الجمعة، 22 مايو 2020

مراوغة الإدراك في فلسفة شوبنهاور

يتأمل شكسبير شر الدنيا والخوف من الموت على لسان "هاملت" .. يتحرك من العذاب الشخصي لهاملت إلى جعله يفكر في هذا العذاب .. من كيفية مواجهته إلى تعيينه كسؤال للكينونة .. السؤال الذي يتضمن تجاوزًا لعلة يشملها ذلك الألم: الذين يجابهون آثام الحياة بحنكة، ويتغلبون على أوجاعهم  بمهارة، ولا يدفعون أي ثمن .. يتجاوز سؤال الكينونة هذا المرض الشاغل .. شكسبير يدفع هاملت للمراوحة بين العجز وتشريحه .. بين الرغبة الضمنية في حيازة الذكاء اللازم لمقاومة الواقع وغموض ما بعد الموت من جهة، والتفحص الضمني للضعف، والقدرة الماكرة من جهة أخرى .. بين الاحتياج إلى "الإدراك"، وبين تضليله من أجل التحديق في الأثمان التي يدفعها الجميع .. إنه التضاد الذي قامت عليه فلسفة شوبنهاور بين الإرادة والتأمل، وما تأسست عليه نظرته الأفلاطونية الكانطية إلى الفن بوصفه إعادة إنتاج للصور الخالدة، وتوسلًا إلى الكلي بالجزئي، وكغرضية بلا غرض،  مع الانتباه إلى الفرق بين المُثل الأفلاطونية والشيء في ذاته عند كانط .. سؤال الكينونة هو انتهاك لها .. يجابه هاملت ما يُحتمل أن يكون قانونه الخاص للتأمل في شر الدنيا والخوف من الموت .. هكذا يكون التفكير في العذاب هو تمزيق للعذاب نفسه.
كانت لغة شوبنهاور تتسم بالوضوح والنقاء والدقة، وتجنّب التعقيد والغموض، وكان يرى أن الأسلوب هو "تقاطيع الذهن وملامحه، وهو منفذ إلى الشخصية الأكثر صدقًا ودلالة من ملامح الوجه"، ممتدحًا الصراحة والمباشرة وبساطة التعبير وعدم إخفاء "السذاجة"، مستهجنًا في المقابل إفساد الفهم الذي تمارسه فنون البلاغة .. كان يعتبر أن "قانون السذاجة" ينطبق على جميع أشكال الكتابة والفن، لذا فهو جوهر التأمل.
يجسّد أسلوب شكسبير سؤال الكينونة بواسطة الوضوح اللغوي التام الذي يؤكد غياب "فطنة الإرادة" عند هاملت .. عدم المواراة أو الإضمار البلاغي، والأقرب إلى البوح الطفولي لتثبيت الانتفاء المحكم للبراعة الخبيثة من سماته الخاصة .. أسلوب يمثّل مراوغة النضوج كرجاء متعذّر حينما تتم مراقبة النضوج نفسه كإرادة متسلّطة ومهلكة سواء في حضوره أو في احتجابه.
يعتمد هذا الأسلوب على دفع مراوغة الإدراك لتأمل خطواتها .. كأن الوضوح اللغوي هو بمثابة إيمان أوّلي بالتعهدات الميتافيزيقية للإرادة، أي تصديق مؤقت لوعودها الكونية، الأمر الذي يٌظهر هاملت على وشك بلوغ توافق دائم ومرتقب مع ما تضمره كسلطة .. حينئذ يبرز الصراع ناصعًا مع تلك الإرادة بتوظيف شكسبير لـ "عدم المواراة" في تخريب الإيمان الميتافيزيقي .. يصبح غياب الإضمار تجسيدًا لخيبة أمل هاملت، كما يصبح البوح الطفولي استغاثة ممتدة .. يرسل شكسبير تلويحات شاقة ليس عن الحرمان من البراعة الخبيثة، وإنما عن الحرمان المتجذّر من الاستقرار داخل الكلمات .. الكلمات كمسوخ لامعة .. من الممكن تصوّر أن النضوج ومراوغته في بصيرة هاملت هما تطوّح بين التعذّر اللغوي "الذي يكشفه الصياغة الواضحة"، ومراقبة هذا التعذّر "التي يكشفها الوجه المطابق للصياغة ذاتها" .. كأن شكسبير يكشف عن أن اللغة هي سر الحصانة المتمنّعة، ولهذا لن يكون تأمل الإرادة انتزاعًا للحماية بل أشبه باحتفاء جدلي متغيّر بالخسران .. أشبه بالرقص الممتن مع الإخفاق المتراكم والمتنقل، المحسوم أزليًا، أي من قبل أدنى جاهزية للاعتقاد الفردي بأنه من الوارد حيازة شيء ما داخل اللغة .. نحن لم نفقد لأننا لم نمتلك من الأصل .. لن يكون تأمل الإرادة إيقافًا لزمن، أو قبضًا على معرفة سواء كانت "صورًا خالدة" أو "حقائقً كلية".
موقع "الكتابة" ـ 21 مايو 2020
من كتاب "مراوغة الإدراك في فلسفة شوبنهاور ـ مقاربات نقدية لشكسبير .. تولستوي .. فاغنر" ... يُنشر قريبًا.

الاثنين، 18 مايو 2020

قطع غيار مستعملة

في منتصف المسافة بين مكان أجهله، وبيت أعيش فيه مع زوجتي وطفلتي؛ قررت أمي أن نتوقف حتى تعطيني كل ما كانت تحمله، بالرغم من أن ما بين يديّ كان ثقيلًا بما فيه الكفاية .. كان صديق طفولتي الذي حاولت قتله مرارًا يرافقنا دون أن يتكلم أو يحمل أي شيء، فقط يبتسم طوال الوقت بسماجة هادئة، كأنه يتابع في ثقة لامبالية مشهدًا رآه كثيرًا من قبل .. أخبرت أمي بأنني لن أقدر، لكنها أصرت أن تضيف لحمولتي جميع الأشياء التي كانت معها، وأن تسبقني بصحبة صديقي ملتذة بخفتها .. راقبتهما وهما يبتعدان في الطريق المؤدي إلى منزلي، بينما أحاول التحرّك ورائهما بتلك الأثقال الأشبه بقطع غيار مستعملة لماكينات قديمة لا أعرف ماهيتها.
استغرق وصولي أيامًا طويلة، تفتت خلالها جسدي، وتمزقت ملابسي، وتراكمت الأوساخ داخل جروحي العارية .. ظل العابرون وأهل الشوارع يتفحصونني بذهول ساخر وأنا أجر قدميّ الحافيتين، في حين بقي كل ما كنت أحمله محتفظًا بسلامته من الخدش أو النقصان .. تصاعدت ارتجافاتي أثناء اجتياز السلالم درجة بعد أخرى حتى بلغت باب الشقة بأنفاس شبه معدومة، وعينين ضبابيتين، ووعي متخاذل، على وشك الفقدان .. وجدت أمي جالسة مع زوجتي في سكينة ونقاء كما يليق بشخص تخلّص من أثقاله، واستقر منذ وقت بعيد في مكان آمن .. ألقيت بحمولتي على الأرض، ورحت أصرخ في وجه أمي، وأشتمها بأبويها، ساردًا لزوجتي ما فعلته بي .. ظلت أمي جالسة بفم مطبق، وملامح شاردة، ونظرة أقرب لنصف إغماضة يتجمد الاستسلام داخلها .. حاولت زوجتي تهدئتي لكنها لم تنجح .. فجأة انتبهت إلى أن الأرض قد أصبحت خالية من الأشياء المبهمة التي ألقيتها منذ لحظات، وحينما التفت مجددًا لأمي وجدت إغماضتها قد اكتملت، ورأسها مُلقى فوق مسند الكرسي، وصدرها هامدًا تمامًا .. نظرت إلى زوجتي، وسألتها في هلع عن طفلتي فقالت بصوت مرتعش أن صديق طفولتي قد اصطحبها للتنزه.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 17 مايو 2020

