‏إظهار الرسائل ذات التسميات البصق في البئر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات البصق في البئر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 17 مارس 2024

ملكة القاهرة


لم يرني أحد أبكي إلا معه .. هو الوحيد الذي جعل لبوات ومخنثي وقوّادي وسط البلد يشاهدون دموعي .. “ملكة القاهرة” كما يطلقون عليّ تحولت على يديه إلى جارية .. لكنها ـ رغم كل شيء ـ جارية سعيدة .. لم يتعمّد أن يجعلني كذلك على الإطلاق ولكن ما أصبحت عليه بعد لقائنا الأول كان حتميًا .. ما كنت على استعداد له وفي انتظاره من قبل أن نلتقي .. كان حتميًا أن تتحوّل الجميلة الخبيثة الساخرة العدائية بذيئة اللسان إلى ذلك الخليط الخاضع من الحنان والرقة والضعف .. سعيدة لأنه فعل بي ذلك .. لأنني أصبحت هكذا من أجله حتى لو لم يقصد .. لأنني أصبحت أكثر حزنًا بسببه .. ربما لا أفهم الكثير من الأشياء .. ربما لا أفهم معظم الأمور التي حدثت وتواصل الحدوث .. لكنني متأكدة من شيء واحد .. شيء واحد يُغني عن كل الأمور التي لا أفهمها .. لو عاد الزمن إلى الوراء سوف أرضخ ثانية لذلك الانهيار المفاجئ، ومجددًا سأعتبره تكرّمًا استثنائيًا من العالم .. سأعاود قبول ذلك الألم الأشد وطأة طالما أنه ناجم عن وجوده في حياتي .. طالما ظل هذا الألم شرط بقائه في حياتي .. يا مرآتي العزيزة التي حينما أحتضن جسدي العاري بين أطرك المتآكلة بكل هذا اليأس الشهواني المرتعش فكأنما أحتضن غيابه .. كأنما أتوسل لهذا الغياب وأثبّته .. كأنما أنتقم من نفسي ومن حضوره السابق حول هذا الجسد بالطريقة الوحيدة اللائقة به.

من رواية “البصق في البئر” ـ قيد الكتابة

اللوحة: Charlotte Bracegirdle

الأحد، 21 مايو 2023

نزهة إلهية

الرابعة عصرًا

فتحت باب الشقة .. نعم، هي شقة ميادة ولكن كما لو أنها لم تسكنها مطلقًا .. كما لو أننا لم نتقابل بين حوائطها طوال السنوات الثلاثة الماضية .. أصبحت الآن وبشكل مؤقت مكانًا محايدًا، يمكن أن يعيش ويموت داخله أي أحد دون أن يتعثر في ذكريات أشباحه .. أخفت ميادة كل ما له علاقة بها: صورها .. ملابسها .. أدوات مكياجها .. كتبها .. لوحات إدوارد مانيه على جدران الصالة وحجرة المكتب .. دفاترها الورقية وعلب الأقلام الملونة ذات الملصقات الطفولية التي كانت مهووسة بها .. إكسسواراتها الأشبه بتمائم السحر الأسود .. حتى صورتي التي كانت مستقرة فوق الكومودينو بجوار سريرها .. أخذت كل شيء .. وستعيده صباح الغد .. هكذا أخبرتني بما تنوي فعله .. لن يكون هناك أثر لها أو لوجودنا خلال تلك الدقائق الأخيرة في عمر حياتنا التي أصبحت الآن أقصر بكثير مما كنت أعتقد .. اللحظات القليلة التي أعطت ميادة احتمالًا أنها قد تمتد حتى الليل .. اللحظات التي سأبقى فيها داخل الشقة كطيف تائه لكي آخذ تذكارها من أجلي أو "التتويج المتسامح لعلاقتنا المنتهية" كما أسمته .. الشيء الوحيد الذي يخصها وتركته هنا .. أشعر الآن بنوع من الامتنان لأنني طوال هذه السنوات لم أجعل هذا البيت ـ ودون تعمّد واضح ـ يحتفظ بأغراض لي .. كنت أتفادى ذلك بشكل عفوي تمامًا بلا مبرر مكشوف أو حتى سؤال من ميادة عن السبب .. كأننا كنا نعرف دون مصارحة بأنني إذا تركت أغراضًا خاصة بي في بيتها سأشعر بالغربة تجاهه .. كنت أنتمي إلى هذا البيت لأنني لا أقيم فيه .. لأنه لا يختزن أشياءً من حياتي التي تحدث خارجه .. امتلكت هذا البيت قدرًا من الزمن لأنني كنت عابرًا له، والآن بعد افتراقي عن ميادة أصبح يمتلكني .. أصبحت ساكنًا له مهما ابتعدت، أي غريبًا عنه .. تركت ميادة من أجلي الشيء الذي لم ترغب في أن تعطيه لي طوال الماضي رغم إلحاحي المتواصل، وهو ما كان يُفضي أحيانًا إلى مشاجرة كلامية وخصام لا يتجاوز الخمس دقائق ينتهي بقبلة اجتياحية طويلة .. كانت دائمًا تخبرني أنها لن تفعل ذلك إلا في نهاية "نزهتنا الإلهية" وكنت أعلم ـ مثلما كانت موقنة هي الأخرى ـ أن غضبي من رفضها إعطائي هذا الشيء ليس راجعًا سوى لأمر محدد .. أنني لا أريد حتى أن أتخيل تلك النهاية.

من رواية “البصق في البئر” ـ قيد الكتابة

اللوحة: إدوارد مانيه

الخميس، 30 يونيو 2022

ميّادة

لم أعرف أي شيء عن حياة ميادة قبل زواجها .. عائلتها .. مدينتها الأصلية .. الكلية التي تخرجت منها .. تعمدت ألا تخبرني بأي شيء .. تعمدت ألا تترك أثرًا لتلك الحياة في طريقي .. أنا كذلك لم أحاول أن أعرف، وكانت تدرك هذا جيدًا .. كل ما أخبرتني به ـ وكان ذلك في لقائنا الثالث ـ أن أباها قد أعطاها هذا الاسم احتفالًا بميلادها في العام الذي غنت فيه ميادة الحناوي “الحب إللي كان” .. كانت هذه المعلومة كافية بالنسبة لي .. تعوضني عن عدم معرفة أي تفاصيل أخرى من ماضيها .. كانت هذه المعلومة تتخطى دون حد كل ما يمكن أن أعرفه عن ذلك الماضي .. بالضبط كأن ميادة قد أخبرتني بأنني أنا الذي أسميتها ولهذا السبب تحديدًا وليس أبوها .. لحظتها نظرت في عينيها لأول مرة .. لم أتطلع إلى ملامحها متجنبًا بتلقائية معتادة المواجهة المباشرة مع عينيها مثلما حدث في اللقائين السابقين .. نظرت في عينيها دون خجل أو خوف كأنما أستعيد لحظة ميلادها عام 1980 .. كأنني أسترد خطواتي المبكرة في صمت طويل لم يقطعه سوى سؤالها المستغرب من شرودي المفاجئ: مالك؟

 أخبرتها بكل شيء .. حاولت أن أخبرها بكل شيء .. ما فعلته هذه الأغنية بحياتي منذ الطفولة .. تعويذة الروعة والغموض التي لاحقتني في كل مكان .. يكفي أن أخبرك يا ميادة بأنني لا أتذكر أين سمعت “الحب إللي كان” للمرة الأولى وأن الأغنية نفسها هي التي تريدني ألا أتذكر .. هي التي تمنعني من ذلك التيقن لأنني ببساطة كنت أسمعها منذ اللحظة الأولى في كل حيّز وفي كل مرة كان يبدو كأنني لم أسمعها من قبل .. داخل البيت، في الشارع، في المدرسة، في شقق الجيران، في منازل أقاربي، في سيارات الأجرة، أسمعها في أحلامي، في توهان اليقظة حتى دون أن تُدار .. نعم يا ميادة كنت أسمع “الحب إللي كان” في كل وقت وفي كل مكان دون يُشغّلها أحد كأنها تعيد نفسها داخلي بالرقة العتيدة التي تجسدها بسهولة في أذنيّ .. كانت “النداهة” التي اختطفت روحي وجعلتني أبصر من وراء غلالتها السحرية كيف أجبرت الجميع على أن يختلي كل منهم بكلماتها ونغماتها وراء الأبواب المغلقة، كيف جعلته يبكي وهو جالس وحده بجوار النوافذ غير الموصدة بالكامل، كيف جعلتهم يغيبون عن الدنيا بعيون مفتوحة وأفواه مطبقة .. جعلتني “الحب إللي كان” أبصر ما فعلته بأبي وأمي وأشقائي وأفراد عائلتي وبسكان العمارة وبأصحاب الدكاكين والمحلات وبالعابرين أمامهم أسفل الشرفة التي أراقب العالم من وراء حافتها .. كانت “الحب إللي كان” هي شرفتي السرية، وحينما أخبرتيني يا ميادة بحكاية اسمك فإنني حاولت عفويًا أن اكتشف في عينيك ما كان مجهولًا لي حين كنت هناك .. في ذلك الوقت الذي كانت تبدأ فيه حياتي مع تلك التعويذة المنغمة .. كنت أحاول اكتشاف ذلك من خلال كينونتك التي خلقها اسمك وتاريخ ميلادك .. كان عمري ثلاث سنوات حين بدأت حياتك؛ فهل كنتِ تحملين وجودنا معًا بعد أربعين سنة في تلك الكينونة التي شكلتها “الحب إللي كان”؟ .. هل كنتِ تخبئين الطريق الذي يقطع جسدينا الآن؟ .. هل سيمكنك أن تخبريني حقًا بما لا أعرفه؟

