من كتاب “الشر عاريًا ـ دراسة مقارنة بين يانيس ريتسوس ورينيه ماغريت” ـ يصدر قريبًا
الأحد، 29 مايو 2022
لحظات الانسجام الموحشة
الجمعة، 27 مايو 2022
الأربعاء، 25 مايو 2022
الاثنين، 23 مايو 2022
الأحد، 22 مايو 2022
الأربعاء، 18 مايو 2022
ضرورة المطر
اللوحة لـ Sohee Kim
السبت، 14 مايو 2022
سيرة الاختباء (37)
الشخصية الأدبية كما تحللها دراستي هي ناتج مباشر وموطِد لسلطة المدينة المركزية أي أن هذه الشخصية تحمل البصمة الواقعية والأثر الرمزي والهيمنة الخيالية للمركز.. الشخصية الأدبية هي ما يكوّن حضور الكاتب مستقلًا عن كتابته ومشاركًا في الوقت نفسه وعلى نحو حاسم في تأثير هذه الكتابة.. تُشكَّل الشخصية الأدبية بواسطة تاريخ من المداومة والإلحاح على ركائز معينة تدعم صورتها وتضمن تطورها في وعي الآخرين.. الركائز التي يمكن وصفها بالادعاءات الشكلية للاعتراف والتفوق.
ما هي هذه الركائز؟.. على سبيل المثال وليس الحصر: الارتياد المستمر للمقاهي الثقافية القاهرية الشهيرة.. مرافقة صحفيين وكتّاب ونقاد ومترجمين معروفين في الوسط الأدبي على طاولات تلك المقاهي.. نشر الصور التي تضمك بين هذه الجماعات من النخبة الثقافية على صفحات التواصل الاجتماعي.
بجانب الاستفادات البديهية الناجمة عن قضاء زمن طويل في تثبيت هذه الملامح المركزية – غير الكتابية – للشخصية الأدبية فإن تأثيرها يمتد لدى القراء بشكل عام وبالأخص لدى أولئك الذين كرسوا جهودهم لاكتساب مكانة “أرقى” وأكثر ربحًا مما يُطلق عليه القارئ العادي استغلالا للوسائط الحديثة مثل “القراء المحترفين” و”القراء النموذجيين” وغيرهم؛ فالقارئ عمومًا ومستثمر القراءة على وجه خاص لديه ذلك الميل النفسي والانتهازي للحصول على ما يُنظر لها كقيمة ثقافية أو منزلة نفعية مستمدة من الشخصية الأدبية (التي تعيش في صور المقاهي القاهرية مثلًا) ومن ثمّ تحظى إصدارات هؤلاء الذين يمتلك كل منهم (الشخصية الأدبية) بالمراجعات والمقالات الغزيرة طمعًا من كتّابها لاكتساب تقدير الذات والشهرة فضلًا عن المكسب المادي بالطبع، وكل هذا يستند بشكل أساسي على منزلة الشخصية الأدبية التي يدوّن القراء عن كتبها عبر الفضاءات المتعددة.
بسبب ذلك – وإضافة للفوائد المركزية الأخرى – تتحقق الوفرة المتراكمة لصفحات الإنترنت والأرشيفات الصحفية والكتب النقدية والأبحاث الأكاديمية التي تتضمن مقاربات لأعمال الكاتب صاحب هذه الشخصية الأدبية؛ إذ أن مقالات ومراجعات القراء الغزيرة ستنتج ما يمثل رأيًا عامًا قويًا يوحي بأهمية العمل وبالتالي يدعي بأنه يمتلك (جماليًا) ما لا تمتلكه أعمال أدبية أخرى لم تحظ ولو بنسبة قليلة من التدوينات التي تناولت هذا العمل الأمر الذي سيجعله محط أنظار ما يتجاوز التقدير القرائي الجمعي نحو البحث النقدي والأكاديمي.. هكذا يتحوّل كتاب الشخصية الأدبية من عمل إلى أيقونة سهلة الاستدعاء عند تناول تاريخ الرواية أو القصة القصيرة المصرية لأن كاتبه كان مجتهدًا في نشر صور جلساته المنتظمة داخل مقاهي القاهرة برفقة الشخصيات الأدبية الأخرى.
