الأحد، 14 يونيو 2020

نبوءات لا مرئية

لكن صورة الأبيض والأسود هذه تبدو كأنما تم التقاطها للدموع المكتومة التي تلمع في عينيّ وهما تحدقان بألم مصدوم ورجاء معاتب .. تم تفسير هذه النظرة بسقوطي من فوق كرسي المصوّر قبل لحظات من التقاط الصورة بعد أن وضعتني أختي هناك ثم تركتني مبتعدة عن العدسة .. أخبرتني شقيقتي بأنني انزلقت من حافة الكرسي الجانبية لأسقط جالسًا بنفس وضعيتي، كأنما الكرسي هو الذي تبخر من تحتي .. قالت أنني لم أبك بل تجمدت الدموع في عينيّ بهذا الشكل الذي تم توثيقه بين أربعة أطر صغيرة .. هي تقريًبا أول صورة يتم التقاطها لي بما أنني لم أصادف حتى الآن صورة أقدم منها، أما السقوط فلم يكن الأول، حيث قيل لي أيضًا أنني سقطت قبل هذا اليوم بعامين، أي حينما كنت رضيعًا، ولكن هذه المرة من فوق السُفرة الكبيرة التي كانت توجد في صالة البيت حينئذ، وبينما كان أفراد أسرتي يتناولون الغذاء عليها .. وقعت من هذا الارتفاع الشاهق لترتطم رأسي بالأرض، ومع البكاء والصراخ أخذ ورم مفزع ينمو في موضع الألم، ثم استغرق وقتًا طويلا في الاختفاء.
أظهر في صورة الأبيض والأسود حتى النصف الأعلى من جسدي داخل إطار مرآة مزخرف، كبير، لونه أبيض، ومنقوش في قمته اسم صاحب الاستديو (فايق) .. كرّس هذا الإطار عبئا رمزيًا عنيفًا يجابهني دائمًا كلما تأملت هذه الصورة؛ إذ يحاول أن يفرض حقيقة لم أصدقها أبدًا وهي أنني أنظر في مرآة، أي إلى نفسي .. منذ طفولتي أي منذ بداية الإدراك بأن هناك لحظات ومشاهد يمكن تثبيتها والاحتفاظ بها داخل براويز وألبومات؛ لم أقدر على استيعاب أن هذا الطفل الذي يوجد في الصورة هو أنا مثلما يتعامل الآخرون مع صورهم الطفولية بإيمان كامل أنهم حاضرون فيها .. أفكر في وجهي بينما أتمعن في تفاصيله فلا أجد تشابهًا أو بالأحرى لا أعثر على صلة:  شعره الغزير الناعم بخصلات منسدلة على جبهته، نظرته المرتعشة بالخوف والذهول، أنفه الأفطس، أذناه، فمه المفتوح بشفتيه السمينتين لتمرير الأنفاس التي أثقلها البكاء المكتوم في صدره .. لدي يقين تام بأن الفرق بين هذه الملامح وملامحي ليس مجرد اختلافات ترجع إلى التأثير الحتمي للزمن، بل هو انفصال جذري؛ فهذه التفاصيل من المؤكد أنها تخص طفلا آخر .. لكن هذا الانفصال ليس ناجمًا بالتحديد عن الملامح بقدر ما يكمن في الروح التي تعطي إيحاءات عن وجودها من خلال هذه الملامح .. الانفصال يكمن في وعي هذه الروح بالألم .. في تفسيرها للألم .. كان هذا الطفل خائفًا ومذهولا ومع ذلك فإنني لا أمتلك مطلقًا أي معرفة عن هذا النوع من الخوف أو الذهول الذي تم الاحتفاظ به في تلك العينين.

* * *
أشاهدها عبر كلماتها ودموعها ورعشة صوتها وهي تزيح الأغطية ثم تصعد إلى السرير لتساعد جسد أبي الثقيل المتيبس على الجلوس، قبل أن تسحبه بصعوبة  لتُنزل قدميه من حافة السرير، ثم تُحضر الماء والصابون والمطهرات والأدوية والملابس النظيفة والمراهم وضمادات قرحة الشرج وهي تدعو على نفسها بالموت .. تُمرر ذراعيها تحت إبطيه لترفع سبعين سنة هامدة في قاع الزهايمر وتتحرك بها هذه الخطوة العسيرة، كأنما تنقل القدر نفسه من السرير إلى الكرسي .. تقف لحظات لتسترد أنفاسها، ولتتأمل عيني أبي وهما تحدقان إلى وجهها كجثة شاردة لا تتذكر أي شيء، وخصوصًا في هذه اللحظة .. لا تتذكر أنها أنجبت بنتًا في يوم ما، كأن هذا النسيان شرط خروجها من الحياة عبر الثقب الطفولي الذي دخلت منه .. تغلق باب الحجرة كي لا يصاب بالبرد فيزداد شقائها، ثم تخلع عنه كل ملابسه، وتنزع الضمادات الملوثة كي تبدأ في تنظيفه بالماء والصابون دون تجاهل لأي جزء مهما كان ثم تجففه، وتضع المطهرات والمراهم والضمادات الجديدة ثم تلبسه الثياب النظيفة .. تتركه لتغيّر ملاءة السرير والبطانية ثم تُحضر الطعام المهروس في الخلاط لتجلس بجانبه وتطعمه بالملعقة متوسلة إليه وهي تبكي أن يفتح فمه .. يبصق الطعام في وجهها فترفع الملعقة ثانية، وتلح عليه من جديد، وهكذا يمكن أن يستغرق الانتهاء من طبق صغير قرابة الساعتين دون أن يفرغ تمامًا .. تعطيه الأدوية، وحينما يبتلع الحبوب والكبسولات دون أن يبصقها كالعادة تشكر السماء على هذه النعمة .. لكنها اليوم حينما أدخلت ذراعيها تحت إبطيه وأعادته من الكرسي إلى السرير بالعناء المألوف ثم قررت أن تعدّل الوضعية غير المنضبطة لياقة بيجامته، وحينما سحبت يدها بعد أن فعلت ذلك؛ مر الطرف المسنون للإسورة التي في معصمها على الطرف الليّن من أذنه دون أن تنتبه .. رأت دماءً غزيرة تتدفق من هذا الجرح فصرخت وأسرعت بإحضار البن والميكركروم والقطن والشاش والبلاستر لتحاول كتم النزيف فلم تنجح إلا بعد دقائق طويلة بدت كأنها أضاعت ما تبقى من عمرها .. يرتفع نشيجها كأنني أرى قلبها متناثرًا في ظلام صدرها، وكأن دماءها هي الأخرى ستندفع من فمها لتختلط بطوفان الدموع الذي أغرق وجهها .. تحكي كيف ارتجف جسد أبي لحظة انفتاح الجرح وتدفق الدماء .. كيف ظلت عيناه ترتعشان وهما نصف مغلقتين، بينما يهز رأسه بدهشة .. نعم بدهشة فقط .. كان يشعر بألم فظيع في أذنه، ولكنه لم يكن يدري كيف يجسّده إلا بالحيرة كما لو أن شخصًا ما قد قال له كلمة غير مفهومة .. كان مجبرًا على التعبير عما يحسه بأدنى صورة ممكنة .. أخذته في حضنها وظلت تقبل رأسه وتقول له ببكاء محموم: (أنا آسفة .. حقك عليا .. سامحني .. حقك عليا .. والله ما قصد) .. نظر إليها فرأت دموعًا صغيرة محتبسة في عينيه .. كأن هذه الدموع غير خاضعة لقدرته على تجسيد الألم أو لانعدام هذه القدرة، بالضبط مثل ارتجاف جسده ورعشات عينيه نصف المغلقتين .. لكن احتباسها في نفس الوقت أكد أنه كان عاجزًا عن جعل هذه الدموع تنفجر كما يليق بالألم الذي يشعر به .. كان شيئا راجعًا لإرادة لم يعد يمتلكها.
جزء من رواية قيد الكتابة
موقع "الكتابة" ـ 13 يونيو 2020

الأربعاء، 10 يونيو 2020

سيرة الاختباء (17)