    من رواية “البصق في البئر” ـ قيد الكتابة

الجمعة، 18 ديسمبر 2020

قبل أن يدخل ماركيز حمام "زهرة البستان"

يبدو على ميادة الحزن كما هو حالها أغلب الوقت خصوصًا في الأيام الأخيرة .. أسألها: مالِك؟

تنظر لي ولا ترد ثم تبدأ في المشي ببطء إلى داخل المقهى وأنا أتحرك مع خطواتها ببطء أقل متمنيًا ألا ينتهي اليوم نهاية سيئة .. نجلس فوق طاولة بعيدة إلى حد ما عن بقية الموجودين .. تقول لي بنبرة اتهامية منهكة:

ـ أنت لا تسأل إلا لتطمئن على نفسك.

ـ ألم يحن الوقت كي تتخلصي من هذه الاعتقادات؟

ترتفع نبرتها فجأة وتقول بغضب: أنت لا تساعدني على هذا.

ألتفت حولي مستكشفًا إذا ما كان صوتها قد جذب انتباه أحد من الجالسين.

أسألها مبتسمًا ومدعيًا الهدوء: ممكن نحافظ على نقاشاتنا داخل حدودنا فقط؟

ـ صوتي لم يكن عاليًا .. أنت الذي توهم نفسك دائمًا أن الناس يعيشون في تأهب مستمر لالتقاط أي خجل أو ارتباك أو توهان يبدو عليك حتى يشبعون رغبتهم في السخرية منك.

أنظر إلى رجل يبدو في بداية الخمسينيات يجلس على طاولة مجاورة لباب المقهى برفقة شاب وفتاة في منتصف العشرينيات تقريبًا بعد أن سمعته يخاطبهما بصوت جهوري:

ـ لابد على كل كاتب أن يبذل أقصى ما لديه من جهد من أجلي كقارئ.

أشخر شخرة واطئة محافظًا على ابتسامتي وأنا أعيد وجهي ناحية ميادة بملامح تكتم ألمًا مفاجئًا وأقول لها:

ـ هذا الرجل يبدأ الآن في ضرب خصيتي.

تقول ميادة بضيق ونفاذ صبر: حاول ألا تركز معه.

ـ كيف؟.. ألا تسمعين قوة صوته؟.

أسمع الرجل يصيح مجددًا:

ـ لابد أن يكرّس كل اهتمامه وحرصه على أن يجذبني لمواصلة قراءة روايته، وألا أتركها دون إكمالها.

أغمض عينيّ كأنما أجاهد لتحويل ما أسمعه إلى كابوس طارئ سأفيق منه حين أفتحهما .. أحاول الانشغال عن الرجل وأسأل ميادة بعد تبدد ابتسامتي:

ـ أخبريني، ما الذي يغضبك؟ ...

ـ كالعادة .. قلة نوم .. كوابيس .. قرف في الشغل .. صحاب ولاد وسخة.

ـ ألم نتفق على عدم الضغط أعصابك من أجل أحد؟

ـ  هل تهتم أصلا إذا كنت متضايقة أو أضغط على أعصابي أم لا؟ .. أقول لك لماذا تهتم .. لأنني حينما أكون في تلك الحالة لا أستطيع أن أكون معك .. صحيح؟!

أفكر متساءلًا: متى ستقطع علاقاتها بجميع أصدقائها حتى أضمن أنها لن تتحدث معهم عني.

أدير وجهي عنها مبتسمًا وأنا أهز رأسي بإشارة عدم التصديق أن جنونها قد وصل بها إلى هذا الظن الظالم .. أسمع الرجل ذا الصوت العالي يقول للشاب والفتاة:

يأتي كاتب عائش في الدور يتفذلك على دين أبونا، ويقول أنه يكتب لنفسه أولًا، وللقارئ الذي يمكن أن يشاركه تجربة النص بأي طريقة .. مثل هذا يكون كاتبًا فاشلًا، ويداري عجزه بالتنظير العدمي الغرائبي التفكيكي مابعد الحداثي عن القارئ النوعي الذي يتفهم أفق الإبداع ودلالات النص.

أقول لميادة وأنا أضم قبضتيّ فوق أذنيّ جازًا على أسناني: أنا فعلًا محتاج أعمل تنظير لطيظ العرص ده.

ـ أرجوك، أتركه في حاله.

ـ كيف؟ .. الخراء الذي يتبرزه من فمه يصل لغاية عندي.

ـ أنا من ساعة ماعرفتك وأنا أتأكد كل يوم أنك لا تهتم بشيء يخصني إلا إذا كان له علاقة بمتعتك.

يزعق الرجل في الطاولة الأخرى مجددًا للشاب والفتاة:

هل ماركيز كان ممكن يقول هذا؟ .. هل كان ماركيز يكتب لنفسه أو لقارئ نوعي أو أي من هذا الهراء؟ .. ماركيز كتب للجميع وأرضى الجميع وأحبه الجميع.

أقول لميادة مشيرًا إلى الرجل والشابين:

ـ أنا متأكد أن هذا الشرموط اصطاد هذين الشابين من على موقع جودريدز، وجمع بينهم حب مصطفى محمود وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وكراهية بو وكافكا وبورخيس .. أنتِ لا تعرفين كم أنا مهتم بكِ، والمتعة التي تتكلمين عنها هي أمر يخص وجودنا معًا، حفاظ كل منا على الآخر، وليس مجرد شيء محكوم بالأنانية كما تتصورين.

تشعل ميادة سيجارة بعصبية ثم تقول بصوت مرتفع أكثر من ذي قبل كأنها تهتف في مظاهرة:

حسنًا .. أنت الملاك وأنا الشيطانة المعقدة .. أنا التي تفسّر الاختلاف بين وجودك معي في السرير، ووجودك معي خارجه تفسيرات خاطئة وسيئة .. أنا المريضة الوحيدة على هذه الطاولة، لا وفي المقهى أيضًا، وفي العالم كله .. ارتحت كده؟.

يلتفت جميع الجالسين في المقهى إلينا في صمت بما فيهم الرجل والشابين .. أشعر أن الموجودين في الممر الخارجي سيدخلون لمشاهدتنا الآن واستكمال بقية العرض .. لا أنظر في عيني أحد بل أظل ملصقًا نظرتي بوجه ميادة وأنا أقول لها بنفس الابتسامة المدعية التي تخبئ توترًا عظيمًا، وبحرص على رفع صوتي كي يسمعه الذين وصل إليهم هتافها:

لكني سمعت إن الكاتب الكبير أحمد مراد ينوي إقامة حفل توقيع في سوق الجمعة ...

أسمع الرجل يعود لمخاطبة الشاب والفتاة قائلا لهما:

ـ ماركيز كان يعرف أن القارئ دائمًا على صواب، وأن الكاتب الحق هو القادر على توصيل إبداعه لكل متلقٍ مهما كانت مستوياته الثقافية.

أقول لميادة التي وضعت رأسها بين راحتي يديها، وعيناها اللتان على وشك البكاء مجمدتان فوق سطح الطاولة:

هذا الراجل يجب الإشارة له في الأبحاث العلمية باعتباره مكوّنًا من فساء الكلاب.

فجأة ينهض الرجل مغادرًا طاولته ليتقدم نحوي وعلى وجهه مزيج من الاستياء والتعجب بينما الشاب والفتاة يتابعانه من مكانهما .. يوجّه حديثه لي بعد أن أصبح على بُعد خطوة واحدة من الكرسي الذي أجلس عليه:

هذا رأيي وأنا حر، ومن حقي ودوري في الحياة أن أساعد الشباب الصغير على معرفة الحقائق التي ستنفعهم في المستقبل.