موقع "الكتابة" ـ 14 مايو 2022
الثلاثاء، 10 مايو 2022
صوت المطواة في حجرة الصالون
كانت لعبة شيقة .. لعبة التحكم في الموت والزمن .. هل ستموتون حالًا أم لا؟ .. كيف تتخيلون موتكم الممكن بعد لحظة واحدة؟ .. كيف يفكر كل منكم في حياته الآن؟ .. كيف يفكر في ذلك الشبح المتوحد بالظلام المغلق لحجرة الصالون ويستمتع بتمرير النصل الصوتي فوق رقبته؟ .. هل سأقتل نفسي؟ .. هل سيكون ذلك رحمة بكم أم بنفسي أم خلاصًا للجميع؟ .. هل تتذكرون عني شيئًا خارج الفضاء المُعذِب لصوت المطواة؟ .. حسنًا .. سأمنحكم ونفسي مزيدًا من الوقت .. لكن الوقت لا يعني مزيدًا من الحياة .. سأسمح للزمن بمواصلة المرور بعدما احتجزته قليلًا في صوت مسنون .. استمروا في التظاهر إلى حين بأنكم لستم عالقين في تهديد ما .. استمروا في الادعاء بأنكم تعرفونني جيدًا .. سأتظاهر أنا الآخر بأنني أجّلت المذبحة .. بأنني لم أقدم جسدي قربانًا لروحي.
لم يكن صوت مطواة .. كان خليطًا من الوجوه والكلمات التي رأيتها وسمعتها في الخارج قبل أن تعود إلى البيت .. الفراغ المتجذر داخل تلك الوجوه والكلمات بالتواطؤ مع ذكرياتك معنا كان يوطد غياب هيمنتك الكونية الغامضة .. في حركة الفتح والقفل المتتابعة للمطواة كنت تتقمص سيادة شكلية على هذا الغياب .. ندية ظاهرية مع ضياع هيمنتك على العالم بواسطة قلوبنا المرتجفة .. السيادة التي تلهو بالحدة الصوتية للنصل في أدمغتنا باعتبارنا أسبابًا أصلية لحرمانك من السيادة الفعلية .. هل أمحو الكون الليلة أم أعطيه فرصة أخرى لتدارك الخطأ الذي يسبق تاريخه؟
جزء من رواية “نصفي حجر” ـ قيد الكتابة.
الثلاثاء، 3 مايو 2022
غائب بقدر ما يحدّق إلى السماء
يكرس الستار لذلك التلصص على الألوهة الغائبة .. لاحتجابها عنك .. الانفصال بين جسدك والمطلق .. ألوهتك الغائبة تسترق النظر إلى المطلق الممثل في توحد السماء والبحر .. كأنها تحلم باختراق الستار (الحاجب) لتسترد نفسها .. ومثلما جعل يانيس ريتسوس “اللحظات” في مواجهة “الأبد”؛ وضع رينيه ماغريت النظرة العابرة، المؤقتة (التي فاتها كل شيء) للوجه الغائب في مواجهة المطلق .. النظرة التي ـ بالرغم من ذلك ـ لم تعد مألوفة حيث أزاحت خضوعها واستسلامها أو ما يشكّل غفلتها لصالح إفاقة غير اعتيادية على جوهر الشر .. إفاقة ثأرية بما يعني انتزاع ألوهة مضادة .. مطلق هازئ .. بما يعني امتلاك وجه لا يمكن للسماء أن تحدّق إليه.
الجمعة، 29 أبريل 2022
ابتسامة الموت
الأحد، 24 أبريل 2022
الاحتياج
فكّر في الأمر
“فكّر بأن الحياة تسير في طريقها
لكنك غائب …
فكر بفصول الربيع، تأتي بنوافذ مشرعة
وأنت غائب …
أن تغيب ليس بالأمر الصعب
لكن، إن غبت عما أنت في حاجة إليه
سوف تبقى عالقًا إلى الأبد
بداخل تلك اللحظات التي فاتتك
وستبقى، جزءًا من العالم …
إلى الأبد!”.
