الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

رواية (ملك)

 يتغير الطموح الإبداعي من لحظة إلي أخري، ويظل عنوان المنجز الذي أريد تحقيقه - مهما كان - اسما لحلم أعرف أنه سيتم تجاوزه نحو أفق غير قابل للتحديد، الحلم الذي أفكر فيه الآن هو رواية بطلتها طفلتي ملك، تضم كل ما في حياتها الصغيرة، وهو حلم أقرب إلي التطهر الشخصي.
عن الطموح الإبداعي في ملف (أحلام شباب المبدعين) للكاتب (محمد سرساوي) في جريدة (الأخبار) المصرية.
الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

قالي كلام

ماذا تريد (شادية) أكثر من أن توقف امرأة في الستين، تعيش وحدها منذ سنوات طويلة شقيقها الأصغر فجأة وهو عند باب شقتها في نهاية زيارته الأسبوعية لها بعد أن سمعت أن (الدلوعة) تحتضر ثم تطلب من آخر من تبقى في الحياة من أسرتها أن يُحضِر على هاتفه المحمول في زيارته القادمة لها أغنية (قالي كلام) كي تنقلها إلى هاتفها الذي لا يرن إلا نادرًا.

«عندما كنا يتامى» لكازو إيشيغورو ... مطاردة لا تنتهي

تمثل رواية «عندما كنا يتامى» لكازو إيشيغورو (بترجمة طاهر البربري) خطوة أخرى داخل الهاجس الجمالي الذي يسيطر على معظم أعمال الكاتب، الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، والذي يمكن أن نطلق عليه «الفقدان الذي يعيد اكتشاف الذاكرة». يواصل إيشيغورو في هذه الرواية استخدام النبرة السردية الهادئة نفسها، التي تميز كتاباته، وتجلت على نحو ساطع في روايته «بقايا اليوم»، والتي تعتمد على التأمل والتفكير المتزن مع تغير الطبائع المحكية، كأنها قناع ثابت من الحياد الظاهري يمكن للسرد من ورائه أن يتجاوز واقعيته المنضبطة نحو أرقه الغيبي. وهو الأثر الذي يبدو أن إيشيغورو يتعمّد توظيفه كبصمة ذاتية، تتخطى أي فكرة واضحة عن صوته الخاص في رواياته.
يمنح كازو إيشيغورو لكل منا عدسة مكبرة كي يحرّضه على حل لغز (الاختفاء) الذي يعتقد أن نسخاً منه تعيش داخل الجميع؛ فإذا كانت القضية المعقدة التي كان يسعى كرستوفر بانكس في «عندما كنا يتامى» إلى حلها تتعلق باختفاء أبويه، فإن لدى كل منا حصيلة من الاختفاءات- أقل وضوحاً ربما- جديرة بأن تُطارد. هناك رجل بوليس سري يستحق أن يُكشف أو أن يُخلق في الوعي عند لحظة ما قد تكون مفترق الطرق للحياة، أو الفرصة الأخيرة قبل النهاية. وعلى رجل البوليس السري هذا أن يبحث عن المفقودين الذين أسس حضورهم ذاكرته قبل أن يبتلعهم الغياب حتى- وهو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة- أولئك الذين يدعون أنهم ما زالوا يحتفظون بوجودهم في عالمه.
لكن الاستفهام الجوهري الذي ربما لديه الحق في أن يسبق هذا البحث: ما هي هذه العدسة المكبرة حقاً؟ هل هي الفهم المجرد، أم الاستدراك، أم التعويض، أم استكمال المسارات وفقاً لمشيئة الدوافع الأولى؟ لماذا نريد أن نعثر على من فقدناهم، أو على أسرار اختفائهم؟ هل لنعرف فقط، أم لنصحح أوضاعاً قديمة، أم لنقدم بدائل عن أشياء لن يمكن استردادها، أم لنواصل الحكاية وننهيها كما حددتها رغبات الغائبين؟
«وبدأت على الفور في تجريبها على بعض بقع الزبد التي كانت تلطخ مفرش الطاولة. صرت مستغرقاً للغاية لدرجة أنني كنت ألحظ في شكل باهت فقط أصدقائي وهم يضحكون بهذه الطريقة المبالغ فيها التي تعبر عن نكتة على شخص ما. عندما نظرت لأعلى، مستعيداً وعيي أخيراً، كانا قد سقطا في مغبة صمت غامض. حينئذ كان ثورنتون براوني قد أطلق ضحكة مكتومة وفاترة وهو يقول: «ما دمت ستصبح رجل بوليس فقد فكرنا أنك ستحتاج هذه الأداة».
إن كازو إيشيغورو يخبرنا بواسطة كرستوفر بانكس أن العدسة المكبرة تتعلق بنا دائماً أكثر مما تخص الآخرين الذين نبحث عنهم. إنها ترتبط بعلاقتنا الملتبسة بالذاكرة، أي بضرورة ترويض الماضي، تعديل الزمن بدفعه لاتخاذ صور أقل حدة، أو للتخلي في شكل كامل عن حقيقته. نحن بهذه العدسة المكبرة نقود أحلاماً معينة نحو الصدارة، ونستبعد ما نؤمن بأنها كوابيس راسخة، أو نحاول التخفيف من وطأتها. كأننا بالضبط نستخدم (الاختفاء)، وتتبع آثار المفقودين للعثور على أنفسنا في حياة أخرى. أو لو شئنا الدقة كأن هذه العدسة المكبرة هي وسيلة كل منا للهروب مما يجسّده في الرواية أحد سادة الحرب الأقوياء الذي كان يُنقل في الزحام على مقعد متحرك، ويصحبه عملاق يحمل سيفاً، وعندما يشير أحد سادة الحرب هذا إلى أي شخص يريد؛ يتحرك هذا العملاق ويقطع رأسه أو رأسها.
بطريقة ضمنية أيضاً يؤكد كازو إيشيغورو أن التوحد برجل البوليس السري هو نوع من الوفاء للطفولة، لجذبها نحو الامتداد في الحاضر، وبالتالي لتنقيتها، وتحويل خيالاتها من اختلاسات معدومة الحيلة على هامش الواقع إلى أصل مغاير للعالم.
«نحن الأطفال مثل المفصلة التي تحفظ ارتباط الألواح ببعضها. ذات مرة أخبرني بهذا راهب ياباني. غالباً ما نفشل في إدراك هذا، لكن نحن الأطفال لا نوثق عرى الأسرة فقط، بل والعالم كله معاً. لو لم نلعب دورنا، فسوف تسقط الألواح وتتداعى على الأرض».
ماذا لو أن هذه العدسة المكبرة هي السبيل الأكثر ضراوة للتيقن من أن كل طموح تعلق بواجبها سيفضي إلى نتائج مضادة؟ ماذا لو أن محاولات حل ألغاز الاختفاء هي الكيفية الأعمق للتعرّف إلى الألم كهوية للذاكرة، لا تقبل التفاوض في طغيانها الذي يتعدّى الحدود الشخصية عبر الزمن، وكمصير حتمي مدعوم بالخبرات الخاسرة كافة لإزاحته؟ ماذا لو أدركنا أن الكوابيس التي تهيمن على عالمنا قد حصلت على طاقة إضافية لرسوخها بفضل ارتكابات رجل البوليس السري؟
إن هذه الأحكام لا تشترط في تأثيرها أن تعادل الاكتشافات المفاجئة التي حصل عليها (كرستوفر بانكس) في نهاية الرواية، والتي أدى تغييرها للماضي إلى امتلاكها السلطة على الحاضر لدى الراوي وعلاقاته، بل يمكن للنتائج المضادة أن تحدث من دون ما يمكن اعتباره أحداثاً مباغتة أو صدمات مزلزلة.
«ربما يكون هناك من الناس مَن يستطيعون عيش حياتهم وهم متحررون تماماً من مثل هذه الهموم. لكن بالنسبة لأمثالنا، فمصيرنا أن نواجه العالم كيتامى، يطاردون لسنوات طوال ظلال الآباء الغائبين، ليس ثمة من شيء حيال ذلك سوى المحاولة والاهتمام حتى النهاية، بقدر ما نستطيع، لأنه لن يُسمح لنا بأي قدر من الهدوء إلا حين ننتهي من مهمتنا».
ربما يعرف كازو إيشيغورو أن المطاردة لا تنتهي أبداً مهما بدا غير ذلك، وأنه في مقابل الألم والكوابيس؛ لا يتحرر اليتيم من التشابه مع الآخرين إلا بحكايته الخاصة والمختلفة التي سيدونها عن آباء دائمي الغياب.
جريدة (الحياة) اللندنية ـ الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

