الثلاثاء، 11 يونيو 2024

امرأة محبوبة / ديب أولين أونفيرث ـ ترجمة: ممدوح رزق

كانت تستطيع أن تتعرّف على نفسها ككائن لم يعد محتملًا .. في كل مرة تفتح فمها تقول شيئًا بشعًا دون استيعابه .. أصبحت المحبة تتقلص تجاهها من الجميع: الغرباء .. الأشخاص الذين تحبهم .. البشر الذين تعرفهم بمستويات محدودة، وكانت تأمل أن يكونوا ذات يوم من أصدقائها .. حتى لو لم تقل أي شيء .. حتى لو كان ما تفعله يبدو عاديًا .. مجرد الانطباع الذي يظهر على وجهها، أو النبرة الناعمة التي تتعمّدها في ردود أفعالها؛ كل ذلك كان غير مرغوب فيه دائمًا، باستثناء الحالات القليلة التي نجحت خلالها في إقناع الآخرين بأنها ما زالت إنسانًا يستحق المحبة، ولمدة لا تتجاوز الثواني الأربع .. أكثر من ذلك كان مستحيلًا.

لماذا لا تستطيع أن تكون محبوبة؟ .. أين المشكلة؟ .. هل لم تعد تستمتع بالعالم؟ .. هل ابتعد العالم عنها؟ .. هل أصبح العالم أسوأ؟ .. ربما، وربما لا .. ربما أصبح العالم أسوأ بطرق عديدة، ولكن ليس بالكيفية التي تحوّلها لامرأة غير محبوبة .. هل لم تعد تحب نفسها؟ .. حسنًا .. لم تعد تفعل بالطبع .. لكن هذا أيضًا ليس بالشيء الجديد.
ربما أصبحت ببساطة أقل جدارة بالحب نتيجة التقدم في السن .. لم تتغير عاداتها، ولكنها الآن في الواحدة والأربعين، وليس العشرين .. أصبحت غير محتملة لأن ما تفعله أي امرأة في الواحدة والأربعين لن يكون مرغوبًا مثلما تفعله امرأة في العشرين .. هل تشعر بهذا حقًا؟ .. هل تدرك في أعماقها أنها غير محتملة بالفعل، وأنه ينبغي بدلًا من مقاومة الأمر، أن تنحني أمامه كما لو أنها تتعرّض لريح باردة؟ .. ربما اعتادت أن تقاوم، لكنها الآن تشعر بعدم الجدوى .. لهذا عندما تفتح فمها كل صباح ستكون امرأة غير محبوبة على نحو متفاخر .. قبل النوم كل مساء لن يكون مرغوبًا فيها، وستواصل الحياة يوميًا بهذه الطريقة .. ستستمر في إعطاء الأشياء القبيحة للآخرين، والحصول على المزيد من عدم المحبة كل ساعة، إلى أن يأتي صباح ما وتكون امرأة مكروهة تمامًا .. غير محتملة بشكل مزعج للغاية، بحيث يتعيّن ركلها إلى حفرة ما وتركها هناك.
______________________________________
ديب أولين أونفيرث: كاتبة وروائية وكاتبة قصة قصيرة أمريكية
مواليد 1968في الولايات المتحدة ـ تخرجت من جامعة جامعة سيراكيوز 1998
حصلت على جائزتي Pushcart، وUnferth كما تعمل أستاذة مشاركة في الكتابة الإبداعية بجامعة تكساس في أوستن ، حيث تقوم بالتدريس في مركز ميشنر ومشروع الكتاب الجدد.
أسست وتدير برنامج Pen-City Writers ، وهو برنامج لشهادة الكتابة الإبداعية مدته سنتان في أحد السجون مشددة الأمان في جنوب تكساس، حصلت بهذا العمل على جائزة خدمة العدالة الجنائية لولاية تكساس لعام 2017

جرح على جبين الرحالة ليوناردو: بصمة العابر

كيف يمكن للجرح الجسدي أن يكون ملاذًا روحيًا غير مشروط بتمثله الظاهري، طارئًا كان أم مقيمًا؟ .. متى يكون هذا الجرح كاشفًا عن "الجرح الرئيسي" أو "مرض الولادة" الذي لا شفاء منه بتعبير سيوران؟ .. ما الذي يجعل هذا الجرح تلصصًا على قهر الحياة والموت، لا بوصفه اعتداءً حسيًا، وإنما باعتباره إشارة دامغة لذلك الانفصال الغامض بين الذات وملكوتها من قبل أن توجد كقرينة للعدم؟

