركة في خفاء الخلخلة وليس الوصل" حيث لا يوجد ما يصد "الإيقاع" عن تفكيك الأساطير التي تتقمص كل حكاية بلاغتها الكونية؟ .. حين نفكر أن حنان عندما تكون "الفريسة بألف لام والتعريف" فإنها تكشف عن كونها "الصياد بألف ولام التعريف"؟ .. إن الخطيئة إحدى ألعاب الزمن أو أنها لعبته الأثيرة حيث يكمن "النهر" حقًا في الغيب، وما كان على العاطلين عن الخلود إلا أن يصدقوا أنه يسرى بالفعل في داخلهم وفي ما بينهم، وكأن ذلك النهر ليس نتاج "الوهم المترفع" الذي يحتاج وحده إلى التطهر.

أخبار الأدب

9 يوليو 2025

اتجاه عكسي: الإصغاء إلى الكتابة

فكرت في أشياء كثيرة وأنا "أنصت" إلى رسائلك التي تضمنتها رواية "اتجاه عكسي" لنسرين البخشونجي. ليس غريبًا أن أستخدم فعل "الإنصات" بدلًا من "القراءة" رغم المفارقة الشكلية في أن هذه الرسائل يخطها التشبث بالصمت، الكفاح العسير لإرجاء النطق، ينسجها الخيال الشائك الكامن بين "الشعور" و"الكلام"؛ ذلك لأن "الكتابة" هنا ليست بديلًا للتحدث، أو تعويضًا عنه، وإنما هي مجاهدة لمحو الكلمات التي طالما أُجبرتِ على التفوّه بها. هدم لمركزية الكلام بالعودة إلى جاك دريدا أو "الإطاحة بميتافيزيقا اللغة". هذا ما يخلق "الصوت" غير المسموع في ما يُنطق به، الصوت الذي يسعى لتقويض "المنطوق" والتحرر من سطوته، بما يتجاوز فكرة الكتابة كتسجيل للكلام، استمرارًا للتذكير بـ "دريدا"، ومن ثمّ فإنني "أنصت" لأنكِ تتحدثين بالكتابة كما لو كنتِ تحاولين ـ عبر البوح المجرد اللائق بالرسائل ـ التحرك في "الاتجاه العكسي" لكل ما استهلكته اللغة من الزيف البلاغي لـ "المعنى" و"الحقيقة"، وذلك ما يجعلني ـ مثل أي من لديه القدرة على الإصغاء ـ كأنني أستمع إلى أمر يخصني تحديدًا، لا إلى أمر يتعلق بكِ وحدك.

(بينما أتصفح تويتر وجدت "سعاد حسني" التريند الأول في مصر صور كثيرة وآلاف الناس يترحمون عليها. احتفاء يليق بمرور أربعة وعشرين عامًا على وفاة السندريلا. ما زلت أذكر يوم وفاتها، كنت في الإسكندرية أيضًا عائدة من كورس اللغة الإنجليزية، مررت على السوبر ماركت قبل أن أذهب للبيت لأشتري قطعة شيكولاتة بينما بقي صاحبه محدقًا في الشاشة.

ـ في حاجة يا عم محمد؟

ـ سعاد حسني تعيشي أنتِ يا بنتي .. بيقولوا انتحرت!

"الله يرحمك يا سعاد"، قلتها همسًا حين أدركت أني قصصت شعري مثلها تمامًا في فيلم "صغيرة على الحب").