الأحد، 19 نوفمبر 2017

عن أغلفة الكتب

يمثل الغلاف بالنسبة لي بصيرة افتراضية للخطو عبر فضاءات الكتابة، أو إلهامًا مقترحًا لحفر مسارات الجدل والتناغم داخل النصوص .. أظن أن مرور الكاتب بتجربة مؤسفة أو أكثر مع أغلفة كتبه يعتبر أمرًا طبيعيًا .. أن تفرض أحيانًا سلطة النشر غلافًا لا يعدو بالنسبة لصاحب العمل الأدبي أكثر من مأساة ملونة سيتحتم عليه تحمّل العبء الأكبر من انتشارها .. لكن بعيدًا عن الكيفية التي يمكن بواسطتها اعتبار هذه التجارب ـ من منظور آخر ـ جانبًا جوهريًا من فلسفة ذاتية للكاتب، أو طبيعة مهيمنة لمزاج جمالي يخصه؛ فإن لحظات التوافق بين الكاتب وغلاف كتابه أشبه بغنيمة لا يمكن فقدانها .. ربما يكون هذا الاتساق بديهيًا حينما يمتلك الكاتب الحق في اختيار غلافه، ولكنه سيكون أكثر سحرًا حينما يكون هذا الاتساق ناجمًا عن علاقة العمل الأدبي بخيال المصمم.
هذا ما يدفعني للإشارة إلى الكتب التي لم أختر أغلفتها بنفسي، وإنما أنجزها فنانون أجادوا تشكيل أبواب الجسور، أو ظلال الملامح التي يجدر ملامستها، وإعادة تكوينها .. أتحدث عن غلاف ديوان (بعد صراع طويل مع المرض) لهاني مصطفى،غلاف رواية (الفشل في النوم مع السيدة نون) لعبد العزيز السماحي، وغلاف المجموعة القصصية (هفوات صغيرة لمغيّر العالم) لتامر فتحي .. يتحوّل الغلاف في مثل هذه الحالات من مجرد وظيفة  ـ تمارس أحيانًا بطريقة سيئة ـ إلى ضرورة مماثلة لعنوان الكتاب، وللنص ذاته .. يتحوّل العمل الأدبي ـ وهنا تتجلى الأهمية الجمالية للغلاف ـ إلى ضوء مسلّط على اللوحة أو الفوتوغرافيا .. ينشأ هذا التوازان، أو يكشف هذا التبادل عن تحققه عندما يصبح النص هو الآخر محرّضًا على التنقيب في الغلاف كعمل فني له استقلاليته.
بالنسبة للكتب التي اخترت أغلفتها بنفسي ـ كان للوحات سلفادور دالي نصيب كبير منها ـ يبدو الأمر كرهان على تواطؤ بين خبرتين، لديهما أسباب مقنعة للقيام بذلك .. هذا التحريض المشترك لبناء الاحتمالات وهدمها يتم وفقًا لانسجام معين أو صراع ممكن بين هواجس لا تتوقف عن خلق أرواحها عبر الزمن.  
شهادتي ضمن ملف (غلاف الكتاب ستارة أنيقة تحجب أكثر مما تظهر) للكاتبة (خلود الفلاح) في صحيفة (العرب).
18 / 11 / 2017
ملحوظة:
كتبت هذه الشهادة قبل نشر غلاف روايتي الجديدة (إثر حادث أليم) الصادرة عن الهيئة المصرية للكتاب، وهو للمبدعة هند سمير، ويُعد واحدًا من أجمل أغلفة كتبي، ويستحق شهادة مستقلة احتفاءً بفنياته وعلاقتها بالرواية.


الخميس، 16 نوفمبر 2017

خارج الذاكرة

امرأة لم تعد تعيش بالبيت، ولا بأي مكان آخر في الدنيا .. لكن الولد الصغير يسهر كل يوم ليشاهد أباه وهو يحاول استعادتها من كتلة حجرية كبيرة قد تشبه الموت .. كان الولد يستمع دائمًا إلى موسيقى ساحرة تنبعث من النافذة المفتوحة برفقة النسمات الليلية المتلاحقة، وعندما كشفت يدا الأب بالإزميل والمطرقة عن الشعر القصير؛ تذكر الولد نعومته الطفولية، وهي تمشطه ثم تعقصه خلف رأسها .. حينما برزت عيناها استرجع ضعف بصرها، ونظرتها الحريرية المسالمة .. مع ظهور يدها أحس بدفء احتضانها الرقيق لكفه، وهي تأخذه إلى المدرسة، أو تصحبه معها إلى السوق .. كان يجلس وينتظر، ويتأمل الحنين وهو يقاوم التعب الذي يثقل ملامح أبيه، ويفرح مثله كلما تخيل الوجه الوديع على وشك أن يتكلم بصوتها الخافت المعهود.
كل ليلة بعد أن ينام الأب كي يحلم بما لم ينتزعه بعد من الكتلة الحجرية الكبيرة، يذهب الولد الصغير إلى التمثال، ومعه كراسة الرسم وعلبة الألون ليجلس أمامه على نحو أقرب مما كان يفعل أثناء انشغال أبيه بالنحت .. يواصل بأصابع مرتعشة رسم  مشهد المرأة الجميلة التي تجلس مبتسمة في سعادة فوق أرجوحة واسعة، محاطة بالأشجار والزهور، بجوار بحيرة مستكينة بصفاء لامع.
بعد سنوات كثيرة .. جلس الولد الذي لم يعد صغيرًا أمام التمثال الحجري ومعه كراسة رسم قديمة .. كانت الدموع التي حبسها طويلًا تتساقط من عينيه، وهو يضيف الرجل الذي نحت التمثال إلى الأرجوحة بجوار المرأة الجميلة.
حينما أصبح الولد كبيرًا جدًا، وبعد أن أصبح لديه طفلة صغيرة، تحب النظر إلى الغيوم، واستقبال قطرات المطر في راحتي يديها، وتتساءل طوال الوقت عن الحياة والموت، وبعد أن فشل في القيام بما يفعله الآخرون الذي يحاصرون عزلته: أن يتكلم بهدوء، وبراحة أعصاب ثابتة، وأن يتجهم ويبتسم ويضحك برصانة أخّاذة، وأن يعرف بشرًا كثيرين، وأن يعيش في أماكن رائعة، وأن ينظّم خطواته على نحو يحميه من الندم، وأن يبتكر دعابات تاريخية تتيح لذكرياته ـ على الأقل ـ أن تهيمن على مدينته؛ لم يُعلّم طفلته الصغيرة كيف ترسمه بعد الموت جالسًا بين المرأة والرجل فوق الأرجوحة، بل رسم نفسه أولًا على هيئة طائر هزيل، يحاول الخروج من اللوحة بعيدًا عن الأرجوحة المحاطة بالأشجار والزهور بينما تنعكس صورة هروبه فوق سطح البحيرة .. كانت تبدو السماء في اللوحة مع محاولة انفلاته كأنما تحوّلت إلى سقف أزرق صلب، مزيّن بدوائر وخطوط بيضاء غير منتظمة .. علّم الولد الكبير جدًا ابنته الرسم، ثم طلب منها الاحتفاظ باللوحة القديمة، كي تُعيد بعد موته الطائر المحلّق، الذي ظل يحاول الخروج بعيدًا إلى النوم بين الرجل والمرأة المبتسمين فوق الأرجوحة، وأن تجعل أيديهما تحتضن جسده المنكمش.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 14 نوفمبر 2017