الفقرات التالية من قصتي القصيرة "علبة الرماد" المنشورة بموقع "قديتا" في 30 أكتوبر 2010:
"ـ منذ سنوات طويلة تعرفت أنا وصديق لي - وهو قاص أيضًا بالمناسبة - على أديب كبير السن مخلص في كتاباته للقيم والمبادئ التي رسختها كلاسيكيات الأدب الروسي. كان رجلا مهذبًا وطيّبًا بحق وكان يعاملني أنا وصديقي كابنيْن.
ـ كان لهذا الأديب ابنة جميلة في مثل عمري أنا وصديقي تقريبًا وكانت تكتب الشعر وتتسم طباعها بالعفوية والمرح. ولأن صديقي كان - على العكس مني - وسيمًا وجريئًا فقد نجح خلال فترة قصيرة في تكوين صداقة قوية معها في حين ظلت علاقتي بها لا تتجاوز التحيات المقتضبة الخجولة - من جانبي طبعًا - والكلمات القليلة العابرة المحكومة بحرصي المرتبك على ألا تتلاقى نظراتنا بشكل مباشر. كنت أتحسّس بعينيّ جسمها من بعيد وهي تتحدث مع صديقي وتضحك معه بينما رعشة لذيذة ومؤلمة تحرق روحي.
ـ ذات يوم أخبرني صديقي بأنه كان بالأمس في منزل الأديب الكبير وأن ابنته الجميلة أخذته إلى غرفة نومها كي تطلعه على مكتبتها وأنهما ظلا جالسين في الحجرة مدة طويلة بينما أبوها وأمها يلعبان الشطرنج في الخارج. ورغم أن صديقي أقسم لي بأنه لم يحدث أي شيء بينهما إلا أنني لم أكن في حاجة لدافع أقوى حتى أقرر الانتقام بأيّ شكل. كتبت في نفس اليوم قصة قصيرة؛ كانت في الحقيقة سردًا تقريريًا سريعًا لموقف اختلقه خيالي الهائج بالرغبة في شفي الغليل ومؤسس على ما أخبرني به صديقي. كانت القصة عن بنت يزورها صديقها في منزلها ثم يقوم بـ “فتحها” داخل غرفة النوم بعدما طلبت منه أن يدخل كي يطلع على مكتبتها بينما والداها جالسان بالخارج يلعبان الشطرنج. كنت أستحضر أثناء الكتابة الدفء الناعم لجسد البنت الجميلة والذي كان توهجه يتدفق من وراء ملابسها بمكر شهواني منسجم بشراسة مع الخفة الطفولية لوجودها، بحيث كانت تبدو دائما كأنها تتربّص بكل ما يصادفها في العالم حتى تجعله يشاركها الرقص داخل حلم استثنائي.
في اليوم التالي قرأتُ القصة في الندوة الأسبوعية بحزب التجمع التي كان يديرها الأديب الكبير وأمام ابنته وصديقي وأمام كل الكتّاب الذين يعرفون أن الأديب الكبير يحب لعب الشطرنج مع زوجته وأن لديه ابنة وأن لدى ابنته صديق يحتمل فعلا أن يزورها في منزلها.
ـ ابتسم الأديب الكبير بمنتهى الحزن والأسى بعدما انتهيت من القراءة وبصوت خفيض وشاحب قال لي: “هذا ليس مستواك في الكتابة”. ثم أدار رأسه ليثبت عينيه بعيدًا عني وعن عيون الجالسين الذين كان من الطبيعي أن تنشط في وجوههم ابتسامات واسعة وهم يوزعون نظراتهم المتخابثة بيني وبين الأديب الكبير وبين ابنته وصديقي الجالسين بجوار بعضهما. تكلم عن القصة شخصان أو ثلاثة تقريبًا وأجمعوا - كما توقعت - على أنها أقل القصص التي سمعوها مني ولكن ما لم أتوقعه هو دفاعي عنها بعدما فرغ هؤلاء من حديثهم فوجدت نفسي مندفعًا بإصرار حاد في شرح المفارقة بين “لعب الشطرنج” وما يستدعيه من صلابة ذهنية وتركيز عميق وقدرة على توقع جميع الاحتمالات والتعامل معها وبين ما يحدث للابنة التي سُمح لها بأن تأخذ شابا إلى غرفتها في حضور والديها الواثقين - بوصفهما لاعبي شطرنج - في إمكانيات السيطرة والتحكم التي يتمتعان بها. الأديب الكبير الذي ظل ساكتا بملامح متجهمة أثناء النقاش والذي استكمل الندوة بنفس الملامح من دون أن ينظر إليّ ومن دون أن يستجيب لنظراتي المعتذرة التي استمرت تحدق في وجهه وترجوه أن يلتفت لي ويكلمني، هو الذي صافحني بعد انتهاء الندوة وهو الذي سألني عن أحوالي وبينما كان يحاول أن يستعيد ابتسامته الرقيقة المعتادة قال لي إنه سينتظر أن يسمع مني قصة أفضل قريبًا. في هذه اللحظة تمنيت أكثر من أي شيء آخر أن أقبّل رأسه وأخبره بأنني آسف لكنني لم أستطع فهززت رأسي ومشيت من أمامه بسرعة وأنا أشعر بشفتيّ قد التصقتا ببعضهما بحيث لن يجد الندم الثقيل الذي عدتُ به إلى المنزل في هذه الليلة طريقا للخروج من داخلي أبدًا".
كل ما تضمنته هذه الفقرات حدث بالفعل، وبدقة تامة عام 1993، وكان عمري وقتئذ 16عامًا، باستثناء أن صديقي لم يكن قاصًا، وإنما حينها كان ممثلًا مسرحيًا، وأعتقد أنني سأكتب ذات يوم عن السبب الذي جعلني أقوم بهذا التحريف في القصة .. بعد 27 سنة من هذه الواقعة مازلت أفكر في تلك اللذة الغامضة التي شعرت بها أثناء كتابة تلك القصة الانتقامية، وكان اسمها بالمناسبة "تحت السيطرة"، والتي لم أنشرها، ولم أحتفظ بها حتى بعد تلك الليلة البعيدة التي قرأتها فيها أمام أعضاء نادي الأدب بحزب التجمع بالمنصورة .. اللذة التي تتجاوز الثأر من صديقي، وابنة الكاتب كبير السن، ولا تمحو بالتأكيد الشعور بالندم الذي ذكرته في "علبة الرماد" .. كانت "تحت السيطرة" تقريبًا هي القصة الثانية بعد "المصفقون" التي أكتبها ـ كما أشرت في السيرة من قبل ـ بتعمّد أساسي لرد الأذى تجاه شخص أو مجموعة بشرية، ويتصادف أن ذلك الأذى في الحادثتين لم يكن متعمّدًا ضدي .. كانت هناك سعادة ممتنة لم أكتشفها وقتها في انتهاك أحكام قهرية، ليس لي دخل في وجودها: أن تكون صغير السن، أو أصغر كاتب في تلك الجماعة، بما يعني أن علاقتهم بك ستخضع عفويًا لأثر هذا الفرق العمري، حتى لو اتسمت بالود المستقر، والاحترام المتبادل .. أن يحاول "الأكبر سنًا" إعادتك إلى "القيم والمبادئ" القصصية التي تحاول أن تتخلص منها مبكرًا في أعمالك .. أن يكون هناك "أديب كبير"، "أب"، "أستاذ" يجلس على رأس طاولة يقع كرسيك دائمًا إلى جانبها، لمجرد أن عمرك 16 عامًا، وتحتاج مضطرًا للتواجد في هذا المكان، بينما يقترب هو من بلوغ الستين، في حين أن الفرق بين القصة القصيرة التي يكتبها كل منكما يؤكد حقيقة مناقضة .. حتى لو كان رجلًا مهذبًا وطيبًا بحق .. لروحه السلام.
لقراءة قصة "علبة الرماد" كاملة
موقع "الكتابة" ـ 8 يونيو 2020

