السبت، 17 مايو 2025

لماذا قَتَل اللص (خطأً) مرتين؟ … عن القصد الخفي لانتقام سعيد مهران / مجلة “الناقد” ـ العدد السادس / أبريل 2025

تقوم هذه الدراسة على سؤال أساسي: لماذا جعل نجيب محفوظ رصاصات سعيد مهران تقتل (للمرة الثانية) شخصًا “غير مقصود”؟ …

إذا كان على سعيد مهران واتساقًا مع قصة محمود أمين سليمان “سفاح الاسكندرية” التي استلهم منها نجيب محفوظ روايته “اللص والكلاب”؛ إذا كان عليه أن يتحوّل إلى قاتل، وهو ما حدث بالفعل حين قتل شعبان حسين العامل بمحل الخردوات بشارع محمد علي والذي سكنت أسرته شقة المستهدفين بالانتقام: عليش سدرة وزوجته نبوية بعد مغادرتهما؛ فإن تكرار “القتل الخاطئ” الذي قام به سعيد مهران حين أراد الانتقام من الصحفي رؤوف علوان فأنهى حياة بواب قصره يمثل ما هو أبعد من “القتل الخطأ” خاصة حين نعرف أن محمود أمين سليمان أو “السفاح الأصلي” لم يقتل سوى مرة واحدة فقط، دون قصد، وضحيته كان أحد البوابين كما تذكر الوثائق الخاصة بالقضية. يتعلق الأمر بأن رصاصات سعيد مهران لم تكن طائشة كليًا، وأنها كانت تضمر قصدًا خفيًا للقتل “العام” وليس شخصًا معيّنًا فحسب.

“اقترب من الباب حتى كاد يلتصق به، وصوب مسدسه إلى الداخل، وانتظر بقلب خافق وعين غائصة في ظلمة الردهة. وترامى صوت يصيح “من؟”. صوت رجل، صوت عليش سدرة، ميّزه رغم نبض الصدغ الدوّي. وفُتح باب في الناحية اليسرى فخرج منه ضوء خفيف، ثم لاح شبح رجل يتقدم في حذر. ضغط سعيد على الزناد فانطلقت الرصاصة كصرخة عفريت في الليل. وصرخ الرجل بدوره وتهاوى فأدركه بأخرى قبل أن يستقر فوق الأرض”.

استعمل الراوي العليم فعل “التمييز” ختامًا لصيغة يتدرّج فيها مستوى تحديد “الصوت”: (ترامى صوت .. صوت رجل .. صوت عليش سدرة) .. لو أن سعيد مهران كان متيقنًا من البداية وحتى النهاية من أن الصوت لعليش سدرة بالفعل لجاءت صيغة التعرّف على الصوت مباشرة وحاسمة كالآتي: (وترامى إلى سمع سعيد مهران صوت عليش سدرة يصيح “من؟”) .. هذه الصيغة المفترضة ما كانت لتمنع من اكتشاف سعيد مهران لاحقًا بأنه لم يكن صوت عليش سدرة، وأن تأكده كان مخادعًا، وفي نفس الوقت ما كانت لتخدش الهيمنه المعرفية للراوي العليم لأنه كان محقًا في وصف “الوهم” الذي وصل إلى “سمع” سعيد مهران؛ فالفرق واضح بين أن يذكر الراوي العليم بأن عليش سدرة قد “قال شيئًا ما”، وأن يذكر أن صوت عليش سدرة “ترامى إلى سمع سعيد مهران” .. في الحالة الأولى يؤكد الراوي العليم أن الصوت لعليش سدرة، وفي الثانية يشير إلى ما سمعه سعيد مهران فحسب والذي قد يكون مخطئًا، أي أنه شأن يرجع للشخص الذي استقبل الصوت وليس للراوي العليم.
لكن الراوي العليم بالتدرّج السابق أراد أن يوحي بأن سعيد مهران لم يكن متيقنًأ فعلًا من أن الصوت لعليش سدرة، وأن فعل “التمييز” الذي اختتم به هذه الصيغة كان نوعًا من التبرير اللاشعوري للقتل .. القتل في المطلق .. حتى لو كان الهدف غير مؤكد .. حتى لو كان ثمة شك باهت يناوش الوعي تجاه الشخص المراد قتله .. هذا صوت عليش سدرة وإن لم يكن صوته حقًا .. سأقتل في جميع الأحوال لأن هذا ما يتحتم عليّ فعله .. ليس هناك فرق بين أن يكون الصوت لعليش سدرة أو صوت شخص آخر .. كان “نبض الصدع الدوي” المقترن بتمييز الصوت معادلًا للدفعة الحاسمة التي حالت بين سعيد مهران والتردد والإرجاء والتبيّن .. الدفعة العفوية الفائرة، والمشحونة بغضب جارف بلغ ذروته، استجاب لسطوتها فورًا سعيد مهران لينفذ ما جاء من أجله بصرف النظر عن أي شيء آخر حتى لو كان نوعًا من الارتياب في هوية صاحب الصوت .. بذلك أصبح المقتول أيًأ يكن بالنسبة لسعيد مهران هو عليش سدرة .. صرخته هي صرخة عليش سدرة حتى لو اتخذت طبيعة مختلفة.

“الصوت الذي سمعه لم يكن صوت عليش سدرة. الصوات الذي سمعه لم يكن صوات نبوية. الجسم الذي سقط كان جسم شعبان حسين العامل بمحل الخردوات بشارع محمد علي. سعيد مهران جاء ليقتل زوجته وصاحبه القديم فقتل الساكن الجديد شعبان حسين”.

نلاحظ هنا أن الراوي العليم يعرض الأفكار التي تدور في ذهن سعيد مهران في اللحظات الأولى لاكتشافه أنه قتل شخصًا آخر بدلًا من عليش سدرة، يعرضها بشكل تقريري لا بصورة ذاهلة تلائم الصدمة .. وأي صدمة! .. نحن نتحدث عن قتل شخص بريء ونجاة الآثمين من الموت .. كان سعيد مهران في تلك اللحظات شخصًا يخبر نفسه بما حدث، أكثر من كونه شخصًا غير مصدّق، مندهشًا ومتساءلًا، يعجز عن استيعاب كيف جرى الأمر على هذا النحو .. هذا الاستعمال اللغوي يشير إلى أن سعيد مهران يعيش بطريقة ما حالة تذكر تلقائي لما سبق أن تجاهله .. يستعيد ما أنكره قبل الضغط على الزناد .. ما أُجبر على دهسه وعدم التراجع لكي ينجز انتقامه مهما كان ذلك الذي يوجد وراء باب الشقة .. بذلك تكون الصيغة الفعلية للفقرة السابقة والتي تم إخفاؤها لغرض دفاعي وراء الأسلوب الذي يومئ إليها ولا يصرّح بها:

“انتبه إلى أن الصوت الذي سمعه لم يكن صوت عليش سدرة. أن الصوات الذي سمعه لم يكن صوات نبوية. الجسم الذي سقط كان جسم شعبان حسين العامل بمحل الخردوات بشارع محمد علي. سعيد مهران جاء ليقتل زوجته وصاحبه القديم فقتل الساكن الجديد شعبان حسين بدلًا منهما”.

لنقارن الآن بين الاستفهامات الاستنكارية المضطربة التي وجّهها سعيد مهران لنفسه عقب هذا العرض التقريري لأفكاره أو “الانتباه إلى ما لم يكن متيقنًا منه” كي يشبع بواسطة عقاب الذات (الندم والانغماس في الشعور بالذنب)؛ يشبع حاجته إلى التطهر مما ارتكبه، وطمس انتباهه إلى ذلك الشك الباهت الذي كان يناوش وعيه قبل إطلاق الرصاص محاولًا تثبيت “قناع” غفلة كاملة ومحكمة عن هوية صاحب الصوت لحظة القتل، وبين الثناء الساخر اللاحق لهذه الاستفهامات الذي وجّهه سعيد مهران إلى مسدسه الذي “يستطيع أن يفعل به أشياء جميلة”:

“من أنت يا شعبان؟. أنا لا أعرفك وأنت لا تعرفني. هل لك أطفال؟. هل تصورت يوما أن يقتلك إنسان لا تعرفه ولا يعرفك. هل تصورت أن تُقتل بلا سبب؟. أن تُقتل لأن نبوية سليمان تزوجت من عليش سدرة؟. وأن تُقتل خطأ ولا يُقتل عليش أو نبوية أو رؤوف صوابا؟. وأنا القاتل لا أفهم شيئا ولا الشيخ علي الجنيدي نفسه يستطيع أن يفهم. أردت أن أحل جانبا من اللغز فكشفت عن لغز أغمض”.

“بهذا المسدس أستطيع أن أصنع أشياء جميلة على شرط ألا يعاكسني القدر. وبه أيضا أستطيع أن أوقظ النيام فهم أصل البلايا. هم خلقوا نبوية وعليش ورؤوف علوان”.

سطور قليلة تفصل بين الاستفهامات الاستنكارية المقترنة بالحيرة والعجز عن استيعاب ما يبدو أنه خارج الحدود الإدراكية لأي عقل، وبين الثناء الساخر على ذلك المسدس الذي أنهى منذ قليل حياة شخص “بريء”، باعتباره قادرًا على إفاقة “النيام” لأنهم “أصل البلايا”. هذه المقارنة تكشف عن اللغز الأكبر والأكثر غموضًا الناجم عن محاولة سعيد مهران لحل لغزه الشخصي: هل يتعلق الانتقام بعليش سدرة ونبوية ورؤوف علوان فحسب، أم أن الانتقام يتجاوزهم كشخصيات خائنة تستحق القتل؟. هل يريد أن ينتقم حقًا من هؤلاء بالتحديد أم أن رغبته الانتقامية تضمر ولو بكيفية مراوغة وشاحبة استهدافًا أشمل؟ استهدافًا لـ “النيام” أو “أصل البلايا”. المتورطون بـ “نومهم” في ما ارتكبه عليش سدرة ونبوية ورؤوف علوان ضده. الذين خلق “نومهم” هؤلاء الخونة. “الإيقاظ” هنا يرادف القتل. النيام يحتاجون لأن يُقتل أحدهم حتى يفطنوا إلى آثامهم المستترة. النيام يحتاجون إلى الشعور بأن كلًا منهم قد أصبح قتيلًا مؤجلًا لكي يبصر جريمته في حق سعيد مهران.