الاثنين، 13 نوفمبر 2017

هايكو الحنين

(1)
الغيوم تتحسس
ملامح الأعمى.

(2)
ظل تجمّد
في طريق ليلي
بعد انطفاء النجوم
في كراسة رسم.

(3)
عصافير الصباح الباكر
ترش الأغنيات عبر شباك المطبخ.
تنمو زهور البيچاما الصغيرة.

(4)
العامود أمام البيت
يُريح ضوءه الأصفر
فوق السرير المظلم.

(5)
الملابس فوق الحبال
تُعطّر الضباب.

(6)
مطر يلوّن
الصمت وراء النافذة
برائحة الحصة الأولى.

(7)
البرد يتظاهر
بأن جسدي لا يزال ملونًا
ويعوم في السماء
بالخيط الذي في يده.

(8)
قلب برتقالي
يمحو خطوط الرصاص
فتذبل الوردة الحمراء
النائمة بداخله.

(9)
جسر يطير
كأن شمس العصر
تتبادلها أقدام صغيرة
في نهايته.

(10)
يهطل النهار من الثلج.
الليل ينبعث من أوراق الفل.
تعود الشرفات من التمشية
إلى أحلام الشتاء.

(11)
يستيقظ الأرنب بجوار القضبان.
يدق على طبوله
فتدور عجلات القطار.
قلب يسافر
عبر شقوق الشيش.

(12)
كأن الحديقة
إبنة صغيرة للنهر.
كأننا القطط البيضاء
التي تربيها الحديقة.

(13)
كنا أرواحًا
تحاول الاختباء من أجسادها
وهي تلعب (الغميضة)
مع شجرة عجوز.

(14)
يتظاهر أحدنا أنه الموت
ويقف في منتصف البحر
ليمنعنا من العبور بين شاطئين
فتضحكنا خيبته.

(15)
تمتد السماء
من قصة مصورة
إلى ما وراء البيوت.
هناك
ينتظرني كوخ أزرق.

(16)
عينان فوق الوسادة
تُحضران طبقًا طائرًا
لهذه السماء البرتقالية.

(17)
زرقة السماء
على وشك الغياب.
أمشي فوق البيوت
كأن الأسطح الصامتة
مربعات رصيف.

(18)
أصعد السلالم المغلقة
في ضوء النهار
لأصل إلى البحر.

(19)
أخرج في الليل
من الصخب الملوّن
لحفلة المدينة
إلى ظلام جانبي.

(20)
ساحات مزدحمة
لكرنفال الظهيرة الشعبي.
بيوت وشوارع قديمة
تسبح في عينيّ النائمتين.

(21)
لا تزال المصابيح
تومض في الليل.
بعد ذهابهم
أجلس على جانب الطريق.

(22)
فوق الشاطئ
يقفزون من قلبي.
تدفعهم جبال الأمواج عاليًا
فيعيدهم الصدر المهيب للأفق.

(23)
هواء الشتاء
يُهيّئ الفراغ الواسع
لمطر العصر.
أحلّق فوق شريط القطار.

(24)
الظلام يطغي تدريجيًا.
تتحوّل البيوت
إلى مصانع شاحبة
للدُمى الكبيرة.

(25)
المطر المسائي
في نهاية الرصيف.
تسكن الأضواء الخافتة
ويتمطّى النهر.

(26)
ليل يمطر
أعبر شارعا خاليًا
قادما من ظلام غريب
نحو بيت لا أعرفه.

(27)
مدينة تختبئ في اليقظة.
تظهر في أحلامي
لتبحث عن طفل مفقود.
اللوحة لـ Pierre Auguste Renoir