الجمعة، 5 يونيو 2020

تشريح القصة القصيرة: أن تقرأ كمحقق

مثلما يقوم المحقق باصطياد الأدلة الكاشفة من بين المعلومات التي يمتلكها حول قضية معينة؛ يمكن لقارئ القصة القصيرة أن يؤدي أمرًا مشابهًا عن طريق انتزاع عبارات محددة خارج التفاصيل والمشاهد التي تتضمنها القصة .. في قصة "إبريق العرس" لفيليب سميث على سبيل المثال، والتي تدور حول راوٍ يقرر قضاء أمسية السبت برفقة جدته في المنزل بعد خروج أمه وشقيقته؛ في هذه القصة يمكن التوقف عند المقاطع الآتية:
"ناولت الجدة الإبريق الزجاجي، وعدت إلى مقعدي ممددًا قدميّ أمام المدفأة، وقالت جدتي: هذا إبريق عرسي، ولقد كان على المنضدة يوم زفافي مليئًا بالروم".
"وسط كل هذا اتجه صبي صغير نحوي وهو يحمل شيئًا ما في يده اليمنى، سلمه لي قائلًا: لقد أحضرت هدية لك، هل تخمن ماذا كانت؟ لقد كانت ساعة ذهبية يملكها تومي ويعتز بها كثيرًا".
"كما ترى كان لي حبيبان .. تومي وإدوارد، وكان عليّ أن أختار أحدهما .. كان تومي شابًا رقيقًا، ومع ذلك تزوجت جدك".
"في يوم عرسي أرسل لي تومي هدية هي أغلى ما يملك .. هل تعرف ماذا فعل بعد ذلك؟ لقد ذهب إلى حديقة أمه وشنق نفسه على شجرة التفاح الكبيرة".
"تدحرج الإبريق الزجاجي من يدها إلى حجرها .. كانت النيران تومض تحت الرماد، وبينما تطايرت شظية أو شظيتان حملهما الدخان عاليًا إلى المدخنة".
ومثلما يعمل المحقق على تحليل الأدلة المقتنصة؛ يقوم القارئ بتأويل العبارات التي عيّنتها بصيرته:
"الإبريق: رمز احتفالي، يشير إلى العرس تحديدًا .. الساعة التي أرسلها الحبيب إلى الجدة يوم زفافها هو وقت استثنائي، زمن خاص، موعد مرتقب .. الجدة لا تذكر سببًا واضحًا لاختيارها جد الراوي، كان يكفيها فعل "الاختيار" فحسب، بما يعني أن القرار كان في يدها، أو بدا كذلك حينئذ .. انتحار تومي بعد إرساله الساعة للجدة يقرر بأن الوقت الاستثنائي أو الزمن الخاص لا يقع داخل الحياة، كان الموعد المرتقب ينتمي إلى الموت .. تدحرج الإبريق الزجاجي من يد الجدة إلى حجرها ثم الصمت الوصفي لوضعيتها يدل على موتها، العرس المؤجل، زفافها المنتظر إلى تومي أو الحبيب المنتحر الذي بدأ هذا الاحتفال في اللحظة التي أرسل خلالها ساعته الذهبية إلى الجدة، حيث حياة المرء أشبه بنيران تومض تحت الرماد، تتطاير في النهاية مع الدخان ثم تتبدد".
ومثلما تضيء الأدلة التي تم اصطيادها سائر المعلومات الأخرى للمحقق؛ تكشف العبارات التي انتزعها القارئ بقية تفاصيل ومشاهد القصة:
"التماع ضوء القمر عبر التلال الذي يُظهر سحب دخان شاحبة تتصاعد من حديقة أحدهم .. أم الراوي ذات الستة والأربعين عامًا، الأرملة منذ خمس عشرة سنة، التي تخرج مع صديقها بالرغم من رفض الجدة واستنكارها لتلك العلاقة .. أخت الراوي التي تخرج هي الأخرى برفقة صديقها .. فتاة تجري عبر البوابة الأمامية لأحد المنازل .. إعداد الجدة للفحم، وإشعالها لنيران المدفأة" ...
كأنما كل حياة / نيران تحت الرماد تتماثل، تتوارث، تتدافع دائمًا نحو المصير نفسه كشظايا تتطاير ثم تتلاشى .. كأنما النيران والرماد "أو الذاكرة التي لا تزال مشتعلة تحت العمر الذي أصبح خامدًا" يسبقان حياة الفتاة التي تجري عبر البوابة الأمامية لأحد المنازل، ويجهزانها للاختفاء مع سحب دخان في حديقة، أو عبر مدخنة مدفأة.   
ومثلما يعتبر المحقق أن النجاح في حل القضية ليس غايته الوحيدة، وإنما الحصول على مزيد من الخبرة الاستفهامية التي يطاردها وعيه طوال الوقت؛ يقتفي القارئ أثر التساؤلات الممكنة داخل القصة:
"هل الشفقة تجاه الجدة هي التي دفعت الراوي حقًا للبقاء معها في أمسية السبت؟ .. هل كان يشعر على نحو غامض بأنها تخبئ سرًا قديمًا، وأنه من الممكن في الليلة المناسبة أن تبوح له بذلك السر حينما يكونان وحدهما في البيت؟ .. هل ماتت الجدة بالفعل أم أن الراوي شيّد هذا المشهد ذهنيًا بوصفه الختام اللائق بالحكاية التي كشفت عنها الجدة؟".
(من مقرر الورشة القصصية للكاتب ممدوح رزق)
موقع "صدى .. ذاكرة القصة المصرية" ـ 4 يونيو 2020

الأربعاء، 3 يونيو 2020

"قصيدة المنبر".. نُقّاد يطلقون رصاصة الرحمة!

يجدر تعيبن بعض التحديدات حول الطبيعة اللغوية، وفنية الشعر قبل محاولة الإجابة على الاستفهامات المتعلقة بتأثير القصيدة؛ حيث ما يبدو أنها خطابية كمثال لغوي، لا يفترض أن تقدم في حد ذاتها مبررًا لإزاحة الشعرية التي تتضمنها إلى التقييم الأدنى في اختبار الجودة، وإنما عليها كأسلوب فني يمتلك دوافعه البشرية أن تبقى خارج التصنيفات الطبقية للغة .. بذلك يمكن لمفردات التنحية والعزل الشعري كـ "التطور"، و"المستوى"، و"القيمة" أن تُستبدل بمفردات المقاومة كـ "التعددية"، و"الملائمة"، و"التجاور" .. الاستبدال الذي يمكن اعتباره تقويضًا لإرادة الهيمنة الكامنة في تحوّل الانحياز الذاتي إلى قانون مطلق للفن.
إذا كان ثمة من يمتلك صورة متعالية لما ينبغي أن تكون عليه "القصيدة"، أي التي يجب أن يكتبها جميع الشعراء، وليس "قصيدته"، أي التي يفضلها من بين ما يكتبه جميع الشعراء، وفقًا لتصوّر خاص، يعتقده شاملًا، أي متخطيًا لفرديته، عن تاريخ من الخطوات الارتقائية للشعر، وصل في لحظته الراهنة إلى التفوق الجمالي الذي تتضاءل أو تنعدم أمامه تأثيرات القصائد المبنية على ما يُنظر لها كعناصر مناقضة، أي تلك التي تُشكّل وجوهًا مصطنعة لماضٍ ميت؛ إذا كان ثمة من يمتلك هذه الصورة فإنه قد يؤمن بقطيعة متدرجة بين الزمن الأيديولوجي، والزمن اللامعرفي، وبالضرورة بين ما يُسمّى بالشعر الخطابي القائم على بلاغة بائدة، تنتصر بعماء متأصّل لما تعتنقه من خرافات المفاهيم الكلية، وبين الشعر الحديث المتطهّر من المجاز الكوني، حيث كان يختبئ اليقين الحاسم للحياة والموت، أو الحكمة الاختزالية للعالم بعيدًا عن الخلخلة والتهكم.
بهذا تبدو الإجابة سهلة تمامًا؛ فالشعراء الذين ينجذبون إلى ما يُطلق عليه "الشعر الخطابي" ينتمون إلى أنساق عامة من الأفكار والرؤى التي تدعي قدرتها على تفسير الوجود في ظل المتغيرات كافة، الأمر الذي يكلفهم انفصالًا عن واقع يحكمه الشك والإنكار والسخرية من المُثل القديمة وهو ما يتجسّد في ظواهر القصيدة المعاصرة .. لكن هذه الإجابة السهلة أشبه بالفخ؛ فهي تقترح في حقيقتها استفهامًا جوهريًا حول إذا ما كان يجب اعتبارها شرطًا أو معادلة للشعر؛ بتعبير آخر: هل يقتصر "التعبير الخطابي" على ما هو أيديولوجي بأقصى ما تسمح به حدود المصطلح، أم أن القصيدة الحديثة كما يُشار إليها بناءًا على جماليات انتقائية يمكنها أن تُكتب استنادًا إلى مفهوم كلي؟ .. الاستفهام الذي يستطيع أيضًا أن يعكس اتجاهه: هل بوسع "الخطابية" أن تُكتب كممارسة عدائية لليقين العام؟.
كل قصيدة، وليس كل شاعر، تعطي احتمالًا للإجابة، وليس الإجابة نفسها، وفقًا لما يمكن أن تعنيه الكلمات المستخدمة في هذا السياق عند لحظة معينة، ذلك لأن كل قصيدة هي محاولة مستقلة للتفكير في اللغة والشعر والتاريخ، لا تتطابق مع المحاولات الأخرى.
شهادتي ضمن ملف "قصيدة المنبر".. نُقّاد يطلقون رصاصة الرحمة! للشاعر "عماد الدين موسى" في مجلة "الدوحة" ـ يونيو 2020

الاثنين، 1 يونيو 2020

سيرة الاختباء (16)