لكن هذا اللغز لن يكون لغزًا حقًأ إلا بإرجاعه إلى ذلك السر الغيبي الذي يضمن ويسمح بحدوث تلك المأساة البشرية. مفهوم “الأبوة” الذي ظاهره حكمة متعالية، متبرءة من الشر، ومتوارية في بلاغة جوفاء وطقوس تضليلة يجسدها الشيخ علي الجنيدي أو “سيد الأحياء”. الحكمة التي تزيف مبررات “مقدسة” لجحيم سعيد مهران. ذلك المفهوم المترفع الذي منح إمكانات الأذى للبشر ولم يعطلهم عن استخدامها مكتفيًا بـ “الأمر والنهي”. السر الذي يعلم أنه لا أمر ولا نهي بقادر على حماية أحد. الأذى الذي لا يمكن أن يطال السر نفسه. ذلك ما سيجعلنا نقرأ هذه السطور في “اللص والكلاب” وتحديدًا ـ وهذا التوقيت جوهري للغاية ـ بعد أن عاد سعيد مهران من رحلته القاتلة الأولى وقبل اكتشافه أنه لم يقتل عليش سدرة وإنما قتل شخصًا آخر:

“ومر بيده بخفة فوق جيب المسدس وساءل نفسه ترى ماذا يصنع هذا الشيخ لو أنه صوب نحوه مسدسه؟. متى يمكن أن يهتز هدوؤه المثير؟”

سعيد مهران هنا يصوّب ـ متخيلًا ـ مسدسه إلى السر الغيبي الذي يمثل الشيخ على الجنيدي حكمته المتعالية. إلى اللغز الأكبر الذي شكّل أرواح النيام. إلى “الأبوة” التي تمتلك السلطة المخبوءة لـ “الخيانة” و”القتل”، التي ما كان للشر وجود إلا بمشيئتها. يهدد الطمأنينة الأزلية لذلك السر المتحصن بهيمنة البلاغة والطقوس. يهزأ من المبررات “الكونية” الساذجة والهزلية لجحيمه. كأن سعيد مهران يفكر ـ وهو ما سيمتد بصورة أوضح بعد اكتشافه أنه قتل شخصًا آخر بدلًا من عليش سدرة ـ في أنه لا يفعل أكثر مما يقوم به الجميع. يستخدم ما أتيح له مثل الجميع. كل قتيل قاتل بطريقة ما. لكل شخص رصاصاته الطائشة، ولأنها ما كان يمكن أن تُطلق لولا تلك الإرادة الخفية، كلية المعرفة والقدرة، التي تضمن وتسمح بذلك؛ فإنها ليست رصاصات طائشة في حقيقة الأمر.

جزء من كتاب (رصاصات غير طائشة / قراءة مغايرة لرواية “اللص والكلاب”)

يصدر قريبًا…

تحميل العدد

https://acrobat.adobe.com/id/urn:aaid:sc:EU:ab2d19b1-76ef-41d1-9206-b7a1b20906c8?fbclid=IwY2xjawKKymlleHRuA2FlbQIxMABicmlkETF4QjRsMURpY2kwMVVZeWFKAR5TGhWEhq7CknmrDfx8Rwh-gkB797_d7CeiFkiBMMRffFECuJaqC-SxxJWU0g_aem_3SkLmo12JR7OKw2bEVYluw 

ورشة "الغرابة في القصة القصيرة" / نادي القصة بالمنصورة ـ مكتبة مصر العامة















افتتاحية العدد السادس من مجلة “الناقد” ـ أبريل 2025

حضرت ندوتي الأولى عام 1993، وبدعوة من موظف هيئة الكتاب الذي أرشدني في المعرض إلى كتابي “الصوت المنفرد” لفرانك أوكونور، و”القصة القصيرة” لآيان رايد. كانت ندوة منتدى عروس النيل الأدبي بقصر ثقافة المنصورة، وحضرتها ككاتب قصة، وخرجت منها بكثير من العجب والضحك، وبفكرة قصة قصيرة سيكون اسمها “المصفقون”، لا أتذكر أنني نشرتها، وإنما كنت أصنّفها كدعابة أدبية أستعيدها مع أصدقائي، توثق تلك اللحظات التي قضيتها في الندوة، وهو ما لم يجعلها وقتًا مهدرًا بالكامل.

اكتشفت في هذه الندوة ـ من ضمن مفاجآت غريبة ومؤسفة أخرى ـ أني مطالب بإبداء آراء فورية تعقيبًا على نصوص الجالسين التي تتوالى على مسامعي، وتلك كانت المرة الأولى في حياتي التي أواجه فيها موقفًا كهذا. كنت قد توجهت إلى الندوة وأنا أحمل نسخًا من إحدى قصصي القصيرة ظنًا مني أنها ستوزّع على أعضاء المنتدى لكي تُناقش في ندوة الأسبوع القادم، وأن ما ستتم مناقشته اليوم هي القصص التي وُزّعت الأسبوع الماضي. لكنني كنت مخطئًا. لم أفهم كيف يمكن لشخص ما أن يمتلك من الجرأة “المستحسنة” ـ بألطف وصف ممكن ـ ما يجعله يقدم تأويلًا، ولو كان بسيطًا أو “انطباعيًا” بالتعبير الشائع،  لنص “استمع” إليه و”لمرة واحدة” فقط! لم أفهم كيف يمكن لشخص ما أن “يتحدث” عن نص لم ينفرد به في عزلة قرائية “قدرًا لائقًا من الوقت” وليس مجرد “ثوان معدودة”!. كان هذا يختلف ـ بل يناقض ـ أن تتبادل مع صديق مقرّب القراءة والإنصات لنصوص كل منكما، اعتمادًا على نوع من التشارك في الشغف الأدبي، وعلى عدم وجود حد زمني لإعادة القراءة والاستماع والنقاش بينكما حول النص ـ باعتباركما صديقين ـ وحتى هذا كنت أشعر معه باضطرار ما. لكن أن يحدث ذلك في “ندوة عامة” وبين أشخاص قد لا يقابلون بعضهم ولو صدفة خارج مبنى قصر الثقاقة فهو لم يكن بالنسبة لي أكثر من تورط في هزل “ثقافي” تحكمه سماجة لا أخلاقية.

وجدت نفسي ـ وبعد وصلة التصفيق الجماعي الآلية عقب قراءة كل نص ـ أتمتم بكلمات قليلة، متلعثمة، تسقط من ذاكرتي بمجرد التفوّه بها، أزيح بها وحسب ذلك الحجر الثقيل الذي يلقيه مدير الندوة على صدري كلما أتى دوري في “التعليق”. كان يمكن إدراك مدى ما تتسم به كلماتي من ارتباك وخواء حين تقارن بالطلاقة الامتداحية والاستهجانية لدى الحضور ـ الملقب بعض أفراده كالعادة بالأديب الكبير والناقد القدير ـ في تعقيباتهم العفوية المتماسكة على النصوص، وبما يؤكد خبرتهم الكبيرة في “التعليق”.

بعد خروجي من الندوة، رحت أفكر في أن رغبتي في الانضمام إلى “جماعة أدبية”، واكتساب رفقة من “الأصدقاء الكتّاب”، والانخراط بشكل ما في “عمل ثقافي”؛ هذه الرغبة منعتني من الاعتذار عن “التعليق” على نصوص الحاضرين. كان عمري 16 سنة وقتها، وحينما أستعيد تلك الذكرى الآن أجدها رغبة منطقية تمامًا في هذه المرحلة المبكرة من حياتي ككاتب، كما أن قراري بعدم حضور هذه الندوة مرة أخرى كان منطقيًا أيضًا. حصيلتي من “الاستياء” التي خرجت بها من تلك التجربة كانت أقوى من رغبتي في أن يعرف الآخرون ذلك الشاب الصغير الذي يختبر خطواته الأولى في “المجتمع الأدبي” وأن يقرؤا أعماله ويتحدثوا عنها.

بعد انضمامي لاحقًا لنادي الأدب بقصر ثقافة المنصورة، وكذلك الندوة الأدبية الأسبوعية لحزب التجمع ـ حيث الحياة أجمل بدون تصفيق ـ كنت تقريبًا الكاتب الوحيد الذي لا يعلّق على نصوص الحاضرين؛ أقرأ قصتي القصيرة وأستمع، وإن أصر مدير الندوة على أن أقول شيئًا فإنني لا أتناول في تعقيبي إلا فقط ما أعجبني من النص، وبشيء من الاقتضاب، أما تلك الأشياء الأخرى التي تبدو للوهلة الأولى أنها تثير مشاعر سلبية لدي فكنت أعلّق عليها قائلًا “أحتاج لقراءة النص مرة أخرى”. لم يكن سهلًا عندي على الإطلاق أن أوجّه “انتقادًا” لكاتب ما في أمر قد يتغيّر موقفي منه لو أعدت التأمل والتفكير في النص ثانية، ووفقًا للشروط “البديهية” المناسبة لذلك.

بعد سنوات طويلة أصبحت أتحدث في الندوات العامة التي أحضرها كمناقش رئيسي عن الأعمال الأدبية “المسموعة” مثلما أقارب النصوص في ورشتي الإبداعية الخاصة. أشير لكاتب العمل إلى زاوية نظر مختلفة قد تستحق الالتفات لها، إلى طريقة مغايرة للكتابة ربما تؤدي إلى أفق أكثر جدارة بالاكتشاف. وبالرغم من أنني أفعل ذلك مؤكدًا ومشددًا في كل مرة على أنه ليس “تعديلًا استعلائيًا” يقلل من شأن ما هو مكتوب بالفعل إلا أن ذلك الارتباك القديم الذي رافقني خلال لحظة “التعليق” الأولى على نص أدبي ما زال يلازمني وإن لم يشعر به من حولي .. الحذر من التسبب دون انتباه في أذى لشخص كتب شيئًا ما بالكيفية التي أرادها، أي أنه فقط مارس حقه الأصيل ككائن في “التعبير عن نفسه”، ولا يمكن أن يكون ذلك موضع إدانة أو لوم أو توبيخ أو تجريح أو سخرية احتيالًا على “الحق في إبداء الرأي”، أو انتهازًا وقحًا لـ “النصح والإفادة”. عزائي دائمًا أن هذه “الجرأة” من جانبي في تأويل النص “المسموع” لا تتعامل معه ـ حين يغيب التواصل بيننا ـ بوصفه اعتداءً على ذاتي أو ذائقتي أو على “الأدب” و”الثقافة”، حيث إما أن يُستبدل هذا النص وفقًا لما أراه “صحيحًا” و”عميقًا” و”مفيدًا”، أو يستحق أن يُزاح من الوجود! عزائي دائمًا أنني لا أتحدث إلى كاتب أبدًا بطريقة “كيف تجرؤ على الكتابة بهذه الطريقة السيئة!” أو “كان من الأفضل أن تفعل كذا وكذا وكذا!” أو “عليك أن تبحث عن هواية أخرى!” مثلما تفرض الدناءة النقدية العامة المتجذرة في التاريخ، وتحديدًا بتكريس من يُطلق عليهم “رواد الفكر والأدب”. عزائي أنني دائمًا أتحدث إلى كاتب النص بطريقة “لنفكر معًا في احتمالات أخرى ليكون أمام حرية اختيارك مزيد من الأفكار لشكل الكتابة الذي تريدها أن تتخذه”. ومع ذلك يظل التحدث عن نص بناءً على “السماع” فقط جرأة، ليست نقية بالكامل من سوء الخلق في أحسن الأحوال.