ما الذي أنت بحاجة إليه؟ .. ليس ما هو محكوم بلعنتك البشرية ولكن بما تتطلبه ألوهتك الغائبة .. بما يخلصك من الاحتياج بشكل مطلق .. لهذا ستظل غائبًا بغياب ألوهتك، والحياة لا يمتلكها إلا نقيضك الكامل والمحصن .. الذي لم يجعلك “بحاجة لشيء” فحسب وإنما أجبرك على أن ترهن هذا “الشيء” بالشروط الحتمية لإنسانيتك .. بالآلام التي لم يجربها ولا يريد قطعًا أن يجربها .. لهذا لن تبقى نوافذ الربيع مشرعة إلا لمن يتسم بصفاتك المضادة .. الصفات التي يضمنها غيابك .. ستظل عالقًا في ألوهتك الغائبة لأن ما فاتك هو “كل شيء” .. الغياب الأبدي الذي يسبق وجودك “اللاإلهي” .. ما يعنيه حضورك القهري والمزيف في جحيم العالم.
لنفكر في أن يانيس ريتسوس قد جعل “اللحظات” في مواجهة “الأبد” .. كأن هذه “اللحظات التي فاتتك” بما أنه قد “فاتك كل شيء” – كما أقر غياب ألوهتك – كأنها لحظات يقظة استثنائية غاضبة .. انتباه انتقامي على الاحتياج كأصل بديهي .. كجوهر لا يمكن التحرر من شروره .. كأن هذه اللحظات هي ألوهتك الساخرة .. أبديتك التهكمية .. التي – في مقابل كونها سجنك الانفرادي – تصبح انفلاتك من العالم ولو تجسدت في مجرد نظرة استهزائية صامتة نحو السماء.
الأربعاء، 20 أبريل 2022
مخملية الجحيم
أنتج فيلم “عشرة على عشرة” عام 1985 ومنذ سنوات طويلة وأنا أعيد مشاهدته مرارًا باعتباره كاشفًا لاحتمالات الحياة التي كنت تعيشها مع أصدقائك في الثمانينيات .. الحياة التي لم أكن جزءًا منها حين حدثت وعجزت عن امتلاكها بعد أن نزَفَت كل دمائها .. كان عماد رشاد يحمل اسم (علاء) وهو اسم أحد أصدقائك الذي لم أعرف صاحبه إلا بعد موتك بخمسة وعشرين عامًا .. كان هذا الاسم مرتبطًا لدي ومنذ تكوّن وعيي الطفولي بالشاب المتحرر الذي يقبض رفقة أصدقائه وصديقاته على المتع الماجنة للمدينة وخارجها، ولابد أن تردد الاسم على لسانك في لحظات بالغة الاهتراء بوصفه صديقًا حميمًا ومقربًا، وبين أفواه أسرتي كواحد من الشياطين التي بعت روحك لها كان سببًا في تشكيل تلك الصورة .. ظل الحصول على صديق يحمل اسم “علاء” حلمًا سريًا لي بعد تجاوز مرحلة الصبا، وظل عدم النجاح في تحقيق ذلك بمثابة ملامسة خشنة لفراغ زهرة ناقصة داخل الحديقة السرابية لصداقاتي .. أتذكر أنه في مرحلة الجامعة تعرفت بواسطة صديقي لي على واحد من أصحابه يحمل اسم “علاء” .. لم يكن متناغمًا مع الصورة القديمة لاسمه في ذاكرتي وإن بدا في غاية القرب من إطارها .. لكن لأسباب قدرية تقليدية تواطأت مع إلزامات معينة في طباعي الشخصية لم يكن هناك ما يسمح لأن نصبح أصدقاءً بشكل فعلي فاكتفت علاقتنا بالترحيبات العابرة في مصادفات الشوارع والمقاهي .. مع ذلك كنت أؤدي تلك المصافحات الودودة ـ على بساطتها وندرتها ـ بامتنان هائل وسعادة خفية .. كنت حينما ألوّح له بتحية صامتة أو ألقي عليه سلامًا مقتضبًا إذا ما تقابلنا في مكان ما أشعر باعتزاز ذلك الذي أدرك غنيمة شاقة بعد زمن طويل من مطاردتها، حتى أنني كنت أردد متباهيًا بيني وبين نفسي حينئذ “لدي صديق اسمه علاء”، متمنيًا لو كان بمقدوري إخبار كل من يعرفني بهذه المعلومة.