منذ شهر ونصف تقريبًا كتبت إحدى مستخدمات تويتر: "حد يعرف كاتب أو صحفي معاصر معروف وفكره محترم من قاطني الدلتا؟" .. أجابها قارئ مشكورًا: "ممدوح رزق طبعًا" .. لم تكن سعادتي بهذه الإجابة مستقلة عن سخريتي من السؤال نفسه؛ فهو في اللحظة التي كان يُطرح فيها؛ ثمة استفهام مقابل كان يثبّت بالضرورة عدم منطقيته: "حد يعرف كاتب أو صحفي معاصر معروف وفكره محترم من قاطني القاهرة؟" .. الاستفهام الذي سيتم سحقه فورًا بدهشة استهزائية عامة، بالضبط مثلما يستفسر شخص ما عن إذا كان أحد يعرف ثقبًا مر منه شيء من قبل! .. لم تكن إحدى مستخدمات تويتر هي من كتبت ذلك السؤال إذن، وإنما تاريخ ما يُسمى بالمركز ذاته، ولم تكن سعادتي بإجابة القارئ إلا تقويضًا للخراءات المحتالة الأنيقة التي يتأسس عليها هذا التاريخ .. كنوع من الانسجام العفوي مع تلك اللحظة تذكرت حينها سطورًا من المقال الأول لـ "سيرة الاختباء" عن طلاب ورشتي القصصية:
"دائمًا ما أفكر بعد انتهاء هذه المحاضرة في أن هؤلاء إذا ما استمروا في الكتابة، وتزايدت حدة (الجموح) في قصصهم بمرور الوقت، وتضاعفت لامبالاتهم تجاه السائد والمضمون، وظلوا مقيمين في هذه المدينة بعيدًا عن مكان قد يمنحهم الوضعية الملائمة للحماية والتعويض؛ فإن هناك ثمنًا بالتأكيد سيستمرون في دفعه .. إنه أمر أشبه بقانون قطّاع الطرق" ...
كان ذلك السؤال مثالا ناصعًا لما يعنيه "قانون قطاع الطرق" .. التواطؤ والاندماج بين المتون المتجذرة: "الشهرة" .. "الفكر المحترم" .. "المركز" .. على جانب آخر لا تؤدي الأساليب الأزلية الشائعة في الدفاع عن ما يُسمى بـ "الإقليم" إلى أكثر من التكريس والحماية لتلك الفقاعة الخارقة التي حددت مواقع "المدن الأخرى" بكونها "في الخارج" .. يكافح "قاطن الدلتا" ـ بتعبير مستخدمة تويتر، وكما أدركت لدى الكثيرين منهم عبر سنوات طويلة ـ للانتماء إلى المركز بوصفه ارتقاءًا مستحقًا، كأنما المشكلة لديه تتعلق بالمسافات، وليس بالإطار المعرفي نفسه الذي يقرر تلك المسافات ويضمن توالدها .. ببساطة؛ يسعى جاهدًا للمشاركة في لعبة "القيمة"، لا تخريبها.
"يحلل الكاتب الفروق التأسيسية بين المدينة المركزية وهوامشها، كيف تنشأ علاقات القوة بين المؤسسة وأطرافها، ومسارات تطورها، كيف تتشعب وتتداخل وتتكاثر خارج أطرها التقليدية، كما يوضح أيضًا كيف تكمن السلطة المركزية في اللغة التي تُستعمل لإنكارها؛ حيث تتكفل الضفادع الملتهبة بإقرارها عن طريق الاستخدام المتواصل لتلك السياقات اللغوية الساذجة، التي ينبغي بحسب تأويلها المعتاد أن تكون "مُرهبة" لذلك الذي يقوم بتقويض هذه السلطة".
تتناول هذه العبارات من متواليتي القصصية "البصق في البئر" كتاب "الضفادع الملتهبة" للكاتب الفرنسي هنري لي روكس، الذي قام ندا القلوط بترجمته رغمًا عنه؛ تتناول الحيل الخرقاء لأطفال المتن، أو "الضفادع الملتهبة" كما أطلق عليهم مؤلف الكتاب، الذين يحاولون دائمًا بعفوية محمومة الدفاع عن المركز أو "الجغرافيا الثقافية" التي عيّنت أماكنهم، ورسمت مدارات متكاثرة لخطواتهم في مواجهة المقاصد الهادمة لما يدّعيه ذلك المتن .. الاستهلاك البائس للغة الذي يمارسه "قطاع الطرق" طوال الوقت فوق أسوار مدينة غارقة.
تمثل إرادة "الاختباء" رفضًا متهكمًا للهويات الاستباقية التي يفرضها المركز كماض متأصل من الانتقاءات المزيفة، وكسلطة خطابية تُشكّل "الظهور" الأدبي ـ سواء داخل "إقليم" أو خارجه ـ بحسب اليقين الذي يدعم هيمنتها في الوعي العام، حيث لا يثير سؤال كـ "حد يعرف كاتب أو صحفي معاصر معروف وفكره محترم من قاطني الدلتا؟" استنكارًا جماعيًا إلا في أحلام اليقظة.
موقع "الكتابة" ـ 1 يونيو 2020

الجمعة، 22 مايو 2020

مراوغة الإدراك في فلسفة شوبنهاور

يتأمل شكسبير شر الدنيا والخوف من الموت على لسان "هاملت" .. يتحرك من العذاب الشخصي لهاملت إلى جعله يفكر في هذا العذاب .. من كيفية مواجهته إلى تعيينه كسؤال للكينونة .. السؤال الذي يتضمن تجاوزًا لعلة يشملها ذلك الألم: الذين يجابهون آثام الحياة بحنكة، ويتغلبون على أوجاعهم  بمهارة، ولا يدفعون أي ثمن .. يتجاوز سؤال الكينونة هذا المرض الشاغل .. شكسبير يدفع هاملت للمراوحة بين العجز وتشريحه .. بين الرغبة الضمنية في حيازة الذكاء اللازم لمقاومة الواقع وغموض ما بعد الموت من جهة، والتفحص الضمني للضعف، والقدرة الماكرة من جهة أخرى .. بين الاحتياج إلى "الإدراك"، وبين تضليله من أجل التحديق في الأثمان التي يدفعها الجميع .. إنه التضاد الذي قامت عليه فلسفة شوبنهاور بين الإرادة والتأمل، وما تأسست عليه نظرته الأفلاطونية الكانطية إلى الفن بوصفه إعادة إنتاج للصور الخالدة، وتوسلًا إلى الكلي بالجزئي، وكغرضية بلا غرض،  مع الانتباه إلى الفرق بين المُثل الأفلاطونية والشيء في ذاته عند كانط .. سؤال الكينونة هو انتهاك لها .. يجابه هاملت ما يُحتمل أن يكون قانونه الخاص للتأمل في شر الدنيا والخوف من الموت .. هكذا يكون التفكير في العذاب هو تمزيق للعذاب نفسه.
كانت لغة شوبنهاور تتسم بالوضوح والنقاء والدقة، وتجنّب التعقيد والغموض، وكان يرى أن الأسلوب هو "تقاطيع الذهن وملامحه، وهو منفذ إلى الشخصية الأكثر صدقًا ودلالة من ملامح الوجه"، ممتدحًا الصراحة والمباشرة وبساطة التعبير وعدم إخفاء "السذاجة"، مستهجنًا في المقابل إفساد الفهم الذي تمارسه فنون البلاغة .. كان يعتبر أن "قانون السذاجة" ينطبق على جميع أشكال الكتابة والفن، لذا فهو جوهر التأمل.
يجسّد أسلوب شكسبير سؤال الكينونة بواسطة الوضوح اللغوي التام الذي يؤكد غياب "فطنة الإرادة" عند هاملت .. عدم المواراة أو الإضمار البلاغي، والأقرب إلى البوح الطفولي لتثبيت الانتفاء المحكم للبراعة الخبيثة من سماته الخاصة .. أسلوب يمثّل مراوغة النضوج كرجاء متعذّر حينما تتم مراقبة النضوج نفسه كإرادة متسلّطة ومهلكة سواء في حضوره أو في احتجابه.
يعتمد هذا الأسلوب على دفع مراوغة الإدراك لتأمل خطواتها .. كأن الوضوح اللغوي هو بمثابة إيمان أوّلي بالتعهدات الميتافيزيقية للإرادة، أي تصديق مؤقت لوعودها الكونية، الأمر الذي يٌظهر هاملت على وشك بلوغ توافق دائم ومرتقب مع ما تضمره كسلطة .. حينئذ يبرز الصراع ناصعًا مع تلك الإرادة بتوظيف شكسبير لـ "عدم المواراة" في تخريب الإيمان الميتافيزيقي .. يصبح غياب الإضمار تجسيدًا لخيبة أمل هاملت، كما يصبح البوح الطفولي استغاثة ممتدة .. يرسل شكسبير تلويحات شاقة ليس عن الحرمان من البراعة الخبيثة، وإنما عن الحرمان المتجذّر من الاستقرار داخل الكلمات .. الكلمات كمسوخ لامعة .. من الممكن تصوّر أن النضوج ومراوغته في بصيرة هاملت هما تطوّح بين التعذّر اللغوي "الذي يكشفه الصياغة الواضحة"، ومراقبة هذا التعذّر "التي يكشفها الوجه المطابق للصياغة ذاتها" .. كأن شكسبير يكشف عن أن اللغة هي سر الحصانة المتمنّعة، ولهذا لن يكون تأمل الإرادة انتزاعًا للحماية بل أشبه باحتفاء جدلي متغيّر بالخسران .. أشبه بالرقص الممتن مع الإخفاق المتراكم والمتنقل، المحسوم أزليًا، أي من قبل أدنى جاهزية للاعتقاد الفردي بأنه من الوارد حيازة شيء ما داخل اللغة .. نحن لم نفقد لأننا لم نمتلك من الأصل .. لن يكون تأمل الإرادة إيقافًا لزمن، أو قبضًا على معرفة سواء كانت "صورًا خالدة" أو "حقائقً كلية".
موقع "الكتابة" ـ 21 مايو 2020
من كتاب "مراوغة الإدراك في فلسفة شوبنهاور ـ مقاربات نقدية لشكسبير .. تولستوي .. فاغنر" ... يُنشر قريبًا.