الأربعاء، 13 مايو 2020

كورونا في مكان آخر

لن تدرك الزمن الذي أهدرته حقًا إلا حينما يصبح الموت أقرب من خطوة واحدة صغيرة، وليس مجرد احتمال ضروري، متناثر في الأشياء كافة .. يأس الماضي حينئذ سيكون في جوهره رجاءً شاحبًا، ذلك لأن هذه اللحظة هي موعدك مع اليأس الفعلي، في كامل نقائه .. محاولاتك المرجأة لاستدراك ما لا يمكن تصحيحه، وتعويض ما لا يمكن استعادته؛ كلها ستنتفض فجأة لتبدأ في قضم روحك بشكل متزامن، كمن ظل يربي أشباحًا في جسده أطول مما يجب دون أن يطلقها.
لم أخرج من بيتي منذ الإعلان عن اكتشاف الحالة الأولى المصابة بفيروس كورونا .. أعني بذلك أنني توقفت عن الزيارة الأسبوعية لشقيقتي الكبرى المقيمة وحدها في منزل العائلة، والتي كان يعقبها عادة المرور على بائع الجرائد، ومكتبة هيئة الكتاب ثم عدم الاستجابة لرغبة بائسة ومعتادة في تناول فنجان قهوة بأحد المقاهي التي أمر عليها في طريق عودتتي إلى البيت .. كنت حينئذ أعمل على كتاب جديد عن "شوبنهاور"، بجانب متوالية قصصية، ومراجعة مخطوط دراستي عن الأصل الواقعي لرواية "القضية الغريبة لدكتور جيكل ومستر هايد" .. بعد أيام قليلة، ومع تزايد عدد الإصابات، واستمرار خروج زوجتي من المنزل ـ مصطحبة طفلتي بالطبع ـ للاعتناء بأمها المريضة، وقضاء احتياجاتها؛ توقفت عن كل ما كنت أكتبه، بما في ذلك المقال الأسبوعي من "سيرة الاختباء"؛ إذ أصبح تحليل التاريخ الشخصي داخل ما يُسمّى بـ "الحياة الأدبية" طقسًا أكثر مسالمة مما يحتمل الخطر المتفاقم، حتى لو كان منطويًا بصورة أساسية على تصفية الحسابات القديمة .. قررت التفرّغ لاستكمال "وصية كلنكسر" في أسرع وقت ممكن، والبدء أيضًا في ورشتي القصصية الجديدة .. هذا فقط ما كان بوسعي القيام به على نحو عاجل من ضمن تدابير عدة كنت أتمنى أن تنتهي حياتي داخل أحلامها السرية.
لم يكن بمقدوري منع زوجتي من الذهاب لأمها، كما لم أستطع أن أطلب منها الإقامة برفقتها، لأن ذلك كان سيُبعد طفلتي عني .. كان وجها زوجتي وطفلتي قد تحوّلا، كما يشيع في الكوميكس المعاصر، إلى مجسّمين للفيروس وهما يعبران يومًا بعد آخر باب الشقة أمام عينيّ، بينما أجلس في مواجهة شاشة اللابتوب، أكتب سطورًا متلاحقة من النوفيلا التي عليها أن تُغني بصورة حاسمة عن كل انتقام لم أنفّذه، أو أراجع مشروعًا قصصيًا لأحد طلاب الورشة التي أردتها ككل مرة، وعبر القصص المستقبلية لأعضائها، أن تكون بعد اختفائي عودًا أبديًا لذاكرتي .. الذاكرة التي يمكن تلخيصها الآن في شهوانية ذابحة أعيد بها مشاهدة التسجيل المصوّر لممرضة في مستشفى العزل بالمدينة التي أسكنها، وهى تشرح كيف ترتدي زي الوقاية المعقّم قطعة بعد أخرى.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 8 مايو 2020

الثلاثاء، 5 مايو 2020

مجرد وقت

كان يمكن لهذا الوقت أن يكون مساءً بالفعل لو لم يكن سوى أثر متغيّر لأحلام الذاكرة .. كان يمكن لهذا الصمت أن يكون وحدة حقًا لو أنك انتهيت من قطع الخيوط النارية المربوطة في أصابع الدُمى التي تُحرّك موتك .. لكنه مجرد وقت، حيث يمعن الزمن في الانتهاء من قبل أن يبدأ .. مجرد صمت، حيث تتلاشى قدرة روحك على نبش القبر الذي لم تغادره الحياة مطلقًا.
ليس لقلبي دقات، بل ريح ممسوسة بشبق مناقض؛ فهي لا تزيح الحوائط، وإنما بوحشيتها الأكثر نعومة تشيّدها في كل فراغ يمضغ ظلامه البصر .. كأن الحوائط إيماءات الفناء المتراكمة في القلب .. لذا يخبّئ "الخوف" ميوعته المنتشية من أجنحة الغيب السوداء الكثيفة التي تحوم في عماء اللغة.
هل الأفكار هي ما يشكّل جثتي، أم الغياب المستقر في أغوارها؟ .. ما أريد كتابته، أم ما أريد الاستسلام له؟ .. البقاء مستيقظًا، أم قضاء اللحظات الأخيرة في نوم متنقل ببن أطياف الماضي؟.
ثلاث وأربعون .. لا يعرف شيئًا عن هذا الرقم الذي يشير لسنوات عمره أكثر من شعور جذري، متزايد الثقل والحدة بتجويف صغير لندبة منفصلة عن ملامح غامضة، وملقاة في قاع معتم، فائضة بقذارة لا تنجم إلا عن وجود مجهول لم يتحقق .. ندبة كانت ترجو لو تمكنت من الحركة في القاع، كما لو أنها في عمق نهر مثلًا، لكنها فقط صورة متكررة وراء الزجاج نفسه. 
ثمة ثقوب في كل كلمة أكتبها .. ثقوب لانهائية يمر منها ما لا يمكنني كتابته نحو الكلمة التالية .. نحو القصة التالية .. نحو خطوة أخرى في الخرائب الضبابية بعيدًا عن رأسي المقطوع.
موقع "الكتابة" ـ 2 مايو 2020
اللوحة: Jeune homme au chapeau melon by André Derain

الأحد، 26 أبريل 2020

بندقية تشيخوف

ما الذي جعلك كشخص توقف منذ فترة طويلة عن الخروج من بيته تحتفظ على هاتفك المحمول، الفارغ من شريحة الاتصال، بمقطع فيديو لرجل يمسك ببندقية، ويطلق النار على السائرين في نفس المدينة التي تعيش فيها؟ .. مقطع لا يتجاوز ثواني قليلة، تم تصويره بكاميرا هاتف محمول، تمسك به يد مرتعشة من نافذة بعيدة إلى حد ما، تقع وراء ظهر الرجل المتحرك للأمام بخطوات متمهلة، يتخللها توقفات قصيرة بحسب لحظات التبادل بين تجهيز البندقية وإطلاق النار .. لم يظهر خلال تلك الثواني وجه الرجل، كما لم تلتقط الكاميرا إصابة أحد من المارة الذين ترك فرارهم السريع خلاءًا ثابتًا حول حركته، قبل أن تسقطه رصاصة أطلقها فيما يبدو فرد من الشرطة على إحدى قدميه، الأمر الذي أتاح للسائرين الاندفاع فورًا تجاهه ثم الانقضاض على جسده المُلقى في منتصف الشارع بجوار بندقيته .. لماذا لم تهتم بالحصول على معلومات تفسيرية لهذا المقطع المنشور على شبكة الإنترنت تتجاوز تعريفك الخاص: رجل يطلق النار على المارة في أحد شوارع المدينة التي يسكنها شخص توقف منذ فترة طويلة عن الخروج من بيته؟ .. لا تعيد مشاهدة هذا المقطع كل يوم، وإنما فقط بعدما تستيقظ من أحد الأحلام المتباعدة التي تعيش خلالها لحظات تعذيبية من الماضي، ليس كما تتذكره، وإنما كما حدث في أصالته السحرية المخبوءة .. لماذا تشاهد هذا المقطع حينئذ، كأنما تتفحص ظلًا مستقرًا داخل صور ألبوم قديم، حيث وجوه توزعت ابتساماتها الغافلة في أماكن عدة من ذكريات المدينة؟ .. الذكريات التي حينما لم تستطع أن تخلق بدايتها الغامضة على نحو ٱخر، أو على الأقل أن تضمن لها البقاء كما كانت؛ قررت أن تقضي ما تبقى من حياتك في نسج دعابات هازئة حول غيابها .. لماذا ترتسم دائمًا تلك الابتسامة الممتنة في روحك كلما شاهدت هذا المقطع؟ .. أنت تعرف الإجابة جيدًا، مثلما تعرف أن بندقيتك في بقائها معلقة فوق الحائط لن تدفع أحدًا لمحاولة تعطيلها.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 22 إبريل 2020