أفكر في كل القطعان البشرية المتناسلة في تزايد عبر الزمن، والتي تمتهن تحقير النصوص والكتّاب باعتبار أن هذا شيء عادي وبديهي وضروري؛ أفكر في كونهم يكابدون بؤس الألوهة المعطلة، ومن ثمّ لا يسمح وعي ونفس وطبيعة أيًا منهم إلا بالخضوع لمسخرة “الحساب والعقاب” حيث لا يجب على الكاتب أن ينتج نصًا “يخالف ذائقتي”! كما ليس مسموحًا له أن يحصل على ما يقرره أو ينتقيه بنفسه من دعم أو معاونة بعيدًا عن “سلطتي التأديبية”!. أولئك الذين لا يطيقون الحرمان أو التجرد من ألف لام التعريف الزائفة كما ذكرت في كتابي “نقد استجابة القارئ العربي”:   

“إذا لم تكن هناك قوانين جمالية مفروغًا منها ويتعيّن اتباعها في العمل الروائي مثلًا لإعادة تشكيل تجربة القارئ؛ فإن الطرق المتحوّلة التي يعيد بواسطتها هذا القارئ تشكيل العمل الروائي ليست قوانين هي الأخرى بل ملامح لخبرة دائمة التكوّن، ومرجئة الإشباع طوال الوقت .. إذا لم يكن هناك (الكاتب) بألف لام التعريف، الكلي، (الإلهي)، فإن (القارئ) بألف لام التعريف، الكلي، أو (الإلهي) ليس له وجود أيضًا وإنما يدعي فقط لنفسه هذه الألوهية .. هناك (كاتب / قارئ)، و(قارئ / كاتب) فحسب، أي انعدام تام للهيمنة المثالية، سواء لكاتب يسيطر بلذة التداول الكامل على جميع القراء، أو لقارئ (مخاطب وحده، أو محكي له وحده) يسيطر (بلذة المعنى الواحد) على جميع الكتّاب .. نحن نضيف ألف لام التعريف للكاتب أو للقارئ للإشارة إليه في حالة معينة (هنا والآن)، وليس ذلك الكائن الذي يقدم نفسه ممثلًا لجميع القراء (في كل مكان وزمان)”.

تحميل العدد

https://acrobat.adobe.com/id/urn:aaid:sc:EU:ab2d19b1-76ef-41d1-9206-b7a1b20906c8?fbclid=IwY2xjawKKymlleHRuA2FlbQIxMABicmlkETF4QjRsMURpY2kwMVVZeWFKAR5TGhWEhq7CknmrDfx8Rwh-gkB797_d7CeiFkiBMMRffFECuJaqC-SxxJWU0g_aem_3SkLmo12JR7OKw2bEVYluw

 

الخميس، 8 مايو 2025

أنشودة دموزي الأخيرة: ملامسة الإيهام

لعل أكثر ما يُلاحظ في رواية “أنشودة دموزي الأخيرة” لنبهان رمضان هي الكيفية التي تجسّد بها اللغة طبيعة التيه والشرود والارتباك التي يتسم بها السارد المتحدث، وذلك بعكس حالات مشابهة في روايات أخرى يعمد خلالها السارد استخدام لغة تقصد التماسك والاتزان كنوع من المراوغة الدالة لتلك الطبيعة أو سعيًا للتخلص أو التبرؤ منها فيما يُعرف بالفرق بين “حكي الاضطراب”، و”الحكي عنه”. لذا فالراوي هنا يتمثل في لغته الملامسة لا الاقتحام؛ حيث تكشف هذه اللغة عن المسافة الوعرة أو الحاجز الاغترابي بين السارد والتجربة أو “الإيهام بالجدوى”، بين نزعته التأملية والتورط بشكل فعلي في صراعات الواقع. تجدر الإشارة إلى التطابق هنا بين صوتين تطاردهما دومًا احتمالات الفصل اعتمادًا على “زاوية النظر” أو “المكان الذي يشغله “ناقل الحكاية” بالتفرقة بين “ما يُحكى حيادًا” و”تنظيم الحكي وفقًا لانحياز ما”، أو بين “الراوي” و”السارد” حيث لدينا هنا ذلك الصوت الذي لا يحكي وحسب، وإنما ينتقي ويرتّب ويستبطن ويحلل ويفسر، أي أنه يتظاهر بالاستحواذ على ما يحكيه وإن كان يوطد ما يناقض ذلك.  

“لكنهم لا يعلمون أنني أنفذ وصيتها الأخيرة لي في آخر زياراتي السرية لها في مستشفى جامعة المنصورة، حيث كانت تعيش آخر أيامها قبل أن تخرج منها ليلة موتها إلى منزلها الذي يبعد عن منزلنا بمنزلين آخرين”.

لننتبه مثلًا إلى “التكرار” في لغة السارد والذي يشير إلى سعي مضمر للتيقن والتأكيد على الأشياء والأفعال التي أرغم على استعمالها بوصفه عالقًا في ما تكوّنه هذه العناصر والتفاصيل من متاهات، وذلك ما يجعل الراوي موضع استخدام لتشابكاتها الغامضة في حقيقة الأمر لا مُستعمِلًا لها. في الفقرة السابقة وبتكرار كلمة “منزل” بصيغ متعددة ومتعاقبة نجد مثالًا على محاولة لغوية مُلحّة لاستبصار المعنى الملغز أو الغاية المجهولة لذلك الحضور البديهي الذي يأخذ مُسمّى “المنزل” باعتباره فضاءً عدائيًا مخاتلًا تسكنه الأشباح، حيث تُهدر حيوات اضطرارية ما كان يجب أن تكون أي منها هي “الحياة”، ويهيمن “الموت” على كل رجاء للخلاص. هنا يتحوّل “المنزل” إلى استفهام، استجواب لفكرة “السكن” المتعذرة: لماذا فُرض علينا ألا نعيش في ملاذات آمنة، لا تٌهدد بالفناء؟ ذلك تساؤل جدير بالجالس في عربة تسير ضمن موكب جنائزي نحو “المثوى الأخير”.

“خرجت من الحمام، عدت إلى غرفتي ارتدي ملابسي، دق جرس الباب، طالبتني أمي أن أفتح الباب؛ لأنها غير قادرة على الوقوف بالسرعة المطلوبة لكي تفتح الباب. عندما فُتح الباب، وجدت نعيمة ذات الوجه المستدير تحيطه بطرحة سوداء شيفون كأنه برواز يظهر بياض بشرتها”.

لننتبه أيضًا إلى انفصال الوعي عن الفعل تجسيدًا لشرود السارد حيث يُستبدل الفعل المعلوم بالمجهول ـ بعد تكرار معهود لكلمة “باب” ـ ويتحوّل “فتحت الباب” إلى “فُتح الباب” لتمثل اللغة ذلك الإدراك المبهم عند الراوي بكونه “غير فاعل” أو “موضع استخدام” كما ذكرت من قبل، وكأن ثمة إرادة لا تخصه تنوب عن ذات غائبة، غير مستوعبة، في تنفيذ الأداءات، وذلك ما يجعل الفعل في أبسط صوره رضوخًا لقهر ما، مسايرة لضرورة ملتبسة، ولا يستند إلى انتباه حقيقي. يتخذ الشرود كذلك مظهرًا آخر في التسميات الخاطئة أحيانًا؛ فمحل الفول الشهير في ميت حدر اسمه “العطافي” وليس “العطفاوي”، فإذا ما اقترن بـ “وجبة العشاء” لأصبحت “وجبة العشاء العطافي” كما أن أغنية “الصلح خير” لـ “نادية مصطفى” وليست لـ “نادية صالح”.

“ومع تواصل الدراسة أصبح الجلوس في فناء الكلية بين المحاضرات المعادل الموضوعي لرؤية نجمتي المفضلة في جوف الليل، أتابع وأراقب بلا هدى فقط ما يلفت انتباهي من حركات الطلاب والطالبات؛ وأحيانًا الأساتذة، ربما استغرق ذلك ساعات طويلة وأحيانًا أسهو عن موعد المحاضرة، فيدخل الدكتور المحاضرة دون أن أدري، الأيام تمر كعقارب الساعة دون عودة للوراء، لا شيء يتغير”.

من هنا يمكن القول إن مراقبة السارد لمشاهد الواقع هي ممارسة تخييلية تجاه نفسه في المقام الأول. تلصص على تلك الذات المحتجزة وراء ارتباكه، وكأنه يمكن انتزاعها مجردة من القمع بواسطة وجوه وأجساد الآخرين أو ما يختبئ في أرواحهم ودون دراية لهم به. هذا ما يدفع الراوي لأن يصوغ بارتباكه ما يطفو من هذه الأرواح عبر الوجوه والأجساد، كأنما يخلق أسرارها وفقًا لهواجسه، وبتنويعات على الملامسة لا الاقتحام، كما أشرت سابقًا، في مجاهدة عسيرة لتخليص ذاته المجهولة من قيودها الغيبية، مستعينًا بـ “هكذا تكلم زرادشت” فيما يمثل ديالوج بين السارد ونيتشه، وهو ما سيقوده منطقيًا إلى توثيق السعي لمناوشة تلك الذات التي يعجز عن إيجادها أو كتابة القصة القصيرة.

“تريد الصعود إلى أعالي الفضاء الرحب وروحك تتوق إلى النجوم. لكن غرائزك السيئة هي أيضًا تتوق إلى الحرية”.

في هذا المقطع تحديدًا من “هكذا تكلم زرادشت” يتكشّف جوهر التوق الروحي عند الراوي بكونه ليس انقطاعًا عن الملذات الحسية وإنما تحريرًا لها، أي يشملها مسار النجاة ويمر عبر كوابيسها حتى يعيد تلك المباهج الغرائزية الماكرة إلى أصل محصن مخبوء، لا يخدشه الشر.  

حين تقرأ مثلًا “أمي كانت تقرأ في مصحفها الذي اعتادت أن تقرأ منه بصوت عال” فإنك من الوارد أن تفكر ـ خاصة لو كنت محررًا أدبيًا يتلهف على اصطياد ما يفضح بصيرته الأبوية البائسة ـ في السبب الذي منع الراوي من قول: “أمي كانت تقرأ في مصحفها بصوت عال كما اعتادت” …

إن ذلك التكرار (كوجه ناصع للتردد) في سعيه المضمر للتيقن والتأكيد على الأشياء والأفعال، والشخوص التي تكوّن متاهات السارد بطبيعة الحال، يرتبط بما يشكل وعيه من كبت وتحيزات ومفاهيم نمطية، لذا فالتكرار بمثابة وشاية بالشك الخفي والمحاكمات اللاواعية عند الراوي تجاه الكليشيهات الاجتماعية والثقافية التي تستعمل وجوده “العالق”، وتزيف رجعيتها بأقنعة بلاغية مصطنعة من التسامح. تلك الإكراهات التقليدية المتوارثة التي تسيطر على منظور السارد وتجبره كطفل ساذج على ترديد الحكم المدرسية وإعادة تدوير التلقينات الأخلاقية القاصرة حتى مع مجابهته الكلامية للذوات المتشددة، المتسلطة بعنف الفكر والفعل، وكأن لغته الأشبه بالتلعثم هي أسلوب تفاوض مع الأعراف والتقاليد الشعبوية المستحوذة على وجهات نظره مثلما تحاصر حركته في العالم. محاولة للتشبث بشيء حقيقي عبر “تشتت اللغة”، والمتمثل كذلك في المراوحة بين الفصحى والعامية، يعيد ولادته خارج التيه.

“بينما جلسنا نحن الثلاثة نتحدث عن الشعر الذي سمعناه الليلة في الندوة أغلب الوقت أسمع منهما عن قصيدة النثر الجديدة المتطورة بعد محمود درويش ونزار قباني، وما الحداثة فيما سمعناه الليلة طوال الوقت، أستمع ولا أشترك في الحديث وعندما يطلب رأيي أجيب بطريقة مقتضبة”.