الاثنين، 18 مايو 2020

قطع غيار مستعملة

في منتصف المسافة بين مكان أجهله، وبيت أعيش فيه مع زوجتي وطفلتي؛ قررت أمي أن نتوقف حتى تعطيني كل ما كانت تحمله، بالرغم من أن ما بين يديّ كان ثقيلًا بما فيه الكفاية .. كان صديق طفولتي الذي حاولت قتله مرارًا يرافقنا دون أن يتكلم أو يحمل أي شيء، فقط يبتسم طوال الوقت بسماجة هادئة، كأنه يتابع في ثقة لامبالية مشهدًا رآه كثيرًا من قبل .. أخبرت أمي بأنني لن أقدر، لكنها أصرت أن تضيف لحمولتي جميع الأشياء التي كانت معها، وأن تسبقني بصحبة صديقي ملتذة بخفتها .. راقبتهما وهما يبتعدان في الطريق المؤدي إلى منزلي، بينما أحاول التحرّك ورائهما بتلك الأثقال الأشبه بقطع غيار مستعملة لماكينات قديمة لا أعرف ماهيتها.
استغرق وصولي أيامًا طويلة، تفتت خلالها جسدي، وتمزقت ملابسي، وتراكمت الأوساخ داخل جروحي العارية .. ظل العابرون وأهل الشوارع يتفحصونني بذهول ساخر وأنا أجر قدميّ الحافيتين، في حين بقي كل ما كنت أحمله محتفظًا بسلامته من الخدش أو النقصان .. تصاعدت ارتجافاتي أثناء اجتياز السلالم درجة بعد أخرى حتى بلغت باب الشقة بأنفاس شبه معدومة، وعينين ضبابيتين، ووعي متخاذل، على وشك الفقدان .. وجدت أمي جالسة مع زوجتي في سكينة ونقاء كما يليق بشخص تخلّص من أثقاله، واستقر منذ وقت بعيد في مكان آمن .. ألقيت بحمولتي على الأرض، ورحت أصرخ في وجه أمي، وأشتمها بأبويها، ساردًا لزوجتي ما فعلته بي .. ظلت أمي جالسة بفم مطبق، وملامح شاردة، ونظرة أقرب لنصف إغماضة يتجمد الاستسلام داخلها .. حاولت زوجتي تهدئتي لكنها لم تنجح .. فجأة انتبهت إلى أن الأرض قد أصبحت خالية من الأشياء المبهمة التي ألقيتها منذ لحظات، وحينما التفت مجددًا لأمي وجدت إغماضتها قد اكتملت، ورأسها مُلقى فوق مسند الكرسي، وصدرها هامدًا تمامًا .. نظرت إلى زوجتي، وسألتها في هلع عن طفلتي فقالت بصوت مرتعش أن صديق طفولتي قد اصطحبها للتنزه.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 17 مايو 2020

الأربعاء، 13 مايو 2020

كورونا في مكان آخر

لن تدرك الزمن الذي أهدرته حقًا إلا حينما يصبح الموت أقرب من خطوة واحدة صغيرة، وليس مجرد احتمال ضروري، متناثر في الأشياء كافة .. يأس الماضي حينئذ سيكون في جوهره رجاءً شاحبًا، ذلك لأن هذه اللحظة هي موعدك مع اليأس الفعلي، في كامل نقائه .. محاولاتك المرجأة لاستدراك ما لا يمكن تصحيحه، وتعويض ما لا يمكن استعادته؛ كلها ستنتفض فجأة لتبدأ في قضم روحك بشكل متزامن، كمن ظل يربي أشباحًا في جسده أطول مما يجب دون أن يطلقها.
لم أخرج من بيتي منذ الإعلان عن اكتشاف الحالة الأولى المصابة بفيروس كورونا .. أعني بذلك أنني توقفت عن الزيارة الأسبوعية لشقيقتي الكبرى المقيمة وحدها في منزل العائلة، والتي كان يعقبها عادة المرور على بائع الجرائد، ومكتبة هيئة الكتاب ثم عدم الاستجابة لرغبة بائسة ومعتادة في تناول فنجان قهوة بأحد المقاهي التي أمر عليها في طريق عودتتي إلى البيت .. كنت حينئذ أعمل على كتاب جديد عن "شوبنهاور"، بجانب متوالية قصصية، ومراجعة مخطوط دراستي عن الأصل الواقعي لرواية "القضية الغريبة لدكتور جيكل ومستر هايد" .. بعد أيام قليلة، ومع تزايد عدد الإصابات، واستمرار خروج زوجتي من المنزل ـ مصطحبة طفلتي بالطبع ـ للاعتناء بأمها المريضة، وقضاء احتياجاتها؛ توقفت عن كل ما كنت أكتبه، بما في ذلك المقال الأسبوعي من "سيرة الاختباء"؛ إذ أصبح تحليل التاريخ الشخصي داخل ما يُسمّى بـ "الحياة الأدبية" طقسًا أكثر مسالمة مما يحتمل الخطر المتفاقم، حتى لو كان منطويًا بصورة أساسية على تصفية الحسابات القديمة .. قررت التفرّغ لاستكمال "وصية كلنكسر" في أسرع وقت ممكن، والبدء أيضًا في ورشتي القصصية الجديدة .. هذا فقط ما كان بوسعي القيام به على نحو عاجل من ضمن تدابير عدة كنت أتمنى أن تنتهي حياتي داخل أحلامها السرية.
لم يكن بمقدوري منع زوجتي من الذهاب لأمها، كما لم أستطع أن أطلب منها الإقامة برفقتها، لأن ذلك كان سيُبعد طفلتي عني .. كان وجها زوجتي وطفلتي قد تحوّلا، كما يشيع في الكوميكس المعاصر، إلى مجسّمين للفيروس وهما يعبران يومًا بعد آخر باب الشقة أمام عينيّ، بينما أجلس في مواجهة شاشة اللابتوب، أكتب سطورًا متلاحقة من النوفيلا التي عليها أن تُغني بصورة حاسمة عن كل انتقام لم أنفّذه، أو أراجع مشروعًا قصصيًا لأحد طلاب الورشة التي أردتها ككل مرة، وعبر القصص المستقبلية لأعضائها، أن تكون بعد اختفائي عودًا أبديًا لذاكرتي .. الذاكرة التي يمكن تلخيصها الآن في شهوانية ذابحة أعيد بها مشاهدة التسجيل المصوّر لممرضة في مستشفى العزل بالمدينة التي أسكنها، وهى تشرح كيف ترتدي زي الوقاية المعقّم قطعة بعد أخرى.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 8 مايو 2020

الثلاثاء، 5 مايو 2020

مجرد وقت

كان يمكن لهذا الوقت أن يكون مساءً بالفعل لو لم يكن سوى أثر متغيّر لأحلام الذاكرة .. كان يمكن لهذا الصمت أن يكون وحدة حقًا لو أنك انتهيت من قطع الخيوط النارية المربوطة في أصابع الدُمى التي تُحرّك موتك .. لكنه مجرد وقت، حيث يمعن الزمن في الانتهاء من قبل أن يبدأ .. مجرد صمت، حيث تتلاشى قدرة روحك على نبش القبر الذي لم تغادره الحياة مطلقًا.
ليس لقلبي دقات، بل ريح ممسوسة بشبق مناقض؛ فهي لا تزيح الحوائط، وإنما بوحشيتها الأكثر نعومة تشيّدها في كل فراغ يمضغ ظلامه البصر .. كأن الحوائط إيماءات الفناء المتراكمة في القلب .. لذا يخبّئ "الخوف" ميوعته المنتشية من أجنحة الغيب السوداء الكثيفة التي تحوم في عماء اللغة.
هل الأفكار هي ما يشكّل جثتي، أم الغياب المستقر في أغوارها؟ .. ما أريد كتابته، أم ما أريد الاستسلام له؟ .. البقاء مستيقظًا، أم قضاء اللحظات الأخيرة في نوم متنقل ببن أطياف الماضي؟.
ثلاث وأربعون .. لا يعرف شيئًا عن هذا الرقم الذي يشير لسنوات عمره أكثر من شعور جذري، متزايد الثقل والحدة بتجويف صغير لندبة منفصلة عن ملامح غامضة، وملقاة في قاع معتم، فائضة بقذارة لا تنجم إلا عن وجود مجهول لم يتحقق .. ندبة كانت ترجو لو تمكنت من الحركة في القاع، كما لو أنها في عمق نهر مثلًا، لكنها فقط صورة متكررة وراء الزجاج نفسه. 
ثمة ثقوب في كل كلمة أكتبها .. ثقوب لانهائية يمر منها ما لا يمكنني كتابته نحو الكلمة التالية .. نحو القصة التالية .. نحو خطوة أخرى في الخرائب الضبابية بعيدًا عن رأسي المقطوع.
موقع "الكتابة" ـ 2 مايو 2020
اللوحة: Jeune homme au chapeau melon by André Derain