أتذكر أنه كان على حائط غرفتك نفس بوسترات فريق ABBA والتي ظهرت في حجرة “علاء” بالفيلم .. صورة “آلان ديلون” أيضًا .. زينة الأسقف في حفل عيد ميلاد “نانا” لابد أنها تذكرك بفروع الزينة التي علقتها بنفسك في أحد أعياد ميلادي في الصالون والصالة .. الرقص على نغمات Je T’aime,…Moi Non Plus في حفل عيد الميلاد .. تصفيفة شعر وشارب وفتحة قميص “حاتم ذو الفقار” ومتعلقاته الذهبية: السلسلة والانسيال والخاتم والساعة أو ما يمثل نمطًا مظهريًا كلاسيكيًا للشبق الذكوري في تلك الحقبة والمتكرر لدى أكثر من صديق لك في صورك المتآكلة .. الموسيقى الراقصة لأغنية داليدا Laissez Moi Danseمع الضوء الأحمر الغائم في سهرة “الشلة” .. الثمانينيات التي تبكيني الآن كأنها تُسكِنني الروح الأكثر ضراوة للبكاء .. مخملية الجحيم الرائقة بالبريق المشؤوم .. بعطرها النفّاذ المُسكر، المتدفق من آماد وأغوار الليالي الكرنفالية المغامِرة في دفء الفناء .. بالصفاء الطفولي الغافل والمشرق لنهاراتها الوردية القاتلة .. أرأيت ما الذي تفعله الثمانينيات باللغة؟.
أخبرني أنها مجرد صدفة يا مجدي! .. أخرج من مركز طباعة بشارع المختلط ثم أستوقف تاكسيًا للتوجه إلى المؤسسة التي أعقد فيها ورشتي القصصية بشارع الجلاء .. سائق التاكسي بين نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، بشعر أبيض خفيف ولحية بيضاء كثيفة وملامح فيها شيء من الغلظة .. يبدأ حديثًا مملًا معتادًا لا أتذكره عن موقف تعرّض له منذ وقت قصير مع أحد الزبائن يكشف عن مدى “التدهور الأخلاقي” لشباب هذا الزمان .. أجيبه بكلمات التعاطف الروتينية المتحفظة محاولًا إغلاق الطريق الذي قام بفتحه .. لكنه يستمر في الكلام ليشرع ـ كما يحدث دائمًا ـ في تمرير شعوره الدائم بالاختناق والضجر من الهموم المتزايدة .. التي لا يحصل على هدنة بسيطة منها إلا عند زيارة أمه في “ميت حدر” .. هنا بدأت بالطبع في مساعدته على تمهيد طريق الحديث بيننا فأخبرته بأنني أيضًا من “ميت حدر” .. سألني بلهفة منهكة عن مكان بيت أسرتي وحينما أجبته طلب مني أن أخلع نظارتي الشمسية .. فعلت ما طلبه ليتملّى في ملامحي ثم رأيت رجفة خاطفة تسري بين تجاعيد وجهه وهو يسألني: إنت أخو مجدي؟ .. قلت بيني وبين نفسي بابتهاج غير مصدّق: “يا للشيطان” .. نعم أنا أخو مجدي .. أبعد بصره عن ملامحي وظل محدقًا في مسار عربته وسط الزحام بينما دموع صغيرة هشة تتقافز سريعًا من عينيه .. تفحصت ملامحه مجددًا بأقصى ما لدي من تركيز محاولًا رسم صورة ذهنية لهذا الوجه قبل أربعين سنة .. تسمرت نظرته نحو الأمام وهو يتمتم مرددًا بلوعة خافتة “يا حبيبي .. يا حبيبي” .. لم يكن لتلك الملامح أثر لا في صورك القديمة ولا في ذاكرتي .. طيبت خاطره بعبارات المواساة المألوفة وأنا أتجهز للتعامل معه كغنيمة .. كصيد وقع في شباكي بمحض إرادته .. أخبرني وهو يجفف دموعه بأنني أشبهك جدًا، وأنه كان صديقًا مقربًا لك فضلًا عن كونه جارًا كان يسكن نفس المنطقة .. تبادلنا رقمي هاتفينا وسيارة الأجرة على وشك الوصول إلى مقصدها .. وكأن سخاء لحظة لقائنا أراد أن يكتمل في نهايتها؛ إذ لم يكتف بحصول كل منا على رقم الآخر بل وأصر على تحديد موعد لمقابلة بيننا .. وفّر صديقك عليّ بهذا الكرم أن أنتظر اتصالًا حتميًا كنت سأتعمّد ترك مسافة زمنية معقولة بين هذا اليوم وبين إجرائه .. اخترت مكانًا منعزلًا مناسبًا يمكنني فيه انتزاع ذاكرته معك دون تطفل من أحد .. غدًا، الجمعة، الساعة السادسة مساءً، بمقهى “العبور” في السكة القديمة.
أخبرني أنها مجرد صدفة يا مجدي! .. قبل الموعد بربع ساعة كنت جالسًا في المقهى ومعي مجموعة من الصور الانتقائية التي تضم أكبر عدد من وجوه أصدقائك .. لم أكن في حاجة لمراجعة المخطط الذي سأسعى لإدارة الحوار بيننا من خلاله .. أعرف كيف أتحدث كأن ما يدور كلامنا حوله أمر عادي، ليس هامًا بقدر السعادة والشرف اللذين حصلت عليهما بالتعرّف على شخص مثله .. أعرف كيف أتكلم عن الماضي كموضوع عام من الأفكار والمشاعر المسالمة، دون الإصرار على اقتحام تفاصيل محددة، وأن أتركه يبوح بما يود هو أن يكشف عنه بلا مقاطعة أو لامبالاة أو تذمر .. أعرف كيف أتدخل في اللحظات المناسبة بسؤال، معلومة، إشارة كأنما أشارك بألفة بديهية في استعادة الذكريات، ولكن على النحو الذي يكون تحريضًا للآخر على “الاعتراف” ولو بشكل ضمني بما أريد أن أسمعه .. أعرف كيف أعرض الصور أمام عينيه، كأنها فقط عناصر وأدوات ضرورية لجلسة الحنين، ولكن بالطريقة التي تجعلها في باطنها مواجهة منتشية مع ما قد يجبرك أن تتعرى أمامه كفرصة أخيرة للنجاة من لعنته.