نلاحظ كذلك كيف يوظف السارد علامات الترقيم في التمثيل لشكل آخر من الارتباك وهو ما يُعرف بـ “مضغ الكلمات”، حيث لا تكتفي لغة الراوي بطمس المفردات في لحظات معينة وترك فراغات معاندة للاتساق فحسب، وإنما تقوم أيضًا بمحو علامات الترقيم في بعض الأحيان، وذلك يختلف عن “التكثيف” اللغوي؛ فهذا المضغ للكلمات ـ في تجسيده لحالة اللهاث والاختناق الناجمة عن الاضطراب ـ بوسعه أن يبرز سطوته بصورة أعنف في ما قد يوصف بـ “الفضفضة” أو الإسهاب في الوصف أو البوح، وخاصة مع وضوح النبرة الطفولية التي تمرر تعبيرات عاطفية غافلة وكلمات متقطعة أو متداخلة ببعضها.

“إنها فكرة الموت الرحيم، ما أدهشني كيف يكون الموت رحيمًا، ذلك الكائن الذي يفرق الأحباب عن بعضهما البعض، حرمني من أبي مبكرًا، يحرم الأب من ابنه، والابن من أبيه، والأم من أبنائها، ويحرم الأبناء من حنانها، الرحمة ليست صفة للموت أبدًأ مهما كان الشخص بغيضًا وعلى درجة كبيرة من المقت والكره، فهناك من يريده ويحتاج إليه حتى ولو كان طفلًا رضيعًا أو شحاذَا يحنو عليه”.

لذلك تبدو الشخصيات المحيطة بالسارد أشبه بأصداء لنزاعاته مع تاريخه الشخصي وما يتجاوز هذا التاريخ، حيث لا تمتلك تلك الشخصيات بصمة وجودية تتخطى المعاناة الاجتماعية بأشكالها المختلفة، نظرًا لأن “ملامسة” الراوي لحيوات تلك الشخصيات لا تسمح لأي منها أن تحفر سيرة أرقها الخاص في الرواية مثلما أراد أن يفعل لنفسه، وكأنهم ظلال مشوّشة لماض أبعد وأكثر تمنعًا مما يمكن له أن يقبض على مشيئته، ومن ثمّ فما يبدو حوارًا بين السارد وشخصية أخرى يقترب من أن يكون مونولوجًا داخليًا للسارد نفسه، وكأن ما تقدمه كل شخصية عن عالمها في تلك الحوارات لا يعدو سوى طيف ضبابي، يحوم حول عالم الراوي الذي لم يمتلكه مطلقًا.

أخبار الأدب

4 مايو 2025

الأربعاء، 7 مايو 2025

تحميل العدد السادس من مجلة "الناقد"


ورشة "الغرابة في القصة القصيرة"


 

مقطع من "نصفي حجر"

"لماذا سيذهب (م) إلى هناك؟ .. لماذا سمح لشخص ما يُطلق على نفسه أحد ممثلي القانون أن يخبره بشيء عبر الهاتف في صورة "تبليغ صارم بالتعليمات"؟ .. لماذا ظل يستمع إليه حتى أنهى حديثه ثم أغلق الخط كأنها مكالمة عادية بين شخصين يعرفان بعضهما جيدًا، بينهما ماض مألوف من القرب والتشارك، وينغمسان في صلة مفهومة يتوقع أن تبقى ممتدة حتى موت أحدهما، أو حتى موت (م) بالأحرى؟

لنفس السبب الذي لم يتخذ (م) من أجله رد فعل عدائي حقيقي حين استيقظ على وجود ممثلي القانون في بيته .. السبب الذي يمزج بين أشياء قد تبدو متناقضة لمن يبصرها، حيث لا يمكن لأحد أن يبصرها حقًا، بينما وحده (م) يعرف سر التجانس المجهول الذي يشملها.
في السابعة إلا ربع خرج (م) من بيته في منطقة الجوازات متجهًا نحو حي الحسينية .. كأنه يخطو إلى الشوارع للمرة الأولى .. كأنه لم يتنفس مطلقًا رائحة النسيم البارد المعطّرة بالاحتراق الليلي .. كأنه لم ينصت لهمهمات الماضي وهي تحاول التسلل من الضجيج الذي يفرم سمعه .. يسير به اتجاه مضاد لكل المسارات التي تناقلت جسده من قبل .. تستنشق أنفاسه الرائحة الطفولية المُسكرة .. كل "شارع" يكشف إذن عن الكيفية المستترة في باطنه التي تجعله "طريقًا" .. رائحة النسيم البارد تُعرّي نارها المحتجبة .. الهمهمات القديمة تخترق أذنيه .. رجال ونساء وأطفال وقطط وكلاب يرمقونه بتلهف ساخر وهم يعبرون من حوله ببطء أو يتوقفون على جانبي خطواته المرتبكة .. وجوه محتشدة، تحلق ابتساماتها المتهكمة داخل الشرفات ووراء النوافذ .. بعكس ما ظل يفعل طوال أربعين سنة؛ لم ينظر إليهم .. لم يتفحص ملامحهم، أو يراقب انفعالاتهم وحركاتهم، أو يلقي بنفسه في هوة انطباعاتهم الخفية .. كان ذلك الممر الشرفي الممتد داخل المدينة، المنظّم بالاستهزاء والتشفي يبقي عينيه لأسفل، تاركًا لهما وحسب إمكانية اختلاس النظر بين حين وآخر .. كأن كل هذه الكائنات لا تمثل نفسها بقدر ما تجسد كابوسًا ذاتيًا أصبح الآن في أقصى درجات سطوعه .. كأنه كان يربي كل هذه الوجوه بداخله على مدار عمره، وقد حانت في هذا المساء لحظة تشييعها له تحت سماء حالكة وغيوم رمادية كثيفة، حيث لن تُجدي أية مراوغة .. لهذا كانت نشوته غير مسبوقة".
مقطع من رواية قيد الكتابة

الأربعاء، 16 أبريل 2025

الأخضر واليابس: الأصوات والأحجار

لم تكن الأحجار التي ملأت فرجينيا وولف جيوب معطفها بها قبل أن تنزل إلى نهر “أوز” سوى تمثيلًا ملموسًا لتلك “الأصوات داخل رأسها”. الأصوات التي حينما أصبحت وولف عاجزة عن تحريرها، كما كان قتالها الكتابي المتواصل مع الذاكرة، قررت أن تجسّد لحظة استسلامها لأشباح “غرفتها” الغيبية التي تخصها وحدها ولم تطأها مطلقًا، وكأن انتحارها مكيدة ختامية للانتقام من الغرق الذي اكتشفته منذ لحظتها الأولى.

“لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى. ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة. أنا لن أتعافى هذه المرّة. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي”.

أعادتني المجموعة الشعرية “الأخضر واليابس” لمنى كريم، الصادرة عن منشورات تكوين إلى استعادة مشهد انتحار فرجينيا وولف، وكيف يمكن تأويل كلمة “الجنون” في رسالتها الأخيرة من خلال تقنية الكتابة التي تميز نصوصها وقصصها القصيرة تحديدًا. أتحدث عن ما وصفته سابقًا بـ “الفوران غير المنضبط من اكتشاف العلامات” الذي ينطلق من المدخل المشهدي للنص، ويبدو ظاهريًا في انفصال عن سياقه، ولكنه يستبطن أواصر كابوسية تنتمي إلى ذلك المشهد الافتتاحي ثم العودة إلى “نقاط ارتكاز” ناجمة عن مدخل النص، كأنها تذكير بـ “اللحظات الواعية” أو “الوعود المنطقية التي تلزم الهذيان للتجسد”. أتحدث عن “الأصوات” قبل أن تفرض بقائها كـ “أحجار”.

“ليل 

وفي صالتنا المكيفة 

امتزج

عرقنا الناشف

عرقنا المستمر 

في بحيرة واحدة

تقرفصنا حولها

اصطدنا منها الحكايا 

اجتررنا من بطنها

صندوق ذكريات العائلة 

صور أصدقاء بترناهم من بيتنا

صور أقارب محنطين في المنفى

صور عائلة 

لم تكن قد نُـثرت بعد 

كملح فوق رأس العالم”.

الأحجار في قصائد منى كريم هي أحيانًا “ذكريات العائلة” وقد تحوّلت بفعل “الاجترار” إلى “شذرات هذيانية”، تطفو ـ كغرق مضاد ـ من بحيرة “العَرَق المشترك” التي ترقد “الحكايا” في قاعها. صور الماضي إذن وفقًا لهذا الطفو الذي يعيد تمثيل الغرق بصورة عارية تتحوّل إلى خيال ثأري من الذاكرة. تفكيك للمشاهد القديمة، لا كأنها لم تحدث، وإنما بوصفها احتمالات مشوشة لما يأبى الحدوث. “النسخة الأصلية” هي “حكاية متفردة” مجهولة، تمت إزاحتها فيما يسبق الماضي، ليصبح كل احتمال “واقعي” تأكيدًا على استبعاد تلك الحكاية. على احتجازها المحصّن خارج “الوجود”.

“أصواتكم التي تقاذفت اسمي

كجمرة يستحيل استقرارها

تشتعل بألفتنا الأزلية 

كيف يحتفظ كل منكم 

بنسخ أصلية من حياتي 

جلسنا ننقحها لأسابيع 

نزيل عنها أولًا ثلج المنفى

نلامس أطرافها التي تقصفت 

نقارن سردياتنا المتعددة

لتلك المرة التي صفعتني أمي 

للمرة المليون

أسباب الصفعة وتبعاتها 

وعلى أي مسافة شهدها كل منكم”.

“صفعة الأم” مثلًا يُشار إليها كأمر حدث، كلحظة موثقة في الذاكرة، لكن ما جرى ليست الصفعة التي يتم تذكرها، بل فرضياتها الغائمة التي تحجب طبيعة “الصفع” نفسه. الإشارات المبهمة التي تتقدّم على الفعل دون حد، وتحوم حول ضبابيته دون قدرة على اختراقه، ومن ثم يتحوّل “الاحتمال المضلِل” إلى “إثبات قهري” للحكاية، بديلًا اضطراريًا ـ متغيّرًا ـ لغيابها.

“نكتب المشهد كاملًا 

ونفكر في العدد الهائل من الحكايا

في قلب البحيرة 

كم منها سنجتر وكم منها سنرمم”.

هذا الكشف الذي تؤديه الكتابة هو بمثابة “تحرير الأصوات”، أو “تفتيت الأحجار” الذي يقوم بعمله التقويضي عبر حيلة “التنقيح” و”الترميم”؛ فالذات لا تستعيد الماضي كما يبدو، ولا تبحث عن “وجوهه الحقيقية” بالتعبير البلاغي المروّض، ولكنها تستعمل هذا الماضي في تذويب الذاكرة، ليصبح الماضي والذاكرة مفهومين مختلفين، متنافرين، يتصارعان، ليس كل منهما ضد الآخر وحسب، وإنما ضد نفسه بالضرورة.

“نهار / جلست في المطار / بينما تنتظرونني خارجه/ لم نعلم أن للصحراء أبوابًا/ يمكن إغلاقها./ في لونها الأصفر / رأيت شحوبكم،/ القلق الذي تشكل على وجوهكم/ ككثبان متحركة،/ الوقت الذي تكدس بيننا / في أكياس رملية/ وبينما انتظرني حارس الصحراء/ ليأخذني منكم / طلبتم مني أن أحلم بالعودة / “ولكن..” قلت “كيف؟” / وبعدما / نثرني كملح على رأس العالم / صارت الحياة جرحًا مفتوحًا / متعفنًا وورديًّا/ وعدت إلى شقتي الباردة/ التي لم تسبق لكم زيارتها/ ركضت وضحكت وقفزت / علّي أملأ الفراغ / الذي خلفته ألفتكم الأزلية”.