فكرت في أنكِ ربما لم تلاحظي خلال تلك اللحظة القديمة التي عرفتِ فيها بموت سعاد حسني بأن "الشيكولاتة ساحت" بشكل خفي في يدك، أو ربما مر في خاطرك حدس مبهم بذلك، وأن بطلة روايتي التي أكتبها منذ سنوات تشبه سعاد حسني في "صغيرة على الحب" وأنها ـ ربما لذلك السبب خاصة ـ لا تسمح لي بـ "إنهاء" تلك الرواية مهما طال الوقت، وأن قَصة شَعر ما قد تكون إحياءً غير مُدرَك لذكرى سقوط غامض من شرفة عالية، لا يتم الانتباه إليه إلا فقط حينما تصبحين زوجة وأمًا، تتناثر بين المدن، تعبر ثورة شعبية، وتعزلها جائحة عالمية، يخنقها ظلام الفقد والخوف، ولا يمكنها ملامسة أمان لا يتبدل، كأنما بُترت يدها الإعجازية من قبل أن تبدأ في التنفس، وتكتب في رسائل لصديقتها "كل ما لم تستطع قوله خلال السنوات الثلاث الماضية". كأنك بهذه الرسائل تحوّلين المرسل إليها من شخص واقعي إلى افتراض متخيل، يكوّنه كل الصمت الذي بقي مطموسًا بفعل الكلام. الصمت الذي أراد أن يكون لغمًا للكلمات التي أنتجته، استهدافًا للعدم الذي يسبقها، لكنه ظل محض استراق لما قبل اللغة، أي ما يسبق الزمن الذي ينبغي فيه المرء أن "يكتب" الرسائل حتى يكتشف ويكشف أنه لم يكن "يقول" شيئًا. كأنك بهذه الرسائل تحاولين إنقاذ كل شيء بأثر رجعي، تفسيره، إرجاعه إلى "أصل" ما غير مخاتل. "تستنطقين" كل "الخرس" الذي يحاصرك ويسكنك رغم الضجيج والثرثرة. تريدين أن تعرفي ما لم يبلغه أحد، خصوصًا "الأقرب" منكِ، ومن ثمّ عجز الجميع أن "يكتبوه" إليكِ. بهذه الطريقة يمكن التحايل على الارتباك الساخر والمتحسر عند التفكير في "مسألة الخلود". نكتب لمراوغة الفناء الذي يتوعدنا في أجساد الآخرين، وبينما نتلصص على احتضارهم. نجابه الموت الذي سبق أن اقتنص غفلتنا من قبل أن نعرف "الحياة". بينما نتوسل أن تفصح أرواحهم في تلك "اللحظات الأخيرة" عن ما كان يجب أن يكونوا عليه حقًا، ومن ثمّ ما يُحتمل أن يكون مدفونًا وراء أقنعتنا القهرية وما تضمره نوايا مصائرنا. نكتب كأن "النهاية" طوق نجاة خارق و"هزلي" أيضًا، لا ينبغي ـ منطقيًا ـ خسارة الشوق الطفولي لقدرته على إعادتنا إلى حيث لا يمكن لشي أن يكون عصيًا على الفهم، أي بما ينفي فكرة "النهاية" نفسها.

"شاركني ياسين السهر، وصوّر الشروق، قال لي: إن السماء بديعة تستحق أن نحتفظ بذكرى بداية يوم جديد، صوّرنا السماء من الزاوية نفسها، وفي اللحظة نفسها مستخدمًا هاتف والده، تلك الصورة نشرتها على الفيسبوك متمنية أن يكون هذا اليوم يوم خير على العالم".

جعلتني رسائلك أفكر في ابنتي التي أرفض التصديق والاعتراف بأنها لم تعد طفلة، والتي اعتادت أن تلتقط صورًا للسماء في أوقات مختلفة ـ خصوصًا في الشتاء ـ وترسلها لي على الواتساب لأحتفظ بها. فكرت في نشوتي بما يحلّق إليه بصرها، وفي ألمي بما يترصد بصيرتها. فكرت في "لذة الأمل" التي يمكنها تفسير كل شيء على نحو مناقض لما تدل أو تشير إليه. "يوم خير على العالم"؛ ذلك لن يتحقق إلا حينما يسترد العالم غيبيته الأبدية المحصنة، وطبعًا "بأثر رجعي".

"أشعر كثيرًا بأني أريد أن أتكور، أن أختبئ من الجميع، ومن نفسي ربما".

فكرت في "السنتيمترات المنيعة داخل ركن سرير الطفولة تحت الأغطية الثقيلة في الشتاء عند سقوط المطر .. المخبأ الكوني الذي طالما حاولت الانكماش بما يسمح لي أن أسكنه برفقة ذخيرتي الملائكية من القصص والألعاب والتخيلات حيث لا أحتاج شيئًا من الخارج .. الذي مازلت أحاول الولوج إليه مع طفلتي بينما "نتشبث" بحوافه الناعمة". فكرت في أنني أكتب "سيرة الاختباء" مطاردًا ذلك "الشيء الأساسي الذي أردت تحقيقه والتمسّك به". (الاختباء الذي طالما أثبته كل "ظهور"، ولم يفارقه مطلقًا الوعي بأنه بديل عدائي لما هو أكثر استحالة أي "الاختفاء") .. (أن تكافح من أجل الاختباء بكل ما يضمره من تمنّع ومشقة وخسائر؛ فهذا يعني أنك تستوعب جيدًا عدم القدرة على بلوغ الغاية الأصلية؛ أي أن تختفي تمامًا).