جلس صديقك أمامي يا مجدي .. شاهد الصور وبدا كأن ملامحه في عينيّ قد ازدادت غلظة .. لا كتحوّل عدائي في حد ذاته وإنما كإمعان في المواراة التي لا تستطيع أن تخدشها أي براعة كلامية لإجباره على الفضفضة .. كأن ملامحه ـ بكل ما تختزنه من كوابيس مجهولة ـ كان يجب مع تطلعه إلى الصور التي لا يظهر فيها وجهه أن تصبح غطاءً سميكًا، يخفي بمرارة متكلسة ركام المرايا التي تعكس المشاهد الأصلية لتلك الليالي البعيدة، الميتة بين الأطر .. كنت أتوسل في صمت لعينيه وهما تتأملان الوجوه وتبكيان من خلف نظرة منطفئة، جامدة، مذبوحة بالخذلان .. فعلت كل ما أعرفه لكي أستخرج الأحشاء التي تخصني من “الحسرة على الأيام الجميلة” .. “مجدي الشهم والطيب وأعز الأصدقاء” .. “كنا في الصيف نسافر أحيانًا جمصة أو رأس البر” .. “والداك كانا يحبانني ويعتبرانني أفضل أصدقاء مجدي” .. “قضينا الأيام كلها في المرح البريء الذي لم تعكره الهفوات البسيطة للبعض” .. دون جدوى يا أخي .. كأنني أنا الذي جئت للاعتراف أمامه بابتسامتي التي يتصاعد مزيج ارتباكها وخيبة أملها لحظة بعد أخرى .. كان يبدو بإصراره البارد على الاكتفاء بأن الماضي أفضل من الحاضر وحسب، وأنه كان نقيًا من المساوئ اللاأخلاقية عدا استثناءات غير مؤثرة لأصدقاء ليس من بينهم أنت ولا هو ولا أي أحد ممن يظهرون في الصور، وأن حياته الشخصية البائسة المضجرة تستحق أن يحكي قصتها بدلًا من أي سيرة أخرى؛ كان يبدو كأنما يتحدث عن ذكرياتي أنا يا مجدي .. كنت أمد له أطراف الخيوط فيعيدها إليّ مشانق بالغة الخشونة والمتانة .. ألهذا لم يظهر في صورك؟ .. هل ينبغي أن أصدّق أنه حقًا لا يعلم؟ .. كنت أرفض الإقرار بذلك، وكان يبدو أنه لن يتكلم صراحة حتى لو استمرت هذه الجلسة في المقهى ألف عام .. لن يمد ذراعيه لالتقاطي وهو يراني أسقط من السماء المعتمة لذكرياتك .. لكنني لم أخرج من هذا اللقاء دون انتصار .. أشار صديقك إلى “علاء” داخل إحدى الصور .. كان أثناء سرده لما أعرفه أصلًا، وبينما كان يُخبرني بأسماء بعض الشخصيات التي لم يكن لي علم بها في بعض الصور؛ وضع إصبعه بجانب وجه أحد أصدقائك وقال أن اسمه “علاء”، بل وأخبرني أيضًا بالمكان الذي لا يزال يعمل به حتى الآن .. كانت الصورة في مطعم “مارشال المحطة” حيث كنت تجلس أنت و”علاء” وصديق آخر وتشربون البيرة وتدخنون المارلبورو .. هذا هو “علاء” إذن .. لهذا لم تكن الابتسامة التي ودعت صديقك بها عند عتبة المقهى يائسة تمامًا.
لم يحتاج “علاء” أكثر من ثوان قليلة ليعرف أنني أخوك .. رآني أسأل عنه أحد الموظفين بالشركة التي يعمل بها عند بوابتها المطلة على شارع البحر .. تقدّم نحوي بأعوامه التي تقترب من الستين، ثم تمعّن في ملامحي بقوة، وبالرغم من أن النظارة الشمسية كانت لا تزال فوق وجهي إلا أنه قال نفس العبارة لكن هذه المرة كيقين لا كسؤال: “إنت أخو مجدي” ثم احتضنني .. سألته إذا كان وقته يسمح للجلوس بعض الوقت في مقهى “سوليتير” المجاور للشركة .. بعد لحظات كنا نجتاز باب المقهى في ظهيرة أصبحت بشكل متوقع أكثر بُعدًا بكثير من اليوم الثمانيني الذي التقطت فيه صورتكما داخل “مارشال المحطة” .. ومثلما فعلت مع صديقك الذي قابلته في مقهى “العبور”؛ رحت أتلصص على ملامحه كأنني أريد أن أعرف كيف كانت ستصير ملامحك لو امتدت بك الحياة إلى هذا العمر .. كأن ملامحك ليست إلا خليطًا من ملامح أصدقائك، أي أنها اعتمدت في تكوينها على ما فعلته وجوههم بوجهك الأصلي .. ليست وجوههم وحدها قطعًا ولكن ما أصبح يشكل صورتك أثبت ثماثلًا بين الوجوه كافة: أصدقائك .. عائلتك .. جيرانك .. حتى الغرباء الذين لا تعرف أسمائهم .. حتى الغرباء الذين لم ترهم قط .. وإذا كان من السهل استنتاج أنني شقيقك بمجرد النظر فذلك ليس راجعًا إلى تشابه الملامح بيننا وإنما إلى تشابه الملامح التي اجتاحتها.