الأحد، 26 أبريل 2020

بندقية تشيخوف

ما الذي جعلك كشخص توقف منذ فترة طويلة عن الخروج من بيته تحتفظ على هاتفك المحمول، الفارغ من شريحة الاتصال، بمقطع فيديو لرجل يمسك ببندقية، ويطلق النار على السائرين في نفس المدينة التي تعيش فيها؟ .. مقطع لا يتجاوز ثواني قليلة، تم تصويره بكاميرا هاتف محمول، تمسك به يد مرتعشة من نافذة بعيدة إلى حد ما، تقع وراء ظهر الرجل المتحرك للأمام بخطوات متمهلة، يتخللها توقفات قصيرة بحسب لحظات التبادل بين تجهيز البندقية وإطلاق النار .. لم يظهر خلال تلك الثواني وجه الرجل، كما لم تلتقط الكاميرا إصابة أحد من المارة الذين ترك فرارهم السريع خلاءًا ثابتًا حول حركته، قبل أن تسقطه رصاصة أطلقها فيما يبدو فرد من الشرطة على إحدى قدميه، الأمر الذي أتاح للسائرين الاندفاع فورًا تجاهه ثم الانقضاض على جسده المُلقى في منتصف الشارع بجوار بندقيته .. لماذا لم تهتم بالحصول على معلومات تفسيرية لهذا المقطع المنشور على شبكة الإنترنت تتجاوز تعريفك الخاص: رجل يطلق النار على المارة في أحد شوارع المدينة التي يسكنها شخص توقف منذ فترة طويلة عن الخروج من بيته؟ .. لا تعيد مشاهدة هذا المقطع كل يوم، وإنما فقط بعدما تستيقظ من أحد الأحلام المتباعدة التي تعيش خلالها لحظات تعذيبية من الماضي، ليس كما تتذكره، وإنما كما حدث في أصالته السحرية المخبوءة .. لماذا تشاهد هذا المقطع حينئذ، كأنما تتفحص ظلًا مستقرًا داخل صور ألبوم قديم، حيث وجوه توزعت ابتساماتها الغافلة في أماكن عدة من ذكريات المدينة؟ .. الذكريات التي حينما لم تستطع أن تخلق بدايتها الغامضة على نحو ٱخر، أو على الأقل أن تضمن لها البقاء كما كانت؛ قررت أن تقضي ما تبقى من حياتك في نسج دعابات هازئة حول غيابها .. لماذا ترتسم دائمًا تلك الابتسامة الممتنة في روحك كلما شاهدت هذا المقطع؟ .. أنت تعرف الإجابة جيدًا، مثلما تعرف أن بندقيتك في بقائها معلقة فوق الحائط لن تدفع أحدًا لمحاولة تعطيلها.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 22 إبريل 2020