"لم تستطع أن تتحدث إلى جراحك السابقة، لأنك لم تشعر بها قط، لكن ما إن شعرت بي حتى رحت أتحدث إليك؛ إن معظم الجرحى لا يستطيعون التحدث إلى جراحهم، لأنهم لا يشعرون بها، لكنني عادة ما أتحدث إلى أولئك الذين لديهم ذات إحساسك".
تتمعن رواية "جرح على جبين الرحالة ليوناردو" للكاتب ثائر الناشف والصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في هذا التوحد بين الذات والجرح، ليس كشيئين متباعدين يندمجان في كيان واحد، وإنما كشيء عثر على اللحظة الملائمة لكي ينتبه إلى تكوينه غير المنشطر بين "ذات" و"جرح". وكأن هذه اللحظة ـ بكل ما تنطوي عليه من ألم ـ بمثابة اهتداء إلى ملجأ باطني، تطارد "الذات" عبر أغواره المعتمة تلك المشيئة المجهولة التي حفرتها في العالم كـ "جرح".
أفكر في العفوية التي ستدفع بها هذه الرواية قارئها لاستدعاء جراحه الجسدية السابقة، وتحديدًا الجرح الذي ترك أثرًا ما، وكيف يمكن لها ـ أي الرواية ـ أن تحرّض هذا القارئ على تفحص الماضي بواسطة ذلك الجرح، كأنه صيرورة، لا ذكرى قديمة فحسب. أفكر بالضرورة في المقارنة التلقائية التي سيعقدها كاتب آخر بين جروحه التي كتب عنها من قبل وهذه الرواية.
ثمة جرح في ظهر يدي اليمنى منذ الطفولة، هو الوحيد الذي ترك أثرًا مرئيًا من بين الجروح كلها التي طالت جسدي. كتبت عن هذا الجرح نص "للبالغين فقط"، وفي روايتي "إثر حادث أليم" سردت ذكرى الواقعة التي نتج عنها، وكانت تتعلق بزميلة لي في الفصل الابتدائي:
(تسبب الطرف المعدني الحاد لحقيبتها في إصابة ظهر يدي بجرح لا يزال أثره واضحًا حتى الآن .. كانت تعلّق الحقيبة الكبيرة فوق ظهرها، وكنا نتحرك لمغادرة الفصل بعد انتهاء اليوم الدراسي .. مرّت بجانبي في اللحظة التي رفعت خلالها بالصدفة يدي اليمنى لسبب ما دون أن أنتبه لحقيبتها فحدث الاحتكاك المؤلم الذي جعل الدماء تتدفق بغزارة .. أسرعت إلى أحد صنابير الفناء كي أغسل يدي لكن الدماء لم تتوقف فربطت الجرح بمنديلي القماشي الأبيض وعدت إلى البيت .. وضعت أمي الـ "الميكروكروم" فوقه، وأعادت ربط يدي بالشاش، وطلبت مني أن أبقيها مرفوعة .. تمددت على الكنبة أمام التليفزيون، وأرحت يدي فوق رأسي مدة كبيرة .. عن هذا الجرح كتبت منذ زمن طويل هذا النص بعنوان "للبالغين فقط":
رغم الشيخوخة/ التي أعطتني شحوبًا مقاربًا/ للون جلدك/ ورغم الشعيرات الصغيرة/ التي حاول بواسطتها الزمن/ أن يخفيني/ لا زلت واضحًا/ على الأقل بالنسبة لك …/ لم أكن مجرد جرح عادي/ حفره بغدر طائش/ الطرف المدبب لحقيبة مدرسية/ معلقة على ظهر تلميذة الابتدائي/ أنا النبوءة التي لم يبطلها "الميكروكروم "/ والتذكار الذي لم تمحوه ضمادة منزلية./ لم أعد الغريب الذي كرهت طفولتك/ تطفله المؤلم/ ولا العابر الذي لم تصدق شرفتك/ خلوده./ أصبحت منذ سنوات طويلة جدًا/ وبالتدريج اللازم للتعايش مع انتهاك ما/ صديقًا لم تعد في حاجة للنظر إليه/ حتى تتأكد من بقائه …/ الذي لم يسأم المشي بكل عكازاتك/ وكراسيك المتحركة/ ولا مشاركتك الانحناء/ تحت المؤخرات الثقيلة... / المقيم معك على الطرق فائقة السرعة/ حيث تنتظر حافلة إلى الرحمة/ لا يلتقطها رادار الغيب/ ولا يوقفها شرطي مرور السماء …/ مؤرخ "الاشتغالة" الغامض/ الذي لم يتعب من التنقل وراءك/ طوال الحياة/ بين الكواليس المعتمة/ وجمع العظام/ التي يتركها الجائعون/ من روحك/ بخبرة كيس قمامة عجوز/ طالما طيّره هواء الشوارع/ وتكوّم تحت طاولات المقاهي/ وطردته البيوت إلى السلالم الخلفية/ …/ أنا الخط العرضي الصغير/ الذي أصبح جزءً من التكوين الطبيعي/ لظهر كفك/ والذي ربما من حين لآخر/ تسمعه يخاطبك بطريقة ما : "ألم أقل لك؟!").
إن الجرح بهذه الكيفية يمثل تعريفًا للكتابة. التيقظ للجرح هو إدراك ما تعنيه الكتابة كحفر في سره. الكتابة هنا هي الذات التي تحفر في سر جرحها، أي في سر نفسها. وكأن هذا الثقب في رواية "جرح على جبين الرحالة ليوناردو" يتحوّل إلى "الملكوت المضاد" أو "الثأر الروحي" للذات من "جريمة ولادتها". وعلى هذا النحو يمكن التحديق إلى "الخلود" الذي يتسم به الجرح.
"إني صوت روحك الذي لا يخمد، ألا تذكر ما قاله ليوناردو؟ إذ قال إن الجراح خالدة؛ إنني أشعر بذاكرتك المشوشة تحت تأثير تلك الملاءة ونظرات الأطباء والمسعفين؛ لا شك في أن صورتي الظاهرة لعينيّ الطبيبة عن طريق الثقب ستتغير بعد الرتق مثلما تتغير صورتها البهية من يوم إلى آخر، فلا أحد يستطيع أن يحافظ على صورته النقية، لكنه قد يستطيع الاحتفاظ بصوت روحه إذا ما شعر بها".