أنهض من فوق الكرسي وأقف في مواجهته وأقول له: أي حقائق تلك التي ستنفعهم! .. إنك لو أخذت هذين الشابين إلى بيتك، واغتصبتهما ثم قتلتهما، وقطّعت جثتيهما، ورميت أشلائهما للحيوانات الضالة لكان أرحم لهما من الترهات البضينة التي قلتها عن ماركيز.

ـ ماذا تعرف عني كي تقول هذا؟ .. عليك أن تعلم أنني لست مجرد قارئ عادي بل قارئ موسوعي، كما أنني كاتب قصة وباحث في التاريخ وأكتب في النقد الأدبي لذا ما أقوله عن ماركيز ينبغي بالضرورة أن يكون صحيحًا.

ـ تعتقد أن ما قلته عن ماركيز صحيحًا؟! .. حسنًا؛ لماذا لا نسأل ماركيز نفسه عن الحماقات العميقة التي نسبتها إليه .. ها هو السيد ماركيز ...

ثم أشير إلى يساري فيلتفت الرجل الواقف أمامي ليجد غابرييل غارسيا ماركيز على وشك دخول حمام المقهى حين ناديته فتوقف .. أقترب أنا والرجل منه ثم أشير لميادة أن تأتي وتنضم إلينا فتترك الطاولة والدموع تتدفق من عينيها المملؤتين بخيبة الأمل وأطلب منها أن تترجم لماركيز ما قاله الرجل إلى الإسبانية التي تجيدها وتسأله عن رأيه .. ينصت ماركيز إلى ميادة باهتمام في حين أظل أنا و"فساء الكلاب" نتابعها حتى انتهت، وهنا بدأ ماركيز يتحدث وهو ينظر إلى الرجل بسخرية، وميادة تترجم كلامه:

هذا رأي عبيط بالطبع، فهناك كثيرين في العالم لم يحبوا "مائة عام من العزلة"، وهذا لا يعني أنني أخطأت في شيء تجاه هؤلاء، أو أنني لم أبذل جهدًا كافيًا لجعلهم يحبونها، ولو كان الأمر كذلك لكان كل الذين أصابهم النفور من "ذاكرة غانياتي الحزينات" لأسباب أخلاقية ـ وما أكثرهم ـ لديهم الحق في إدانتي لأنني لم أرض ذلك النوع من الاحتياج لديهم، أو لأنني مارست اعتداءً على ثوابتهم؛ فأنا لم أكتب لهؤلاء الذين يحاكمون العمل الأدبي بهذا الشكل .. مهما كان الكاتب مشهورًا وذا جماهيرية أو متصفًا بالعظمة عند جموع قرائية في جميع أنحاء العالم فإنه يكتب ذاته وليس خليطًا من الوصفات المشبعة للقراء كافة أو لمعظمهم كما يتخيل .. وحتى القارئ الذي يتصوّر ذلك الكاتب أنه يخاطبه أثناء الكتابة؛ هو جزء منه، يحمل سماته وهواجسه وغموضه وفقًا لإطار يحدس بإمكانية قابليته لمشاركة الآخرين الذين قد يشبهونه، أو قد يُخلق لديهم دافع ما ربما لا يكون متوقعًا للتورط معه .. الكاتب الذي يكرّس جهده لإرضاء القراء أفضل له أن يعمل قوّادًا .. أستأذنكم الآن لأنني على وشك فقدان السيطرة على مثانتي.

تنتهي ميادة من الترجمة وهي لا تزال تجفف دموعها ثم تشير لماركيز بعد عبارته الأخيرة أن يتفضل بدخول الحمام الذي يسرع إليه وهو يفتح سوستة بنطلونه بينما أحدّق مبتسمًا بشماتة إلى وجه الرجل المتجهم الذي يبدأ في التحرك بصمت ثقيل عائدًا إلى طاولته التي اختفى الشاب والفتاة منها.

من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.