تُخلق الذاكرة الشبحية بأنقاض الماضي، بحسب الخصوصية التدميرية وتشريح الانهيارات. بأشلاء الذاكرة الجماعية التي تقاتلها الذات، لكنها في ذلك لا تعتمد الرصد بقدر ما يميزها الارتجال، أي أنها تقاوم “النسق” ومن ثمّ فهي ذاكرة مناوئة لـ “التذكر”.

“علي أتصبب بكامل عرقنا

يمتزج في بحيرة واحدة

أنزل إليها مثقلة بالأحجار 

بانتظار أن تجتروني يومًا منها”.       

النزول إلى بحيرة “العرَق المشترك” بثقل الأحجار هو قتل “السردية العائلية” المعادل لانتحار مجازي يُبقي الذات التي تشكلها التفسيرات “الصفعات” المتعددة لتلك السردية خارج الموت وخارج الحنين. يؤجل الاجترار بقدر ما تبتعد “النسخة الأصلية” المجهولة عن إمكانية الاسترداد. النزول إلى بحيرة “العرَق المشترك” بثقل الأحجار يؤجل الاجترار بقدر ما تحاول الذاكرة الشبحية أن تكون أكثر من مجرد جرح صغير في الماضي الذي “يحكيه” الجميع.

“جسدي مركبتي

أقودها كمراهق مستهتر

تصطدم بالآخرين، بالأرصفة

تجتاز الإشارة الحمراء في الثانية الأخيرة

فيهز شرطي الموت رأسه”.

الجسد لا يعيش “حياة” وإنما يختبر “كابوس سقوطه” بشكل متكرر. تعاود الذات تمثيل لعبة الولادة طوال الوقت كشيء يُدفع نحو التحطم بـ “عفوية مبررة”.  هنا تبدو “القيادة” كأنها باروديا متعمّدة لقرار “الإيجاد”. تقمص ساخر لـ “الإرادة الحرة” التي تمنح المنطق الكوني لهذا “الإيجاد”. الجسد حصيلة من إكراهات محطمة تزّيف تماسكها وسط كل ما يتظاهر بأنه “موضع آمن” أو “فرصة نجاة”، وليس على الذات كي تفضح السقوط البدائي للجسد، الذي يستبق وهم الحركة، سوى تمثيل “الإهمال” كما لو أنه مشيئة هذه الذات، مقامرة عدائية تقصد الذات خوضها وليس عرضًا مؤقتًا من التورط في العالم من أجل ما هو منفصل عن العالم. هذه المسايرة التهكمية كأنها تختلس حياة ما داخل “كابوس السقوط”، تعيد الولادة بوصفها “لعبة كتابة”. كأنها محاولة لوضع لغم ما في كواليس العرض بأثر رجعي قبل أن يبدأ.

أخبار الأدب

6 أبريل 2025


وردة انتقامية

ماذا لو عاش في تلك المساحة الضئيلة التي تستند إلى وسادة السرير؟ .. ليس السرير كليًا وإنما مجرد سنتيمترات قليلة فقط تظللها حافة الوسادة وتختبئ أسفل الطرف العلوي للغطاء .. ماذا لو انكمش جسده بحيث أصبح صالحًا تمامًا للإقامة في تلك البقعة دون أن يمتد جزء منه خارجها؟ .. هل ستظل تصدعات بدنه وثقوب روحه لامعة في عينيه؟ .. هل ستواصل دماؤه السوداء المتحجرة التدفق من تلك المسام المشرعة التي لا يراها أو يشعر بها غيره؟ .. هل سيبدو العالم في الخارج لبصره كما هو؟ .. هل سيتحوّل ذلك السكن بالغ الصغر الذي كوّنه بنفسه هو الآخر إلى متاهة؟ .. إلى حفرة للتبدد؟ .. المؤكد أنه لن يكون وحده .. سيعيش معه من يبكي ساخرًا من قدر الحياة والموت، من ينظر لأعلى طوال الوقت متخيلًا ملكوته المفقود، كاره كل شيء، الضجِر من كل شيء، الذي يريد أن يتذكر وينسى كل شيء، الذي لا يصدّق أي شيء، المتلهف لما يتخطى كل شيء، الراقص بارتجافاته المستنجدة، الشارد والأعمى ومن لا يتكلم إلا مع نفسه، الذي يربي في قلبه وردة انتقامية لا تكبر ولا تموت .. كل هؤلاء سيكونون ـ أيضًا وكما كان دائمًا ـ نتاج استمنائه.

photo by Giuliano Lo Re

الثلاثاء، 1 أبريل 2025

تحميل كتاب "القصة الرسائلية"


إكمال المعجزة

عاود الفزع توجيه اللطمات إلى روحي: أنت لم تكتف بكشف الفكرة بل وتنوي قراءة ما ستدوّنه من النص أيضًا! .. هنا تأكدت أنني وضعت ميادة على حافة حياتي .. كنت موقنًا وبلا أدنى شك من أنني لن أقرأ لها أي كلمة مما سأكتبه في مخطوط هذه الرواية .. لم أفعل هذا مع أي شخص ينتمي بصورة أو بأخرى إلى الوسط الأدبي وبالتأكيد لن أفعل هذا مستقبلًا .. أيقنت أن الإبقاء على ميادة في حياتي سيكون مقامرة أستطيع من الآن ـ وبخبرة الماضي كله ـ أن أضمن هزيمتي في نهايتها .. أستطيع أن أضمن الألم الذي لن أحصد من زمنه طال أم قصر إلا الكتابة .. لكن هذا الوعد الزائف كان في نفس الوقت رجاءً خفيًا لميادة بأن تكمل معجزتها وتمنحني ما يعطل ذلك الحذر الجوهري الذي يسيطر على علاقتي بالآخرين في هذا المستنقع .. كنت أطالب ميادة ومن وراء جدران صلبة لا آخر لها بأن تواصل اجتياحي بكل ما يشكّلها ويطفو من أعماقها إلى أن تستبدل العالم بوجودها المحض ودون ثغرات .. أن تجعلني أقرأ لها كلماتي التي لم تنشر بعد، حتى ولو كان ذلك عربون ثقة لخزي مؤكد وليس خلاصًا مستحيلًا .. حتى ولو كان ذلك ضد النص، بتوريطه في الاستهلاك “الكيتشي” بين رجل وامرأة، خارج عزلة كل منهما .. حتي ولو خسر كل منا عماءه الطفولي عن الآخر واكتسب عماءًا مضاعفًا، أكثر فداحة، قائمًا على ما يسمى “التجربة الواقعية” .. أليس كل نص هو نتيجة خزي ما، خيانة فاضحة لما توهم به “الخبرة” الحسية؟ .. أليس كل نص هو نتيجة الكشف عن عدم الانتماء إلى الآخر؟ .. أليس كل نص هو نتيجة تدبير ماكر من الذات، تستعمل خلاله تواطؤ خيبات الأمل المدركة استباقيًا تجاه طموحات يتم ـ رغم ذلك ـ تصديقها والانغماس في عتمتها؟  .. حسنًا .. سأكتب نصًا جديدًا عن هذه الهزيمة الإضافية مهما كانت قسوتها التي ستشحذها “نصوصي السابقة” كأبطال أساسيين لهذا النص .. عن هذا الألم الذي أترجاه عندما تصبح هذه السمراء الفاتنة بين يديّ بالرغم من شراسته المتوعدة .. هل التقطت روح ميادة تلك الاستغاثة التي أخرستها اللغة؟ .. هل يمكنها أن تستجيب لهذا التوسل على النحو الذي لا يمكنني تصوّره أو حتى الإيمان به؟

جزء من رواية “نبوءات لا مرئية” ـ قيد الكتابة

اللوحة: رينيه ماغريت

الحبكة المحتالة (5): الحكمة الذكورية لحكاية الصبية المقتولة

كيف يمكن أن يكون الوزير مسؤولًا عن جريمة قتل رجل لزوجته؟ ..إذا كان الوزير جعفر البرمكي مسؤولًا عن قتل الصبية التي عثروا على جثتها داخل صندوق في البحر باعتباره “وزيرًا”؛ أليست المسؤولية ـ وفقًا لهذا المنطق ـ تقع في المقام الأول على هارون الرشيد باعتباره “خليفة”؟ .. ما العدل في أن يأمر هارون الرشيد بصلب أربعين من بني عم جعفر البرمكي إذا لم ينجح في العثور على القاتل؟ .. ألا يعد الأمر بقتل الوزير وأربعين من بني عمه تبروءًا “إجراميًا” للخليفة من مسؤولية قتل الصبية وتوطيدًا لصورته الباطشة “الإرهابية” التي يحكم بها البلاد أكثر من كونه يريد فعلًا تحقيق “العدل”؟ .. لماذا لم يعترف الزوج بقتل زوجته قبل اللحظة التي أوشك فيها الخليفة على صلب الوزير جعفر، بما أنه يشعر بالندم ويريد القصاص من نفسه خشية مطالبة الزوجة “يوم القيامة”؟ .. بأي منطق يعفو هارون الرشيد عن الزوج الذي نحر زوجته بالسكين وقطع رأسها وأعضاءها ثم وضع جثتها في صندوق وألقاه في البحر وبقي طوال المدة التي لم تُكتشف جريمته خلالها دون اعتراف إذا كان هناك شخص آخر “الوزير” بالإضافة إلى أربعين من بني عمه هم من كانوا سيصلبون جراء هذه الجريمة؟ .. أي صدفة تجعل الشخص “العبد” الذي اعتبره الخليفة هو الجاني الأصلي “لأن الزوج معذور بحسب هارون الرشيد” يكون خادمًا لدى الوزير جعفر؟ .. بأي منطق عتق هارون الرشيد رقبة هذا العبد بعد أن كان قد اعتبره المسؤول الحقيقي عن قتل الزوجة، وبعد أن كانت جريمته ستتسبب في “مذبحة جماعية” لعائلة الوزير؟ .. كيف يمكن لجريمة بدأت بالحكم على وزير وأربعين من بني عمه بالصلب ومرت باعتراف الزوج بالقتل ثم اعتراف العبد بالكذب؛ كيف يمكن لهذه الجريمة أن تنتهي دون أن يعاقب أحد؟

إن الأمر لا يتعلق بالقتل أو اكتشاف الجاني أو العقاب، وإنما بكيفية تلفيق حبكة عن “القوة” و”العدل” لخليفة يعتمد على حكمة “الحكايات” في تبرير مشيئته .. هنا لا يهم المنطق، وإنما كيفية تمرير صورة خارجية مهيبة للخليفة يخضع ويتودد لها المحكومون، غير المساءلين أو المجادلين، بل والمؤمنين والمدافعين عن تفاصيل هذه الصورة وما تستند إليه .. هؤلاء ليسوا مقصورين على زمن محدد، بل إن الذين لديهم استعداد للتغني بهذا الشكل الوحشي للحكم، والذي تبرره أعراف وتقاليد ذكورية راسخة، هؤلاء يتناسلون في تزايد لا ينقطع عبر الزمن .. أعراف وتقاليد ليست منفصلة بالتأكيد عن الغريزة العقائدية أو سلطة “الدين”، ويمكن القول إن الإيمان بالمقدس الغيبي يوفر بديهيًا إمكانية تحريضية بالغة السهولة لانتهازه في ممارسة هذه الأعراف لسطوتها.