الأحد، 12 نوفمبر 2017

عزاءات الراوي

مازلت أفكر حتى الآن: هل رأى الرجل العائد من العمل زوجته تطل من البلكونة شبه عارية، وعشيقها يقف إلى جوارها بملابسه الداخلية ويدخن سيجارة حقًا؟ .. هل ماتت الزوجة العجوز بالفعل بعدما طلبت أن يرد أحد على التليفون الذي رن جرسه في فيلم الأبيض والأسود؟ .. هل ازداد الابن طولا أم أن الأب هو الذي بدأ يقصر؟ .. هذه الاستفهامات ليست أقل من أن تكون هوية قصصية لابراهيم أصلان، ولذلك فهي غير خاضعة للنسيان .. إنها أشبه بصندوق موسيقى داخل الذاكرة لا يحتاج أكثر من مرور العينين على أرغفة العيش الطازج، أو شرب كوب من الشاي في البلكونة، أو النظر إلى مرآة مكسورة حتى يُفتح.
(إلا أن هذا لم يمنع أنه فى بعض الأيام، خصوصا عندما كان يراها تتربع على الكنبة فى ضوء الشباك وقد عرَّت ركبتيها وبان شىء داخلى من لحمها العارى ترفع قطعة المرآة المكسورة أمام وجهها بينما تمسك الملقاط الصغير بين إصبعيها تنتف جذور الشعر من تحت حاجبها المقوس بعناية، أو عندما كان يلاحظ امتلاء جسدها من الخلف وهى تخطر أمامه فى الصالة، عندما كان يحدث شىء من هذه الأشياء وربما أشياء أخرى قليلة، لم يكن يملك إلا أن يقضى الفترة القادمة يغلبه القلق سواء كان يشرب الشاى أو لا يشربه).
قصة (الرجل الذي عاد).
تبدو شخصيات ابراهيم أصلان كأنها تختبر أشكالا متعددة للتوتر الوجودي المشابه لذلك التشظي الذي يمثل طبيعة أساسية للأحلام .. لكن هذه الشخصيات لا تحلم بقدر ما تواجه إفاقة مباغتة من نفس الحلم المُسمى بالماضي .. استيقاظ غير متوقع داخل الصدأ المتدفق للواقع يستدعي التأمل في العتمة التي تم الانتباه إليها .. ربما هذا ما يبرر الشعور بأن جميع الشخصيات القصصية تبدو كأنها تردد طوال الوقت تساؤلات ثابتة بصيّغ مختلفة: (ما الذي حدث؟ .. من نحن؟ .. لماذا حدث ذلك؟ .. كيف؟ .. إلى أين سينتهي بنا؟) .. إنها لحظة الإدراك بأن هذه العتمة كانت هنا منذ البداية، تنمو داخل الأرواح، وتسحق العظام في اندفاعها التدريجي نحو الخارج.
(قامت قالت وهي قاعدة في الأقوضة: حد يرد علي التليفون يا أولاد، في اللحظة دي، عباس فارس قام لبس الطربوش وراح رد علي التليفون، كأنه سمعها وهي بتنادي.
أنا بقي قمت من مكاني ودخلت أقول لها، إن عباس فارس سمعها ورد علي التليفون، من باب الهزار يعني، لقيت السر الإلهي طلع.
ومسح وجهه بكفه وقال: مفيش، زي ما بكلمك كده، يمكن دقيقة واحدة، وجايز تكون أقل. وهو بعد ما ينتهي من الحكاية، كان يتجه بوجهه إلي أقرب الجالسين، يتطلع إليه بعينيه الدامعتين، ويبتسم ).
قصة (أبيض وأسود).
تخلق هذه الصدمة المنطق العجائبي الخاص بها: هل الرجل بالملابس الداخلية والسيجارة هو الزوج نفسه؟ .. هل تخيل الأب موت زوجته العجوز، وأن دعابة عباس فارس الذي سمع كلامها ورد على التليفون هي السبب في هذا التخيل؟ .. هل توهم الأب لتضاؤله الجسدي سيفضي به إلى تضاؤل فعلي مثل غياب الشمس مع ارتجافة أخيرة من ضوء النهار في الأفق البعيد؟.
(ظل واقفاً يتطلع الى الهدوم المرصوصة كأنه يبحث عن شيء ما، وبينما كان يغلق الدولاب لمح العجوز وهو يأتي مرة أخرى مع حركة المرآة وينظر اليه غاضباً، حينئذ غادر المكان وعبر الصالة الى المطبخ، فتح الثلاجة وأغلقها، ورفع غطاء الحلة الموجودة على البوتاجاز ووضعه، ثم ترك المطبخ ودخل الشرفة الصغيرة واستند بجسده الى سورها الحجري القصير، ورأى اسطح البيوت الخالية، وهناك، كانت الشمس تغيب، مع ارتجافة أخيرة من ضوء النهار في الأفق البعيد).
قصة (آخر النهار).
لا يزال ابراهيم أصلان حاضرًا هناك .. في وعي كل راوٍ يقود شخصياته من العماء إلى الاحتمالات الممكنة للموت داخل ما هو قريب ومألوف ومسالم .. عزاءات متفاوتة التجسّد، تنتظر دائمًا فوق الجسور المشيّدة بين الذات والرعب .. بين تاريخها الغامض، ومصيرها المجهول .. يقف ابراهيم أصلان كذخيرة من الرفقاء ذوي الملامح المختلفة، الذين يعبرون بالأجساد المتهالكة داخل الزمن، خصوصًا حينما تكون النهايات وشيكة للغاية، كأصدقاء لا يفسرون الخيانة، ولا يذيبون القلق والارتباك، وإنما يحاولون الحفاظ بقدر ما يستطيعون على الطابع الحريري للموجودات التي مر الغدر منها .. الإبقاء على قدر من الانسجام الحميمي المبهم بين العناصر الحسية التي تبدلت دون حرج أو تفاوض بوصفها سرًا للحكايات المنذورة للضياع.
مجلة (عالم الكتاب) ـ أغسطس 2017