موقع "الكتابة" ـ 17 ديسمبر 2020

السبت، 21 مارس 2020

الضفادع الملتهبة

مات أستاذ مادة العروض والقوافي بكلية الآداب، قسم اللغة العربية، في اليوم التالي للقائي به، والذي اقتصر على تقديمي الشكر لعائلته الكريمة التي أنجبت إنسانًا معرّصًا مثله، وتوعّده لي بالفصل من الكلية قبل أن يطردني من مكتبه .. حينما علمت بالخبر كان أول ما خطر في ذهني أنه لو عاد مؤقتًا إلى الحياة كشبح ليرشد عن قاتله فسوف يوجّه الاتهام لي حتمًا، ليس نتيجة الاعتداء اللفظي في حد ذاته، بل لأن الشتائم التي أهنته بها كانت مختلة الوزن والقافية، وهو ما مثّل الجانب القاتل في الاعتداء.
لم تستطع أمي وهي جالسة في الصالة بيننا أن تتمالك نفسها حينما سمعت صرخة أخي الشاب الثلاثيني المشلول، الراقد داخل ظلام حجرته المغلقة، والتي لم يغادرها منذ سنوات عدة، بعد أن أفقده المرض خطيبته وأصدقائه ووظيفته وشقته التي لم يدخلها أبدًا، وحتى قدرته على إشعال السجائر بنفسه .. ضحكت أمي لأن صرخته كانت مضحكة بالفعل .. كانت تشبه تلك الصرخات الميلودرامية، التي غالبًا ما توصف بالافتعال الطفولي أو المبالغة الساذجة، بالرغم من أننا كنا متأكدين تمامًا من أن آلام أخي أكثر فظاعة مما تجسّده هذه الصرخة .. مسحة من الذنب كانت تحاول أن تطفئ الضحكات في عيني وملامح أمي بسبب ما اعتبرته بديهيًا رد فعل غير لائق، انفلت رغمًا عنها، إلا أن مشاركتنا العفوية أنا وأبي وأختي في الضحك جعلت تلك المسحة تتبدد على الفور .. لحظتها فكرت في أن أمي ربما ستطلب من أخي أن يعيد إطلاق تلك  الصرخة أثناء تنظيفها اليومي لجسمه الهامد من البول والخراء كوقاية محتملة لها من البكاء والتقيؤ.
طلب مني طبيب الأمراض النفسية والعصبية الذي ذهبت إليه للعلاج من نوبات الهلع أن أحاول تجنّب الإفراط في التفكير، والبُعد عن مصادر القلق والاستفزاز والتوتر، والحصول على قدر كاف من النوم .. لم أجد طريقة لاسترداد نقودي سوى الاستمناء في حمام عيادته قبل خروجي منها، معدلًا في خيالي من تفاصيل الصورة العائلية فوق مكتبه، والتي ظللت أتأملها طوال حديثه لي.
فوق طاولة الطعام أطلب من أبي أن يناولني رغيفًا من الكيس الذي بجواره فيأمرني بالتوقف عن تقليد اللهجة الريفية لنجاح الموجي في مسلسل "سفر الأحلام" .. تخبره أختي بأنني لا أذاكر فيشتمها، ويأمرها ألا تتدخل ثم ينهر أمي لعدم متابعتها لأموري الدراسية .. تنظر أمي بلومٍ لأختي التي تلمح أخي الأكبر يرمقها بسخرية .. توجّه إليه كلمات جارحة فيشخر لها، ويمسك بأحد الأطباق ويضربه في الحائط ليتناثر حطامه المختلط بالطعام فوق الأرض .. ينهض أبي بعينين محتقنتين، وملامح توشك أن يفجّرها الغضب ليسب أخي بصوته الغليظ الجهوري فتحاول أمي تهدئته وهي تنعت أخي بوصف مهين .. يشتمها أخي بأمها ثم يسرع إلى المطبخ ويعود بجركن الجاز والولاعة فتتلاحق صرخات شقيقتي، وتسرع أمي لتفتح باب الشقة طلبًا للنجدة فيتدافع الجيران إلى الداخل بينما أتسلل إلى البلكونة، وأغلقها من الخارج ثم أتطلع نحو الغيوم، وأتمتم مرتعشًا بأول ما يخطر في ذهني من كلمات لا تنتمي إلى الضجيج المستعر ورائي، مقلدًا اللهجة الريفية لنجاح الموجي في "سفر الأحلام".
نمر أمام مكتبة "تنمية" فتطلب ميادة أن ندخلها، وأن أشتري لها كتابًا من اختياري .. ألتقط لها كتاب "الضفادع الملتهبة" للكاتب الفرنسي هنري لي روكس، ترجمة: ندا القلوط .. تسألني ميادة عن موضوعه؛ فأخبرها بأن الكاتب يتعرّض للحساسية المفرطة لدى أعضاء الجماعات والقبائل الأدبية في المدن المركزية التي تهيمن عليها المأسسة الثقافية، والنتائج غير المحكومة، الفائضة بالتأثيرات ـ اللامؤسسية ـ التي لا تتوقف عن كشف ما لم يكن يبدو متضمنًا لها، والصور المتشابكة، دائمة التوالد، للإقصاء والتعتيم التي تمارسها هذه التأثيرات على هوامش وأطراف تلك المدن .. يسمي الكاتب هؤلاء بـ "الضفادع الملتهبة" نظرًا لعجزهم المزمن عن تحمّل أي تذكير باستفادتهم المنطقية من المركز؛ حيث ينتفضون، كما تفعل الضفادع تمامًا، بمجرد أن يلامس هذا التذكير جلودهم الملتهبة، ويسارعون باستخدام سياقات لغوية قديمة ومبتذلة، تمنعهم شدة الالتهاب من استيعاب أنها مكشوفة على نحو فاضح للآخرين .. ترتكز هذه السياقات على جذب الوجع خارج موضوعه بواسطة استدعاء مفردات سهلة ومقصودة كـ "المظلومية" مثلًا لإلصاق دلالتها النمطية البائسة والمضحكة في نفس الوقت بكل من يطرح تناولًا أو إشارة للمكاسب التي لم يكن لهؤلاء الضفادع أن يحصلوا عليها لو بذلوا المجهود ذاته في مكان آخر .. يوضح الكاتب كيف يحاولون ـ بنطاعة متأصلة ـ أن يفرضوا هوية مزيفة على ذلك الذي يقف خارج الجماعة أو القبيلة، أو بالتعبير الدارج "الشلة الأدبية" بأشكالها المتعددة، منتهكًا تلك السلطة التي تمنح أفرادها يقينًا متوهمًا بالتفوق القيمي .. تحاول الضفادع الملتهبة بتلقائية مسعورة، بالغة التعاسة أن تنسب إلى من يقوم بذلك قصدًا قسريًا لا يمثله، ومعنى ملفقًا لخطابه .. يحلل الكاتب الفروق التأسيسية بين المدينة المركزية وهوامشها، كيف تنشأ علاقات القوة بين المؤسسة وأطرافها، ومسارات تطورها، كيف تتشعب وتتداخل وتتكاثر خارج أطرها التقليدية، كما يوضح أيضًا كيف تكمن السلطة المركزية في اللغة التي تُستعمل لإنكارها؛ حيث تتكفل الضفادع الملتهبة بإقرارها عن طريق الاستخدام المتواصل لتلك السياقات اللغوية الساذجة، التي ينبغي بحسب تأويلها المعتاد أن تكون "مُرهبة" لذلك الذي يقوم بتقويض هذه السلطة .. يسعى كل ضفدع أن يحوّل الأمر إلى معركة فردية، على كل من هو خارج "الشلة" أن يدافع عن نفسه خلالها أمام الاتهامات المختلقة، مما يتيح لذلك الضفدع أن يضلل ما يعدها "بطحة" فيؤكدها، ويعترف ضمنًا برغبته في حماية ما يستثمره، وتوطيد دعائمه المختلفة .. ما يحاول الدفاع عنه أيضًا هو موقفه ضد النظام السياسي الذي تخضع له المدينة المركزية، ذلك لأن الضفدع الملتهب لا يريد لاستفادته المؤسسية أن تلوث فكرته عن نفسه، وكذلك انطباع الآخرين عنه كمعارض، أو كمناوئ لهذا النظام، يحظى في الوقت نفسه بامتيازات "رسمية"، تقتصر على المكان الذي يتحرك داخل حدوده .. يحدد الكاتب أصل المشكلة، أو "جوهر الالتهاب" في عدم قدرة هذه الضفادع على التفرقة بين نقد النسق الثقافي، ونقد التابعين له؛ حيث لا تعني مجابهة النسق بالنسبة لهم سوى إدانتهم، باعتبارهم يمثلون مع مختلف ظواهره كيانًا واحدًا، وهذا يرجع ـ مثلما ذكر هنري لي روكس من قبل ـ إلى "وهم التفوق" الذي يزرعه المركز في أرواحهم، وهو بالطبع ما لا يجب خسارته.                  
أعود بعد تجاوز الأربعين إلى مدرستي الابتدائية .. تتعاقب المعلمات أمام السبورة ليشرحن الدروس للتلاميذ الجالسين في مواجهتها، ويرتدون المرايل التي في الغالب تكون باهتة أو متسخة أو مقطّعة .. فوق الدكة الأخيرة من الصف الأوسط للفصل أضاجع زميلاتي الجميلات اللاتي مازلن أطفالا واحدة تلو الأخرى .. تقرأ معلمة اللغة العربية ذات الوجه الأسمر المتجهم بصوت مرتفع من كتاب القراءة، بينما التلاميذ بالبلاهة الناعسة التي تغطي ذبول ملامحهم يرددون ورائها بما فيهم البنت التي أضاجعها: (أمي أمي .. عمر عند الزرع .. انظري يا أمل .. هذا زرعي .. زرعي طلع) .. تمسك المعلمة فجأة بالعصا ثم تتوجه بخطوات سريعة نحو أحد التلاميذ وتنهال على جسده ضربًا لأنه كان ينظر إلى خارج النافذة، ولا يردد ما تقوله .. تتوقف المعلمة عن القراءة، وتسألني بضيق ونفاذ صبر أن أكف مؤقتًا عما أفعله كي أنتبه لها .. ألتفت ناحيتها مستمرًا في دفع قضيبي داخل الفتاة العارية المستلقية فوق الدكة رافعة ساقيها المستندتين على كتفيّ وأقول لها: لقد انتظرت أكثر من ثلاثين سنة حتى أتمكن من القيام بهذا .. هل تتوقعين مني أن أتوقف الآن؟
ترد غاضبة: حسنًا .. حاول على الأقل أن تكون عادلًا، وألا تميّز بعض التلميذات عن بقيتهن...
أضحك شاخرًا: هل تريدين أنا أضاجع الدميمات، والشاحبات، والكالحات، والبدينات، وذوات المخاط السائب دائمًا، والروائح النتنة، والأنفاس الكريهة، والشعر المتلبّد، واللعاب المتدفق من أطراف أفواههن، والشفاه الجافة، المتشققة والمتلاصقة، التي تصدر صوتًا مقززًا، ممزقًا للأعصاب حين تنفصل عن بعضها، والعيون الفائضة بالعماص، واللواتي يضعن أصابعهن ذات الأظافر الطويلة التي تختزن القذارة السوداء في أنوفهن طوال الوقت؟! .. بعد كل هذه السنوات، مازلت حقيرة يا أبلة.
أسمع ضحكة متأوهة من بين شفتي الفتاة الجميلة الراقدة فوق الدكة فاتحة فخذيها، وجسمها الصغير يرتعش منسجمًا مع إيقاعاتي المتبدلة .. تزعق المعلمة بملامحها النحيفة المحتقنة: كنت أظنك ولدًا مؤدبًا.
أزيد من سرعة وقوة اندفاعاتي داخل البنت التي بدأت تعض سبابتها بموازاة فكيها، وملامحها الرقيقة الصامتة متقلصة بالتوجع واللذة .. أقول للمعلمة: بل كنتِ تظنينني مثلما يعتقد الجميع؛ أحمقًا، وخجولًا، وفاشلًا اجتماعيًا، خصوصًا مع الفتيات والنساء .. كان معكم حق، وللعلم فمازلت كما أنا.
أشعر باقتراب الأورجازم .. أخرج قضيبي من بين فخذي البنت وقبل تدفق نشوتي مثلما أحب فوق ثدييها العاريين؛ تندفع المعلمة نحوي بأقصى سرعة  لتجلس على ركبتيها أسفل قضيبي فاتحة فمها عن آخره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
موقع "الكتابة" ـ 19 مارس 2020
اللوحة: "قارب" لـ "لؤي كيالي" 1975 