تكرر السيناريو ذاته يا مجدي: نفس الطريقة في التطلع إلى الصور (حتى تلك التي يظهر فيها منذ أربعين سنة) .. نفس غلظة الملامح .. نفس المرارة المتحجرة في العينين التي تخفي أسرار الماضي باستماتة .. نفس الكلام الرومانسي اللعين المتكرر .. نفس الحكي لمواقف وأحداث يمكن أن يسردها كل الجالسين حولنا على الطاولات، وكل العابرين داخل ميدان الهابي لاند في تلك اللحظة، وكل سكان المنصورة الأحياء والأموات .. الشيء الوحيد المختلف أن “علاء” كان تعمّده للاختباء أكثر وضوحًا .. كانت رغبته في عدم البوح مفضوحة بصورة تفوق تلك التي أظهرها صديقك سائق التاكسي في مقهى “العبور” .. كان ذلك التحفظ متسمًا بمسحة خبث مكشوفة .. أثر معلن من الدهاء القديم الذي لا يمر في الكلمات وإنما في النبرة المائعة، في النظرة المتأرجحة، في الابتسامة الخفيفة التي تحتجز طوفانًا من الضحكات عند التحدث بجدية وحياد.
لكن ـ مرة أخرى ـ في مقابل أنني استمعت إلى ما أعرفه بالفعل؛ حصلت على أسماء ومعلومات جديدة، قليلة جدًا، وباهتة للغاية، لكن من يعرف؛ ربما تصلح مستقبلًا كقرابين في رحلتي إليك .. مستقبلًا! .. نعم، هي مجرد صدفة يا مجدي .. أن أستقل تاكسيًا يقوده أحد أصدقائك الذين أنقّب في كل مكان عنهم بعد خمسة وعشرين عامًا من موتك .. أن يرشدني هذا الصديق إلى مكان “علاء” فأعثر عليه وأتكلم معه عنك وعن الثمانينيات وبقية الرفاق: من لا يزال حيًا، ومن أصبح ميتًا، ومن هاجر، ومن اختفى، ومن تبدلت حياته من حال إلى حال .. هي مجرد صدفة لأنه ليس هناك فرق بين أن يحدث هذا أو لا يحدث .. لأن الماضي جعلهم نسخًا قد تختلف في كل شيء ولكنها تتفق على حرماني منك .. على منعي من الوصول إليك .. كنت أحّدق في عيونهما عسى أن أرى الذكريات تعيد نفسها كما جرت تمامًا .. أن أكتشف في هذه العيون كل الكلمات والأفعال والأصوات والروائح والإيماءات التي دُفنت داخل الصور .. لكن اليأس كان كاملًا منذ البداية يا مجدي .. فقط يدمغ نفسه .. لا يتوقف اليأس عن دمغ نفسه بواسطة ما كان يتحتم عليّ تصوّره بأنه ليس مجرد صدف.
جزء من رواية “نصفي حجر” ـ قيد الكتابة.
السبت، 16 أبريل 2022
الشر عاريًا
نتيجة
“هذه النافذة وحيدة.
هذه النجمة وحيدة.
كسيجارة منسية على المنضدة …
تدخن، تدخن في الزرقة، وحيدة.
وأنا وحيد، قال.
أشعل سيجارتي، أدخن.
أدخن وأفكر. لست وحيدًا”.