أفكر في هذا الجرح القديم لا باعتباره "حادثًا" وقع في بداية حياتي، وإنما "علامة استشرافية" كشفت عن نفسها فتحوّل من "صدفة" أقرها الواقع إلى "وخزة تخييلية" لتأمل "الطريق الغيبي الممهد" لوقوعه. هذا يعني أن "الجرح" يسبق قطعًا تلك اللحظة القديمة التي أصاب خلالها الطرف المعدني الحاد لحقيبة زميلتي في الفصل الابتدائي ظهر يدي، وما كانت تلك اللحظة إلا تجسيدًا دالًا لخفائه الرابض في ما قبل الزمن. ما كان لهذا التجسيد أن يتم حقًا لو لم أدركه كبداهة غير مفهومة، كأصل محتوم لا يمكن تبريره، لو لم أؤرق به كنبوءة مترصدة، كوعيد غائم لا أمل في الانفلات من تدابيره الإيهامية. لكن ذلك لا يرتبط بالأثر المتعين الذي يتركه الجرح سواء كان مؤقتًا أو دائمًا. ثمة جروح لا تترك أثرًا ملموسًا ولكن حدوثها، أو "اكتشافها" بشكل أدق يمثل دافعًا أقوى لهذا التأمل. في طفولتي أصبت بجرح أكثر هولًا وإيلامًا وأكثر غرابة بالتأكيد من ذلك الذي ألحقته بي حقيبة البنت الصغيرة، كتبت عنه أيضًا في "إثر حادث أليم"، وبالرغم من أنه لم يخلف بصمة مستديمة إلا أن تأثيره كان أشد ضراوة في تشكيل وعيي الذاتي بـ "الإرادة المستترة للجحيم" التي أصبح هذا الجرح دليلًا حاسمًا لها:
(ماكينة خياطة "سنجر مرسيدس" كانت تستعملها جدتي وأمي وأختي، وكانت توضع أمام الكنبة بجوار حجرة والديّ، وأحيانًا كانت تنتقل صباحًا إلى داخل هذه الحجرة لتوضع بجوار البابين المغلقين للبلكونة ذات الشيش المفتوح .. كانت جدتي تجلس خلفها ـ حيث أبي في عمله خارج البيت ـ وتفصّل الملابس .. كانت الصالة وحجرة والديّ تمتلئان أحيانًا ـ عندما تعمل ماكينة الخياطة وقتًا طويلاً وأيامًا متواصلة ـ بالأقمشة، والقصاصات، وبكرات الخيوط بالإضافة إلى "المازورة" الملونة في أحد وجهيها بالأصفر، وفي الوجه الآخر بالأبيض والأحمر والأخضر ـ كالتي كان يستعملها "يوسف شعبان" في مسلسل "عيلة الدوغري" ـ وكذلك المتر الخشبي القديم ذي اللون البني الفاتح .. لي تجربة مروعة مع هذه الماكينة كتبتها في نص قديم اسمه "الحبل السُري":
"بينما كان صغيرًا/ كان يراهم يضعون القطع القماشية الممزقة/ أو المنفصلة عن بعضها البعض/ أسفل إبرة ماكينة الخياطة/ ثم يديرون المقود الدائري/ لتتحرك الإبرة سريعًا فوق ثقوب القماش والقطع المتباعدة/ فتختفي الثقوب/ وتتلاحم القطع المتباعدة/ كان مبهورًا بما يراه/ حتى أنه انتهز فرصة عدم انتباههم له/ وابتعادهم عن ماكينة الخياطة/ وقرر أن يمارس الأمر بنفسه/ لم يبحث عن قماش ممزق ليرتقه/ أو قطع متباعدة ليلحمها/ فقط/ وضع إصبعه الصغير أسفل الإبرة/ وأدار المقود/ بالطبع/ كانت هناك دماء كثيرة/ وصرخات كثيرة/ وألم كبير/ لكنه بعد أن انتهى من البكاء/ وبعد أن صار إصبعه ملفوفًا بضمادة سميكة/ لم يعرف لماذا فعل ذلك/ لماذا وضع إصبعه بديلاً للقماش / حتى بعد سنوات كثيرة جدًا/ لم يعرف/ فقط/ كان يشعر بضرورة ما فعله/ حتى أنه إلى الآن/ وكلما وقعت عيناه على ماكينة خياطة/ يظل يتأملها طويلاً/ ثم بشكل تلقائي جدًا/ يجد نفسه متوجهًا في صمت/ نحو أية مرآة قريبة".
أريد الآن أن أذكر شيئين أساسيين في هذا الحدث: الأول أن إبرة ماكينة الخياطة اخترقت إظفر إبهامي من المنتصف وخرجت من الناحية الأخرى .. الثاني أن أمي حينما رأت المشهد لم ترفع إبرة الماكينة بالمقود، وإنما بجزع ودون تفكير أسرعت بجذب يدي بقوة والإبرة واقفة بثبات داخل إبهامي مما أدى لتعاظم المأساة .. الغريب جدًا أن ما حدث في هذا اليوم لم يترك أي أثر في إصبعي، وهو ما لا أستطيع استيعابه حتى الآن).
التيقظ إلى الجرح الشخصي / الكتابة هو ارتحال مخاتل في ذاكرة الآخرين، تنقيب في أقدارهم، استراق محموم إلى متاهاتهم، مطاردة لكوابيسهم، ليس بالانتباه إلى الأثر الملموس على أجسادهم فقط، وإنما إلى الشقوق المتوارية التي تومئ بها هذه الأجساد أيضًا. وكأن الذات تلاحق صورها الممزقة في كل احتمال للغياب. هكذا تبدو مغامرة الرحالة ليوناردو في الرواية كأنها عبر أزمنة لم يعشها جسده، ولكنها تركت حكاياتها في جرحه.
"تذكر وأنت تشاهد صورتي التي رأيت فيها صورتك الحية، أن هناك بشرًا لا يزالون يشاهدون صورتك النقية بعين الماضي البعيد، مثلما تشاهد صورهم بعين الحاضر. للوهلة الأولى انتابك شعور غامض بأني جزء من الماضي الغابر، لكنك ما إن رأيت صورتي حتى اكتشفت أن الجرح جزء أصيل من الروح المرتحلة من مكان إلى آخر. عليك أن تتذكر دائمًا أنه كان هناك إنسان ما يشبهك في الماضي وأنك تحمل نفس جراحه القديمة، أما الجسد فلا يلبث أن يفنى لكي تخرج أنت إلى الدنيا، ولتكون على ذات صورته القديمة، فتتابع خوض صراعاته وانتكاساته ومغامراته في الحياة. يجب أن تبحث عمّن يشبهك في خصالك، وليس مهمًّا أن يكون إنسانًا حيًا، بل لو كان جرحًا على جبين من يشبهك في الماضي".
ليس الجرح المرئي هو ما يجعل الذات أو "مأساتها" بالأحرى واضحة، ويمكن ملامستها، وإنما ما تقرر الذات أن تقوم به تجاه جرحها المخبوء حتى تجعله كذلك. ما تعرف حينئذ أن هذا ما يتعيّن عليها فعله، لا لأنها والجرح شيء واحد، وبالتالي حين تسرد نفسها فإن جرحها هو الذي سيتحدث، حتى بما لم تكن تعتقد الذات أنه صوتها وحسب، وإنما لأن ما تخاطبه أيضًا كل مروية لهذه الذات يبدو كأنما يتضاءل كلما كان للجرح "بصمة" / كتابة. يتجرد المجهول من وحشيته، في اللحظة التي يداعب خلالها الخيال ذروتها الهزلية.
"أخبار الأدب"
5 مايو 2024