الأحد، 12 يناير 2020

الطبيبة النفسية الحزينة

في الثامنة مساءً، خارج قاعة (دار الضيافة) بالمنصورة حيث يجتمع أعضاء مختبر السرديات؛ وقفت أمام الطبيبة النفسية التي حضرت خصيصًا من أجلي .. ربما عرفت من فيسبوك أنني سأكون حاضرًا بنسبة كبيرة، لكنها لم تدخل القاعة، وإنما اتصلت بي على الموبايل ـ لا أتذكر حتى الأن أنني أعطيتها رقمي ـ ثم أخبرتني أنها في الخارج، وتريد التحدث معي .. توجهت إليها سريعًا وعلى وجهي ابتسامة تنطق بسعادة عفوية، كأن هذه المفاجأة غير المتوقعة إطلاقًا لا يجب أن تثير في نفسي ذرة قلق .. بدأت هذه الابتسامة في التلاشي تدريجيًا مع اقترابي من الغضب العارم والمتحفز الذي يكسو ملامحها تمامًا .. قبل أن أمد يدي لمصافحتها أو أتفوّه بكلمة مُرحّبة؛ فاجئتني بسؤال ازدرائي ـ لم يتطلب الارتفاع بنبرة صوتها ـ حول فكرتي عن نفسي؟ .. بدا وهي تضغط على كل حرف كأنها تتمنى لو أن عظامي هي التي بين أسنانها، خاصة حينما تكفلت بالإجابة على استفهامها المجازي؛ معتبرة أنني شخص ـ كما قالت بدقة ـ معدوم الأخلاق، وبلا ضمير .. أعقبت هذا المديح غير المنتظر بسؤال حقيقي ينتظر إجابة فعلية عن كيف أسمح لنفسي بالتشهير بها مستخدمًا ـ بحسب وصفها ـ مثل هذا الشكل المبتذل .. لم يكن بمقدوري سوى تصنّع الغفلة فأخبرتها كاذبًا بأنني لا أفهم عن أي شيء تتحدث .. أجابت بتلقائية حازمة بأنني أعرف جيدًا ما الذي تتكلم عنه: "مريض مطيع يتسلى بالكيتش" .. القصة التي كتبتها عنها مثلما تقول .. سألتني مجددًا إذا ما كانت هي "الكيتش" الذي أتسلّى به .. كان صوتها قد بدأ يرتفع قليلًا فطلبت منها أن تخفضه ثم سألتها كأنني أتعمّد إشعال المزيد من النار في جسدي عن سبب اعتقادها بأن القصة عنها .. قالت أنها ستبقي صوتها منخفضًا احترامًا لنفسها فقط، لأنها ـ كما ترى ـ ليست "متبجحة" مثلي، مؤكدة على أنها لن تقتنع أبدًا بأن القصة لا تتعلق بها: طبيبة نفسية .. من المنصورة .. طلّقها زوجها لعدم قدرتها على الإنجاب .. تكتب في مدونتها عن التصوف والروحانيات .. تعاني من الزملاء الحمقى داخل المستشفى القذر الذي تعمل به، ومن المرضى النفسيين الذين تحاول علاجهم .. لا تعرف لماذا اختارها الله لمهنة بائسة كهذه .. في حقيبتها روشتات أطباء النساء والتوليد أو (رغبة الأمومة) التي تشهرها في وجه الصيادلة .. أصدرت كتابًا في الطب النفسي للأطفال، تم استضافتها لمناقشته على قناة ..(otv) تسألني بسخرية مريرة حول إذا كان كل هذا ليس كافيًا لأن تكون القصة عنها؟.
كأنه لم تعد هناك طريقة للتراجع عن استفزازها، والاستمرار في دفع التوتر نحو الحافة؛ قلت لها بأنني ربما أكون قد استعملت بعض التفاصيل التي تخصها، لكنها ليست كل القصة؛ إذ أن ثمة عناصر أخرى لا تتعلق بها، وهو ما يجعل موضوعها عن حياتي أكثر من حياة أي شخص آخر .. أمعن وجهها المتورد في التقطيب وتصاعدت الحدة في صوتها وهي تقول لي بأنه لا توجد تفاصيل أخرى، ولا داعي لمحاولة اللعب بالكلمات .. أخبرتني ـ حيث شعرت باقتراب الحافة أكثر ـ بأنني تعمّدت أن أعرّف القرّاء بأنها المقصودة تحديدًا في القصة .. لماذا؟ .. لأن الكاتب المحترم ـ وفقًا لتفسيرها المتهكم ـ أراد أن ينتقم من المرأة التي قطعت علاقتها به ـ كما اعترف هو نفسه في قصته الدنيئة ـ حتى أنه عندما كتب في نهايتها بأن كل ما جاء فيها كان كذبًا؛ فإنه كان يسعى لتثبيته وتأكيد صحته لدى قارئها.
كنوع من مسايرة الغرق أكثر من مقاومته سألتها إذا كانت تتصوّر أن كل من سيقرأ القصة سيعتقد ذلك؛ فردت على الفور بأنها لا تتصوّر، وإنما تمتلك يقينًا كاملًا .. عاودت التساؤل بسخرية حول الذي ينقص ما كتبته، قبل أن تجيب بنفسها ـ كالمعتاد ـ بأنه ليس هناك سوى أن أذكر اسمها صراحة مقترنًا بصورتها .. كأنها تختتم ميلودراما مرتجلة قالت بأن إحساسها كان محقًا حينما أجبرها على الابتعاد عني ـ مثلما كتبت في القصة ـ وأنه من الجيد بالفعل أنني أعرف نفسي، وأعلم أن ما قمت به لا يمكن تسميته سوى بالانتقام الرخيص كما وصفت في قصتي أيضًا .. أخبرتني بأنها نادمة للغاية لأنها فتحت قلبها لي ذات يوم، وحكت عن أشياء لم تبح بها لأحد آخر طوال عمرها.
لا أظن أنها كانت تصدّق أنني جاد حقًا بينما أقول لها أن بوسعها كتابة قصة تتضمن كل ما تود أن تخبر به الآخرين عني، أي أن تستخدم الأسلوب ذاته في شفي غليلها .. انتبهت حينئذ إلى أن الابتسامة المتلاشية كانت قد عادت إلى ملامحي بمجرد معرفتي بالدافع وراء حضورها، وأن هذه الابتسامة كانت طوال الوقت أشبه بقناع مرتعش، تحوّل إلى وجه حقيقي وأنا أنطق بتلك الكلمات التي بدا في نظرتها المحتقنة لي كأنما رأتها نوعًا من الاستهانة المتنكرة، أو محاولة هازئة لإنهاء الورطة ـ بالضبط مثلما يجرّب البالغون إسكات الأطفال بإرضاء مخادع ـ ليس نتيجة الشعور بالذنب، وإنما بسبب الملل .. قالت أنها ليست حقيرة مثلي حتى تفعل ذلك، بل إنسانة محترمة، عندها ضمير، ولا تقابل الإساءة بمثلها، وأنها فقط أرادت أن تخبرني بأنني مهما كتبت من قصص، ومهما كتب الآخرون كلمات الإعجاب عنها؛ فإن هذا لن يغيّر شيئًا من حقيقتي كإنسان شهواني، ليس لديه مبدأ، ولا يراعي أي قيمة.
كانت خلال هذا الزمن القصير للقاء المباغت ـ بالرغم من كل شيء، وربما كأثر له ـ أجمل من أي وقت مضى .. أجمل مما كانت حينما كنا نتحدث دون ضغينة .. أجمل مما كانت حينما كنت أفكر فيها، وأتملّى صورها، وأتخيلها في مشاهد وحكايات منقذة ـ تدور جميعها في الشتاء ـ دون أن أكشفها لها .. أجمل مما كانت حينما كان اليأس يبلغ ذروته من حصولي عليها .. كانت خلال هذا الزمن أقرب ما تكون إلى تلك المرأة التي في القصة بحق .. لذا كنت أشعر أيضًا بأنني لست نادمًا على كتابتها أكثر من أي وقت مضى .. هل الطبيبات النفسيات يصبحن أجمل دائمًا عندما يكن حزينات أو خائبات الأمل إلى هذه الدرجة؟.
انصرفت من أمامي بخطوات عصبية معهودة، كأن ذاكرتي تجسّد الإيقاع السريع الناقم والمقبض لأقدام أمي وأختي وزوجتي بقدمي امرأة أخرى .. ظللت واقفًا، أراقب ابتعادها، متمعنًا في مؤخرتها الرائعة، التي بدت في هذه اللحظة ككائن آخر، يلوّح لي سرًا بالصعود والهبوط المتلاحق لجانبيه الممتلئين بإحكام كوداع متحسّر.
سمعت أحد أعضاء مختبر السرديات يناديني عبر الممر المؤدي إلى القاعة كي أنضم لهم في الصورة الجماعية .. تحركت إلى الداخل ثانيةّ نسختي المضللة؛ التي تصافح وتتحدث وتضحك وتبتسم في الصور بين أولئك الذين لن يساورهم الشك على الإطلاق في كوني موجودًا حقًا.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 10 يناير 2020
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
الصورة لـ  jean noel duru