السبت، 11 نوفمبر 2017

"هفوات صغيرة لمغيّر العالم": كابوسية الزمن النفسي

عقدت مؤسسة "بتانة" الأحد الماضي حفل توقيع ومناقشة المجموعة القصصية "هفوات صغيرة لمغيّر العالم" للكاتب ممدوح رزق، وأدارها الكاتب والناقد عمر شهريار. في البداية أكد د. شاكر عبد الحميد أن "هفوات صغيرة لمغيّر العالم" من أهم المجموعات التي قرأها في الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى حضور كابوسية كافكا، وإلى هيمنة المكان على الشخصيات، وإلى تحوّل الزمن الكرونولوجي إلى زمن دائري في قصصها. تحدث د. شاكر عن الروح الروائية للمجموعة التي اعتمدت على توظيف التقنيات السينمائية سواء فيما يتعلق بالقطع والمزج والمونتاج، وهو ما حوّل العالم إلى حدث يُشاهد عبر شاشات عديدة، ورغم ما قد تحمله هذه المشاهد من كوارث أو دمار إلا أنها تُصنّف كتسلية للشخصية التي لن تؤثر عليها هذه الأحداث، وهي الشخصية التي تتكرر عبر القصص. أشار د. شاكر إلى أن هذا ما يُسمى في دراسات المسرح بالخبرة البديلة؛ فالعالم هو حالة مسرحية يمكنك أن تشعر بالتعاطف تجاه ما بها من مشاهد القتل أو التعذيب أو ما شابه التي تتضمنها، لكنك في الوقت نفسه تستمتع بالأمان الذي يمنع عنك هذه الأحداث. تحدث د. شاكر عبد الحميد عن العديد من سمات المجموعة؛ فهي إلى جانب استخدامها للرصد السينمائي، تقوم قصصها أيضًا على سوء الظن والشكوك والأشياء الخفية الغامضة والمشاهد الكابوسية العنيفة وفقدان الشغف حيث كل شيء أصبح كما لا ينبغي أن يكون. أكد د. شاكر كذلك على لعبة الضوء والزمن التي يستعملها ممدوح رزق، وعلى اعتماده على عالم الصورة، والحياة المستقلة للصور التي يمكن من خلالها رصد التحولات التي تطرأ على حياة الكائنات عبر صور شبحية غامضة، وصور فوتوغرافية واضحة، وصور متحركة، وخيالات، وأحلام، وصور من عالم فيسبوك.
تحدثت بعد ذلك د. هويدا صالح التي أكدت أن المجموعة على صغر حجمها تقترح العديد من المداخل لاكتشاف جماليات قصصها وعوالمها، كما تناولت أيضًا الحالة الكابوسية للمجموعة من الغلاف إلى التصدير بمقولة لكافكا إلى النصوص، وأشارت إلى أن "هفوات صغيرة لمغيّر العالم" أقرب إلى المتوالية القصصية نظرًا للوشائج التي تجمع بين النصوص مثل السارد أو التاريخ الشخصي للسارد الذي بدأ في قصة "الأربعون"؛ هذا الرجل الذي وصل إلى الأربعين، وحينما فوجئ بأن الزمن قد سرقه وأوصله إلى هذه العتبة النفسية كان عليه أن يعود إلى حياته ليتأملها أي أن يستغل الذاكرة في تثبيت مشاهد الماضي لأنه لا يريد أن يعاني مصير الأب الذي أكله النسيان أو الزهايمر. تصبح الذاكرة هي المقابل للنسيان، والتي لا تعني تأمل حياة السارد فقط، وإنما حياة أبيه كذلك. تحدثت د. هويدا عن السارد الذي كان طفلا، وحينما وصل إلى الأربعين وجد نفسه يعاني من نفس الأزمة النفسية التي كان يعاني الأب منها فيلجأ إلى طفلته التي تقوم معه بنفس الدور الذي كان يؤديه حينما كان يلجأ أبوه إليه، وهو ما جعل هناك تماهي مع الأب لهذه الشخصية التي تنتقل إلى كل القصص. السارد الذي لديه زوجة وإبنة، ويعاني من القلق الوجودي والتهميش. أشارت د. هويدا صالح أيضًا إلى امتداد الوشائج في المكان والزمن، وأن ممدوح رزق يعمل على الزمن النفسي طوال الوقت كما في قصة "الكراهية المطلقة"، الزمن الذي هو ليس تتابعيًا حقيقيًا، وإنما زمن نفسي أي ليس كما يبدو بالنسبة لنا أو للشخصيات في المجموعة. تحدثت كذلك عن أن العودة بالزمن دائمًا هي وسيلة الذات القلقة المنفصلة عن العالم، والتي تعيش في عالم يخصها أو عالم مغلق أو داخل الصور. الذات التي ـ بحسب تصدير كافكا ـ تحاول أن تنصت إلى نفسها لتحتمي من عدائية المكان وانسحاقها أمام الزمن، وأن ترى انعكاساتها في المرآة. هذا الإنصات إلى الذات من أهم الهموم التي قالت د. هويدا أن السارد يطرحها ومن ورائه ممدوح رزق في هذه المجموعة. أشارت كذلك إلى توظف تقنيات السينما والفن التشكيلي واستدعاء طرق للسرد تناسب الزمن النفسي، والاعتماد على توزيع مساحات الضوء والعتمة، واستخدام لغة مشهدية بصرية كما في قصة (ليلة حب) التي تجعلنا نشاهد التفاصيل وأن نعيد تشكيل الحكاية عبر الإشارات والفراغات عن هذه المرأة التي فقدت شغفها بالحياة. أكدت د. هويدا صالح أن ممدوح رزق يدرك تمامًا فلسفة الزمن، أي أنه يريد أن يطرح لنا فلسفة ما عن لماذا يمر الزمن هكذا؛ فالسارد في قصة "الكراهية المطلقة" المكتوبة بلغة كابوسية من منطقة تيار الوعي لا يريد أن يموت بل يستنجد بالذاكرة حتى تُعيد إليه الحياة فيبحث عن أكثر اللحظات دفئًا في حياته لأنه يرغب في استدعاء اللحظات التي كان فيها سعيدًا ذات يوم، يريد أن يحتمي بالذاكرة. أشارت أيضًا إلى ثيمة افتقاد الرغبة في الحياة، وإلى جدل الثنائيات: بين الذات والعالم أو الصراع بين الأنا والآخر (الزوجة ـ الأصدقاء ـ الأب)، بين الحياة والموت، بين الموت والخلود حيث تثبيت الصورة التي تحل محل الحياة من أجل هذا الخلود. الصراع بين الافتقاد والجمود والعادية، بين الحضور والغياب، أو بين الحب والكراهية. تحدثت د. هويدا كذلك عن أن ممدوح رزق يطرح سؤال الكتابة؛ فالمؤلف الضمني في قصص المجموعة هو كاتب، وفي قصة (ورشة الكتابة) لا يتحدث عن الكتابة فقط أو عن كيفية كتابة القصة أو عن تثبيت اللحظة القصصية بل عن هموم الذات التي طُرحت على مدار المجموعة، الخوف من الآخر، القلق الوجودي الذي يسيطر على الشخصيات، كما أن سؤال الكتابة أيضًا في القصة الذي يطرحه ممدوح رزق يتعلق بأسئلة الكتابة المرتبطة بما هو إحالي وتخييلي وواقعي. في النهاية أكدت د. هويدا صالح إلى أن الهفوات الصغيرة هي أسئلة كلية للوجود: سؤال القلق النفسي، سؤال فلسفة الزمن، سؤال العلاقة بين المكان والزمان، وأن عنوان المجموعة هو دلالة ضدية ما بعد حداثية مقصودة من ممدوح رزق يريد منها أن يسخر من فكرة تغيير العالم، وأنه أراد من هذا العنوان الساخر أن يهدم هذه السردية الكبرى.
موقع (الكتابة) ـ 9 نوفمبر 2017

الأربعاء، 8 نوفمبر 2017

هفوات "ممدوح رزق" الكبيرة لتغيير العالم

اقامت مؤسسة بتانة اليوم حفل توقيع ومناقشة المجموعة القصصية "هفوات صغيرة لمُغير العالم" للكاتب ممدوح رزق، الصادرة مؤخرا عن المؤسسة، واشترك في مناقشة المجموعة الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، والدكتورة هويدا صالح استاذ النقد الادبي، وأدار الندوة الشاعر والناقد عمر شهريار.
تحدث شهريار في البداية عن التنوع الكتابي للمؤلف بين القصة والرواية والشعر والكتابة النقدية، فيما قرأ رزق علي الحضور بعض من القصص المختارة كـ "الغرق، حكايات متواطئة، كأننا كاذبان".
وأكد الدكتور شاكر عبد الحميد في مُداخلته بأن المجموعة كانت مفاجأة بالنسبة له حين قرأها؛ من حيث الزخم المعرفي والفني الواضح ضمن السياق السردي، والذي يدل علي إمتلاك الكاتب لأدوات القص الحديث، مستفيدا من الإرث القصصي العالمي.
وأشار، إلى تيمة الشخصية الواحدة المتواترة عبر قصص المجموعة علي طول السرد، والتي تحمل صوت الراوي، فيما حملت شخصيات المجموعة الطابع الكابوسي أو"الكافكاوي" بداية من تصدير الكاتب بمُقتطف لكافكا: "كل إنسان يحمل في داخله غرفة. هذه الحقيقة يستطيع المرء التأكد منها عند إصاخته السمع. فعندما يسير أحدهم بسرعة ويُصيخ السمع بدقة في الليل مثلا، عندما يكون كل شيء حولنا صامتا، فإن المرء سيسمع مثلا، خشخشة مرآة حائط ليست مُثبتة بشكل جيد".
وأوضحت الدكتورة هويدا صالح أن المدخل الأبرز لقراءة هذه المجموعة هو المدخل النفسي؛ مؤكدة علي ملمح الكابوسية الذي اشار اليه د. شاكر عبد الحميد، والذي يُكمله غلاف الكتاب الأسود؛ من حيث قراءة عتبات النص.
كما رأت أن روح المُتتالية يغلب علي قصص المجموعة، حيث السارد واحد تقريبا في معظم القصص. تنتقل شخصيته وإن اختلفت أو تنوعت من قصة لقصة، حاملة في سماتها الثقل العمري والزمني للراوي، ومضيفة في كل قصة بُعدا آخر للشخصية.
وأشارت الى التكنيك السينمائي الذي اتبعه الكاتب بالاضافة الي اللجوء الى مفردات الفن التشكيلي، من حيث توزيع مساحات الضوء والعتمة في النص، الأمر الذي كان له دور كبير في إظهار الهم الإنساني العام الذي تُقدمه القصص، وهو محاولة الإنصات إلى الذات.
واستمرارا في قراءة عتبات النص؛ اوضحت د. هويدا بأن الكاتب قدم هذه الكابوسية والعالم السوداوي من خلال السخرية منه؛ حيث لم تطرح المجموعة تلك الهفوات الصغيرة كما في العنوان، بل كانت أسئلة كبيرة ووجودية.
وائل سعيد
بتانة نيوز ـ 5 / 11 / 2017