الاثنين، 20 أبريل 2020

العضو المقطوع

لم تمر أيام قليلة على وصولي إلى هذه القرية الصغيرة التي يكاد البحر أن يخبئها حتى بدأ شبح المرأة الغامضة في مطاردتي .. ظلال متناثرة، بالغة الشحوب، رسمتها كلمات الأهالي في الطرقات والمقاهي والمطاعم لتلك العجوز المجهولة، التي قدمت منذ شهور إلى قريتهم، كي تسكن وحدها في بيت قديم من طابقين، يكاد يكون معزولًا .. بحسب الإشارات القاصرة، والحذرة دون سبب مؤكد؛ عرفت أن هذه المرأة لم تتحدث مع أحد من أبناء القرية طوال تلك الشهور إلا في المرات المتباعدة التي تقصد خلالها المتاجر لشراء احتياجاتها الأساسية، وبحرص على ألا تترك مساحة كلامية مهما كانت ضآلتها لما يتجاوز ذلك الغرض .. مع هذا لم يكن في سلوكها ما يثير النفور أو الارتياب، بل كانت تتسم في ظهورها النادر بما يتلائم عادة مع امرأة في عمرها، ومع الاقتضاب المعهود لحديثها مع البائعين؛ كان يستقر في صوتها نبرة لطفٍ رصينة، تغري أيضًا بتفسيرها كاعتياد متزن على منح الاحترام لمن تخاطبه .. لكن ما كان عدائيًا حقًا، بل ومخيفًا عند البعض هو عدم إدراك التاريخ الذي قاد خطوات تلك العجوز إليهم: عائلتها .. المكان الذي عاشت فيه من قبل، ولماذا غادرته .. الدافع لاختيار قريتهم تحديدًا كي تأتي إليها .. كان العجز الشامل أمام وجودها الملتبس أشبه بظلام يزداد هيمنة وحلكة داخل أرواحهم مع تعاقب الأيام، الأمر الذي خلق احتياجًا عفويًا للصمت .. لإجبار النفس على عدم استدعاء معلن لسيرة تلك المرأة، ولو بأقل الكلمات وأبسطها .. كأن ذلك فقط ما أتيح لهم من المحاولات الجماعية الممكنة لقبول وجودها في قريتهم دون استفزاز الهواجس .. لكن الصمت إذا ما تم خدشه على نحو مفاجئ ـ وهو ما كان يحدث بالطبع ـ فإنه حينئذ ينفجر بالتخيلات المختزنة التي لم يخمد مطلقًا نشاطها المكتوم: زوجة رجل سياسي، يشغل منصبًا مرموقًا في مدينة بعيدة، جاءت إلى هنا هربًا من ملاحقة أذرعه الباطشة .. متهمة بجريمة قتل، لجأت إلى الاختباء داخل بقعة منزوية كهذه، لن تخطر في ذهن أحد من مطارديها .. ساحرة شيطانية، متمرّسة في الأعمال السفلية، قررت الاحتماء داخل هذه القرية من المنذورين للانتقام من لعنة سوداء غرستها في بلد آخر .. التخيلات التي تكافح للحصول على حقيقة عجزت عن الوصول إليها مفردات الواقع، وكان في توالدها نوع من التعويض لبطولة مرجأة.
ضرورة ملغزة، تتخطى الفضول المنطقي، تلك التي ذهبت بي إلى بيت العجوز .. كنت أشعر بأن العلة الخفية وراء حضورها إلى القرية هي نفسها التي جذبتني إلى حيث تسكن في تلك المنطقة النائية، غير البعيدة عن الشاطئ .. اكتشفت أن للبيت حديقة صغيرة، يحاوطها سور غير مرتفع، وبينما كنت أبطئ من خطواتي أثناء المرور أمام بابها المفتوح؛ وجدت المرأة جالسة تحت أغصان شجرة كثيفة، وأمامها طاولة خشبية، وكرسي آخر يماثل ذلك الذي تجلس عليه، كما كان بين يديها فنجان شاي من النمط الكلاسيكي .. ليست الابتسامة المباغتة التي أضاءت وجهها الخمري هي التي أوقفت خطواتي .. شيء لا أفهمه، مناقضًا لإرادتي المسبقة هو من فعل ذلك .. ابتسامة العجوز بدت كرد فعل مجهّز لوقوفي أمام باب حديقتها...
ـ تفضّل...
صوتها أيضًا كان يمرر إيحاءًا غريبًا بأنها كانت تتوقع وصولي إليها .. كان صوتًا خفيضًا، لكنه غير مهتز، بل بدا كأن خفوته الناعم مكللًا بذكرى ما كان يتصف به من خليط أخّاذ بين الصلابة الدافئة والرقة المتيقظة .. وجدت نفسي جالسًا أمامها، أتأمل ملامحها مقارنًا بين الوداعة المرحّبة التي تكسو تجاعيدها غير المترهلة كليًا، وما نسجته كلمات الأهالي وتخيلاتهم عن غموضها .. كانت تغطي شعرها بإيشارب أحمر، مطرّزًا بزهور صفراء ضئيلة، يلتف حول رأسها دون أن يتدلى طرف له، سامحًا للقليل من الشعيرات البيضاء أن تتجاوز حافته أعلى أذنيها الصغيرتين الخاليتين من الأقراط .. لم أتمكن من الاعتماد على غضونها المتورّدة في تحديد عمرها ولو بشكل تقريبي، ومع ذلك ثمة حيوية شابة كانت تشع بكيفية مبهمة من عمق عينيها السوداوين، المخططتين بكحل خفيف، تحت حاجبين رفيعين للغاية، يكادا يكونان نقيين من الشيب، وكذلك من أغوار ملامحها، خاصة شفتيها الممتلئتين، القانيتين من دون طلاء .. كانت الطريقة التي يلتف بها الإيشارب حول شعرها قد أعطتني انطباعًا ما بأنه طويل، فضلًا عن نعومته التي أظهرتها الشعيرات القليلة ...
ـ أعرف جيدًا أنني أسبب قلقًا كبيرًا لسكان القرية منذ وصولي إليها، كل هذا لمجرد أنني أردت الحفاظ على عزلتي .. ألا ترى أن معي حق في ذلك؟
ـ بالطبع...
ـ لم أرغب في أن يعرف الآخرون عني شيئًا؛ فحياتي السابقة مهما كانت خالية من الأحداث الجديرة بالاهتمام، فإن هذا لن ينجح في إيقاف الغرباء عن التوغل إليها.
ـ لماذا قمت بدعوتي إذن للجلوس معكِ؟                                                     
ـ لأنني أعرفك .. أقصد أنه بالرغم من البقاء وحدي طوال الوقت في هذا البيت إلا أنني تأكدت  منذ قدومك إلى القرية أنك شخص يمكن الاعتماد عليه في تبديد الانزعاج العام من وجودي.
ـ هل تقصدين أن أنقل رسالة طمأنينة معينة إلى الناس بشأنك؟
ـ ولم لا؟ .. لكنها ليست رسالة بالمعنى المباشر .. يمكنك مثلا أن تحكي لكل من تعرفه أنك قابلتني وتحدثت معي في أمور عادية، وأنك وجدتني امرأة طبيعية للغاية، لا تريد سوى أن تقضي أيامها الأخيرة في هدوء، ودون تطفل من أحد.
ـ ليس عندي مانع .. لكن هذا يستدعي أن أعرفك أولًا .. أن أحصل على مبرر للثقة فيما قلتيه عن نفسك .. أريد أن أكون صادقًا عندما أخبر الناس بذلك.