الخميس، 19 ديسمبر 2019

دماء بيضاء

كنا نجلس على طاولة أمام النيل، وبينما كانت طفلتي تحاول مغافلتي وقطف وردة بعد أن حذرتها من ذلك؛ قلت فجأة لزوجتي ـ ولم يكن هناك بُد سوى هذه الطريقة المباشرة ـ بأنني أرجوها أن تحرص تمامًا ودون أدنى تهاون على ألا تجعلني أرى شعرة بيضاء في رأسها .. قلت لها هذا بصراحة مطلقة كأنه اعتراف بأن رؤية ذلك أكثر قسوة بكثير جدًا عندي من النظر إلى شعري الشائب في المرآة .. أكدت عليها بضرورة أن تطمس مبكرًا أي بياض على وشك الظهور في شعرها كأولوية قصوى لا تحتمل التخاذل .. كنت صادقًا تمامًا، وكان الإلحاح في صوتي أقرب إلى التوسّل .. رأيت في عينيها امتنانًا، وسعادة نادرين .. فرح بدت عاجزة عن تصديقه نتيجة لما ظنته تعبيرًا متناهي الندرة عن حبي لها .. عن تقديري لها كامرأة جميلة، يمتلك شبابها هذه الأهمية في حياتي .. أخبرتني بأنها ستحرص على هذا، وعلى وجهها نفس النشوة الرومانسية القديمة التي كانت تستجيب بها لمواعيدنا السرية قبل خمس وعشرين سنة .. ظللت صامتًا، وأنا أبعد عينيّ عنها نحو الجانب الآخر من النهر حيث يبدو كأن بيوتًا مهجورة تتناثر في مدينة لا يسكنها أحد .. أصابتني سعادتها بألم أقوى مما لو كانت قد استقبلت هذا الرجاء بشكل عادي .. غمٌ ثقيل امتد في داخلي لأنها لا تعلم أن ما طلبته منها ليس له علاقة بالحب الذي تمنّت نصف عمرها أن تسمع مني كلماته، وأنني في الحقيقة كنت أتوسّل لها بأن تحميني .. أن تحجب عن عينيّ آثار ضياع عمرها .. ألا تجعلني أشاهد علامات فقدانها لسنوات حياتها معي التي لن تعيشها ثانية .. رغم كل ما حدث بيننا ـ وهو ما لم يكن هيّنًا ولا قابلًا أبدًا للنسيان ـ فإنني لا أريد أن أرى البنت الصغيرة التي أحببتها في طفولتي، وتبادلت معها النظرات والخطابات واللقاءات السرية، وحاربت معها الجميع كي نكون معًا؛ لا أريد أن أراها وقد أصبحت امرأة متقدمة في السن .. لا أريد أن أرى قرائن جريمتي .. لا أريدها أن تقول لي دون صوت: انظر إلى ما فعلته بي .. الشعر الأبيض في رأس زوجتي لن يكون إشارة منطقية للعمر الذي صارت إليه بل دليلًا على كل الأذى الذي ارتكبته ضدها .. كأنه اكتمال ظهور العاهة المستديمة التي راكمت جروحها داخل ضحيتي .. حينما تظهر بصمات الموت على جسدي فإن بوسعي التحديق إليها كشأن خاص، لكنها حينما تظهر على جسد زوجتي فهذا يعني أنني فقط من قام بحفرها، وليس أي أحد أو شيء آخر .. غفلتها الممتنة تزيد من حزني؛ فأنا لا أستطيع أن أخبرها بأنني لا أريد تعذيب نفسي برؤيتها تتحوّل تدريجيًا إلى عجوز، بينما كنت قادرًا على تعذيبها في الماضي حتى لو كان ذلك رغمًا عني .. أفكر في كل الذين سيسكنون هذه البيوت الخالية، وهل هي مدينة مهجورة بالفعل؛ فأشعر حينئذ بيد طفلتي فوق كتفي وهي تطلب مني أن أنظر إلى الوردة التي قطفتها.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 18 ديسمبر 2019
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
اللوحة لـ "بيير أوجست رينوار".