أستعيد الآن فقرات من مقالي عن رواية “يوم آخر للقتل” للكاتبة هناء متولي:

“تخاطب شهرزاد الرجل الذي يدرك بشكل غير واع بأنه حُرم من أصل كامل ومحصن، وأنه بكفاحه الغريزي المستمر لتعويض هذا الحرمان (الفعل الدنيوي) قد ازداد ابتعادًا عن  ذلك الأصل المجهول أي تعمّق غيابه في بشريته. تخاطب الرجل الذي يتمرد دون استيعاب على قدره كإنسان، أي على النموذج المثالي الذي تجرّد منه، مجاهدًا بهذا التمرد أن يسترد ذلك الأصل أو ما حوّله الإنسان إلى مثال كوني مطلق يتم الخضوع له أو استرضاء ما يُعتقد أنها الإرادة الخفية لهذا النموذج، وليتبرأ بفعل الكبت من هذا التمرد بإحالته عفويًا إلى قوى غيبية مستقلة مثل “الشيطان” يُنسب لها العصيان أو الممارسات الفاسدة، خاصة تلك التي تتصل مباشرة بما يُسمى “الماورائيات”. تخاطب شهرزاد الرجل الذي يحتمي بنصوص تمييزية اتخذت طبيعة السلطة الذكورية (التقاليد والأعراف والمحرمات) التي أنتجتها منذ القدم، وتوطدت سطوتها عبر الزمن”.

“أصبح تمرد شهريار على الصفة الإنسانية والإرادة الضمنية لامتلاك الأصل الخيالي الغامض الذي يعجز أن يكونه، وباعتماده على الأسس النصية التي خطها التحيز الذكوري؛ أصبح هذا التمرد قائمًا على “قتل النساء”.

“يتخذ الأمر إذن هذه الصيغة: رجل يحاول تعويض “إعجازيته الغائبة” عبر جسد المرأة، ولكن استمتاعه بهذا الجسد يرسخ افتقار الرجل لذلك الأصل الإعجازي، كلما حاصر هذا الجسد وقمعه كلما أيقن أن سلطته الذكورية زائفة، غير مطلقة، ومن ثمّ يتعيّن عليه مواصلة الانتقام من هذا الجسد حتى يستعيد نموذجه الخيالي. على جانب آخر تحاول المرأة تعويض “شهرزادها المتعالية” بأن تكون شهية من غير تنكيل بحريتها، كما أرادت سارة في المرآة أيضًا “تؤكل من دون جهد”، ولكن جسدها يوقن أنه لن يمنح المتعة الأبدية، ومن ثمّ يتعيّن عليها الثأر من شهوة الرجل الذي دمغ جسدها بالشر وقدمها قربانًا لخلاصه المستحيل، حتى تسترد ذلك الجسد المقصي (تمنحه لها المرآة) الذي يُشبِع دون نقصان”.

كان “الرجل” في حكاية “الصبية والتفاح وريحان العبد” يستعمل المرأة في محاولة إثبات ألوهيته، وفي الانتقام من عجزه عن أن يكون “إلهًا”.

السكير


 ترجمة: ممدوح رزق

 مثّل موت السيد دولي صدمة قاسية لأبي. كان مسافرًا تجاريًا وله ابنان في الدومينيكان، ويمتلك سيارة؛ لذا كان يتفوق علينا اجتماعيًا بكثير، ومع ذلك لم يكن موصومًا بالكبرياء الزائف. عُرف السيد دولي كرجل مثقف، ومثل جميع المثقفين، أحب الكلام أكثر من أي شيء آخر. بصورة محدودة كان أبي مثقفًا أيضًا؛ يقرأ جيدًا، ويمكنه تقدير المتحدث الذكي. تميّز السيد دولي بذكاء ملحوظ، ومع علاقاته المهنية واتصالاته الكنسية؛ بدا كما لو أنه لا شيء يخفى عليه. تعوّد كل مساء أن يعبر الشارع إلى بوابة بيتنا كي يسرد لأبي خبرًا تلو الآخر، بصوت منخفض ونبرة عميقة وابتسامة واثقة. كان أبي ينصت إليه مندهشًا، ويُظهر من حين لآخر دليلًا على استيعابه لموضوع المحادثة ثم يدخل إلى أمي وزهو الانتصار يتوهج على ملامحه قائلًا: “هل تعرفين ما الذي أخبرني به السيد دولي؟”.

منذ ذلك الحين، وكلما أبلغني شخص ما بمعلومة غير متداولة؛ كنت أجد نفسي على وشك سؤاله “هل أخبرك بذلك السيد دولي؟”.  

حتى اللحظة التي رأيته خلالها ممددًا بالفعل في كفنه البني مع حبات المسبحة متشابكة بين أصابعه الشمعية؛ لم أعتبر خبر موته جادًا. حتى في ذلك الحين شعرت أنه حتمًا ثمة شيء غير عادي، وأنه في إحدى الأمسيات الصيفية سوف يظهر السيد دولي مرة أخرى عند بوابة بيتنا ليخبرنا عن العالم الآخر.

كان أبي متأثرًا للغاية لأن السيد دولي يماثله في العمر، وهو ما يعطي دائمًا طابعًا شخصيًا لموت رجل آخر، وأيضًا لأنه لم يعد لديه الآن من يخبره عن الأعمال القذرة التي تدور في الخفاء. كان يمكنك أن تعد على أصابعك عدد الرجال في شارع بلارني الذين يقرؤون الصحف كما اعتاد السيد دولي أن يفعل، ولم يكن أي من هؤلاء ليغفل عن حقيقة أن أبي مجرد عامل. حتى النجار سوليفان، وهو شخص عادي، كان يعتبر نفسه أفضل من أبي. وفاة السيد دولي كانت بالتأكيد خسارة فادحة.

“الساعة الثانية والنصف في كوراغ” قال أبي في شرود وهو يزيح الصحيفة.

“لكن، هل تفكر في الذهاب إلى الجنازة؟” سألت أمي بقلق.

“هذا بديهي” قال أبي مشتمًا المعارضة. “لن أترك لأحد فرصة الانتقاد”.

“أعتقد أن ذهابك للكنيسة أكثر مما يتوقع أي شخص” قالت أمي بتوجس مكبوت.

كان الذهاب إلى الجنازة يعني شيئًا واحدًا بالنسبة لأمي: خسارة أجر نصف يوم.

“الناس بالكاد يعرفوننا” أضافت.

“الله يحول بيننا وبين كل ضرر” أجاب أبي بسمو. “سنكون سعداء حين نؤدي دورنا”.

للحق؛ كان أبي مستعدًا للتنازل عن أجر نصف يوم من أجل جاره القديم. لم يكن الأمر متعلقًا بحبه للجنازات بقدر ما يرجع لضميره الذي يقود أفعاله، وما كان هناك أكثر عزاءً لموته المحتمل مثل الاطمئنان إلى جنازة تليق به. للحق أيضًا؛ لم يكن ما يؤرق أمي هو أجر نصف اليوم بحد ذاته، بالرغم من وضعنا المالي السيء، وإنما كانت المسألة ترتبط بنقطة ضعف أبي الكبرى وهي الشُرب.

كان باستطاعته أن يبقى صامدًا لشهور عدة، بل حتى لسنوات متتالية، وأثناء ذلك يتحوّل إلى جوهرة بشرية؛ يستيقظ صباحًا قبل الجميع، ويجلب لأمي فنجان الشاي في السرير، ويبقى بالمنزل مساءً ليقرأ الصحيفة. كان يدخر المال ويشتري لنفسه بدلة جديدة من القماش الأزرق وقبعة بولر، ساخرًا من حماقة الرجال الذين يهدرون أموالهم التي كسبوها بعناء أسبوعًا تلو الآخر عند أصحاب الحانات. أحيانًا، ولكي يمرر ساعة من وقت فراغه؛ كان يُحضر ورقة وقلمًا ويحسب بدقة ما وفره كل أسبوع أثناء امتناعه عن شرب الكحول. بإغواء من طبيعته المتفائلة؛ كان يستمر أحيانًا في إجراء هذه الحسابات قياسًا بفترة وجوده المتوقعة بالمنزل ليحصل في النهاية على نتيجة مذهلة. كانت لحظة موته ستأتي وفي رصيده مئات الألوف من الجنيهات.

لم أكن أعلم أن ذلك نذير شؤم؛ فقد أكسبه الامتناع عن الكحول وادخار المال تشبعًا بالكبرياء الروحي فبدأ يتخيل نفسه أفضل من جيرانه، وسريعًا تضاعفت حدة هذا الكبرياء مما استدعى شكلًا من الاحتفال. تناول كأسًا من البيرة ـ مشروب غير ضار بعكس الويسكي ـ وتلك كانت هي النهاية. شعر بأنه أحمق؛ فتناول الكأس الثاني لينسى ذلك، ثم تناول الثالث لينسى أنه لا يمكنه النسيان، وفي آخر الليل عاد إلى المنزل ثملًا.

من هذه اللحظة فصاعدًا كان “انهيار السكير” كما يٌكتب في المطبوعات الأخلاقية. في اليوم التالي مكث بالمنزل بسبب صداع شديد بينما ذهبت أمي لتقدم اعتذاره في العمل. خلال أسبوعين ظل فقيرًا ومكتئبًا ومتوحشًا مرة أخرى. بمجرد أن يبدأ الشُرب لا يكون بوسعه التوقف، وكانت أمي وأنا نعرف جميع المراحل اللاحقة، ونخشى مخاطرها كافة. الجنازات كانت واحدة من تلك المخاطر. 

“عليّ الذهاب إلى دنفي للعمل نصف يوم” قالت أمي بقلق. “من سيرعى لاري؟”

“سأعتني بلاري”، قال أبي بلطف. “قليل من المشي سيفيده”.

لم يكن هناك المزيد ليقال. على الرغم من معرفة الجميع بأني لست في حاجة لعناية أي شخص، وأن بمقدوري البقاء في المنزل ورعاية سوني، لكنني كنت متورطًا في الحرب كلجام لأبي. ككابح لم يحرز نجاحًا في مهمته على الإطلاق. لكن، مع ذلك، كانت أمي تؤمن بي كثيرًا.

في اليوم التالي، وعندما عدت من المدرسة، وجدت أبي وقد أعد لنا كوبين من الشاي. كان بارعًا في تحضير الشاي، ولكنه ثقيل اليد في أي أمر آخر، مثل طريقته الصادمة في تقطيع الخبز. بعد ذلك توجهنا إلى الكنيسة، وكان أبي يرتدي أفضل بدلة زرقاء لديه، وقبعة دائرية مائلة إلى جانب رأسه مع أقل قدر من الخيلاء. لفرحته الكبيرة اكتشف وجود بيتر كراولي بين المعزين. كان بيتر إشارة خطر أخرى كما علمتني جيدًا بعض تجارب ما بعد قداس الأحد الصباحي. رجل لئيم، مثلما تقول أمي، يذهب إلى الجنائز فقط من أجل الحصول على المشروبات المجانية. تبين أنه لم يكن يعرف السيد دولي أصلًا! وكان أبي ينظر إليه بنوع من الازدراء باعتباره أحد السذّج الذين يبددون أموالهم الثمينة في الحانات بدلًا من توفيرها. لم يهدر بيتر كراولي الكثير من أمواله!