مناقشة وتوقيع مجموعة (هفوات صغيرة لمغيّر العالم) في مؤسسة بتانة





























وشم الروح: دعابة الراوي العليم

لا يحتفظ صوت الراوي العليم بنبرة ثابتة بل إن هذه النبرة دائمة التغير وفقا للوعي القرائي أي بناءً على تحوّل الرواية من كيان مستقل للكاتب إلى سردية خاصة بمن سيعيد كتابتها .. حينئذ ستمثل هذه الرواية وثيقة حكائية لشخص آخر في زمن معين قد يكون مؤقتًا، وبهذا لا يتم اعتبار ما يمكن تصوره النبرة الأصلية للرواية أي تلك التي تنتمي إلى كاتبها أكثر من مجرد اقتراح، أو نوع من الإلهام القابل للتوافق أو الاشتباك أو التجاهل؛ فالراوي العليم يُمكن أن يُسمع بنبرة أخرى تختلف عما يسعى صوته السردي للانحياز إليه سواء كان تعاطفًا أو غضبًا أو شفقة أو أي شعور آخر.
(هذا العام تكرر ما يحدث دوما، منذ زواجها، وهو أن تجبر على قضاء مناسبة رأس السنة في المنزل، تشعر بالسخط لأنها لا تستطيع تنفيذ حلمها البسيط، وتتوقع كما في بقية المناسبات أن ترضى بما هو متاح، دون أن يخرج سخطها في صورة مشاجرة زوجية. منذ أن تركت العمل أصبحت تقضي وقتها على الإنترنت، حدث ذلك في منتصف نوفمبر من العام الفائت، مر شهر ونصف قررت وقتها ألا تلتحق بعمل تالٍ حتى تأخذ هدنة تستعيد فيها قواها، وتفكر ماذا تريد أن تفعل بحياتها، العمل كصحافية مجهد بالنسبة لها، يتطلب ابتكارا وتفكيرا ومحاولة دائمة للتطوير. في ظروف أخرى يكون هذا العمل مثاليًا بالنسبة لها أما في ظروفها الحالية يمثل عبئًا، ذلك لعدة أسباب أهمها محاولات زوجها المستميتة لتشتيت أفكارها، وإرباكها حتى لا تحقق أي نجاح، ومشاجراته العنيفة التي تصل لحد منعها من الذهاب للعمل، والتي قد تنتهي بتفاوض بينهما فتذهب إلى العمل مجهدة، ولا تستطيع التركيز في أي شيء، أيضا ساعات النوم القليلة التي تحصل عليها عبء آخر، وشعورها الدائم بالذنب لأنها لا تقضي مع أطفالها وقتا، ولم تعد تقص عليهم الحكايات، أو تعلمهم الحروف والكلمات كما كانت تفعل في السابق).
في رواية (وشم الروح) لسماح عادل الصادرة عن دار ابن رشد، يصلح الراوي العليم بالنسبة لي وبشكل مثالي لأن يكون الغيب أو القدر أو الموت متقمصًا أو متنكرًا في صورة بديلة، ولهذا فالنبرة الأكثر ملائمة لصوته هي السخرية .. هذه الإرادة الكونية المجهولة التي تحكي معاناة جوليا مع زوجها، وتطور علاقتها بغسان المطلق الذي يعيش وحيدًا حتى لقاءهما في النهاية؛ هذه الإرادة ـ وفقًا لوعيي الخاص ـ لا ينبغي أن يحكم سرديتها إلا التهكم .. كأن هذا النبرة لصاحب عين محلقة ومتوارية، يراقب ويشرح ويحلل سلوك وردود أفعال كائنات موظفة لتجارب استعراضية، يدرك تمامًا طبائعها ومصائرها ويدوّن تقريرًا بذلك من باب التسلية الهازئة مدعيًا الحياد أو ما يشبهه.
(فهمت معه أن العشق أقصى مراحل الحب، وأنه لا يحتاج لوجود الجسد بقدر ما يخاطب الأرواح، تركت عقلها جانبا واستسلمت لتلاقي أرواحهما في هدأة الليل، وعرفت أنه هو من ستعشقه ما تبقى لها من العمر. قال لها إنه سيوشم عينيها على صدره، اندهشت، أكد لها أنه يعشقها، وقرر أن يحفر عينيها على جسده لتبقى ملتصقة به للأبد، أحست أنها في حلم فهما لم يتكلما عن الحب سوى هذه الليلة، حاولت ثنيه عن فعل ذلك، مبررة ذلك بأن أدوات الوشم تنقل أمراضا، وأنه سيتألم كثيرا، وأنها خطوة مجنونة منه، لكنه لم يهتم، نامت وهي تفكر في أنه مجنون وأنه يقترب إليها بسرعة تدهشها).
كان يمكن للتكنيك الروائي الذي اتبعته سماح عادل أن يكون دون مبرر جمالي، وأقصد به تبادل حكي نفس الأحداث من خلال حياة جوليا مرة، ثم من خلال حياة غسان مرة أخرى كتثبيت لحالة التباعد والانفصال وانعزال كل شخصية داخل سجنها الخاص، وتمهيدا للامتزاج بينهما في نهاية الرواية، ذلك لأن الراوي العليم كان يقدم أثناء السرد لعالم جوليا حصيلة لم يضف إليها السرد لعالم غسان ما يمكن وصفه بالانقلابات الفارقة في الرواية .. كان الحكي الخاص بجوليا يعطي ويكتشف ويستنتج ويتوقع ويؤكد عن غسان نفس المعطيات التي سيثبتها الحكي الخاص به عند الانتقال إلى فقرته السردية، أي أنه لم تكن هناك تناقضات حادة أو أسرار خفية في حياة غسان تُعارض بقوة تلك التي تُذكر في حياة جوليا، وتستحق بالتالي أن تخصص فقرات مستقلة من أجلها، وبهذا كان من الممكن ـ دون التنازل عن هذه التفاصيل ـ استبدال ذلك التقسيم الذي تبدأ وحداته بالحرف الأول من إسمي كلٍ منهما بمتن روائي واحد يضم الشخصيتين، ويجسد في الوقت ذاته الوحشة التي تجمعهما.
(جهز غسان زجاجة الويسكي، سوف يقضي سهرته اليوم في منزله وحده، ليس لديه رغبة في صحبة أحد اليوم، غالبا ما يقضي أوقاته مع أصدقائه، لكنه هذه الأيام أصبح يميل إلى تقضيتها بمفرده، مع حلول العام الجديد انتابته أفكار اكتئابية، فها هو عام جديد يأتي وهو على وحدته، يعيش وحيدا في منزله، ولا تزال علاقته بأهله متوترة، ما عدا أمه التي تزوره بشكل منتظم وتبقي على تواصلها معه. تزوج مرة منذ 7 سنوات ولم يستمر زواجه طويلا، ومن وقتها لم يستطع أن يحب مرة أخرى، دخل في علاقات إعجاب متبادل لكنها لم تتطور لعلاقة حب حقيقية، وفي النهاية قرر أن يعيش حياته دون امرأة، واستطاع أن ينفذ ذلك).
كان يمكن لهذا التكنيك السردي أن يكون دون مبرر جمالي فعلا ولكن ما أعطى ضرورته عندي هو نبرة السخرية في صوت الراوي العليم؛ فالإرادة الكونية المجهولة حينما تحكي عن آلام امرأة تعيش حياة ظالمة مع زوجها، وعن قتل المجتمع لحريتها، وعن رجل يشعر بالوحدة، ويبحث عن الخلاص من أزماته، وحينما يحكي عن صراعات الروح والجسد، وعن الشوق والتوحد والغيرة والفقد والتسامح والتضحية والإيذاء بين المحبين فإن جانبًا جوهريًا من الدعابة التي تسردها سيدعمها هذا التبادل في حكي الموقف الروائي الواحد بين حياة جوليا مرة، وحياة غسان مرة أخرى لتؤكد أن المشهد هنا أو هناك أزلي ومتكرر ومعروف ويخلو حتما من المفاجآت كأنه سيظل يعيد نفسه إلى ما لانهاية، وأن هذا الاعتياد هو مصدر اللذة .. بالضبط كأن الراوي العليم حينما ينتقل من جوليا إلى غسان يقول لنا: ألم أخبركم بأن ما كانت عليه هذه الشخصية في عالم آخر هو ما ستكون عليه حقًا في عالمها المنعزل، وأنني أدرك ذلك كله، وأستمتع به لأبعد حد.
(استمر جنونها، مرات تهدده بالابتعاد، ومرات تشكو حنينها إليه، ومرات تطلب منه إنهاء البعد الإرادي الذي حكم عليهما به، ومرات تثور عليه ولا توقف غضبها، بعد نوبة غضب بعد أن رأت صورة له في فرح صديق وذراعه مخفية تحت المنضدة شكت أنه لم يقم بعمل عملية كما قال لها، اتهمته باتهامات كثيرة، واحتدت عليه، بعث لها بصورة وذراعه مربوطة، وقام بحظرها، عرفت أن غضبها زاد عن حده هذه المرة، لكنها محقة فهي لا تعرف عنه شيئا إلا من خلال "فيسبوك").
بالنسبة لي فقد وصل تهكم الراوي العليم إلى ذروته مع الإيروتيكية البارعة التي وصفت بها سماح عادل تحضير جوليا لذهابها إلى بيت غسان ولقائهما الجنسي الأول .. كأن الغيب أو القدر أو الموت هو الذي يضاجع في الحقيقة تلك الغفلة الشهوانية التي تستعمل جسدي جوليا وغسان .. كأنه احتفال مخبوء بما يظنانه بداية جديدة، وبالعلم الكامل لذلك الحديث بينهما الذي لن ينته حتى بنهاية عمرهما.
جريدة (أخبار الأدب) ـ 4 / 11 / 2017