ـ ماذا تريد أن تعرف؟
ـ لا شيء أكثر مما ترغبين الآن في أن تخبريني به.
ـ حسنًا .. لكن عليك أن تعدني بأن كل ما سأقوله لك سيبقى سرًا بيننا.
ـ بالتأكيد...
ـ منذ خمسة عشر عامًا كنت أعيش وحدي مثلما هو الحال الآن، ولكن في مدينة كبيرة، وكنت أعمل أستاذة للنقد الأدبي .. لم أتزوج، ولكنني كنت أحب روائيًا يصغرني بأكثر من عشرين سنة .. لم يكن بالنسبة لي الحياة نفسها فقط بل كان ذاكرتي وما قبلها أيضًا .. العالم الذي يسبق حضوري، والزمن الذي سيمتد بعد موت الجميع .. كان بالنسبة لي هو الغيب ذاته .. وبالرغم من أننا لم نتمكن من الزواج إلا أننا عشنا سنوات طويلة كزوجين أو كحبيبين لا يذاع لهما سر.       
ـ ولكن ...
ـ ولكن للأسف الشديد حدث ذات يوم ما تسبب في انهيار كل شيء .. أقامت الجامعة التي أعمل بها مؤتمرًا حول الرواية، وكان مخصصًا لي إدارة مائدة مستديرة عن الفانتازيا .. كان حبيبي الروائي من ضمن الكتّاب والنقاد المدعوين للنقاش، وبينما كنت أخاطب الجالسين حول المائدة فوجئت به يقاطعني بملاحظة أجبرتني على التوقف عن الكلام .. كانت ملاحظة عادية، خاطفة، لا تستهدف سوءًا تجاهي على الإطلاق، بالعكس؛ كانت تقصد المساهمة بإضافة صغيرة تدعم ما أقوله .. مع ذلك شعرت بألم مجهول، لم أعهده أبدًا من قبل، راح ينمو كلعنة غير مفهومة ملتهمًا نفسي لحظة بعد أخرى طوال ما تبقى من وقت المناقشة، وعلى مدار الثواني والدقائق والساعات والأيام التالية .. كان الأمر أشبه بطغيان غير مرئي لنار سوداء، ظلت تتمطى داخل جروحي الخفية .. ندوب قديمة كشف الاحتراق بصورة مفاجئة عن وجودها دون انقطاع، لكنه لم يفسرها، بل أظهرها فحسب، كأثر غير متوقع للهب ضئيل، لم يكن ليخدش جسدي في حياة أخرى .. رغمًا عني؛ أصبح تاريخنا حلمًا يُعاد عكسيًا بدءًا من لحظته الأخيرة بشكل مناقض لما كان عليه، وبالتالي لم يعد هناك ما يسمح باستمراره .. صدقني؛ حاولت بقدر ما أستطيع أن أتحرر من ذلك الألم الذي نتج عن تلك الواقعة الهيّنة، التي لا تضمر أدنى نوايا الشر، لكنني لم أنجح في ذلك، وبالفعل استطاعت هذه اللعنة أن تجبرني على الابتعاد بتدرّج متسارع كالذبح عن حبيبي الروائي .. هل يمكنك أن تتصوّر أن يؤدي تعليق مساند، تخلل حديثي في نقاش عام بطريقة مباغتة إلى نهاية ما كنت اعتبره نصًا مقدسًا، أو تعهدًا إلهيًا لن نتوقف عن كتابته، حتى ونحن متناثرين في الفناء؟
ـ كل شيء يمكن أن يحدث، ولأي سبب .. ماذا فعلتِ بعد انفصالكما؟
ـ كان حتميًا أن أودع كل شيء: بيتي .. وظيفتي .. أصدقائي ... كل ملامح الحياة التي لم يكن بوسعها أن تُشكّل وجهًا حقيقيًا إلا بتلك البراعة الشهوانية الناجمة عن توحدنا .. سنوات كثيرة، تنقلت خلالها بين مدن عديدة بحثًا عن مواساة مستحيلة، أو فقدان انتقائي للذاكرة، أو إفاقة خارقة  مما أردت أن يكون مجرّد كابوس مروّع، طارئ رغم صلابته الدنيئة، ولكن هذا كان أشبه بالمعجزة التي يُستبعد أن تتوّج حياة الأنبياء حتى في خيال أكثر البشر إيمانًا.
ـ وماذا عن هذه القرية؟
ـ صدقًا لا أعرف .. مازلت مريضة بكل ما حكيته لك، ومازال المشهد الذي وضع حدًا قاصمًا لعلاقتي مع حبيبي الروائي يضمن احتضاري بالتباسه المذل؛ ومع ذلك شيء لم أفهمه جعلني أقرر البقاء هنا .. شيء لا علاقة له بالمكان أو بسكانه، لكنه أعلن عن رسوخه داخل روحي فور مجيئي إلى هنا، وبمصارحة أكبر، فإنني لم أعد أرغب في تفسير هذا الشيء.
ـ ربما له علاقة بهذا البيت .. أعني طبيعة انعزاله، التي تجعله مختلفًا عن منازل منطوية على نفسها في مدن أخرى.
ـ هل تريد أن تشاهده من الداخل؟
ـ ليس عندي مانع.
تحركت وراء المرأة بتمهل عبر الممر الفاصل بين الحديقة وباب البيت الموارب .. كانت قامتها تميل إلى الطول والنحافة، وإن كان الروب السماوي السميك المغلق الذي ترتديه فوق جلباب أبيض قد صعّب من مهمة التعرّف على السمات المؤكدة لتفاصيلها الأنثوية .. كان عندي استعداد لقبول كل ما حكته لي، ولكنني لم أكن أريد تصديقها .. أعرف أحداثًا عجيبة، ترتب عليها نتائج أكثر عجبًا، وهذا ما لا يجعلني أستبعد أن يكون حديثها حقيقيًا، ورغم ذلك كان نتوء ما في أعماقي يريدها أن تكون كاذبة، وأن يكون كل ما قالته ستارًا لواقعة منطقية .. إلحاح ملغّز ـ رغم عدم رفض الواقعية المحتملة لما ذكرته ـ يريد أن يحوّله إلى مجاز لحدث آخر يمكن إدراكه تلقائيًا، حتى ولو بالنسبة للعجوز نفسها إذا كان قد حصل بالفعل.
كان الطابق الأول من البيت خاليًا مما يلفت الانتباه: قاعة استقبال ذات أثاث بسيط، قديم إلى حد ما، ومنظم، وثمة ردهة في نهايتها يبدو أنها تقود لحجرة نوم أو أكثر، وربما مطبخ وحمام كذلك، لكن ما كان جديرًا بالملاحظة هو فراغ الحوائط؛ إذ لم تكن هناك أي صور أو لوحات أو حتى نوع من الزخارف الشائعة في البيوت التقليدية .. بدأت المرأة في صعود السلالم الخشبية المؤدية إلى الطابق الثاني دون أن تتكلم، ورغم ترددي العابر؛ اعتبرت هذا الصمت دعوة ضمنية لاتباعها من أجل استكمال المشاهدة، وكأنما كان في عدم بقائها طويلًا داخل الطابق الأرضي، وصعودها لأعلى بعد لحظات قليلة إقرارًا ضمنيًا آخر بأنه لا يوجد بالفعل في هذا الطابق ما يسترعي التوقف .. صعدت السلالم وراءها، والتي أفضت إلى ممر مفروش بسجادة زرقاء خفيفة ذات نقوش من الدوائر والمربعات الحمراء الداكنة، توجد في بدايته حجرة مفتوحة، دخلتها المرأة قائلة دون تلتفت لي:
ـ تفضل .. هذا مكاني المفضل في البيت.