الأربعاء، 21 أغسطس 2019

من أنتِ حقًا يا ميادة؟

دون مقدمات تبدأ ميادة بينما نخرج من شارع المختلط ثم نعبر الطريق إلى كورنيش النيل في حكي تجربة زواجها السابق من الروائي الذي تعرّفت عليه في إحدى ندوات اتحاد الكتاب ثم تزوجها بعد فترة خطوبة لم تستغرق وقتًا طويلًا .. تخبرني بأنه أرادها بشكل مفاجئ أن تترك عملها في الصحافة لأن الوسط الثقافي لا يحكمه سوى نسخ من عباس العبد .. أشخر ضاحكًا فتقول وهي تشير للأمام: أنظر كيف كنا...
أحرّك عينيّ إلى حيث اتجهت يدها .. كانت هناك أريكة فوق رصيف الكورنيش مواجهة للنيل تجلس عليها ميادة وطليقها .. نقف أمامهما مستندين إلى السور الحديدي دون أن يلتفتا إلينا .. يخاطب الروائي زوجته الصحفية: هل تعرفين بماذا أحلم؟
ـ بماذا؟
ـ باليوم الذي يصبح فيه كوكب الأرض نظيفًا من الروايات المبتذلة .. التي لا تحمل شغفًا، ولا متعة .. الروايات الممتلئة بألفاظ بذيئة، ليس لها غاية أو مبرر .. الروايات المترهلة، التي لا تتماشى مع نسق مجتمعنا أو عقلية المتلقي العربي .. الروايات المحبِطة، المكتوبة بأشكال مستهجنة، وغير مستحبّة، وتحكمها تعبيرات لا تمتلك ضرورة فنية، ولا تقدم أي استفادة.
ـ لكن الروايات التي تراها مبتذلة، من الجائز أن تكون ثمينة عند قارئ آخر، والتي تخلو من الشغف أو المتعة بالنسبة لك، ربما تتضمن ذلك لدى قارئ آخر، كما أن الروايات التي تعتبرها مترهلة، من الجائز أن تكون محكمة بطريقتها الخاصة عند قارئ آخر .. فضلًا عن أن هناك قرّاءًا ربما يرون أنه ليس حتميًا أن تتماشى الرواية مع نسق مجتمعنا أو عقلية المتلقي العربي حتى تكون رواية جميلة .. كذلك الروايات المكتوبة بأشكال مستهجنة وغير مستحبة بالنسبة لك، من الجائز أن تكون جذّابة لشخص غيرك، والتعبيرات التي تراها بلا ضرورة فنية، ولا تقدم أي استفادة ربما لها أهميتها ولزومها عند شخص غيرك أيضًا.  
ـ حبيبتي .. كل هؤلاء القراء الذين تتحدثين عنهم لا يعرفون ولا يفهمون ماذا تعني القراءة أو الكتابة .. طالما أرى الأمر هكذا فهو الصواب الذي لا شك فيه، وعدا ذلك ليس أكثر من هراء وتخريف.
ـ معك حق.
التفت مذهولًا إلى ميادة التي تقف بجانبي مبتسمة وهي تتأمل حوار النسخة القديمة منها مع زوجها السابق .. أسألها بسخرية مستنكرة: معه حق؟ .. هذا بدلًا من نحت الشخرة المنطقية في وجهه؟!.
تلتفت لي بنفس الابتسامة التي يبدو أنها تسترجع حلمًا لم تطمئن بعد لتفسيره القديم، وتقول بنبرة أقرب إلى الهمس، كأنها لا تريد للرجل والمرأة الجالسين فوق الأريكة ويواصلان حديثهما أن يسمعا كلماتها:
ـ نعم .. كنت أتعمّد أن أقول له ذلك.
تبدأ في التحرّك ببطء فأخطو معها بعيدًا عن الأريكة لنترك الزوجين يمهّدان لانفصالهما الوشيك .. أسألها:
ـ أخبريني بصراحة .. لماذا تزوجتيه؟
ـ لأنني طيبة جدًا .. دون مزاح أو مراوغة، كنت أشفق عليه بحق .. الهشاشة العميقة التي كان يحاول تخبئتها بتسلّطه الأعمى، والضعف البالغ وراء أحكامه المطلقة كان يهيّجني فعلًا .. يمكنك القول بأن الأصل الشرموط المدفون داخل الديكتاتور بوسعه استفزاز الشفقة الأمومية عند امرأة مثلي.
ـ كان يُمتعك كـ "هاملت" الذي يخلع جلد الطاغية قطعة قطعة مثل راقص ستربتيز مقهور حتى يعود إلى رحمك سرًا.
ـ بالفعل، لكنني منذ البداية كنت أعلم بما يعادل القرار الاستباقي أن هذه اللعبة مثلما لها متعتها فإن لها تاريخ صلاحية ستنتهي عنده أيضًا، وحينما يحدث هذا فإنني لن أرغم نفسي على لحظة أزيد في تحمّل شيء لا أقدر، بل لا أريد أن أتحمّله.
نصل إلى أسفل الكوبري .. يمر قطار فوق رأسينا فأتذكر أنني استعملت هذه اللحظة كمجاز في قصة لي منذ عشرين سنة .. تتوقف ميادة فجأة وتسألني كأنما تطالبني بتسديد دين تذكرته حالًا:
ـ احك لي عن امرأة لم تكتب عنها من قبل؟
أجيبها دون تردد:
ـ أستاذة في العلوم السياسية، كانت ميلف حماسية، تعرّفت عليها في ندوة بقصر الثقافة، وأهديتها نسخة من مجموعتي "قبل القيامة بقليل" .. ليلتها طلبت رقم تليفوني، ثم اتصلت بي في اليوم التالي .. أسمعتني قصائد مدح في المجموعة، وأنا ـ كالعادة ـ لا أستطيع الرد كما يجب، وبعد انتهاء المكالمة الطويلة وجدتها ترسل لي على الهاتف آخر الليل المزيد من عبارات الإعجاب بالمجموعة، مقترنة بأكثر الاقتباسات التي أحبّتها من القصص .. رددت عليها بكلمات شكر تقليدية كأنما أحاول التخلّص من ورطة، وحينما استمرّت في بعث الرسائل قررت الاكتفاء بقراءتها لأنني لم أكن قادرًا على مواصلة الرد عليها أكثر من ذلك.
ـ ثم ...
أحكي لميادة بقية القصة .. أحكيها كشخص يتمنى أن يكون هذا الحكي طريقة لجعل القصة تخص شخصًا آخر .. هي بالفعل لا تخصني، ولكن بشكل أسوأ .. راقبت نفسي بما أظنه خلاصة الخيبة المؤسفة للعالم، وأنا أتصل بأستاذة العلوم السياسية كي أدعوها بتلعثمي الشهير إلى حفل توقيع "قبل القيامة بقليل" .. راقبت نفسي وأنا أجلس مشاركًا في التصنّع: هذه مكتبة .. أنا كاتب .. هؤلاء قرّاء .. هذا كتاب .. هذه إهداءات .. هذه صور فردية .. هذه صور جماعية .. راقبت نفسي وأنا أشاهد الدكتورة تشتري نسخة من المجموعة أمامي كي أوقّعها لها، رغم أن النسخة التي سبق أن أهديتها إليها مازالت بحوذتها .. كانت ترى في ذلك تكريمًا لي، وتعبيرًا لطيفًا عن تقديرها لكتاباتي .. راقبت نفسي وأنا منتبه إلى حرصها على الجلوس بجواري طوال الوقت، وإلى نظراتها المختلسة لي بينما أتحدث وأضحك وابتسم للقطات الفوتوغرافية المتتابعة .. راقبت نفسي بعد نهاية الحفل، وأنا أغادر المكتبة بعينين تائهتين، وابتسامة بلهاء، وملامح تتظاهر بعدم وجود بركان متحسّر داخلي يرجوها أن تطلب التحدث معي بعيدًا عن الآخرين، ثم تدعوني حين يصبح الكلام سرًا بيننا إلى احتفال خاص في بيتها.
تضحك ميادة وتسألني بتهكم كأنني أهديتها طريقة للثأر مني:
ـ ومتى قمت بحظرها على فيسبوك؟
أنظر لها بتلك الابتسامة التي تفهم منها أنني أوجّه إليها سبابًا سافلًا، يُعبّر عن تقديري لدهائها ومعرفتها المتينة بي .. أجيبها باستسلام:
ـ بعد فترة بسيطة .. لم يكن لدي استعداد لانتظار أمر، أنا متأكد تمامًا من استحالة حدوثه، كما لم يكن لدي صبر على مواصلة البقاء داخل تلك المنطقة المائعة بيننا، خصوصًا أنها كانت تحيط نفسها بمجموعة غلمان من النشطاء السياسيين والحقوقيين وفناني الثورة، وكما تعرفين فإن هذه الإفرازات المهبلية للحياة العامة تسسبب احتقانًا في خصيتي.
ـ لكنك بالتأكيد ضاجعتها كثيرًا؟
ليس كثيرًا يا ميادة .. أحيانًا ونحن نقف متجاورين في المظاهرات كنت أجعلها وسط الهتافات الصادحة تميل إلى أذني وتهمس بأنها تشعر بحريق متصاعد بين فخذيها، أو أن جحافلًا من النمل المكهرب تسري في شرجها، أو أن ثدييها يكادا يمزقان سوتيانها؛ فننسحب خارج الدعابة الجماهيرية التي أتقن جيدًا تمثيل أني واحد منها ثم نتوجه إلى بيتها لنغيب بعض الوقت، وحينما نعود للانضمام إلى الزومبي كي نواصل الهتاف والتصفيق والغناء ستفوح من جسدينا نفس الرائحة، وستلتقطها أنوف القطيع المحيطة بنا، الأمر الذي سيسبب لتركيز أبنائه في النضال من أجل عالم أفضل ارتباكًا مؤقتًا، سيحاولون تضليله بإنكار عفوي ينقذ كرامتهم.
ـ لكن هذا ليس مجرّد تخيل جنسي، وإنما انتقام أيضًا من "العلوم السياسية"، و"الثورة"، و"الزومبي الشعبي".
ـ يمكنك القول إنها الحياة الروتينية للممثل بعدما يُنهي تقمّص الدور الذي اختار أن يجرّبه في الدعابة.
ـ أو أن الممثل كان يُشفي غليله، لأنه لم يستطع أن يتحوّل بصورة كاملة إلى زومبي، بمعنى أن يحصل على كل شيء في حياة هؤلاء البشر الذين حاول أن يتقمّص دور واحد منهم.
حينما تقولين كلامًا كهذا فإن رغبة محمومة تتملكني، ولا أحققها أبدًا في سؤالك: من أنتِ حقًا يا ميادة؟، وكيف تستطيعين تفسيري بهذه الحساسية والدقة؟ .. ما الذي أمرره بالفعل داخلك يا ميادة؟ .. قضيبي، أم حياتي التي لا أعرفها؟.
موقع "الكتابة" ـ 20 أغسطس 2019
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
اللوحة لـ "مارك شاجال".

الخميس، 28 فبراير 2019

معجزة غير متوقعة أو سوء حظ مستبعد

منذ طفولتي بدأ يسيطر تدريجيًا على نفسي هذا اليقين الذي أفسد عمري كله بأن الحياة تنقسم إلى عالمين أخذ كل منهما مكان الآخر على نحو كارثي وغير مفهوم؛ فما كان يجب أن أعيشه حقًا هي تلك الدنيا التي توجد في القصص المصورة وأفلام الكارتون والحكايات الخيالية، أما الواقع الذي أسكنه برفقة عائلتي وجيراني وزملائي في المدرسة والكائنات كافة هو ما كان يجب أن أقرأه وأشاهده عبر الوسائط التقليدية المحدودة، فقط من أجل الاستمتاع بالشر كخرافة لن تتجسّد في حياتي إلا بمعجزة غير متوقعة أو سوء حظ مستبعد .. كحماية شكلية لهذه الحياة من أن تتسلل إليها جرثومة ذلك الظلام الذي أصبح خيالًا محضًا .. اليقين الذي وقف راسخًا وصلبًا ضد قبولي للواقع تحت أي مستوى .. الذي حتّم عليّ رفض الاستمتاع بالدنيا كما يبدو أن هذا ما يقوم به الآخرون أحيانًا، حتى وأنا أمارس نفس الأداءات والطقوس، بل وبينما أشعر فعلًا بمتعتها .. الذي قدّر لي عدم الانخراط والتوغل والإقدام على مساراتها وعلاقاتها إلا مجبرًا وراضخًا ومتذمرًا، وبالطبع كخائف يقتله اليأس الذي سبق لحظته الأولى في الكابوس .. لكن جوهر الألم ربما يكمن في أنني لست يائسًا كاملًا .. بوضوح اعترافي مازلت متفائلًا لأقصى درجة رغمًا عني، وكل ما أظهره من علامات ثابتة ومؤكدة لليأس لا ترجع في الحقيقة إلا لقلة الحيلة أو الكسل الناقم .. مازلت خاضعًا للانتظار المعذِب أن يسترد كل من العالمين مكانه الأصلي، متمسكًا ببقائي مسجونًا داخل العتبات الضبابية كما اعتدت أن أسمي وجودي طوال الأربعين سنة الماضية .. الحواف المائعة التي أغادرها معميًا خطوة إثر أخرى نحو العتمة الأخيرة.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
اللوحة لـ "كارل شبيتزوغ". 