الاثنين، 20 أبريل 2020

العضو المقطوع

لم تمر أيام قليلة على وصولي إلى هذه القرية الصغيرة التي يكاد البحر أن يخبئها حتى بدأ شبح المرأة الغامضة في مطاردتي .. ظلال متناثرة، بالغة الشحوب، رسمتها كلمات الأهالي في الطرقات والمقاهي والمطاعم لتلك العجوز المجهولة، التي قدمت منذ شهور إلى قريتهم، كي تسكن وحدها في بيت قديم من طابقين، يكاد يكون معزولًا .. بحسب الإشارات القاصرة، والحذرة دون سبب مؤكد؛ عرفت أن هذه المرأة لم تتحدث مع أحد من أبناء القرية طوال تلك الشهور إلا في المرات المتباعدة التي تقصد خلالها المتاجر لشراء احتياجاتها الأساسية، وبحرص على ألا تترك مساحة كلامية مهما كانت ضآلتها لما يتجاوز ذلك الغرض .. مع هذا لم يكن في سلوكها ما يثير النفور أو الارتياب، بل كانت تتسم في ظهورها النادر بما يتلائم عادة مع امرأة في عمرها، ومع الاقتضاب المعهود لحديثها مع البائعين؛ كان يستقر في صوتها نبرة لطفٍ رصينة، تغري أيضًا بتفسيرها كاعتياد متزن على منح الاحترام لمن تخاطبه .. لكن ما كان عدائيًا حقًا، بل ومخيفًا عند البعض هو عدم إدراك التاريخ الذي قاد خطوات تلك العجوز إليهم: عائلتها .. المكان الذي عاشت فيه من قبل، ولماذا غادرته .. الدافع لاختيار قريتهم تحديدًا كي تأتي إليها .. كان العجز الشامل أمام وجودها الملتبس أشبه بظلام يزداد هيمنة وحلكة داخل أرواحهم مع تعاقب الأيام، الأمر الذي خلق احتياجًا عفويًا للصمت .. لإجبار النفس على عدم استدعاء معلن لسيرة تلك المرأة، ولو بأقل الكلمات وأبسطها .. كأن ذلك فقط ما أتيح لهم من المحاولات الجماعية الممكنة لقبول وجودها في قريتهم دون استفزاز الهواجس .. لكن الصمت إذا ما تم خدشه على نحو مفاجئ ـ وهو ما كان يحدث بالطبع ـ فإنه حينئذ ينفجر بالتخيلات المختزنة التي لم يخمد مطلقًا نشاطها المكتوم: زوجة رجل سياسي، يشغل منصبًا مرموقًا في مدينة بعيدة، جاءت إلى هنا هربًا من ملاحقة أذرعه الباطشة .. متهمة بجريمة قتل، لجأت إلى الاختباء داخل بقعة منزوية كهذه، لن تخطر في ذهن أحد من مطارديها .. ساحرة شيطانية، متمرّسة في الأعمال السفلية، قررت الاحتماء داخل هذه القرية من المنذورين للانتقام من لعنة سوداء غرستها في بلد آخر .. التخيلات التي تكافح للحصول على حقيقة عجزت عن الوصول إليها مفردات الواقع، وكان في توالدها نوع من التعويض لبطولة مرجأة.
ضرورة ملغزة، تتخطى الفضول المنطقي، تلك التي ذهبت بي إلى بيت العجوز .. كنت أشعر بأن العلة الخفية وراء حضورها إلى القرية هي نفسها التي جذبتني إلى حيث تسكن في تلك المنطقة النائية، غير البعيدة عن الشاطئ .. اكتشفت أن للبيت حديقة صغيرة، يحاوطها سور غير مرتفع، وبينما كنت أبطئ من خطواتي أثناء المرور أمام بابها المفتوح؛ وجدت المرأة جالسة تحت أغصان شجرة كثيفة، وأمامها طاولة خشبية، وكرسي آخر يماثل ذلك الذي تجلس عليه، كما كان بين يديها فنجان شاي من النمط الكلاسيكي .. ليست الابتسامة المباغتة التي أضاءت وجهها الخمري هي التي أوقفت خطواتي .. شيء لا أفهمه، مناقضًا لإرادتي المسبقة هو من فعل ذلك .. ابتسامة العجوز بدت كرد فعل مجهّز لوقوفي أمام باب حديقتها...
ـ تفضّل...
صوتها أيضًا كان يمرر إيحاءًا غريبًا بأنها كانت تتوقع وصولي إليها .. كان صوتًا خفيضًا، لكنه غير مهتز، بل بدا كأن خفوته الناعم مكللًا بذكرى ما كان يتصف به من خليط أخّاذ بين الصلابة الدافئة والرقة المتيقظة .. وجدت نفسي جالسًا أمامها، أتأمل ملامحها مقارنًا بين الوداعة المرحّبة التي تكسو تجاعيدها غير المترهلة كليًا، وما نسجته كلمات الأهالي وتخيلاتهم عن غموضها .. كانت تغطي شعرها بإيشارب أحمر، مطرّزًا بزهور صفراء ضئيلة، يلتف حول رأسها دون أن يتدلى طرف له، سامحًا للقليل من الشعيرات البيضاء أن تتجاوز حافته أعلى أذنيها الصغيرتين الخاليتين من الأقراط .. لم أتمكن من الاعتماد على غضونها المتورّدة في تحديد عمرها ولو بشكل تقريبي، ومع ذلك ثمة حيوية شابة كانت تشع بكيفية مبهمة من عمق عينيها السوداوين، المخططتين بكحل خفيف، تحت حاجبين رفيعين للغاية، يكادا يكونان نقيين من الشيب، وكذلك من أغوار ملامحها، خاصة شفتيها الممتلئتين، القانيتين من دون طلاء .. كانت الطريقة التي يلتف بها الإيشارب حول شعرها قد أعطتني انطباعًا ما بأنه طويل، فضلًا عن نعومته التي أظهرتها الشعيرات القليلة ...
ـ أعرف جيدًا أنني أسبب قلقًا كبيرًا لسكان القرية منذ وصولي إليها، كل هذا لمجرد أنني أردت الحفاظ على عزلتي .. ألا ترى أن معي حق في ذلك؟
ـ بالطبع...
ـ لم أرغب في أن يعرف الآخرون عني شيئًا؛ فحياتي السابقة مهما كانت خالية من الأحداث الجديرة بالاهتمام، فإن هذا لن ينجح في إيقاف الغرباء عن التوغل إليها.
ـ لماذا قمت بدعوتي إذن للجلوس معكِ؟                                                     
ـ لأنني أعرفك .. أقصد أنه بالرغم من البقاء وحدي طوال الوقت في هذا البيت إلا أنني تأكدت  منذ قدومك إلى القرية أنك شخص يمكن الاعتماد عليه في تبديد الانزعاج العام من وجودي.
ـ هل تقصدين أن أنقل رسالة طمأنينة معينة إلى الناس بشأنك؟
ـ ولم لا؟ .. لكنها ليست رسالة بالمعنى المباشر .. يمكنك مثلا أن تحكي لكل من تعرفه أنك قابلتني وتحدثت معي في أمور عادية، وأنك وجدتني امرأة طبيعية للغاية، لا تريد سوى أن تقضي أيامها الأخيرة في هدوء، ودون تطفل من أحد.
ـ ليس عندي مانع .. لكن هذا يستدعي أن أعرفك أولًا .. أن أحصل على مبرر للثقة فيما قلتيه عن نفسك .. أريد أن أكون صادقًا عندما أخبر الناس بذلك.
ـ ماذا تريد أن تعرف؟
ـ لا شيء أكثر مما ترغبين الآن في أن تخبريني به.
ـ حسنًا .. لكن عليك أن تعدني بأن كل ما سأقوله لك سيبقى سرًا بيننا.
ـ بالتأكيد...
ـ منذ خمسة عشر عامًا كنت أعيش وحدي مثلما هو الحال الآن، ولكن في مدينة كبيرة، وكنت أعمل أستاذة للنقد الأدبي .. لم أتزوج، ولكنني كنت أحب روائيًا يصغرني بأكثر من عشرين سنة .. لم يكن بالنسبة لي الحياة نفسها فقط بل كان ذاكرتي وما قبلها أيضًا .. العالم الذي يسبق حضوري، والزمن الذي سيمتد بعد موت الجميع .. كان بالنسبة لي هو الغيب ذاته .. وبالرغم من أننا لم نتمكن من الزواج إلا أننا عشنا سنوات طويلة كزوجين أو كحبيبين لا يذاع لهما سر.       
ـ ولكن ...
ـ ولكن للأسف الشديد حدث ذات يوم ما تسبب في انهيار كل شيء .. أقامت الجامعة التي أعمل بها مؤتمرًا حول الرواية، وكان مخصصًا لي إدارة مائدة مستديرة عن الفانتازيا .. كان حبيبي الروائي من ضمن الكتّاب والنقاد المدعوين للنقاش، وبينما كنت أخاطب الجالسين حول المائدة فوجئت به يقاطعني بملاحظة أجبرتني على التوقف عن الكلام .. كانت ملاحظة عادية، خاطفة، لا تستهدف سوءًا تجاهي على الإطلاق، بالعكس؛ كانت تقصد المساهمة بإضافة صغيرة تدعم ما أقوله .. مع ذلك شعرت بألم مجهول، لم أعهده أبدًا من قبل، راح ينمو كلعنة غير مفهومة ملتهمًا نفسي لحظة بعد أخرى طوال ما تبقى من وقت المناقشة، وعلى مدار الثواني والدقائق والساعات والأيام التالية .. كان الأمر أشبه بطغيان غير مرئي لنار سوداء، ظلت تتمطى داخل جروحي الخفية .. ندوب قديمة كشف الاحتراق بصورة مفاجئة عن وجودها دون انقطاع، لكنه لم يفسرها، بل أظهرها فحسب، كأثر غير متوقع للهب ضئيل، لم يكن ليخدش جسدي في حياة أخرى .. رغمًا عني؛ أصبح تاريخنا حلمًا يُعاد عكسيًا بدءًا من لحظته الأخيرة بشكل مناقض لما كان عليه، وبالتالي لم يعد هناك ما يسمح باستمراره .. صدقني؛ حاولت بقدر ما أستطيع أن أتحرر من ذلك الألم الذي نتج عن تلك الواقعة الهيّنة، التي لا تضمر أدنى نوايا الشر، لكنني لم أنجح في ذلك، وبالفعل استطاعت هذه اللعنة أن تجبرني على الابتعاد بتدرّج متسارع كالذبح عن حبيبي الروائي .. هل يمكنك أن تتصوّر أن يؤدي تعليق مساند، تخلل حديثي في نقاش عام بطريقة مباغتة إلى نهاية ما كنت اعتبره نصًا مقدسًا، أو تعهدًا إلهيًا لن نتوقف عن كتابته، حتى ونحن متناثرين في الفناء؟
ـ كل شيء يمكن أن يحدث، ولأي سبب .. ماذا فعلتِ بعد انفصالكما؟
ـ كان حتميًا أن أودع كل شيء: بيتي .. وظيفتي .. أصدقائي ... كل ملامح الحياة التي لم يكن بوسعها أن تُشكّل وجهًا حقيقيًا إلا بتلك البراعة الشهوانية الناجمة عن توحدنا .. سنوات كثيرة، تنقلت خلالها بين مدن عديدة بحثًا عن مواساة مستحيلة، أو فقدان انتقائي للذاكرة، أو إفاقة خارقة  مما أردت أن يكون مجرّد كابوس مروّع، طارئ رغم صلابته الدنيئة، ولكن هذا كان أشبه بالمعجزة التي يُستبعد أن تتوّج حياة الأنبياء حتى في خيال أكثر البشر إيمانًا.
ـ وماذا عن هذه القرية؟
ـ صدقًا لا أعرف .. مازلت مريضة بكل ما حكيته لك، ومازال المشهد الذي وضع حدًا قاصمًا لعلاقتي مع حبيبي الروائي يضمن احتضاري بالتباسه المذل؛ ومع ذلك شيء لم أفهمه جعلني أقرر البقاء هنا .. شيء لا علاقة له بالمكان أو بسكانه، لكنه أعلن عن رسوخه داخل روحي فور مجيئي إلى هنا، وبمصارحة أكبر، فإنني لم أعد أرغب في تفسير هذا الشيء.
ـ ربما له علاقة بهذا البيت .. أعني طبيعة انعزاله، التي تجعله مختلفًا عن منازل منطوية على نفسها في مدن أخرى.
ـ هل تريد أن تشاهده من الداخل؟
ـ ليس عندي مانع.
تحركت وراء المرأة بتمهل عبر الممر الفاصل بين الحديقة وباب البيت الموارب .. كانت قامتها تميل إلى الطول والنحافة، وإن كان الروب السماوي السميك المغلق الذي ترتديه فوق جلباب أبيض قد صعّب من مهمة التعرّف على السمات المؤكدة لتفاصيلها الأنثوية .. كان عندي استعداد لقبول كل ما حكته لي، ولكنني لم أكن أريد تصديقها .. أعرف أحداثًا عجيبة، ترتب عليها نتائج أكثر عجبًا، وهذا ما لا يجعلني أستبعد أن يكون حديثها حقيقيًا، ورغم ذلك كان نتوء ما في أعماقي يريدها أن تكون كاذبة، وأن يكون كل ما قالته ستارًا لواقعة منطقية .. إلحاح ملغّز ـ رغم عدم رفض الواقعية المحتملة لما ذكرته ـ يريد أن يحوّله إلى مجاز لحدث آخر يمكن إدراكه تلقائيًا، حتى ولو بالنسبة للعجوز نفسها إذا كان قد حصل بالفعل.
كان الطابق الأول من البيت خاليًا مما يلفت الانتباه: قاعة استقبال ذات أثاث بسيط، قديم إلى حد ما، ومنظم، وثمة ردهة في نهايتها يبدو أنها تقود لحجرة نوم أو أكثر، وربما مطبخ وحمام كذلك، لكن ما كان جديرًا بالملاحظة هو فراغ الحوائط؛ إذ لم تكن هناك أي صور أو لوحات أو حتى نوع من الزخارف الشائعة في البيوت التقليدية .. بدأت المرأة في صعود السلالم الخشبية المؤدية إلى الطابق الثاني دون أن تتكلم، ورغم ترددي العابر؛ اعتبرت هذا الصمت دعوة ضمنية لاتباعها من أجل استكمال المشاهدة، وكأنما كان في عدم بقائها طويلًا داخل الطابق الأرضي، وصعودها لأعلى بعد لحظات قليلة إقرارًا ضمنيًا آخر بأنه لا يوجد بالفعل في هذا الطابق ما يسترعي التوقف .. صعدت السلالم وراءها، والتي أفضت إلى ممر مفروش بسجادة زرقاء خفيفة ذات نقوش من الدوائر والمربعات الحمراء الداكنة، توجد في بدايته حجرة مفتوحة، دخلتها المرأة قائلة دون تلتفت لي:
ـ تفضل .. هذا مكاني المفضل في البيت.
كانت الحجرة فسيحة، ذات سقف عال، وبلاط أسود، ونافذة مفتوحة تغطيها ستارة من الحرير الأخضر، وعلى عكس الطابق الأول فقد كانت مزدحمة بأعداد كبيرة من الكتب، تحتويها مكتبة هائلة ممتدة بعرض ثلاثة جدران كاملة .. إلى جانب ذلك؛ كان هناك مكتب عريض تتكدس فوقه أوراق وملفات وحاويات أقلام بالإضافة إلى أباجورة متوسطة الحجم، وبعض الكتب أيضًا بجوار برواز صغير، يستند على حامل، ويحدق من داخله "جي دي موباسان" إلينا .. على الحائط الأبيض الواسع المقابل لهذا المكتب، والوحيد الذي لم تمتد إليه رفوف المكتبة الهائلة؛ لم يكن هناك سوى برواز ذهبي معلق في المنتصف تقريبًا، ولكنه ليس مغلقًا بلوح زجاجي يُظهر صورة أو لوحة كما هو معتاد، وإنما كان بروازًا فارغًا تتدلى من ضلعه العلوي ما يشبه سلسلة مفاتيح، مثبّت في حلقتها شيء صغير لم أتبينه من مكاني في مدخل الحجرة .. دون دعوة منها وجدت خطواتي تتحرّك لتبين هذا الشيء الصغير، وحينما أدركت ما هو شعرت بفوران محتدم لأنصال مسنونة تفجّر فجأة في دمائي .. فوران امتد من دوار رأسي، مرورًا بدقات قلبي القوية والمتلاحقة، وعبر أنفاسي الثقيلة التي كاد تحجّرها يمزق صدري، وحتى النغزة الحادة بين فخذيّ .. رأيت عضوًا ذكريًا مقطوعًا معلقًا في البرواز .. سمعت المرأة من ورائي تضحك .. لم تكن ضحكة وحشية متوقعة كالتي تطلقها الساحرات الشريرات في الدراما، وإنما كانت ضحكة خافتة أشبه بتلك التي تترقرق بين شفتي أم حنون متحسرة، لم تعد تتمتع بالطاقة الكافية لتجسيد عاطفتها المتقدة تجاه ابنها .. مع ذلك التفت إليها بهلع كأنني أعيش اللحظة الأخيرة التي تمررني للموت:
ـ هذا ما تبقى من حبيبي الروائي .. لم يكن يجب أن أتركه بلا شك .. ما رأيك؟
ـ أعتقد أنه يجب أن أغادر الآن...
ـ  كما تحب .. لكن لا تنسى الوعد.
ـ بالطبع ...
لا أعرف كيف انبعثت الكلمات من فمي .. لا أعرف كيف تحركت قدميّ خروجًا من الحجرة، ونزولًا للسلالم ثم عبورًا لباب البيت واجتيازًا للحديقة وصولًا إلى الطريق المؤدي نحو الشاطئ .. ظل جسدي يرتعش منتفضًا كأنما الأنصال المسنونة قد حوّلت دمائي لكهرباء سائلة تتدفق مسعورة وراء جلدي .. مع ذلك كان ثمة إحساس بعدم الندم تجاه هذه الزيارة محتفظًا بصموده .. رسالة طمأنينة؟ .. لم أستغرق وقتًا في حسم الأمر: لن أكشف لأحد عما رأيته في بيت هذه المرأة؛ ليس بسبب وعدي لها، وإنما لأنني سأجعل ذهابي إليها من الأصل في طي الكتمان .. ما اكتشفته اليوم لم يذهب إليه أكثر الخيالات تطرفًا في القرية .. كانت الاستفهامات تمعن في الاهتياج داخل رأسي: هل قتلت حبيبها الروائي قبل أن تقطع عضوه؟ .. هل كانت تقصد بأن هذا العضو هو آخر ما تبقى منه بالنسبة لها فحسب، وليس بالنسبة للحياة نفسها، أي أنه لا يزال حيًا حتى الآن، ولكن بنقص فادح؟ .. أين حدث كل هذا؟ .. كيف حدث؟ .. هل يمكن أن تكون كاذبة حقًا؟ .. تريد هذه العجوز أن تقضي أيامها الأخيرة في هدوء برفقة العضو المقطوع لحبيبها الروائي الذي قاطع حديثها فوق مائدة مستديرة عن الفانتازيا .. لكنني مع ذلك لم أشعر مطلقًا بالغرابة تجاه نفسي حينما بدد تساؤل واحد كل هذه الاستفهامات قبل أن أتوسل للنوم في تلك الليلة: هل استعملت المرأة ذلك العضو المقطوع من قبل؟ .. تساؤل واحد استقر في عقلي كغيمة رمادية ضخمة، أخفى ظلها القاتم كل عماء آخر.
في الصباح التالي أخرجني من اليقظة الهزيلة، التي لم تبلغ حد النوم، ولم تحتفظ بوعي كامل اتصالًا من أحد أصدقائي ويعمل محققًا في شرطة القرية ليخبرني بأن شخصًا ما قد أبلغ عن صرخات عاتية انبعثت من بيت العجوز أثناء مروره بالقرب من بوابته؛ فأسرع بإبلاغ الشرطة، وعند وصول رجال الأمن إلى هناك اكتشفوا مقتلها .. كان يعلم من أحاديث سابقة بيننا اهتمامي بأمر هذه المرأة، ولهذا عرض عليّ مرافقته إلى بيتها وحضور المعاينة .. لم أستغرق وقتًا طويلًا حتى كنت أعبر بصحبته والطبيب الشرعي نفس العتبة التي قطعتها أمس .. شعرت بالجحيم الباطني ذاته، ولكن على نحو يسمح بانضباط عصبي أكبر .. كأن قتل العجوز كان أخف بدرجة ما من رؤية عضو ذكري مقطوع في حجرة مكتبها .. كانت جثة العجوز عارية تمامًا وممددة على ظهرها في منتصف حجرة الطابق الثاني وسط بحيرة من الدماء .. كان ثدياها مبهرين إلى حد معجز، بحجميهما الكبيرين، وبهالتيهما الواسعتين، وحلمتيهما البارزتين، وامتلائهما اللامع والمتماسك، بالغ النعومة، في تنافر وحشي مع شعرها الطويل الأبيض المبعثر حول رأسها فوق البلاط الأسود، وتجاعيدها المشوّبة بالذبول، وبطنها الضامر، وفخذيها النحيلتين المتباعدتين بعظامهما الناتئة، اللتين انهمر الدم من بينهما، وأيضًا الكرمشة الكالحة لظهر كفيها، التي تكاد العروق النافرة أن تخترقها .. بدا كأن ثدييها اللذين تتناثر قطرات الدماء فوقهما قد عاشا في خصومة زمنية مع جسدها .. كان في عينيها المفتوحتين، ومسارات خطوط وجهها، والانفراجة الواهية، المضاءة بالدم لشفتيها السمينتين شعور متجمّد على متعة خارقة سرعان ما تقلّصت، وتحولت إلى رعب تصاعد إلى أوج اليأس .. كان الطبيب قد انتهى من فحصها، وعندما سأله المحقق عن سبب وفاتها أخبره بأنها حالة غريبة للغاية لم يقابلها أبدًا من قبل:
ـ يبدو الأمر كما لو أن شيئًا يشبه هراوة ضخمة قد اخترق مهبلها، وواصل شق طريقه ليمزق الأعضاء الداخلية حتى وصل إلى سقف حلقها ثم تم انتزاعه ثانية بقوة.
كنت خلال حديث الطبيب أتأمل البرواز الذهبي المعلق على الحائط .. لم يكن العضو الذكري موجودًا هناك.
موقع "الكتابة" ـ 19 إبريل 2020