"أتصفح كذلك بعض المواقع الفنية لأمنح مسك معلومة جديدة تبحث عنها، فهي تحب لوحات فان جوخ وتفضله عن كولود مونيه، تحكي لصديقتها عن معاناته مع الاكتئاب ثم انتحاره. في المرة الأولى حين قرأت قصته لم تفهم معنى الانتحار. نزلت دمعة على وجنتيها حين فهمت".

جعلتني رسائلك أفكر في أحلامي بوصفها تحمل روح الغضب البدائي للوحات فان جوخ. يلوّنها الأسى الحميمي "الانتقامي" نفسه. فكرت في كل ما حرصت بعفوية على ألا تعرفه ابنتي عن العالم. في ما اضطررت أن أتركها تعرفه. في ما ستعرفه عني كلما قرأت كل انتحار "آمن" أقدمت عليه لأني لم أكن "أخطبوطًا كونيًا". "لم أعش كل الحيوات وأمت كل الميتات". لم أمتلك الأماكن والأزمنة كافة. لم أمتلك الحصيلة الكاملة لحواس كل الكائنات. لأني جعلتّ من عدم حيازتي لأي شيء لعبًا هازئًا بـ "حكمة الفقد".

"تعودت ألا أستعدي أحدًا وأن أظل دائمًا في المنطقة الرمادية خاصة مع أفراد الأسرة، حيث يُسمح لي بأن أكون الابنة، الأخت والزوجة المحبوبة بشروط، فتعودت أن أسمعهم دون تعليق وتمرنت على أن تبقى ملامحي محايدة تمامًا. الآن أقول لك، أنا وحيدة لأني قررت أن أسكن المنطقة الرمادية".

لكن "الجهل والظلم والعنصرية والفقر" قدر غير مرهون بمسالمة أحد أو عدائيته. لا تعنيه أية مناطق رمادية. هو قدر فحسب. لذا ينبغي له أن يحطم أبوابك المغلقة. أن يجتاح عزلتك. ألا يكتفي بتركك فريسة لعجزك عن المقاومة أو التغيير بل عليه أن يسلب لحظة بعد أخرى أي قدرة لديكِ على التمسك بالحياد أو حتى التظاهر به كما لو أن كل "شر" هو "أمر شخصي" مهما بدت "المسافات الفاصلة".

"هل تذكرين ذلك اليوم حين ذهبنا معًا لتشتري بلوزة جديدة بمناسبة عيد زواجك، أحببتها عليك، كان وجهك مشرقًا حين ارتديتِها في غرفة القياس، لا شيء يمكن أن يمنحنا السعادة كالتي تمنحها لنا الشوارع والمقاهي".

ورغم ذلك فإنكِ تخاطبين تلك الشوارع والمقاهي بواسطة هذه الاستعادة التنقيبية لصديقتك. بإعادة تشريح وتكوين حياتها، كأن "المكان" ليس مجرد حيز للخطو أو البقاء، وإنما ممر مستتر نحو مجهول أزلي، يبدو أن ثمة معجزة ما قد حرمتك منه قبل "وجودك" بين الميلاد والموت. ممر "مسدود" بلا تفاوض، نحو مجهول مفترض وبديهي في نفس الوقت، يناقض قدرك مع نفسك ومع "الآخر"، حيث "السعادة" ـ حينئذ ـ ليست "شعورًا بشريًا" مؤقتًا، قاصرًا، مفتتًا من داخله، ومحكومًا بالإيهام. تكتبين كما لو أن رسائلك تريد انتزاع تلك "الذكريات" ـ بوصفها امتدادًا لا نهائيًا خارج الزمن ـ  والوصول بها نحو "الخير المطلق"، غير المهدد، الذي لا يبدِد "الشر" دون أدنى استنثناء وحسب، وإنما يجعل من عقابه جوهرًا أصيلًا لتلك الإبادة. الانتقال المتعذر من "الصداقة" والأماكن التي عبرتها تفاصيل ومشاهد تلك الصداقة، إلى حيث لا يمكن لوعد أن يُهدر. كتابة الرسائل ليست رجاءً "متجددًا" لتفادي الخيانات المحتومة فقط، وإنما استجوابًا أيضًا بالضرورة لما تنطوي عليه كل الوعود. جدوى ما لم يتحقق طالما ظل عالقًا بين الميلاد والموت.