الأحد، 19 أغسطس 2018

الصفعات

أدخل إلى حجرة شقيقتي الكبرى باكيًا بحرقة وأطلب منها أن تقتلني .. لا ترد عليّ، ولا تلتفت ناحيتي .. ألح عليها متوسلًا، لكنها تواصل تجاهلها التام لي .. أخرج من حجرتها متوجهًا إلى حجرة أمي .. أقول لها بنحيب أشد أن أختي رفضت قتلي، وأن عليها أن تفعل هذا بدلًا منها .. تضحك أمي بسخرية حقيقية ثم تقول أنهما لن تقتلاني، وأنني مهما فعلت فإن هذا لن يمنعها من أن تخبر أبي بعد عودته باللفظ السافل الذي خرج من فمي منذ لحظات.
 قبل قليل كانت شقيقتي الكبرى توّجه إهانة اعتيادية لي .. رددت عليها قائلا: "إللي يتكلم معايا كده هنيكه"...
ربما كان انفجار أنبوبة البوتاجاز سيُحدث أثرًا أخف من ذلك الذي صنعته هذه الكلمة التي لم تكن هذه بداية نطقي لها داخل البيت وإنما في حياتي بشكل عام .. دخلت أختي إلى حجرتها وأغلقت على نفسها، ودخلت أمي إلى حجرتها وأغلقت على نفسها، وبقيت واقفًا وحدي صامتًا في منتصف الصالة .. شعرت بما يشبه الإفاقة في أقصى حد صادم لها .. نعم .. أنا الذي تفوهت بهذه الكلمة، وكنت أخاطب شقيقتي الكبرى، أمام أمي .. لا أصدق أنني فعلت ذلك مهما كانت رغبتي الملحة في تجريب المفردات والتعبيرات الشعبية الوضيعة التي لا تنتمي إلى قاموسي اللغوي، لكنها تغزو حياتي عبر الشارع والمدرسة .. بدأت في البكاء .. كان الرعب من أبي الذي اقترب موعد رجوعه يقتلني دون شك، ولكنني كنت صادقًا في رغبتي أن أقتل بيد إحداهما .. لم يكن هذا الإلحاح المنتحب مجرد رجاء يائس للحصول على الغفران الذي يمحو إصرارهما المفروغ من حتميته على إبلاغ أبي بقدر ما كان توسلًا حقيقيًا لنيل العقاب المستحق بالنسبة لي على هذه الجريمة التي لا أستوعب ارتكابي لها .. كان حرماني من الحياة هو الجزاء الوحيد العادل، الذي يناسب حجم الإثم البشع الذي انتهكت به البراءة الخالصة لهاتين الشخصيتين الملائكيتين، واللتين كانتا قبل تفوهي بهذا اللفظ تتسمان بعكس ذلك تمامًا .. كانتا عبدتين شريرتين وبائستين لأبي .. جاسوستين مرتعدتين له ضدي، تتلذذان بلهفة بعقابه لي كي تتمكن روحاهما المشوهتين من تحمّل عذابهما.
عاد أبي ودخل حجرته ثم أخبرته أمي فنادى عليّ وأمرني بالجلوس فوق السرير .. سألني وهو يقترب نحوي بجسده الغليظ القوي إذا كنت قد قلت هذه الكلمة بالفعل .. ظللت أميل للخلف على السرير مع قرب التصاقه بي وهو يرفع يده السمينة المطبقة عدا الإبهام والسبابة والوسطى المضمومة لأعلى في إشارة الاستفهام المهدد، وأنا أغمغم بصوت واطئ مرتعش، ودقات قلب قوية متسارعة، وأنفاس متقطعة، وارتجافات منتفضة في كل جسدي: "أنا مش عارف قلت كذه إزاي" .. هكذا يقولون في الأفلام والمسلسلات عند المآزق الصعبة والمحرجة، وتتم مسامحتهم ويفلتون أحيانًا .. ها أنا مستمر في تقليد الآخرين ... ثم .. طااااااااخ.
بقيت في سرير أبي، وتحت الغطاء لفترة خلال هذه الليلة .. ربما مثلما تظل أمي قدرًا من الوقت في نفس المكان بعد مضاجعته لها قبل أن تنهض لتدخل الحمام .. بقيت في سرير أبي لأنه أمرني بعد الصفعة المهولة، الروتينية، القادرة على أن تكون حرقتها أكثر صدمًا وإذلالاً من سابقتها دائمًا أن أظل هناك، وألا أخرج من حجرته إلى أن يأذن لي .. ربما كانت هذه هي الإضافة الضرورية المطلوبة في العقاب نتيجة طبيعة الذنب .. كان ما فعلته غير معهود، وأفظع من الأخطاء الاعتيادية التي تواجه بالصفعات وحسب؛ لذا كان لابد لعقاب أبي أن يمنحه متعة تتجاوز ما يحصل عليه كل مرة من ألمي .. منذ تلك الليلة وحتى الآن أصبحت الصفعات تلطمني من الجميع، ومن كل شيء، خاصة لو كان يبدو جميلًا أو غير عدائي: كلمات الآخرين .. ضحكاتهم .. صمتهم .. نظراتهم .. حواراتي الداخلية مع نفسي .. تطلعي لوجهي في المرآة .. الأشياء التي أراقبها ومازال هناك في العالم من يعتقد أنها تخلو من الحياة.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة
photo by sebastian luczywo

الجمعة، 10 أغسطس 2018

بعض الأمور غير الجيدة

تأخذني أمي من يدي، وبدلًا من أن نذهب إلى المدرسة أو السوق أو بيت جدتي تصعد بي إلى السماء .. تجلسني بجوارها فوق أعلى سحابة بيضاء ثم توجّه ملامحها العجوز الغاضبة نحو الأمام وتخاطب شيئًا لا أراه بعصبية وهي تشير إليّ: إنه لا يصدق أنك هنا .. عليك أن تقنعه بذلك قبل فوات الأوان.
أقول لها بنفاذ صبر: هذا غير صحيح .. أنا أعرف أنه موجود، كل ما في الأمر أنني كنت أتمنى لو لم يكن شريرًا.
تزعق أمي في وجهي: إنه ليس كذلك.
ابتسم متهكمًا وأقول لها: حقًا؟ .. إنه حتى لم يعالج بصرك إلى الآن، ومازلتِ تحتاجين لارتداء النظارة ذات العدستين السميكتين .. أنظري إلى نفسك .. لقد ترك كل شيء فيكِ على حاله رغم إيمانك بطيبته: الشعر الأبيض .. التجاعيد المتهدلة .. الجسد البدين المتهالك .. علامات الأمراض المزمنة في وجهك .. أظن أن بطنك لا يزال مفتوحًا أيضًا وراء هذه الملابس من أثر الجراحة التي أجريت لكِ في يومك الأخير على الأرض.
فجأة أسمع ضحكة مفتعلة تصدر من الناحية التي كانت أمي توجّه حديثها إليها .. يظهر أبي مبتسمًا بتوهان مألوف ويتقدم نحونا ثم يقول بنبرة خافتة مخاطبًا أمي: لا تصدقيه، هو لا يؤمن بوجودي لأنه قرأ أكثر مما يجب من الكتب السيئة التي انتقلت شياطينها إلى عقله.
ثم يتوجه بعينيه الزائغتين لي: من الضروري أحيانًا أن تحدث بعض الأمور غير الجيدة حتى لو لم نعرف أسبابها المنطقية.
يتراجع أبي قليلًا ثم يقلّب عينيه بيني وبين أمي بحيرةٍ أزيد ثم يقول مرتبكًا بتوجّس: من أنتما؟، وما الذي جاء بكما هنا؟ .. ما الذي كنا نتكلم عنه؟
أشير إليه مخاطبًا أمي بزهق: أنظري .. إنه لا يزال مريضًا بالزهايمر، ولابد أنه سيضع يده بعد قليل في مؤخرته كالمعتاد ليُخرج قطع الخراء منها ثم يمدها إلينا صارخًا كي نأخذها ونجد حلًا لها قبل أن يقذفها أمامنا .. هذا فقط أحد الأمور غير الجيدة التي من الضروري أن تحدث أحيانًا.
ظل أبي يتلفت حوله مرتعشًا ثم راح يطلق ضراطه التقليدي بشكل متواصل قبل أن تنهض أمي في صمت مستسلم وتربت على كتفه ثم تمسك بذراعه لتقوده ببطء نحو الجهة التي خرج منها بينما أمعائها المسدودة تتدلى من شق بطنها الواسع، وأنا أتابع اختفاءهما التدريجي وسط السُحب.
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة
اللوحة لـ "بابلو بيكاسو".