العدد الثاني من مجلة الناقد يناقش "الديستوبيا في الرواية العربية"

صدر حديثا عن  مركز أركادا الثقافي بالمنصورة  العدد الثاني من مجلة "الناقد" الدورية المحكمة برئاسة تحرير الكاتب الصحفي ممدوح رزق، والتي تضم في هيئة تحريرها العديد من الأسماء الأكاديمية والنقدية المعروفة مثل د. مصطفى عطية، والكاتب محمد رفيع من مصر، ود. ريم الحفوظي من العراق، ود. نور الدين محقق من المغرب، ود. أحمد شحوري من لبنان.

يشتمل العدد على دراسات متعددة في مجالات الأدب والمسرح والسينما واللغة والفلسفة، كما يضم قسما خاصا بالإصدارات العالمية المعاصرة يحرره الناقد المصري د. محمد سمير عبد السلام. مثل: محمد عبد الحليم، خالد جودة، حسن غريب، ود. رشا الفوال. 

جاء ملف العدد بعنوان "الديستوبيا في الرواية العربية - دراسات مقارنة" شارك فيه العديد من النقاد،و من أبرز موضوعات العدد: "الرواية بين الإرباك السردي وخراب البطل"، "بين الحكاية الهزلية والمحاكاة الساخرة"، "كيف يخلق الخيال النقدي نصا شبحيا؟"، "النص غير الحواري في المسرحية الواقعية النقدية".يضم كادر المجلة التي تصدر كل 3 شهور مدير التحرير نبهان رمضان والمشرف العام عمرو الشاعر.

الناقد "2"

من بين قراءاتي المبكرة في النقد الأدبي؛ كان الكتاب الذي أطلقت عليه منذ تلك اللحظات القديمة وحتى الآن "الصديق النقدي الأقرب، والحكّاء الدائم، الأكثر سحرًا على الإطلاق لتاريخ القصة القصيرة" .. في المقال الخامس من سلسلة "سيرة الاختباء" التي أكتبها في موقع "الكتابة" الثقافي سردت تفاصيل المصادفة السعيدة التي منحتني "الصوت المنفرد" لفرانك أوكونور أثناء إحدى زياراتي لمعرض الكتاب بالمنصورة .. صدر "الصوت المنفرد" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1993 بترجمة د. محمود الربيعي، والذي أقتبس الآن سطورًا من مقدمته للكتاب، ليس فقط امتنانًا وتقديرًا لجهده في هذه الترجمة البديعة، ولكن لأن هذه الكلمات تصف أيضًا بدقة ما شعرت به عند قراءتي له للمرة الأولى:

"وقد سحرني الكتاب بلغته الغنية الشاعرية، وحديثه الحميم للقارئ، وتقديمه للمعرفة القائمة على الإحاطة والوضوح، وعدم الإثقال بالهوامش، والمراجع، والاقتباسات التي تُغرق القارئ في الجو "الأكاديمي" (الصحيح والمدعي!). قرأت الكتاب مرة واثنتين، ثم بدأت أعود إليه على مهل بين الحين والحين.
كانت حلاوته تنتشر في نفسي كالرحيق، وكانت أشعته الساطعة تغمر أمكنة في قلبي وعقلي لم يصل إليها الضوء ـ على هذا النحو ـ من قبل. وشيئًا فشيئًا أحسست أنني وقعت في غرامه، وكان علامة ذلك عندي أن كثيرًا من عباراته بدأت تلوّن حديثي، وكثيرًا من الصفات التي وصف بها كتّاب القصة القصيرة الذين تناولهم تنطبق على أحلام اليقظة عندي".
كان "الصوت المنفرد" بالنسبة لي ـ ولا يزال ـ نموذجًا متفردًا للكيفية التي تكون بها الكتابة النقدية "نصًا"، وهو ـ كما سبق وأشرت في افتتاحية العدد الأول من "الناقد" ـ ما كان يمثل انشغالًا غريزيًا لي قبل قراءة هذا الكتاب .. ذلك ما أدركه أيضًا د. محمود الربيعي ووثقه في مقدمة الترجمة:
"تتابع فصول كتاب "الصوت المنفرد" سلسة طيعة كأنها قصائد من الشعر، أو كأنها قصيدة واحدة ممتدة، أو كأنها إحدى عشرة قصة قصيرة، أو كأنها ـ عند الإمعان ـ قصة طويلة ممتدة، وإذ نرحل متعمقين فيها نحس أننا أمام فنان مبدع، وليس أمام ناقد محترف. و"أوكونور" لا يقعد كثيرًا، ولا يعمل في مستوى نظري. إنه ـ على عكس ذلك ـ يضع يديه، بل يغمسهما، بل يغرقهما، في النصوص الإبداعية".
لم يقدم "الصوت المنفرد" مثالًا فاتنًا لـ "نصية النقد الأدبي" فحسب، ولكنه أشار بصورة ضمنية أيضًا إلى أن "العمل النظري" ينبغي أن يتم بهذه الصورة "الحميمية"؛ أي في الوقت الذي يستخدم خلاله الناقد "الهوامش والمراجع والاقتباسات"، وحين يكون على التناول أو المقاربة الاتسام بـ "الرصانة الأكاديمية" أو بما يقترب من شروطها وأعرافها.
من هنا تحددت ماهية الناقد في وعيي .. ببراعته في أن يجعل "النظري" لعبًا غير محكوم .. بقدرته على تكوين "نصيّة" ما هو "أكاديمي" ومن ثمّ "إعادة كتابة" العمل الأدبي كما لو أن الجدل المُكتشف بينه و"الفكر" النقدي هو ما يخلق هذا العمل لأول مرة دون ضوابط صارمة .. بقدرته ـ وهي الضرورة الأصعب ربما ـ على التخلص من "السلطة الأبوية" كالتي مارسها "فرانك أوكونور" أحيانًا في "الصوت المنفرد"، مهما كانت "الشاعرية" التي تُصاغ بها تفسيراته "الاستنكارية" وأحكامه "العقابية".
الهوامش:
ـ الصوت المنفرد / فرانك أوكونور ـ ترجمة: د.محمود الربيعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993.
ـ سيرة الاختباء 5 / ممدوح رزق ـ موقع "الكتابة" الثقافي، 15 ديسمبر 2019.
تحميل العدد:

السبت، 13 أبريل 2024

قوارب ورقية: مجابهة الكمال

كان لدي حدس قبل قراءة "قوارب ورقية" بأن هذا الكتاب الصادر عن مكتبة تنمية سيكون صديقًا جديدًا ضمن رفقتي الأثيرة من كلمات الكتّاب عن حيواتهم وأعمالهم .. هذا الحدس يرجع بالتأكيد لثقتي في اختيارات المترجم محمد عبد النبي، بالإضافة إلى الاقتباسات التي نُشرت من الكتاب عقب صدوره .. أتحدث عن الرفقة التي يعود إليها الكاتب "في وقفات التأمل وشحن الطاقة أو في نوبات الريبة والقلق" كما كتب محمد عبد النبي في مقدمة الكتاب .. هي عودة متكررة دومًا بالاستناد إلى ما كتبته في مقالي "أشباح الكتابة" عن كتاب "لماذا نكتب؟"، تحرير "ميريدث ماران": "إن الأمر يبدو ملهماً حقاً خاصة عند التفكير في إلى أي مدى تتسم استفهامات وهواجس العملية الإبداعية بالاستقرار على صيغ ثابتة، وإلى أي مدى تتسم كذلك بالإصرار على التفجر داخل حياة الكاتب بصرف النظر عن امتلاء الماضي بصفقات المصالحة بينهما .. لا تحتاج الأسئلة إلى منطق واضح يفسر أسباب تخليها الدائم عن التراجع أو الاختباء، ومعاودة الإلحاح ـ بثقل المزاج العنيف للمرة الأولى ـ للحصول على يقينيات مرضية .. يمكن لكافة الإجابات التي ادُخرت للتصدي إلى تلك المآزق الذهنية أن تبدو غير قادرة على منح الطمأنينة المتوقعة، حتى داخل أقوى حالات الإيمان بكونها حقائق حاسمة".

بالنسبة لي فإن حياة الكاتب هي إحراق متواصل لكل ما يُحتمل "يدعي" أن يكون "قارب نجاة" .. هي مغامرة في الاتجاه المناقض للكمال، ذلك لأن الكاتب يقامر دون مثال، بلا نموذج للربح .. لذا فالأمر لا يتعلق ببلوغ غاية أو بإحراز فوز أو بتجنب خسارة، وإنما باستعمال "القوارب الورقية" في مناوشة ما لا يمتلك ظلًا فعليًا في العالم، يتعلق الأمر بتوظيف الأسرار المخبوءة في كل الحكايات الممكنة "تجارب الآخرين وأفكارهم وتأملاتهم" للعب مع ما لا يمكن اكتشافه أو التحقق من وجوده .. لانتهاك فكرة "الكمال" نفسها .. أتذكر الآن هذا المقطع من كتابي "وهم الحضور":

"إن القصة بالنسبة لي ليست كما كتب كارلوس زافون في "ظل الريح" بأنها"رسالة يكتبها المؤلف لنفسه ليخبر نفسه بأشياء لن يتمكن من اكتشافها بطريقة أخرى"، وإنما هي "خربشة انتقامية طائشة أحفرها في الفراغ المحيط بنفسي لكي أجعل نفسي تحّدق إلى غيابها كما لم تفعل من قبل". 