كانت الحجرة فسيحة، ذات سقف عال، وبلاط أسود، ونافذة مفتوحة تغطيها ستارة من الحرير الأخضر، وعلى عكس الطابق الأول فقد كانت مزدحمة بأعداد كبيرة من الكتب، تحتويها مكتبة هائلة ممتدة بعرض ثلاثة جدران كاملة .. إلى جانب ذلك؛ كان هناك مكتب عريض تتكدس فوقه أوراق وملفات وحاويات أقلام بالإضافة إلى أباجورة متوسطة الحجم، وبعض الكتب أيضًا بجوار برواز صغير، يستند على حامل، ويحدق من داخله "جي دي موباسان" إلينا .. على الحائط الأبيض الواسع المقابل لهذا المكتب، والوحيد الذي لم تمتد إليه رفوف المكتبة الهائلة؛ لم يكن هناك سوى برواز ذهبي معلق في المنتصف تقريبًا، ولكنه ليس مغلقًا بلوح زجاجي يُظهر صورة أو لوحة كما هو معتاد، وإنما كان بروازًا فارغًا تتدلى من ضلعه العلوي ما يشبه سلسلة مفاتيح، مثبّت في حلقتها شيء صغير لم أتبينه من مكاني في مدخل الحجرة .. دون دعوة منها وجدت خطواتي تتحرّك لتبين هذا الشيء الصغير، وحينما أدركت ما هو شعرت بفوران محتدم لأنصال مسنونة تفجّر فجأة في دمائي .. فوران امتد من دوار رأسي، مرورًا بدقات قلبي القوية والمتلاحقة، وعبر أنفاسي الثقيلة التي كاد تحجّرها يمزق صدري، وحتى النغزة الحادة بين فخذيّ .. رأيت عضوًا ذكريًا مقطوعًا معلقًا في البرواز .. سمعت المرأة من ورائي تضحك .. لم تكن ضحكة وحشية متوقعة كالتي تطلقها الساحرات الشريرات في الدراما، وإنما كانت ضحكة خافتة أشبه بتلك التي تترقرق بين شفتي أم حنون متحسرة، لم تعد تتمتع بالطاقة الكافية لتجسيد عاطفتها المتقدة تجاه ابنها .. مع ذلك التفت إليها بهلع كأنني أعيش اللحظة الأخيرة التي تمررني للموت:
ـ هذا ما تبقى من حبيبي الروائي .. لم يكن يجب أن أتركه بلا شك .. ما رأيك؟
ـ أعتقد أنه يجب أن أغادر الآن...
ـ  كما تحب .. لكن لا تنسى الوعد.
ـ بالطبع ...
لا أعرف كيف انبعثت الكلمات من فمي .. لا أعرف كيف تحركت قدميّ خروجًا من الحجرة، ونزولًا للسلالم ثم عبورًا لباب البيت واجتيازًا للحديقة وصولًا إلى الطريق المؤدي نحو الشاطئ .. ظل جسدي يرتعش منتفضًا كأنما الأنصال المسنونة قد حوّلت دمائي لكهرباء سائلة تتدفق مسعورة وراء جلدي .. مع ذلك كان ثمة إحساس بعدم الندم تجاه هذه الزيارة محتفظًا بصموده .. رسالة طمأنينة؟ .. لم أستغرق وقتًا في حسم الأمر: لن أكشف لأحد عما رأيته في بيت هذه المرأة؛ ليس بسبب وعدي لها، وإنما لأنني سأجعل ذهابي إليها من الأصل في طي الكتمان .. ما اكتشفته اليوم لم يذهب إليه أكثر الخيالات تطرفًا في القرية .. كانت الاستفهامات تمعن في الاهتياج داخل رأسي: هل قتلت حبيبها الروائي قبل أن تقطع عضوه؟ .. هل كانت تقصد بأن هذا العضو هو آخر ما تبقى منه بالنسبة لها فحسب، وليس بالنسبة للحياة نفسها، أي أنه لا يزال حيًا حتى الآن، ولكن بنقص فادح؟ .. أين حدث كل هذا؟ .. كيف حدث؟ .. هل يمكن أن تكون كاذبة حقًا؟ .. تريد هذه العجوز أن تقضي أيامها الأخيرة في هدوء برفقة العضو المقطوع لحبيبها الروائي الذي قاطع حديثها فوق مائدة مستديرة عن الفانتازيا .. لكنني مع ذلك لم أشعر مطلقًا بالغرابة تجاه نفسي حينما بدد تساؤل واحد كل هذه الاستفهامات قبل أن أتوسل للنوم في تلك الليلة: هل استعملت المرأة ذلك العضو المقطوع من قبل؟ .. تساؤل واحد استقر في عقلي كغيمة رمادية ضخمة، أخفى ظلها القاتم كل عماء آخر.
في الصباح التالي أخرجني من اليقظة الهزيلة، التي لم تبلغ حد النوم، ولم تحتفظ بوعي كامل اتصالًا من أحد أصدقائي ويعمل محققًا في شرطة القرية ليخبرني بأن شخصًا ما قد أبلغ عن صرخات عاتية انبعثت من بيت العجوز أثناء مروره بالقرب من بوابته؛ فأسرع بإبلاغ الشرطة، وعند وصول رجال الأمن إلى هناك اكتشفوا مقتلها .. كان يعلم من أحاديث سابقة بيننا اهتمامي بأمر هذه المرأة، ولهذا عرض عليّ مرافقته إلى بيتها وحضور المعاينة .. لم أستغرق وقتًا طويلًا حتى كنت أعبر بصحبته والطبيب الشرعي نفس العتبة التي قطعتها أمس .. شعرت بالجحيم الباطني ذاته، ولكن على نحو يسمح بانضباط عصبي أكبر .. كأن قتل العجوز كان أخف بدرجة ما من رؤية عضو ذكري مقطوع في حجرة مكتبها .. كانت جثة العجوز عارية تمامًا وممددة على ظهرها في منتصف حجرة الطابق الثاني وسط بحيرة من الدماء .. كان ثدياها مبهرين إلى حد معجز، بحجميهما الكبيرين، وبهالتيهما الواسعتين، وحلمتيهما البارزتين، وامتلائهما اللامع والمتماسك، بالغ النعومة، في تنافر وحشي مع شعرها الطويل الأبيض المبعثر حول رأسها فوق البلاط الأسود، وتجاعيدها المشوّبة بالذبول، وبطنها الضامر، وفخذيها النحيلتين المتباعدتين بعظامهما الناتئة، اللتين انهمر الدم من بينهما، وأيضًا الكرمشة الكالحة لظهر كفيها، التي تكاد العروق النافرة أن تخترقها .. بدا كأن ثدييها اللذين تتناثر قطرات الدماء فوقهما قد عاشا في خصومة زمنية مع جسدها .. كان في عينيها المفتوحتين، ومسارات خطوط وجهها، والانفراجة الواهية، المضاءة بالدم لشفتيها السمينتين شعور متجمّد على متعة خارقة سرعان ما تقلّصت، وتحولت إلى رعب تصاعد إلى أوج اليأس .. كان الطبيب قد انتهى من فحصها، وعندما سأله المحقق عن سبب وفاتها أخبره بأنها حالة غريبة للغاية لم يقابلها أبدًا من قبل:
ـ يبدو الأمر كما لو أن شيئًا يشبه هراوة ضخمة قد اخترق مهبلها، وواصل شق طريقه ليمزق الأعضاء الداخلية حتى وصل إلى سقف حلقها ثم تم انتزاعه ثانية بقوة.
كنت خلال حديث الطبيب أتأمل البرواز الذهبي المعلق على الحائط .. لم يكن العضو الذكري موجودًا هناك.
موقع "الكتابة" ـ 19 إبريل 2020