"كل ما أذكره أني كتبت في أجندة تخصني صفحة كاملة عن مخاوفي، البند رقم واحد كان الزواج والإنجاب".

فكرت في أن هذه الرسائل كانت هوامش متوارية في صفحة مخاوفك. ما خبأته أفكارك ومشاعرك المبكرة تجاه الآخرين، عرائسك، مدرس الألعاب الرياضية، تجاه كل ما كان يدعي أنه سيكون "تاريخًا" ثم أصبح احتيالًا على "الخلاص"، لا يفضحه سوى اقتفاء أثر "الصمت" المحتجب في "إكراه البقاء". في سراب "المتن" الذي لا يمكن خدشه، وأُجبر على أن يظل غائبًا لكي يتقمص كل منا دورًا استرضائيًا لكينونة مستحيلة، أبعد بكثير من أمنية ارتدائك "فستان زفاف قصير ومنقوش مثل فساتين نجمات أفلام الستينيات مع تاج من الورد الأببض وطرحة قصيرة من الشيفون"، وكذلك أعمق بكثير من الندبات الناجمة عن الاختفاء المفاجئ للآخرين من حياتك. لكنكِ لا تملكين سوى أمنيات وندبات كهذه، كقنديل بحر لم يغادر مطلقًا حفرة رملية داخل شاطئ معتم، وكلما سمع صوت الموج البعيد، ينسى أنه ميت، ليواصل تخيّل الماء، ويستمر في لسع نفسه.

"أنا ابنة الثمانينيات بكل جمالها وأحلامها التي عشت طفولة سعيدة في المدرسة".

كانت لي طفولة سعيدة أيضًا في الثمانينيات، تتركز في الأوقات التي كنت خلالها بمفردي، وما أكثرها، وهي ما أحاول استعادته بالتذكر أحيانًا وبالأحلام أحيانًا وبالبكاء أحيانًأ أخرى . لكن للحنين رقة خبيثة، فهو لا يدفعك للرغبة في الحصول من جديد على طفولتك الثمانينية كما لو أنها تحدث لأول مرة فحسب، ولكنه أيضًا يوطد حريقًا في دمائك، لا يتعلق بما عشتيه فعلًا وإنما بما لم يُستكمل من الماضي. ما كانت طفولتك تمهيدًا له ولم يتم. قد تبقين مقيدة أمام هذا الحريق الداخلي باعتباره علة ملتبسة، مزمنة، متداخلة لدرجة التوحد مع عادية الحنين، وربما يمكنك أن تنزعي هذا الحريق المتجذر والمتصاعد عن كل "الجمال" و"الأحلام" لكي تدركي أنه أصل لهواجس ما بعد التحوّل إلى "الاتجاه العكسي" من طفولتك. ما أطاح بكِ إلى المتاهات المضادة لكل ما كان يُفترض أن "الثمانينيات" تجهيز لحدوثه. ذلك ما يفكك الحنين. ما يخلخل الإرث اللغوي الذي نستخدمه في الفضفضة، أي ما يستخدمنا لكي يعزز قدرته على عدم الإفصاح عن ذاته.

"حين حان الوقت، ومع شهقة دهشة لم أتمرن عليها.. تجلى الوجع في أقسى صورة. ترى هل كنت تودعينني حينها؟ ومن أين أتاني الرجاء وأنت في اللحظة ذاتها تحتضرين. يا لقسوة الأمل حين يملأ روحنا بغير الحقيقة! لماذا خذلتِني اليوم يا إيمان؟!".

قد يبدو هذا غريبًا للوهلة الأولى، وربما يعتبره البعض من الذين يتصورون أنهم يعرفونني نوعًا من الخداع، ولكني أريد أن أخبركِ بأنه لدي أمل بالفعل في شيء ما. لكنه أمل لا يتعلّق بحدود الحياة والموت وإنما بما هو خارج الوجود، حيث يتعطل الخذلان تمامًا. أمل في شيء يعيد تعريف الوداع والحقيقة بعيدًا عن أقدار العالم، أي إلى حيث يجب أن ينتقل الحريق الرابض في دماء كل منا. أمل في شيء لم أتمرن عليه سوى بالكتابة، وإذا لم يحدث فعليًا فإنه سيكون متحققًا في ما تمرنت عليه، وقد تأتي لحظة تعتبرين فيها رسائلك كذلك، وحينئذ سيكون لأدوات النداء التي تستعملينها نبرة تهكمية مستحقة.

أخبار الأدب

15 يونيو 2025