الجمعة، 3 نوفمبر 2017

توقيع ومناقشة (هفوات صغيرة لمغيّر العالم) في بتانة

يوم الأحد 5/11/2017، مناقشة المجموعة القصصية: "هفوات صغيرة لمغير العالم" للكاتب الناقد "ممدوح رزق"، يناقش المجموعة الدكتور الناقد شاكر عبد الحميد، والدكتورة الناقدة هويدا صالح، يدير الندوة ويقدمها الكاتب الناقد عمر شهريار، في مقر مؤسسة بتانة بعمارة يعقوبيان، وسط البلد.

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

آلات الرجاء المكتوم

تحكين لي عن الأرملة العجوز
الأم لاثنين من المهاجرين
التي عثروا على جثتها فوق عتبة المطبخ
بعد يومين من الموت.
قولي لصمتك المرتعش هذا
أن يكف عن التوسل لي
قلبي ليس متحجرًا كما تعتقدين
وليست اللامبالاة القاسية هي التي تمنعني
من الاتصال بكِ مرة واحدة على الأقل في اليوم
مثلما تريدين أن تطلبي مني الآن.
أعرف أنكِ لو أخبرتيني صراحة بكلمات تشبه:
(لا أريد أن تنتهي حياتي مثل العجوز)
لطلبت منكِ ـ كالعادة ـ أن تعبري المطبخ سريعًا
كي لا يصطادك الموت هناك.
صدقيني
ليست متعة مفضلة لي
أن أحوّل خوفك من الموت وحيدة
إلى دعابة هازئة
أنا فقط أكثر رعبًا مما قد يخطر ببالك
حتى أنني لا أجرؤ على قبول الاطمئنان عليكِ كل يوم
كي لا يعد ذلك إقرارًا من جانبي
بثقتك في بقائي على قيد الحياة.
كيف تضمنين ألا يعتبر الموت اتفاقنا
إهانة لدهائه
ينبغي أن يعاقبنا على ارتكابها
فتضطرين للبحث عن أحد آخر
يتصل بك مرة واحدة يوميًا على الأقل
بعد إزاحة جثتي
من فوق عتبة ما.