الاثنين، 13 أبريل 2020

الفرصة الأخيرة للنجاة

السلام عليكم يا ضرطات مقهى "اللبن" وفندق "مارشال المحطة" في التسعينيات .. منذ فترة قصيرة مات واحد منكم، وقد آلمني هذا بصورة لا يمكنكم تخيّلها، ذلك لأنه على الأرجح لم يقرأ قبل موته "لوحة سرطان الخصية"، أو "معارض متنقلة"، أو "أفراح العين الزجاجية المحتقنة" .. تلك قصصي القصيرة التي خلقت من بين أشباحها من كان منذورًا فقط لمعاقبته على العجرفة المسكينة التي كان يتمتع بها .. بالطبع لا أحتاج أن أذكّر كل ضرطة منكم بجروحها القديمة التي حفرتها تلك العجرفة المضحكة في جوفها العطن بالدخان والكحول والأطعمة الرخيصة .. سنوات طويلة جدًا امتلأت بالكوابيس المتلاحقة التي نجح تشابكها في تعطيلي عن إيجاد طريق آمن يمكن من خلاله أن تتسلل هذه القصص إليه .. أغلب الظن أن هذا الإخفاق في حقيقته ليس إلا احتفالًا جذريًا لتلك الكوابيس، التي لا شفاء من تضاعفها إلا بالموت .. لذا، وبما أن الشرج الغيبي الذي خرجتم منه قد بدأ في استردادكم؛ فإنني أرجو أن تسرعوا بقراءة "جرثومة بو" .. بحق الأشياء التي كنا نحدّق إليها في صمت من فوق طاولة واحدة، ودون أن يمتلكها أي منا؛ افعلوا ذلك في أقرب وقت ممكن، كأنها الفرصة الأخيرة للنجاة.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 12 إبريل 2020

الاثنين، 30 مارس 2020

سيرة الاختباء (15)