ذلك ما أعاد التأكيد عليه هنري ميلر ضمن "قوارب ورقية" بصيغة أخرى في "تأملات في الكتابة" متحدثًا عن اكتشاف صوته الخاص:

"بدأت من لا شيء، وتخلصت من كل شيء على متن سفينتي بإلقائه في مياه المحيط، حتى أولئك (الكُتّاب) الذين أحببتهم أكثر من سواهم. وفورًا سمعت صوتي وأنا مفتون: الحق أنه كان صوتًا مستقلًا، واضحًا يسهل تمييزه، وفريدًا لا يشبه سواه، وهذه الحقيقة وحدها شدت أزري. لم يهمّني إن كان ما أكتب سيُعد رديئًا، استبعدت الجيد والرديء من قاموسي. قفزت بقدميّ الاثنتين في مملكة الجماليات، في مملكة الفن التي لا وجود فيها لأحكام أخلاقية أو نفعية. أصبحت حياتي ذاتها عملًا فنيًا".

تبدو عبارة" استبعدت الجيد والرديء من قاموسي" أساسية للغاية، ليس في مقاربة هنري ميلر لتجربته فحسب، وإنما لما يشير إليه مجاز "القارب الورقي" بالنسبة للكتابة، ومثلما تعتمد عليه وتوطده فكرة الكتاب أيضًا .. ذلك لأن قوارب النجاة تقوم في أوهامها على "الصواب والخطأ"، لا على مخاتلة اليقين .. على التشبث بخرافات الحسم والبداهة، لا تقويض الأكاذيب المتعالية .. ذلك أيضًا ما يجعل "المستحيل" موضع سخرية، وليس استدعاءً للاعتراف بـ "الإخفاق والنقص والقصور" .. الكاتب لا يكافح نحو المستحيل، لأن المستحيل نفسه ضلال مترفّع، قناع لتحصين الغيب، وبالعكس، فحياة الكاتب "كعمل فني خارج الأطر والمعايير" هي تخريب مستقل بذاته، بصمة شخصية غير محكومة بمقياس أو مقارنة، تطارد الأشباح الاستعبادية التي يؤصلها "المستحيل".

هذا ما يعيدني ثانية إلى "المحاضرات الصغيرة" من كتابي "استراقات الكتابة":

"شخصياتي ليست أفرادًا بالتحديد النمطي وإنما كل شخصية هي افتراضات مراوغة لكينونة تتجاوز الأطر المتوهمة التي يتوقف عندها العالم عن أن يكون جحيمًا مبهمًا .. هي ظنون طائشة لكينونتي، أتسلل من خلالها نحو هويات ملغزة أخرى، تمنحنى ديمومة مغايرة أي لانهائية مؤقتة داخل الفناء .. شخصياتي تحوّلني من فرد إلى بدائل متأرجحة لتشريح الضجر حيث ما ينبغي أن أصل إليه اتساقًا مع خطواتهم لا يتم بلوغه وإنما مناوشته كتلويحات توسلية لما يسبق الحياة والموت .. شخصياتي لا تصل مثلي إلى ما يبدو أنها تعيشه حقًا عبر اللغة، ذلك لأن ما تختبره وتقودني إلى تجاربه يماثل عماءنا الأصلي؛ وعدًا مقتولًا داخل ذواتنا من قبل أن يُخلق".

أفكر في أن الكتابة هي نوع من التذكر الضمني للأحلام المنسية، لما فقدته اليقظة من لحظات الحلم الذي بقيت لحظات أخرى منه عالقة في الذهن .. اكتشاف متغيّر مع كل كتابة، أي أنه تشكيل متبدّل، غير واع لذلك الحلم .. أحيانًا تكون ملامسة هذه الطريقة الماكرة التي يسترد بها الكاتب أحلامه المفقودة دون قصد بمثابة تعريف للكتابة نفسها .. إدراك بكونها ناجمة عن الأحلام التي لا يعرف الكاتب من الأصل بأنها تدور وتتعاقب في داخله .. ذلك ما يُعرّف بالضرورة "الحلم" بالنسبة للكاتب متجاوزًا "التفسير" .. لاهيًا بالتفسيرات الواردة .. إجابة إيتالو كالفينو على سؤال الأحلام في مقابلته مع وليام ويفر، وداميان بيتنجرو في "قوارب ورقية" تحرّض على تخيّل مثل هذه الأفكار وتأملها:

"ولكنني أنسى أحلامي، وإذا كنت قادرًا على تذكرها، فإنني لا أفهم منها حتى أوضح الأشياء. ولكي أفسر طبيعة أحلامي لن يرضيني محلل يسير على نهج فرويد أو آخر يتبع مدرسة يونج".