كانت الجنازة ممتازة من وجهة نظر أبي. درس كل شيء جيدًا قبل أن ننطلق خلف النعش في شمس الظهيرة. “خمس عربات!” صاح. “خمس عربات وست عشرة عربة مغطاة! هناك عضو مجلس محلي، واثنان من المستشارين، وبالطبع الكثير من الكهنة. لم أر جنازة كهذه منذ أن توفى ويلي ماك الحانوتي”.

“آه، لقد كان محبوبًا جدًا” قال كراولي بصوته الشاحب.

“يا إلهي، ألا أعرف ذلك!” قال أبي. “ألم يكن أفضل أصدقائي! قبل ليلتين من وفاته ـ فقط ليلتين ـ كان هنا يخبرني بما يحدث بشأن عقد الإسكان. هؤلاء الرجال في البلدية لصوص ليلًا ونهارًا. لكن حتى أنا لم أتخيل أبدًا أنه كان معروفًا بهذا الشكل”.

كان أبي يخطو كصبي صغير، مبهورًا بكل شيء: المشيّعون والبيوت الجميلة على الطريق. كنت منتبهًا إلى إشارات الخطر الحاضرة جميعها بما يشبه التواطؤ: يوم مشمس، جنازة رائعة، ورفقة متميزة من رجال الدين والمسؤولين تستفز كل الغرور الطائش المعتاد في شخصية أبي. كان يبدو أن شيئًا من فرح حقيقي ينتابه حين رأى صديقه القديم ينزل إلى القبر مع إدراكه أنه قد أدى واجبه حقًا، وأنه مهما افتقد السيد دولي في أمسيات الصيف الطويلة فذلك أفضل من أن يكون السيد دولي المسكين هو الذي يفتقده.

“سنبدأ في الرحيل قبل أن يتفرقوا” همس أبي إلى كراولي بينما كان حفار القبور يلقي بالدفعات الأولى من الطين ثم انطلق بعيدًا يقفز مثل الماعز من نتوء عشبي إلى آخر. كان السائقون ـ الذين تتملكهم على الأرجح الحالة ذاتها رغم أنهم لم يمضوا شهورًا مثل أبي في الامتناع عن الشُرب ـ ينظرون إلى أعلى بشوق كبير.

“هل انتهوا تقريبًا، ميك؟” صاح أحدهم.

“انتهى كل شيء الآن، عدا الصلاة الأخيرة” أعلن أبي بنبرة من يجلب بشرى عظيمة.

مرت العربات بنا في سحابة من الغبار على بُعد مئات اليارادات من الحانة، وأبي، الذي كانت قدماه تسببان له المتاعب في الطقس الحار، راح يخطو سريعًا ويتلفت بشكل متوتر بحثًا عن أي علامة تشير إلى قدوم الجموع الرئيسية من المعزين عبر التل. في حشد مثل هذا، قد يُترك الرجل في انتظار بلا آخِر.

حين وصلنا إلى الحانة كانت العربات متوقفة في الخارج، ورجال تبدو عليهم الجدية يرتدون أربطة عنق سوداء يقدمون بحذر تعزياتهم إلى نساء مجهولات، تمتد فقط أيديهن بتواضع من وراء الستائر المسدلة داخل العربات. لم يكن في الحانة سوى السائقين وامرأتين ترتديان ملابس ضيقة وتغطيان رأسيهما بالشال. شعرت أنها اللحظة المناسبة إذا كان عليّ أن أكون كابحًا حاسمًا لأبي. بدأت أجذبه من ذيل معطفه…

“أبي، هل يمكننا العودة إلى المنزل الآن؟” سألت.

“دقيقتان فقط” قال مبتسمًا بمودة. “مجرد زجاجة عصير ليمون ونذهب إلى المنزل”.

كنت أعلم أنها رشوة، ولكنني في نفس الوقت كنت دائمًا طفلًا ضعيف الشخصية. طلب أبي عصير الليمون وكأسًا كبيرًا من البيرة. كنت عطشانًا فابتلعت شرابي دفعة واحدة. لكن ذلك لم يكن أسلوب أبي. كانت خلفه شهور طويلة من الامتناع، وأمامه أبدية من المتعة. أخرج غليونه، نفخ فيه، ملأه ثم أشعله بفرقعة عالية وعيناه تبرزان فوقه. بعد ذلك استدار عمدًا عن البيرة، ثم استند بمرفقيه على الطاولة في وضعية رجل لا يعرف أن ثمة بيرة خلفه، وبدأ ينظف يديه من التبغ.  لقد أصبح يومه جاهزًا كما يليق بخبرة جميع الجنازات المهمة التي حضرها من قبل بانتظام. غادرت العربات وتدفق المعزون حتى امتلأت الحانة إلى نصفها.

“أبي” قلت وأنا أجذب معطفه مرة أخرى. “هل يمكننا الذهاب إلى المنزل الآن؟”

“آه، أمك لن تعود قبل وقت طويل” قال بما يكفي من الود. “ألا تريد الخروج للعب في الشارع؟”.

بدا رائعًا جدًا أن يفترض الكبار إمكانية اللعب بمفردك في طريق غريب. بدأت أشعر بالملل مثلما شعرت به كثيرًا من قبل. كنت أعلم أن أبي يستطيع البقاء هناك حتى حلول الظلام، وأنني قد أضطر لإعادته إلى المنزل وهو في حالة سُكر أعمى أمام أعين جميع النساء المسنات في شارع بلارني، الجالسات عند أبواب منازلهن، واللاتي سيباركن خطواتنا بالجملة نفسها “ميك ديلاني في حالته مرة أخرى”.

كنت أعلم أن أمي ستكون نصف مجنونة من القلق، وأنه في اليوم التالي لن يذهب أبي إلى العمل، وقبل نهاية الأسبوع سوف تهرول إلى محل الرهن مع الساعة تحت شالها. لم أستطع أبدًا التغلب على الشعور بالوحدة داخل المطبخ وهو خال من الساعة.   

ظل العطش يلازمني بدرجة ما، ووجدت أنه إذا وقفت على أطراف أصابعي سوف أتمكن من الوصول إلى كأس أبي. راودتني فكرة أنه سيكون مثيرًا معرفة محتويات هذا الكأس. كان قد أدار ظهره بما يمنعه من ملاحظة الأمر. أخذت الكأس وتناولت رشفة بحذر. شعرت بخيبة أمل رهيبة مقترنة بالدهشة من أنه يمكن لأحد شُرب مثل هذا الشيء. بدا كما لو أن أبي لم يجرّب عصير الليمون مطلقًا، وكان ينبغي عليّ أن أنصحه بهذا الشأن، لكنني سمعته يتحدث بأسلوب رائع. كان يقول إن الفرق الموسيقية تمثل إضافة مميزة للجنازات. رفع ذراعيه على هيئة شخص يحمل بندقية بالمقلوب وتمتم ببعض نغمات المارش الجنائزي لشوبان”1″. أومأ كراولي برأسه تقديرًا. أخذت رشفة أكبر وبدأت أعتقد أن بيرة “بورتر””2” قد تكون لها مزاياها. شعرت بنشوة لطيفة كما لو أنها إشراق للحكمة. أخذ أبي يهمهم ببعض نغمات “المسيرة الميتة” من “شاول” “3”.

كانت حانة جميلة وجنازة رائعة، وكنت متأكدًا أن السيد دولي المسكين يجب أن يكون راضيًا للغاية في الجنة الآن. اعتقدت أيضًا أنه كان يجب عليهم إحضار فرقة موسيقية لجنازته. كما قال أبي: الفرق الموسيقية إضافة مميزة.

لكن الرائع في الـ “بورتر” هي الطريقة التي تجعلك تقف على جانبك، أو بالأحرى تطفو في الهواء مثل ملاك يتدحرج فوق سحابة، وتشاهد نفسك وأنت تعقد ساقيك، متكئًا على بار، دون القلق بشأن التوافه، بل بتفكير عميق في أمور جادة وناضجة حول الحياة والموت. عند النظر إلى نفسك بهذا الشكل لن يكون بوسعك بعد فترة سوى التفكير إلى أي مدى تبدو مضحكًا. فجأة شعرت بالخجل ورغبت في الضحك، لكن بمرور الوقت الذي انتهيت فيه من الشراب تجاوزت تلك المرحلة، ووجدت صعوبة في إعادة الكأس إلى مكانه. بدا أن الطاولة قد ارتفعت كثيرًا، وعاودت الكآبة هجومها.

“حسنًا” قال أبي بوقار وهو يلتفت ليأخذ مشروبه “لتسترح روح الرجل المسكين، أينما كانت!” ثم توقف محدقًا إلى الكأس ثم إلى الناس من حوله.

“مرحبًا” قالها بنبرة مرحة إلى حد ما، كما لو أنه جاهز لتقبّل مزحة حتى لو كانت سيئة. “من كان هنا؟”.

مرت لحظة صمت بعدها نظر الحانوتي والنساء المسنات إلى أبي أولًا ثم إلى كأسه.

“لم يكن هناك أحد يا سيدي الفاضل”. قالت إحدى النساء بنبرة مستنكرة. “هل تظن أننا لصوص؟”.

“آه، لا يوجد هنا من سيفعل شيئًا كهذا. ميك” قال الحانوتي مصدومًا.

“حسنًا، شخص ما فعلها” قال أبي وابتسامته تتلاشى.

“إذا حدث ذلك فهو من كان الأقرب” قالت المرأة بحنق وهي ترمقني بنظرة احتقار. في نفس اللحظة بدأت الحقيقة تنكشف لأبي. أفترض أنني بدوت كمن يحلم بصورة ما، انحنى وهزني …

“هل أنت بخير، لاري؟” سألني بقلق.

نظر بيتر كراولي إليّ وابتسم.

“هل يمكنك التغلب على ذلك؟” صاح بصوت خشن.

بدأت أشعر بالتعب. قفز أبي إلى الوراء برعب مقدس من أن أُفسد بدلته الجميلة ثم وجدته يفتح سريعًا الباب الخلفي للحانة …

“اهرب! اهرب! اهرب!” صرخ.

رأيت الجدار المضاء بأشعة الشمس في الخارج والمغطى بفروع اللبلاب المتدلية فركضت. كانت عزيمتي جيدة لكن أدائي كان مبالغًا فيه لأنني اصطدمت بالجدار وألحقت به ضررًا كبيرًا كما بدا لي، وبما أنني كنت مهذبًا للغاية؛ قلت “عذرًا” قبل أن تداهمني النوبة الثانية. جاء أبي ـ وهو لا يزال قلقًا بشأن بدلته ـ من خلفي بحذر ثم أمسك بي وشعرت بالأعراض تتفاقم.

“هذا ولد جيد!” قال مشجعًا. “ستكون رائعًا حينما تتخلص من ذلك”.

لكنني لم أكن رائعًا! كانت الروعة هي آخر ما يمكن أن أكون عليه. أطلقت صرخة واحدة بلا رحمة بينما كان يعيدني إلى الحانة ويجلسني على مقعد قريب من النساء اللاتي يرتدين الشالات. أشحن بوجوههن على نحو مهين، كن ما زلن غاضبات من تصوّره بأنهن شربن كأسه.