سأكتب عن كورونا طبعًا .. ليس لأنه كابوس الواقع الأكثر جدارة بالكتابة، ولا لأن طغيانه المروّع لم يعد يسمح بالتفكير في الحياة والموت إلا بمشيئة تأثيراته المتطورة، وإنما لتقاطع طبيعته الجحيمية مع "سيرة الاختباء".
قرب نهاية 2019 تعرّضت لأزمة مرضية لم أمر بها من قبل، سواء من حيث الألم اليومي أو طول مدة المرض والذي انتهى باكتشاف وجه آخر لضراوته غير المسبوقة بالنسبة لي .. أدركت بعد فترة قصيرة من الشفاء أن الدواء الذي تناولته خلال هذه الأزمة قد تسبب في مرض جديد .. من ضمن الفروق الأساسية بين المرضين هو أن الأول كان معطلًا على نحو كبير عن الكتابة .. كانت هيمنته على وعيي أكثر حقارة من أن تترك هامشًا غامضًا من الحياة المألوفة التي يمكن للفكر أن يتحرّك داخلها.
هذه المقارنة دفعتني لتدوين ملاحظة عن أن كتابة المرض تحتاج لمساحة مبهمة من "اللامرض" في جسدي .. لماذا لم أكتب مساحة مناسبة من "الصحة"؟ .. لأن الصحة خرافة .. بعكس اللامرض الذي يعطيك انطباعًا متوهمًا بغياب العلة، مؤكدًا ذلك في منع الألم أو الانهاك من بلوغ الوضعية المتفاقمة التي تجبرك على التوقف عن الكتابة، أو تجعلها على الأقل بالغة المشقة كما هو الحال الآن .. كتابة المرض التي تحتفل بتحويل العلة الجسدية إلى ممر مرآوي نحو علة الذاكرة والزمن والوجود .. نحو المرض "كحالة العالم عمومًا" حين نتذكر كيركيجارد.
بناءً على ذلك، وإذا كان "الاختباء" هو محل التقاطع بين كورونا و"السيرة"؛ فإن الاختباء يتطلب هامشًا غامضًا مماثلًا من الحياة المألوفة التي يمكن لتأمل كينونته أن يتحرك داخلها .. لا يترك كورونا تلك المساحة المبهمة من "اللاتهديد" المعادل لـ "اللامرض"، وليس "الأمان" باعتباره خرافة كـ "الصحة" تمامًا .. امتلاك الانطباع المتوهم بغياب الخطر الذي يتربص بالاختباء حينما يكون ضرورة أو إلزامًا لا يحتمل التفاوض.
يكاد الأمر يشبه الفرق بين النظرة الجمالية والفلسفية التي تتفحص التنوّع الشهواني للمرض الأبوكاليبتي في لوحات "جان روستن"، أو ما يوازي "اللامرض"، و"اللاتهديد"، وبين إغماض العينين عن الرعب الذاهل الذي تجسّده تلك اللوحات بعدما فقدت جدواها بوصفها نبوءة ربما تكون على وشك التحقق بالفعل.
موقع "الكتابة" ـ 29 مارس 2020

الأحد، 29 مارس 2020

ممدوح رزق: القصة القصيرة تجسّد طبيعتي الشخصية منذ الطفولة

نضال ممدوح
تنقل الكاتب ممدوح رزق٬ بين الأجناس الأدبية المتعددة٬ حيث صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة.
حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي. ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
حيث صدر له: إثر حادث أليم٬ خيال التأويل٬ هل تؤمن بالأشباح؟٬ قراءات في كلاسيكيات القصة القصيرة٬ هفوات صغيرة لمغيّر العالم٬ خيانة الأثر٬ دون أن يصل إلى الأورجازم الأخير٬ بعد صراع طويل مع المرض٬ فأر يحتفل بخطاب الحقيقة٬ الفشل في النوم مع السيدة نون٬ مكان جيد لسلحفاة محنطة،غيرها. 
في هذا الحوار يكشف "رزق" عن عالمه الإبداعي بخاصة القصة القصيرة وقضاياها ومستقبلها بين الأجناس الأدبية.
ـ من كتاب القصة القصيرة الذين قرأت لهم قبل أن تكتب هذا الفن الأدبي؟
تشيكوف .. موباسان .. مارك توين .. يوسف إدريس .. يوسف السباعي .. نجيب محفوظ، وغيرهم .. كانت هذه القراءات خلال المرحلة الإعدادية، وقبل كتابة محاولتي القصصية الأولى عام 1990، ولكن لا أعتقد أنه في هذه الفترة كان هناك ما يضاهي تأثير قصة "الشقاء" لتشيكوف .. عندما قرأتها أول مرة تأكدت من أنني سأكون كاتب قصة قصيرة، ومازلت أتصوّر حتى الآن أنها من أقوى المحرضات لقارئها على كتابة قصته القصيرة.
 ــ ما الذي لفتك إلي الإهتمام بالقصة القصيرة ؟ وكيف بدأت تجاربك الأولي في كتابتها؟
القصة القصيرة تجسّد طبيعتي الشخصية منذ الطفولة أكثر مما يفعل أي فن آخر: العزلة .. المراقبة .. تخيُّل الحياة والموت وفقًا لتفاصيل صغيرة، وأحداث هامشية أو غير ملحوظة .. كانت التجارب الأولى انتقالًا تدريجيًا من إعادة سرد الوقائع العامة إلى كتابة ناجمة عن التأملات الذاتية لما هو ضئيل وعابر .. أول محاولة لكتابة قصة قصيرة مثلًا كانت بعد الغزو العراقي للكويت، وكان دافعها الرغبة في إنتاج نسختي القصصية من الحكاية المتكررة والسائدة آنذاك عن المغترب المصري الذي أُجبر على التخلي عن أمواله وممتلكاته أثناء الهروب من الغزو .. كان منطقيًا أن تستند هذه المحاولة إلى العاطفة الجماعية التقليدية في ذلك الوقت، ثم أعقبتها محاولات أخرى كانت أقرب لاستكشاف الواقع الخاص، والكيفية التي تقتنص بها بصيرتي القصصية لحظاته المهملة، وتحويلها إلى إمكانات أساسية للوجود الذي يتضمن هذا الواقع .. اعتبر "انكسار" هي قصتي القصيرة الأولى، والتي كانت تلك المحاولات تمهيدًا لكتابتها .. كانت هذه القصة ترميزًا مكثفًا لنفسي وللعالم من خلال الآخر المتمثل في رجل لا أعرفه، رأيته في الواقع ذات يوم جالسًا فوق كرسي متحرك، وكان عليّ دفعه خارج حدود هذه الواقعية نحو حلم أو مشهد خيالي مع نجمة لها خواص إنسانية .. نٌشرت هذه القصة بجريدة "المساء" عام 1993، مقترنة بتقديمي من القسم الأدبي بالجريدة إلى الساحة الإبداعية ككاتب  أضيف إليها بقوة، وكان عمري وقتها 16 عامًا.
 ــ هل قرأت شيئا عن أصول هذا الفن القصصي أو طرائق كتابته ؟
بالطبع، فضلًا عن توجيه طلاب ورشتي القصصية إلى هذه القراءات ومناقشتها معهم، مثل "االصوت المنفرد" لفرانك أوكونور، و"القصة القصيرة" لايان رايد، و"أركان القصة" لإدوارد مورجان فورستر.
 ــ ما الذي يجعلك تختار إطار القصة القصيرة للكتابة دون غيره من أطر التعبير الأدبي؟ هل يتعلق الأمر بحالتك النفسية أم بطبيعة الموضوع الذي تعالجه ؟ أم أن إمكانية النشر هي التي توجهك إلي هذا الإختيار؟
بالتأكيد ليس إمكانية النشر، وإنما لأن القصة القصيرة بالنسبة لي تمثل الأسلوب الغريزي للتفكير في الزمن، أي طريقتي البديهية لاصطياد الظلال الخاطفة للفناء، حتى عندما أكتب رواية أو قصيدة أو مقالًا نقديًا، إذا ما اتخذ الموضوع أو الفكرة شكلًا أدبيًا آخر؛ هناك دائمًا قصة قصيرة مختبئة في عمق هذا الشكل.    
 ــ ما الذي تهدف القصة القصيرة عندك إلي توصيله للقارئ؟ وهل تتمثل قارئك وأنت تكتب ؟ ومن قارئك؟
لا تستهدف القصة القصيرة عندي توصيل شيء معين للقارئ .. ربما أريد أن يجرّب خياله اللعبة التي أنشأتها دون توقف مهما تزايدت جروحه الناتجة عن ذلك، أو أن يستغل الفخ الذي استدرجته إليه كي يتسلل إلى ذاكرته عبر موضع الطعنة التي تلقاها، أو انتهاز ما يعتبره اعتداءًا على أمانه الشخصي كي يتفحص آلامه كما لم يفعل من قبل .. أكتب لقارئ واحد، هو أنا في لحظة الكتابة، أي أنني أكتب القصة القصيرة التي أريد قراءتها في ذلك الوقت، وربما يمتلك آخرون الرغبة نفسها، لكن القارئ الذي أتمثله يتجاوزني بصورة مبهمة، فأنا أخاطب أيضًا الاحتمالات المجهولة لذاتي، والمتوارية داخل الشخص الذي يكتب قصته القصيرة .. الاحتمالات التي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، وقد يحاول قارئ للقصة أن يشاركني في اكتشافها.           
 ــ ما مدي الزمن الذي تستغرقه كتابتك لإحدي القصص القصيرة؟ وهل تواجه أحيانا بعض الصعوبات في أثناء الكتابة؟ مثل ماذا؟
لكل قصة قصيرة زمنها الخاص، هناك قصة تُكتب في دقائق قليلة، وهناك قصة تُكتب في سنوات، ليس نتيجة صعوبات، وإنما لأنها تتطلب بعد كتابة كلماتها الأولى أن تنتظر وقتها المناسب للاكتمال .. يمكنني استبدال الصعوبة بمتعة الانهماك، لأن الحياة لا توجد إلا أثناء كتابة قصة قصيرة، لذا فالكتابة هي الجهد الذي لا أريد أبدًا أن أتوقف عن بذله .. المشقة الفعلية بالنسبة لي هي التفكير فيما لم أكتبه، وحتمًا عند محاولة التحدث عما كتبته.
 ــ هل استطعت من خلال ممارستك لكتابة القصة القصيرة أن تستخلص لنفسك بعض العناصر الحرفية التي تسعفك عند الكتابة؟ مثل ماذا؟
استخدام هذه العناصر في عملي يتم بطريقة عفوية، ولكن في ورشتي القصصية أقوم بتدريسها كأداءات مقصودة لتخطي عائق، أو لتغيير مسار، أو لفتح أفق غير متوقع .. تتعلق هذه العناصر على سبيل المثال بكيفية الإخفاء والكشف، وبتوظيف الذاكرة لتقويض بنية الواقع، وكذلك باستعمال المشاهد المتنافرة ظاهريًا لتكوين صدمة. 
 ــ هل تهتم في كل قصة قصيرة تكتبها بأن يكون لها مغزي بالنسبة إلي الأوضاع الاجتماعية المعاصرة؟
لا أهتم بذلك على الإطلاق .. أحيانًا يكون هناك تعمّد في قصة ما لكتابة ما ينطوي على هذا المغزى، وفي الأغلب يتم على نحو ساخر، وبالتأكيد يكون قائمًا على ما يتجاوز البُعد الاجتماعي الذي يتناوله.
 ــ كيف يكون مدخلك إلي القصة القصيرة؟ وهل يتجه اهتمامك إلي الحدث أم إلي الشخصية؟
ليس هناك مدخل ثابت، فكل قصة تقرر ما يغاير إرادة قصة أخرى، كذلك الأمر فيما يتعلق بالحدث أوالشخصية .. كتابة القصة القصيرة تكشف دائمًا عن هذا التوحد بينهما، أي أن يكونا كيانًا واحدًا .. كيف يخلق الحدث شخصيته، وكيف تخلق الشخصية حدثها، وبالضرورة كيف يدفع كل منهما الآخر إلى عدم الاستقرار عند ما كان عليه. 
ــ هل تعين الزمان والمكان للحدث (أو الأحداث) التي تتضمنها القصة القصيرة أم تتركها بلا تعيين؟
نادرًا ما أحدد الزمان والمكان، وإذا حدث ذلك يكون لدافع يرتبط بأثر معين لهما، وليس لمجرد التحديد.
 ــ هل تري فيما أنجزت حتي الآن من قصص قصيرة أنه يمثل مراحل تطور متعاقبة ؟ فإن كان فكيف تري نتيجة هذا التطور؟
أنظر دائمًا إلى وصف "التطور" في الكتابة بحذر يكاد يكون عدائيًا؛ ذلك لأنه يرتكز كليًا على حكم القيمة .. يستطيع أي فرد أن يستعمله كمعيار شخصي، لكن يروق لي استبداله بـ "الملائمة" مثلًا، بمعنى أن كل قصة تتسق مع لحظتها، وهذا لا يعني أفضلية القصة التي كتبتها اليوم عن القصة التي كتبتها منذ ثلاثين سنة؛ فإذا كانت قصة اليوم هي الأقرب لي، فذلك لأنها تمثل ما أكونه الآن، وهذا لا يتعارض مطلقًا مع الخبرة التقنية التي تتنامى بمرور الوقت.
 ــ إذا كنت قد انصرفت عن كتابة القصة القصيرة إلي غيرها من الأجناس الأدبية فمتي حدث هذا؟ ولماذا؟
لم أنصرف عن كتابة القصة القصيرة في أي مرحلة من حياتي، وكل نص كتبته في جنس أدبي آخر، كان اكتشافًا جديدًا للطريقة التي تتجسّد بها القصة القصيرة في أشكال مغايرة.
 ــ كيف تري مستقبل هذا النوع الأدبي؟
لا أجيد التحدث عن المستقبل، لكن أتصوّر أنه لو انتهى العالم في أي لحظة، فإن ذلك سيحدث بينما هناك شخص يكتب قصة قصيرة .. وبالتأكيد أتمنى أن أكون أنا هذا الشخص.
جريدة "الدستور" ـ 28 مارس 2020