الاثنين، 13 أبريل 2020

الفرصة الأخيرة للنجاة

السلام عليكم يا ضرطات مقهى "اللبن" وفندق "مارشال المحطة" في التسعينيات .. منذ فترة قصيرة مات واحد منكم، وقد آلمني هذا بصورة لا يمكنكم تخيّلها، ذلك لأنه على الأرجح لم يقرأ قبل موته "لوحة سرطان الخصية"، أو "معارض متنقلة"، أو "أفراح العين الزجاجية المحتقنة" .. تلك قصصي القصيرة التي خلقت من بين أشباحها من كان منذورًا فقط لمعاقبته على العجرفة المسكينة التي كان يتمتع بها .. بالطبع لا أحتاج أن أذكّر كل ضرطة منكم بجروحها القديمة التي حفرتها تلك العجرفة المضحكة في جوفها العطن بالدخان والكحول والأطعمة الرخيصة .. سنوات طويلة جدًا امتلأت بالكوابيس المتلاحقة التي نجح تشابكها في تعطيلي عن إيجاد طريق آمن يمكن من خلاله أن تتسلل هذه القصص إليه .. أغلب الظن أن هذا الإخفاق في حقيقته ليس إلا احتفالًا جذريًا لتلك الكوابيس، التي لا شفاء من تضاعفها إلا بالموت .. لذا، وبما أن الشرج الغيبي الذي خرجتم منه قد بدأ في استردادكم؛ فإنني أرجو أن تسرعوا بقراءة "جرثومة بو" .. بحق الأشياء التي كنا نحدّق إليها في صمت من فوق طاولة واحدة، ودون أن يمتلكها أي منا؛ افعلوا ذلك في أقرب وقت ممكن، كأنها الفرصة الأخيرة للنجاة.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 12 إبريل 2020