ترتبط أيضًا فكرة غياب الأحكام الأخلاقية أو النفعية التي تحدث عنها هنري ميلر "حين تصبح الحياة ذاتها عملًا فنيًا" بـ "الشكل" الذي أشارت ليديا ديفيس في حوارها مع مارك بودمان إلى أنه "كل ما يهم" .. شكل الفكرة، الجملة، البنية .. الشكل هنا هو تعطيل للحكم .. إرجاء لقرار النص .. الشكل يحتوي ويمزج بين النقائض، ويفككها حتى مع الانحياز الظاهري للقول .. ما يجعل "الصواب والخطأ"، "القبول والرفض"، "الإيمان والشك" خارج المعنى .. ما يجعل المعنى نفسه هاجسًا، "حلمًا" يعيد نسج مشاهده، صيرورة لتخطي الإحالات .. ذلك ما يذكرنا بـ "الحكمة" السردية المعروفة: "لا تكمن القصة في الحكي، وإنما في كيفية الحكي".

"ثمة جملة رائعة لدى أوغسطين، ليتني أستطيع تذكرها باللغة اللاتينية. فهي باللاتينية حتى أروع وأبدع منها في الإنجليزية. تقول: "لا تيأس؛ فأحد اللصين قد نال الخلاص. ولا تستهن؛ فأحد اللصين قد نال اللعنة". لتلك الجملة شكل رائع. الشكل هو كل ما يهم".

ما كان مميزًا في "قوارب ورقية" أيضًا هو أنه يتضمن ترجمة عن "الترجمة" في قلب المواد التي تتناول "الكتابة" .. ذلك بالأمر الجوهري في موضوع الكتاب ككل .. إذا كنا نتحدث عن تجارب العملية الإبداعية فإن هذا يستدعي حتمًا أن نتحدث كذلك عن الترجمة .. هذا ما تشير إليه كلمات ليديا ديفيس في "التعاون مع الموتى" / ملاحظات عن الترجمة وعن مدام بوفاري، وأيضًا في "إعادة النظر" / عن مصادر الإلهام، والمراجعة، والترتيب:

"ما الذي يدفع قطعة من الكتابة إلى الوجود؟ تدريجيًا، وعبر السنوات، صرت أرى التوازي الوثيق بين الدافع للترجمة والدافع لكتابة شيء أصيل: بالضبط كما أريد أن أقبض على شيء ما خارج نفسي في قطعة كتابة أصلية، عندما أترجم شيئًا فإنني أريد أن أقبض عليه أيضًا، في هذه الحالة أن أعيد إنتاجه في اللغة الإنجليزية".

فكرت أثناء قراءة فصل "أقسى 30 إهانة في التاريخ من كاتب عن آخر" في أنه ربما سيكون الفصل الأكثر قراءة من "قوارب ورقية" بالنسبة للكتّاب الذين يخطون في بداياتهم .. أن "كرامتهم الإبداعية" ستكون في حاجة مستمرة للرجوع إلى هذه "التحقيرات النخبوية" لكي تداوي جروحها الممكنة للغاية بالطبع في تلك المرحلة من حيواتهم، والناجمة عن التسلط الأبوي الشائع والدنيء لمن يتم اعتبارهم "أدباء كبار" من قِبل هؤلاء الكتّاب .. فكرت أيضًا في احتمالية أن يفكر "الكاتب الشاب" وقتئذ في أن "الإهانة" هي طريقة لئيمة لكتابة نص ما .. لا أتحدث فقط عن الكتابة التي يمكن أن تتوّلد نتيجة هذه "الإهانة" ـ وهذه مسألة مهمة حقًا ـ  ولكن عن النص الذي يبدو أنه يحاول أن يكتب نفسه لدى الكاتب الذي يقوم بتوجيه هذه "الإهانة" إلى كاتب آخر بواسطة هذا الأداء تحديدًا، أو على الأقل اعتمادًا عليه إلى جانب ارتكابات أخرى.

"ليست الأشياء بالمرة على هذا القدر من التماسك ويمكن التعبير عنها كما اعتاد الناس أن يعتقدوا؛ أغلب التجارب لا يمكن التعبير عنها، إنها تحدث في فضاء لم تعبر إليه كلمة من قبل، والأعمال الفنية من بين كل الأشياء الأخرى هي الأشد استعصاءً على التعبير، تلك التجارب الغامضة، التي تتواصل حياتها جنبًا إلى جنب حياتنا الصغيرة الزائلة".

بينما أرشح "قوارب ورقية" للقراءة، وإعادة القراءة؛ يهمني بالتأكيد الإشادة بترجمة محمد عبد النبي، بالسلاسة الحميمية التي تميز ترجماته بشكل عام، وفي هذا الكتاب طبعًا، الأمر الذي خلق الانسجام الملهم والضروري بين صفحاته، فلم يكن مجرد متن تم تجميعه من مواد مختلفة، وكأن عبد النبي يتحدث عبر الأصوات التي يترجمها، ويفكر في ما تنبئ به، ومن ثمّ يصل بين خطاباتها المتعددة مثلما يدبّر الصديق موعدًا احتفاليًا مع "رفقته الأثيرة" داعيًا الجميع إليه.