السبت، 21 مارس 2020

الضفادع الملتهبة

مات أستاذ مادة العروض والقوافي بكلية الآداب، قسم اللغة العربية، في اليوم التالي للقائي به، والذي اقتصر على تقديمي الشكر لعائلته الكريمة التي أنجبت إنسانًا معرّصًا مثله، وتوعّده لي بالفصل من الكلية قبل أن يطردني من مكتبه .. حينما علمت بالخبر كان أول ما خطر في ذهني أنه لو عاد مؤقتًا إلى الحياة كشبح ليرشد عن قاتله فسوف يوجّه الاتهام لي حتمًا، ليس نتيجة الاعتداء اللفظي في حد ذاته، بل لأن الشتائم التي أهنته بها كانت مختلة الوزن والقافية، وهو ما مثّل الجانب القاتل في الاعتداء.
لم تستطع أمي وهي جالسة في الصالة بيننا أن تتمالك نفسها حينما سمعت صرخة أخي الشاب الثلاثيني المشلول، الراقد داخل ظلام حجرته المغلقة، والتي لم يغادرها منذ سنوات عدة، بعد أن أفقده المرض خطيبته وأصدقائه ووظيفته وشقته التي لم يدخلها أبدًا، وحتى قدرته على إشعال السجائر بنفسه .. ضحكت أمي لأن صرخته كانت مضحكة بالفعل .. كانت تشبه تلك الصرخات الميلودرامية، التي غالبًا ما توصف بالافتعال الطفولي أو المبالغة الساذجة، بالرغم من أننا كنا متأكدين تمامًا من أن آلام أخي أكثر فظاعة مما تجسّده هذه الصرخة .. مسحة من الذنب كانت تحاول أن تطفئ الضحكات في عيني وملامح أمي بسبب ما اعتبرته بديهيًا رد فعل غير لائق، انفلت رغمًا عنها، إلا أن مشاركتنا العفوية أنا وأبي وأختي في الضحك جعلت تلك المسحة تتبدد على الفور .. لحظتها فكرت في أن أمي ربما ستطلب من أخي أن يعيد إطلاق تلك  الصرخة أثناء تنظيفها اليومي لجسمه الهامد من البول والخراء كوقاية محتملة لها من البكاء والتقيؤ.
طلب مني طبيب الأمراض النفسية والعصبية الذي ذهبت إليه للعلاج من نوبات الهلع أن أحاول تجنّب الإفراط في التفكير، والبُعد عن مصادر القلق والاستفزاز والتوتر، والحصول على قدر كاف من النوم .. لم أجد طريقة لاسترداد نقودي سوى الاستمناء في حمام عيادته قبل خروجي منها، معدلًا في خيالي من تفاصيل الصورة العائلية فوق مكتبه، والتي ظللت أتأملها طوال حديثه لي.
فوق طاولة الطعام أطلب من أبي أن يناولني رغيفًا من الكيس الذي بجواره فيأمرني بالتوقف عن تقليد اللهجة الريفية لنجاح الموجي في مسلسل "سفر الأحلام" .. تخبره أختي بأنني لا أذاكر فيشتمها، ويأمرها ألا تتدخل ثم ينهر أمي لعدم متابعتها لأموري الدراسية .. تنظر أمي بلومٍ لأختي التي تلمح أخي الأكبر يرمقها بسخرية .. توجّه إليه كلمات جارحة فيشخر لها، ويمسك بأحد الأطباق ويضربه في الحائط ليتناثر حطامه المختلط بالطعام فوق الأرض .. ينهض أبي بعينين محتقنتين، وملامح توشك أن يفجّرها الغضب ليسب أخي بصوته الغليظ الجهوري فتحاول أمي تهدئته وهي تنعت أخي بوصف مهين .. يشتمها أخي بأمها ثم يسرع إلى المطبخ ويعود بجركن الجاز والولاعة فتتلاحق صرخات شقيقتي، وتسرع أمي لتفتح باب الشقة طلبًا للنجدة فيتدافع الجيران إلى الداخل بينما أتسلل إلى البلكونة، وأغلقها من الخارج ثم أتطلع نحو الغيوم، وأتمتم مرتعشًا بأول ما يخطر في ذهني من كلمات لا تنتمي إلى الضجيج المستعر ورائي، مقلدًا اللهجة الريفية لنجاح الموجي في "سفر الأحلام".
نمر أمام مكتبة "تنمية" فتطلب ميادة أن ندخلها، وأن أشتري لها كتابًا من اختياري .. ألتقط لها كتاب "الضفادع الملتهبة" للكاتب الفرنسي هنري لي روكس، ترجمة: ندا القلوط .. تسألني ميادة عن موضوعه؛ فأخبرها بأن الكاتب يتعرّض للحساسية المفرطة لدى أعضاء الجماعات والقبائل الأدبية في المدن المركزية التي تهيمن عليها المأسسة الثقافية، والنتائج غير المحكومة، الفائضة بالتأثيرات ـ اللامؤسسية ـ التي لا تتوقف عن كشف ما لم يكن يبدو متضمنًا لها، والصور المتشابكة، دائمة التوالد، للإقصاء والتعتيم التي تمارسها هذه التأثيرات على هوامش وأطراف تلك المدن .. يسمي الكاتب هؤلاء بـ "الضفادع الملتهبة" نظرًا لعجزهم المزمن عن تحمّل أي تذكير باستفادتهم المنطقية من المركز؛ حيث ينتفضون، كما تفعل الضفادع تمامًا، بمجرد أن يلامس هذا التذكير جلودهم الملتهبة، ويسارعون باستخدام سياقات لغوية قديمة ومبتذلة، تمنعهم شدة الالتهاب من استيعاب أنها مكشوفة على نحو فاضح للآخرين .. ترتكز هذه السياقات على جذب الوجع خارج موضوعه بواسطة استدعاء مفردات سهلة ومقصودة كـ "المظلومية" مثلًا لإلصاق دلالتها النمطية البائسة والمضحكة في نفس الوقت بكل من يطرح تناولًا أو إشارة للمكاسب التي لم يكن لهؤلاء الضفادع أن يحصلوا عليها لو بذلوا المجهود ذاته في مكان آخر .. يوضح الكاتب كيف يحاولون ـ بنطاعة متأصلة ـ أن يفرضوا هوية مزيفة على ذلك الذي يقف خارج الجماعة أو القبيلة، أو بالتعبير الدارج "الشلة الأدبية" بأشكالها المتعددة، منتهكًا تلك السلطة التي تمنح أفرادها يقينًا متوهمًا بالتفوق القيمي .. تحاول الضفادع الملتهبة بتلقائية مسعورة، بالغة التعاسة أن تنسب إلى من يقوم بذلك قصدًا قسريًا لا يمثله، ومعنى ملفقًا لخطابه .. يحلل الكاتب الفروق التأسيسية بين المدينة المركزية وهوامشها، كيف تنشأ علاقات القوة بين المؤسسة وأطرافها، ومسارات تطورها، كيف تتشعب وتتداخل وتتكاثر خارج أطرها التقليدية، كما يوضح أيضًا كيف تكمن السلطة المركزية في اللغة التي تُستعمل لإنكارها؛ حيث تتكفل الضفادع الملتهبة بإقرارها عن طريق الاستخدام المتواصل لتلك السياقات اللغوية الساذجة، التي ينبغي بحسب تأويلها المعتاد أن تكون "مُرهبة" لذلك الذي يقوم بتقويض هذه السلطة .. يسعى كل ضفدع أن يحوّل الأمر إلى معركة فردية، على كل من هو خارج "الشلة" أن يدافع عن نفسه خلالها أمام الاتهامات المختلقة، مما يتيح لذلك الضفدع أن يضلل ما يعدها "بطحة" فيؤكدها، ويعترف ضمنًا برغبته في حماية ما يستثمره، وتوطيد دعائمه المختلفة .. ما يحاول الدفاع عنه أيضًا هو موقفه ضد النظام السياسي الذي تخضع له المدينة المركزية، ذلك لأن الضفدع الملتهب لا يريد لاستفادته المؤسسية أن تلوث فكرته عن نفسه، وكذلك انطباع الآخرين عنه كمعارض، أو كمناوئ لهذا النظام، يحظى في الوقت نفسه بامتيازات "رسمية"، تقتصر على المكان الذي يتحرك داخل حدوده .. يحدد الكاتب أصل المشكلة، أو "جوهر الالتهاب" في عدم قدرة هذه الضفادع على التفرقة بين نقد النسق الثقافي، ونقد التابعين له؛ حيث لا تعني مجابهة النسق بالنسبة لهم سوى إدانتهم، باعتبارهم يمثلون مع مختلف ظواهره كيانًا واحدًا، وهذا يرجع ـ مثلما ذكر هنري لي روكس من قبل ـ إلى "وهم التفوق" الذي يزرعه المركز في أرواحهم، وهو بالطبع ما لا يجب خسارته.                  
أعود بعد تجاوز الأربعين إلى مدرستي الابتدائية .. تتعاقب المعلمات أمام السبورة ليشرحن الدروس للتلاميذ الجالسين في مواجهتها، ويرتدون المرايل التي في الغالب تكون باهتة أو متسخة أو مقطّعة .. فوق الدكة الأخيرة من الصف الأوسط للفصل أضاجع زميلاتي الجميلات اللاتي مازلن أطفالا واحدة تلو الأخرى .. تقرأ معلمة اللغة العربية ذات الوجه الأسمر المتجهم بصوت مرتفع من كتاب القراءة، بينما التلاميذ بالبلاهة الناعسة التي تغطي ذبول ملامحهم يرددون ورائها بما فيهم البنت التي أضاجعها: (أمي أمي .. عمر عند الزرع .. انظري يا أمل .. هذا زرعي .. زرعي طلع) .. تمسك المعلمة فجأة بالعصا ثم تتوجه بخطوات سريعة نحو أحد التلاميذ وتنهال على جسده ضربًا لأنه كان ينظر إلى خارج النافذة، ولا يردد ما تقوله .. تتوقف المعلمة عن القراءة، وتسألني بضيق ونفاذ صبر أن أكف مؤقتًا عما أفعله كي أنتبه لها .. ألتفت ناحيتها مستمرًا في دفع قضيبي داخل الفتاة العارية المستلقية فوق الدكة رافعة ساقيها المستندتين على كتفيّ وأقول لها: لقد انتظرت أكثر من ثلاثين سنة حتى أتمكن من القيام بهذا .. هل تتوقعين مني أن أتوقف الآن؟
ترد غاضبة: حسنًا .. حاول على الأقل أن تكون عادلًا، وألا تميّز بعض التلميذات عن بقيتهن...
أضحك شاخرًا: هل تريدين أنا أضاجع الدميمات، والشاحبات، والكالحات، والبدينات، وذوات المخاط السائب دائمًا، والروائح النتنة، والأنفاس الكريهة، والشعر المتلبّد، واللعاب المتدفق من أطراف أفواههن، والشفاه الجافة، المتشققة والمتلاصقة، التي تصدر صوتًا مقززًا، ممزقًا للأعصاب حين تنفصل عن بعضها، والعيون الفائضة بالعماص، واللواتي يضعن أصابعهن ذات الأظافر الطويلة التي تختزن القذارة السوداء في أنوفهن طوال الوقت؟! .. بعد كل هذه السنوات، مازلت حقيرة يا أبلة.
أسمع ضحكة متأوهة من بين شفتي الفتاة الجميلة الراقدة فوق الدكة فاتحة فخذيها، وجسمها الصغير يرتعش منسجمًا مع إيقاعاتي المتبدلة .. تزعق المعلمة بملامحها النحيفة المحتقنة: كنت أظنك ولدًا مؤدبًا.
أزيد من سرعة وقوة اندفاعاتي داخل البنت التي بدأت تعض سبابتها بموازاة فكيها، وملامحها الرقيقة الصامتة متقلصة بالتوجع واللذة .. أقول للمعلمة: بل كنتِ تظنينني مثلما يعتقد الجميع؛ أحمقًا، وخجولًا، وفاشلًا اجتماعيًا، خصوصًا مع الفتيات والنساء .. كان معكم حق، وللعلم فمازلت كما أنا.
أشعر باقتراب الأورجازم .. أخرج قضيبي من بين فخذي البنت وقبل تدفق نشوتي مثلما أحب فوق ثدييها العاريين؛ تندفع المعلمة نحوي بأقصى سرعة  لتجلس على ركبتيها أسفل قضيبي فاتحة فمها عن آخره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
موقع "الكتابة" ـ 19 مارس 2020
اللوحة: "قارب" لـ "لؤي كيالي" 1975