ما ذلك الشيء (الوحيد) الذي يقدر على ترك النجمة وحيدة (كسيجارة منسية على المنضدة)؟ .. النجمة في حالة هجران، مُنكَل بها، لذا فهي تحمل بالضرورة البصمة الغامضة لهاجرها، تنبئ بالوجود المبهم لما يُنكِل بها .. بالضرورة أيضًا فذلك الذي كان بوسعه أن يتركها وحيدة ليس وحيدًا بالشكل ذاته .. إنه الوحدة نفسها .. مطلق (الوحدة) .. الوحدة الكلية محصنة من شرها دونما انتهاك لشموليتها الملغزة.
أن تشعل سيجارة في هذه اللحظة فكأنك تنقذ النجمة من وحدتها .. تنقذ نفسك من النسيان .. تصبح الهاجر والمهجور .. المُنكِل والمُنكَل به .. النجمة كينونتك .. المنضدة سماء .. أنت المُخلِّص.
لكن أي خلاص؟ .. ليس النجاة حتمًا، بل التجسيد المتحدي لما لا يمتلك شجاعة تجسيد نفسه .. تمثيل للشر عاريًا من الأوهام .. تنكيل مضاد انطلاقًا من النتيجة نحو السبب.
من أجل هذا التجرد يستخدم يانيس ريتسوس لغة تدمج بين الوضوح والدقة .. بين إعادة التعيين واكتشاف البداهة .. إشارات مباشرة، محددة، كأنها استذكار مدرسي يدعمه التكرار لطفل يتعلم الأسماء والصفات، يتعرّف على الأشياء ويلامس الأنساق الأولية لحضورها .. كأنه تثبيت لتفاصيل العالم في بدائيتها بما يعادل خلقها ثانية من العدم .. النقاء اللغوي الذي يتظاهر بالبراءة والحياد حيث السيجارة المشتعلة دليل ريتسوس على أن مشهد (الوحدة) – كما تم تجهيزه مسبقًا – لن ينطلي على بصيرته.
الخميس، 14 أبريل 2022
مُنزّهًا عن السماء
“الذي يستحق
وبعد أن عادت العجوز إلى بيتها، جلست صامتة .. بعد أن تلفتت كثيرًا حولها بدأت تضحك .. بالطبع؛ فهي لا تعرف لماذا فعلت ذلك .. لماذا خرجت مسرعة من البيت، في هذه الساعة المتأخرة من الليل، لتذهب إلى الصيدلية المجاورة، وتطلب من الطبيب أن يقيس لها ضغط الدم .. لا تدري لماذا ظلت عيناها تتحركان في قلق بين درجات المؤشر وعيني الطبيب .. بالفعل، هي لا تدرى لماذا فعلت ذلك .. لهذا تضحك .. لكنها ستصمت حينما تنتبه إلى أن الرجل والمرأة، اللذين يسكنان في البيت المقابل لا يزالان مستيقظين، ويتبادلان الحديث .. العجوز ستقرر الآن، الوقوف قليلًا في شرفتها”.
منذ عشرين سنة تقريبًا وبالتحديد بعد منتصف الليل بقليل لأحد الأيام المتشابهة؛ لم أعبر من الشارع إلى داخل الصيدلية وإنما خرجت منك .. كنت تحلم بما ستصبح عليه الآن مجسدًا في امرأة عجوز .. لكنني – رغم كل شيء – كنت نبوءة مروضة للعتمة التي ستنتهي إليها حياتك .. لم يعد لديك بعد كل تلك السنوات ما يستحق حتى أن تقف في الشرفة من أجله أو الإنصات للأحاديث الهامسة للجيران حين يقفون في شرفاتهم، كما أن الذهاب إلى الصيدلية لقياس ضغط الدم – وهو السبب الوحيد الذي قد يدفعك للخروج من البيت والتحدث مع أحد – لا تمتلك الجرأة للقيام به .. كأنك لو فعلت ذلك ستخون شجاعتك الساخرة من الغيب التي ربيتها طوال عمرك وجعلتك إلهًا مُنزّهًا عن السماء.