“يا إلهنا!” تمتمت واحدة منهن وهي تتطلع إليّ بشفقة. “أليس لأمثالهم آباء؟”.

“ميك”. قال صاحب الحانة بقلق وهو ينثر نشارة الخشب على آثار قدميّ. “ليس من المفترض أن يكون هذا الطفل هنا على الإطلاق، من الأفضل أن تأخذه إلى المنزل سريعًا قبل أن يراه شرطي”.

“يا إلهي الرحيم!” تذمر أبي رافعًا عينيه إلى السماء ثم صفق بيديه في صمت كما اعتاد أن يفعل حين يكون مضطربًا. “ما هذه المصيبة التي حلت بي؟ وماذا ستقول أمه؟ .. لو كان يمكن للنساء البقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن!” أضاف تلك الكلمات بنبرة غاضبة نحو النساء ذوات الشالات.

“هل رحلت العربات كلها، بيل؟”.

“العربات رحلت منذ زمن، ميك” رد صاحب الحانة.

“سآخذه إلى المنزل”. قال أبي في يأس. “لن أخرجك مرة أخرى”، مستطردًا بتهديد. أضاف وهو يعطيني المنديل النظيف من جيب صدره “ضع هذا على عينك”.

كانت الدماء على المنديل هي أول إشارة حصلت عليها بأنني قد جرحت، وفورًأ راح صدغي ينبض، وبدأت أصرخ ثانية.

“اسكت! اسكت! اسكت!” قال أبي بحدة وهو يخرجني من الباب. “يمكن لأحد أن يظن أنك قُتلت. هذا لا شيء، سنغسله عندما نصل إلى المنزل”.

“اهدأ الآن، يا صديقي القديم!” قال كراولي وهو يتحرك إلى جانبي الآخر. “ستكون بخير خلال دقيقة”.

كان برفقتي رجلان خبيران في تأثير الشًرب. أصابني دفء الشمس ونسمة الهواء النقي الأولى بالدوار أكثر من أي وقت مضى. رحت أتمايل مع الرياح وبين والمد الجزر حتى بدأ أبي يتذمر مجددًا.

“يا إلهي، ألا يمكنك السير مستقيمًا؟”.

لم أستطع، ورأيت بوضوح أن كل امرأة صغيرة وكبيرة في شارع بلارني كانت تتطلع من بابها نصف المفتوح، أو جالسة على عتبته. توقفن عن الثرثرة ليحدقن جميعًا إلى هذا المشهد الغريب لرجلين رصينين في منتصف العمر، يسندان ولدًا صغيرًا مخمورًا لديه جرح فوق عينه. كان أبي ممزقًا بين الرغبة الخجولة في إعادتي إلى المنزل بأسرع ما يمكن، والحاجة لتفسير الموقف أمام الجيران بأن ذلك لم يكن خطأه. توقف أخيرًا أمام منزل السيدة روش.

كانت هناك مجموعة من العجائز خارج باب أحد المنازل على الجانب الآخر من الشارع. لم تعجبني ملامحهن من البداية. بدت عليهن علامات الاهتمام المفرط بي. اتكأت على جدار كوخ السيدة روش ويداي في جيبي بنطالي، أفكر بحزن في السيد دولي المسكين الراقد في قبره البارد، والذي لن يخطو في هذا الشارع مرة أخرى أبدًا، وبحماس كبير بدأت أغني إحدى أغنيات أبي المفضلة.
“على الرغم من ضياعه في مونونيا وبرودة قبره

إلا أنه لن يعود إلى كينكورا مرة أخرى”.”4″

“ياللطفل المسكين!” قالت السيدة روش. “ألا يمتلك صوتًا رائعًا، الله يباركه”!

هذا ما اعتقدته أيضًا عن نفسي، لذا كنت أكثر دهشة عندما قال أبي “اصمت!” وهو يرفع إصبعه مهددًا. بدا لي أنه لم يدرك مدى ملاءمة الأغنية لهذه اللحظة فبدأت أعيد غناءها بصوت أعلى.

“اصمت، أقول لك!” صاح بحدة ثم حاول أن يُظهر ابتسامة للسيدة روش. “نحن قريبون من المنزل الآن. سأحملك بقية الطريق”.

رغم ثمالتي؛ كنت أدرك بأني لا يجب أن أُحمل بهذه الكيفية المهينة.

“الآن” قلت بجدية، “ألا يمكنك أن تتركني في حالي؟ أستطيع المشي جيدًا. المشكلة فقط في رأسي. كل ما أريده هو الراحة”.

“يمكنك أن ترتاح في سريرك” قال أبي معنّفًا وهو يحاول رفعي، وعرفت من احمرار وجهه أن غضبه قد وصل إلى الذروة.

“آه، ياللمسيح” قلت بغضب “لماذا أعود إلى المنزل؟ لماذا لا يمكنك أن تدعني وشأني؟”.

لسبب ما، اعتقدت مجموعة العجائز على الجانب الآخر من الشارع أن ذلك كوميديًا جدًا. كادت ضحكاتهن تنفجر. شعرت باستياء شديد يتصاعد بداخلي وأنا أفكر في أنه ليس بوسع المرء أن يتناول قطرة شراب دون أن يتجمع الجيران في الخارج للسخرية منه.

“على من تضحكون؟” صرخت، مشهرًا قبضتي نحوهن. “سأجعلكن تضحكون من الجانب الآخر لوجوهكن إذا لم تتركوني أمر”.

بدا أنهن وجدن ذلك أكثر مرحًا، لم أر أبدًا في حياتي أناسًا يفتقرون إلى التهذيب مثل هؤلاء.

“ابتعدن أيتها العاهرات اللعينات!” قلت.

“اسكت، اسكت، أقول لك اسكت!” زأر أبي متخليًا عن أي تظاهر بالمرح. سحبني من يدي، والضحكات الصارخة للعجائز تثير جنوني فضلًا عن بلطجته غير المبررة ضدي. حاولت تثبيت كعبيّ في الأرض لكنه كان قويًا جدًا بالنسبة لي، ولم أستطع النظر إلى العجائز إلا من فوق كتفي نحو الوراء.

“احذروا وإلا سأعود وأريكم!” صرخت. “سأعلمكن كيف تتركون الناس المحترمين يمرون. من الأفضل أن تبقوا في منازلكن وتغسلن وجوهكن القذرة”.

“لن يحدث ذلك مرة أخرى، ولو عشت ألف عام، لن يحدث ذلك مرة أخرى”.

حتى يومنا هذا لم أعرف هل كان أبي يقصدني أنا بهذا التعهد أم الشُرب، بينما رحت أردد بقوة أغنية “أولاد ويكسفورد””5” احتفالًا بمزاجي البطولي وهو يسحبني إلى داخل المنزل.

أسرع كراولي بالهرب مع شعوره بالتورط بينما قام أبي بتبديل ملابسي وأدخلني إلى السرير. منعني الدوار من النوم، وشعرت بالتعب ثانية. جاء أبي بقطعة قماش مبللة وراح يدلك رأسي بها. كنت محمومًا وأنا أنصت إليه يقطع الأغصان لإشعال النار ثم سمعت صوت تحضير المائدة.

فجأة، انفتح الباب الأمامي بعنف ودخلت أمي تحمل سوني ولم تكن كعادتها لطيفة وخجولة وإنما امرأة غاضبة وثائرة بشدة. كان واضحًا أنها عرفت من الجيران كل شيء.

“ميك ديلاني” صاحت بشكل هستيري. “ماذا فعلت بابني؟”

“اسكتي، اسكتي، اسكتي!” همس وهو يتأرجح من قدم لأخرى. “هل تريدين أن يسمع الشارع كله؟”.

“آه” صاحت بضحكة مروّعة. “الشارع يعرف كل شيء. الشارع يعرف كيف ملأت طفلك البريء المسكين بالشراب لتسلي نفسك أنت وذلك الوحش القذر”.

“لكنني لم أعطه أي مشروب” صرخ مذهولًا من التفسير المرعب الذي اختاره الجيران لمأساته. “لقد تناوله من وراء ظهري. ماذا تظنين عني؟”.

“آه” أجابت بمرارة. “الجميع الآن يعرف من أنت. الله يسامحك. تضيّع النقود القليلة التي نكسبها بشق الأنفس على الشراب، وتربي طفلك ليصبح سكيرًا مثلك”.

ثم دخلت غرفة النوم وركعت على ركبتيها بجانب سريري. كان أنينها واضحًا عندما رأت الجرح فوق عيني. في المطبخ، بدأ سوني يبكي بصوت عال من تلقاء نفسه، وبعد لحظة ظهر أبي عند باب الحجرة وقبعته تغطي عينيه بينما الشفقة على الذات تعتصر ملامحه لأقصى درجة.

“إنها طريقة جيدة لتتحدثي معي بعد كل ما مررت به” قال متذمرًا. “هذا اتهام لطيف بأنني كنت أشرب الخمر. لم تلمس قطرة شراب واحدة شفتي طوال اليوم. كيف كان يمكنني ذلك وهو قد شرب كل شيء؟ أنا من يستحق الرثاء بعدما دُمر يومي، وعُرضت مهانتي أمام الجميع في الشارع”.

في صباح اليوم التالي وبعد أن خرج أبي بهدوء إلى العمل مع سلة غذائه؛ اندفعت أمي نحوي في السرير وقبلتني. بدا أن كل ما حدث كان بسببي، وأنني قد مٌنحت أجازة حتى تتحسن عيني.

“يارجلي الصغير الشجاع!” قالت بعينين لامعتين. “الله هو من أراد أن تكون هناك. كنت الملاك الحارس لأبيك”.

…………………….

1ـ من أشهر الألحان في عالم الموسيقى الكلاسيكية، وهي الحركة الثالثة لـ “سوناتا البيانو الثانية” والمعروفة أيضًا بـ “السوناتا الجنائزية” التي انتهى فريدريك شوبان من كتابتها عام 1839 وعُزفت في مراسم جنازته.

2ـ  يُطلق عليها “الذهب الأسود” وهي نوع من البيرة غالبًا ما تكون داكنة اللون، وتتميز برغوتها السميكة ونكهتها القوية المالحة، وتُصنع عادة من حبوب الشعير المحمصة. يرجع أصلها إلى بريطانيا في القرن الثامن عشر حيث كانت مشروبًا مفضلًا لعمال المرافئ، لذا سُميت “بيرة البورتر” أي “بيرة الحمّال”.

3ـ أوراتوريو “مقطوعة موسيقية تحتوي نصًا دراميًا دينيًا” من ثلاثة فصول كتبها جورج فريدريك هاندل عام 1738، والنص لتشارلز جينينز مأخوذ من سفر صموئيل الأول. عُزفت “المسيرة الميتة” في الفصل الثالث، وأصبحت عنصرًا أساسيًا للجنازات الرسمية.

4ـ أغنية Remember The Glories Of Brien The Brave للكاتب والشاعر الغنائي الإيرلندي توماس مور.

5ـ المعروفة أيضًا باسم “رحلة الإيرلز” وهي قصيدة تُخلّد ذكرى الثورة الأيرلندية عام 1798، وتحديدًا ثورة ويكسفورد. كان هدف الثورة التخلص من السيطرة الإنجليزية على الشؤون الأيرلندية، وأسفرت عن قانون الاتحاد عام 1801.