السبت، 28 أكتوبر 2017

فلاش باك لجناحين ناعمين

أخرج من بيتي في الظهيرة .. أتحرك من شارع جانبي إلى آخر حتى أصل إلى البوابة الخلفية لمحطة القطارات .. أسير أمامها نحو الرصيف المحاذي لمدرسة العائلة المقدسة .. أخطو تحت ما يشبه الحافة الممتدة، غير المستوية لبحر أخضر، أمواجه متفاوتة الارتفاع، يحتشد في ثباتها الغصون المتلاحمة للأشجار الكثيرة، وفروع النباتات المتشابكة بكثافة أوراقها، وتناثر زهورها الملونة، حيث يمكن تمييز رائحة الفل من اختلاط النسائم .. تغمر أطراف هذا البحر الأشبه بفردوس صغير سياجًا حديديًا يعلو جدران المدرسة، وتتدلّى عبر ثقوبه الواسعة نحو هواء الرصيف .. أمر تحت الكوبري السفلي ثم أعبر الطريق نحو بيت آخر .. ليس هناك أحد إلا الموتى .. أبي يقف أمام الدولاب المفتوح في حجرة النوم .. أمي بين البوتاجاز والحوض داخل المطبخ .. أختي جالسة على سريرنا أمام دولابها الصغير .. أخي الأكبر ممدد في حجرته .. أخي الآخر جالس بجوار شباك الصالون، وينظر إلى الشارع عبر الشق الضئيل بين ضلفتيه .. لو أردت أن أسمعهم الآن سأسمعهم .. لكنني ـ كالمعتاد ـ لا أتذكر كلماتهم الآن، ولهذا يتبدد الصوت غالبًا لصالح الوجه .. كأنني كنت أعيش مع مجموعة من الأبكام، لا يستطيعون التخاطب إلا بواسطة إشارات الأيدي وتعبيرات الملامح بالرغم من أن حيواتهم لم تمتلك بصمة لإثبات وجودها أقوى من الصراخ والنحيب .. كأنني كنت طفلا أصمًا لا يمكن لأذنيه أن تمررا إلى وعيه ماهية العذاب المتدفق طوال الوقت من أفواههم فظل معتمدًا حتى اللحظة الأخيرة على تأمل الوجوه ومراقبة انفعالاتها، وتتبع حركات الأذرع والأقدام .. فجأة يختفون ثم تطلب طفلتي أن أقف معها في الشرفة .. تضع قدمها اليمنى في الفتحة المربعة الكبيرة للسور ثم تستند على صلابته لترتفع قليلا بينما تضع قدمها اليسرى في الفتحة المربعة الكبيرة المجاورة للأولى .. حينما كنت أقوم بهذا الصعود القصير لمشاهدة العابرين، لم أكن أعلم أنه سيكون لي طفلة ستقف في نفس المكان بالضبط بعد أكثر من ثلاثين سنة .. كيف لطفل لا يزال مستكينًا داخل السنوات العشر الأولى من حياته أن يتخيل وهو جالس في الشرفة آخر النهار الشتائي بين أصص الريحان، وتحت فروع اللبلاب الغزيرة المثبّتة فوق الحائط أنه سيقف بجوار طفلته ذات لحظة ما في الموضع ذاته بعد أن يتلاشى كل شيء .. هنا يا حبيبتي كنت أقرأ القصص المصورة، وأحلم بالعيش في حصانتها، مرتديًا البيجامة الكستور بينما أنصت إلى صفير متواصل كنت أظنه لطيور غير مرئية، تخاطبني من وراء الغيوم حتى اكتشفت أنه لصاحب برج الحمام فوق سطح هذا البيت القديم، الذي ينادي أصدقائه ذوي الأجنحة الناعمة كي يعودوا إلى بيتهم العالي قبل الغروب .. هنا كان جسدي الصغير والمطر يحتض كل منهما الآخر .. كان الهواء البارد يجعلني والمطر كائنًا واحدًا داخل هذه الشرفة التي كانت على وشك أن تكون جزءًا من مدينة البط يا حبيبتي .. أما الآن فالصحراء المقيتة خلفي، يطبق ظلامها المرعب على كل حيز داخل الصالة والحجرات، ويمتد عبر الباب إلى السلالم المتهدمة التي مرت عليها جنازات هذا المنزل، واحدة تلو الأخرى، ولم يعد لفضائها الصامت هوية سوى الرائحة المريرة للموت، بكل ثقلها السافل، الذي يعصر قلبي ويطحن عظامي أثناء الطلوع والنزول .. منذ سنوات طويلة، لم يعد صعودي وهبوطي لهذه السلالم سوى تمرين على جنازتي .. الصحراء المقيتة خارج البيت .. في المدينة كلها .. في العالم الذي لم أجئ إليه سوى لأدفن طوال عمري داخل بقعة صغيرة من فراغه المعتم .. لم تعد الحياة بالنسبة لي سوى التظاهر بأنني لست ضائعًا في الظل الأسود الهائل للموت .. ابتعدت عن الأصدقاء، كي أمشي وحدي، أبحث في الأماكن القديمة عن نظرات أمي .. ربما أجد عينيها في وجوه الفلاحات داخل السوق اللاتي كانت تبتاع منهن، أو فوق أبواب وحوائط ولافتات الدكاكين العتيقة التي كانت تقصدها، أو في الشرفات المتهالكة والخاوية للبيوت المقفلة على غبار النهايات التي كانت تخطو بين ابتساماتها .. أمشي وحدي في المدينة كوعاء للفناء، يحمل رماد عائلته كلها، يرتعش بالروائح المفاجئة للماضي التي تتعمّد الانبعاث عند مروره أمام مخابئها ثم تتلاشى في لمح البصر كي يتمادى سقوطه داخل الجحيم .. جسدي يواصل الاحتراق لتزداد تدريجيًا حمولة الرماد العائلي التي أحملها فتثقل خطواتي داخل هذه المدينة التي لا أعرفها .. أربعون سنة قضيتها كغريب تائه، إقامته محددة داخل هامش ضيق جدًا، ليس بمقدوره مغادرته، بل كان عليه أن يبقى مجمدًا ومنكمشاً في خفائه، ومتطلعًا إلى الحياة خارجه باستسلام تام للخوف الذي يمزق روحه بتمهّل شهواني .. الآن أفكر في المدينة كذكرى لم أعشها .. كخيال يمكن أن يعيد الحياة إلى هذا الرماد .. لكن النوافذ التي أتهاوى منها أثناء سيري، والشوارع التي تذبح بصري في كل التفاتة، وأعمدة الإنارة التي تمضغ قدميّ المرتجفتين؛ جميعها ترسّخ وعدًا أزليًا بأنها لن يمكن أن تستجيب لأحلامي التي أرى فيها المدينة كما يجدر أن تكون خارج كل هذا الضجر الغليظ الصدئ .. كأنني أفتش منذ أربعين عامًا داخل هذه الشوارع عن لقاء لا أتذكر من الذي الذي أعطاني موعدًا له، وما الذي يمكن أن يحدث عندما يتم.
جميعهم يعرفونني .. المقيمون وراء الشبابيك، والجالسون في المحلات، والعابرون في الطرق تحت المصابيح جميعهم يدركون سري .. ينظرون في عينيّ حينما أمر بينهم كأنهم يعلمون أن معي حصيلة كبيرة من الرماد، يضيف المحترق من جسدي إليها وزنًا إضافيًا طوال الوقت، وأنني أكابد عناءً في حملها لم أعد أطيقه .. يعلمون أنني لا أستطيع نثر هذا الرماد خارج قلبي، ولا أستطيع تشكيله مرة أخرى كأبوين وثلاثة إخوة وجدة وقطتين وسلحفاة واحدة .. يعلمون أن هذا الرماد هو كل ما تبقى لي من العالم، وأنني فارغ تمامًا من دونه .. جميعهم يسمعونني دون أن أتكلم .. يقرأون في وجهي الصوت المتوسل الذي أخاطبهم به وهم يدهسونني: أيتها الأشباح التي تفيض المدينة بأجسادها العفنة .. يا من تتضاجعون، وتنتحرون، وتغتصبون، وتقتلون بعضكم البعض في كل لحظة بين الجدران وخارجها .. لا أريد أن أسمع الكلمات القديمة .. لا أريد أن أرى المزيد من نفس الصور .. لا أريد أن يكون لكم وجود هنا .. أنا آلة المحو المعطلة، وأنتم لستم أكثر من عبء بشع على ذكرياتي .. مسوخ بالية تجثم على خيالي المحتضر .. لستم سوى الكراهية في ذاتها التي تسجن أحلامي .. أنا الذي تسحقونه تحت بلادتكم البغيضة، ولا يستطيع أن ينطق، لكنكم لا تدرون شيئًا عن استمتاعه العظيم بشقائكم .. تلذذه الطفولي بالمصائب التي تلتهم غفلتكم ..  كل ما أتمناه أن أرى هلاككم جميعًا قبل موتي .. لا أرجو أكثر من أن تتبخروا دفعة واحدة في صمت محكم.
السيارات والدراجات النارية تتقاذفني بأعاصيرها الهائجة، التي تتفجر في كل الاتجاهات .. يرتجل الجالسون وراء عجلات القيادة، والراكبون خلف مقاود الموتوسيكلات مقطوعات متواصلة لموسيقى الخراب بالوقاحة اللائقة لاندفاعاتهم العاتية .. يتبادلون ارتباكي الفزع .. يقلصون المساحات إلى أقصى حد ممكن أمام خطواتي المذعورة .. يحاصرونني بالتهديد الثمل، المتلاحق في كل لحظة فأبلع الشتائم التي لا يمكنها أن تلحق بالضجيج اللامبالي لعبورهم الخاطف الذي يواصل الاعتداء على كل فراغ حولي .. أرى الخيوط التي تحركهم النازلة من السماء .. أسمع حركة أمعاء المايسترو الذي يلهو بالمسارات الفوضوية لعمائهم الدنيء .. أشم الرائحة الكريهة لانسجامه المطمئن مع إيقاع الماكينات المارقة .. أنا أشيخ مُقطّعًا في انتظار وقفة واحدة داخل الموسيقى الهادرة .. وقفة قصيرة واحدة فقط .. ربما أتمكن ـ بكل ما أحمله من رماد ـ من الطيران إلى هذا البيت العالي قبل الغروب.
اللوحة لـ Fabian Perez
أنطولوجيا السرد العربي ـ 20 أكتوبر 2017