أخبار الأدب

7 أبريل 2024

الأحد، 17 مارس 2024

كيف يخلق الخيال النقدي نصًا شبحيًا؟ (1 ـ 2)

لنعزل الأمر ـ مؤقتًا ـ عن الأقاويل حول الكتّاب في الوسط الأدبي وحيواتهم الخاصة وعلاقاتهم السيبرية والواقعية، ونتأمل الفكرة في ضوء الاستفهام المطروح بمقالي “الممارسات الرقمية والنص المُرجأ” والذي يعد مدخلًا لهذه الدراسة:

“هل يمكن للفكر النقدي أن يتخيّل “يوثّق” نصًا “سرديًا مثلًا” لم يُكتب بعد، ويستند في “افتراضه” على “ممارسات رقمية” تبدو ظاهريًا “غير نصّية بالمعنى الأدبي” أي تستعمل الوسيط المعلوماتي، أو الأداة التي تعتمد عليها هذه الممارسات ليس في نقلها بصورة مرئية وحسب وإنما في تكوينها وتحوّلها أيضًا؟”. “1”

إن الخيال النقدي في تشريحه لهذه الممارسات من أجل أن يخلق “نصًا شبحيًا”؛ يطارد شكًلا غير تقليدي من الأصالة الفنية التي كان يبحث عنها السرياليون في أعمالهم .. يكشف عن جذور وأساسيات الصراع المحتملة لهذا النص من قبل أن تتشكل بصماتها كبنية “أدبية” .. يحرر الإلهامات والتوترات المفترضة من “الممارسة” نفسها دون استبعادها لكي تتحوّل إلى إشارات وبراهين على نص يناوش “كتابته” .. ذلك لا يخاتل ما هو قيمي أو أخلاقي فقط، وإنما ما هو لغوي بالضرورة؛ فالتحديات التي تبناها السرياليون في أعمالهم اعتمدت على تقويض الأعراف وخصوصًا معايير وقواعد اللغة، وما ينقب عنه الفكر النقدي على هذا النحو هو لذة “استباق” تلك الخلخلة .. الهدم المتقدم على التكوين النصي للحقائق والمعتقدات .. انتزاع الخيال كـ “خامة” تعبيرية مغوية من قلب الاشتباك الرقمي أو الواقعي لتعيينه كمدى كتابي منفلت من الصياغة، ويحوم حولها في الوقت ذاته .. التلصص على اقترافات اللاوعي الممكن استعمالها كطيش فني ينتهك الأطر الاجتماعية والمحظور الثقافي:

“ومثلما كُتب في أدبياتهم “فيما يتعلق بتحرير اللغة، سعت السريالية إلى هدفها. تكتسب اللغة معاني خاصة في هذا النشاط الذي لا يقتصر على مراعاة الـ ‘كلام’ فحسب، بل يشمل أيضًا الإملاء الحر لللاوعي. في قاع كل تطور، نلمس الرغبة مرة أخرى ودائمًا منذ حركتها الأولى. إنها الهدف النهائي لكل بحث وسعي وتجربة، كنقطة انطلاق بين الخيال والواقع، حيث تظهر في النشاط الإبداعي حدود متنوعة. أي السعي والمحاولة التي يمكنها الوصول إلى القيم المطرودة بشدة من قبل الرقابة الصارمة للعقل والنظم، وتجعلها قابلة للفهم”. “2”

يتجاوز الخيال النقدي بهذه الكيفية التوقعات الجمالية المرتبطة بأنماط الذاكرة النصية لدى أفراد الممارسة، أي تخطي ما يمكن النظر إليه كتصورات اعتيادية ناجمة عن كتاباتهم وتأثيراتهم القرائية، وكأن هذا الخيال يقتفي أثر “سيرة ذاتية” مخبوءة لذلك الكاتب الذي ربما لم يراود ذهنه أي احتمال لوجودها بينما يبدّل من أماكن حضوره الجسدي حول الشاشة .. يقوده نحو الرؤى المستترة في صدوع رغباته، وخارج الحكم العقلاني والمنضبط لكلماته الخاصة .. يرشده إلى العثور على كوابيسه التي لم يحلم بها قط .. ذلك ما ينجزه نص لم يُكتب بعد .. نص شبحي.

إن ذلك يمثل فك أسر المعنى من قبل حدوث “الكتابة” .. ما يعادل تفحص التفكير غير المقيّد الذي يسبق إحدى لحظات الكتابة التلقائية عند السرياليين كما كانت تستهدف ألعابهم اللغوية الابتكارية .. ما يتيحه الخيال النقدي كأفق لا محكوم للتشارك النصي حينما يجعل “الممارسة” نوعًا من “تبادل الكتابة” بين أفرادها ـ وهو غرض سريالي جوهري ـ فضلًا عن انفتاح ذلك الأفق دون حد لمن خارج تلك الممارسة كي يصبح عنصرًا لها، أي “يكتبها” استنادًا إلى الهواجس والتجليات النقدية التي وثقتها .. بهذا يمكن تأمل العلاقة بين دور الوسيط المعلوماتي في تكوين وتحوّل النص “الشبحي” الذي خُلق نقديًا، وبين الانحياز التفكيكي الذي يقف وراء الكتابة الأوتوماتيكية عند السرياليين، ولعل تناول د. سعيد يقطين للنص الإلكتروني في كتابه “من النص إلى النص المترابط” يشير إلى هذه العلاقة:

“ينطلق لاندو من اجتهادات رولان بارث وديريدا وفوكو وباختين، ويرى وكأنهم كانوا يتحدثون عن النص الإلكتروني في تنظيراتهم للنص: فبارث على سبيل المثال تحدث عن النص المثالي، وعن الشذرات وبين أن النص شبكة متعددة، وأنه نسق بلا نهاية ولا مركز، ونفس الشيء يراه بالنسبة للقارئ الذي صار منتجًا للنص، ولم يبق مستهلكًا فقط. كما أن ديريدا تحدث كثيرًا في أعماله عن الشبكة، والروابط، والنسيج وانفتاح النص،،، وكل هذه المميزات، وسواها مما نجدها في كتاباتهم، سمات مركزية في النص الإلكتروني”. “3”

وكما كتبت في مقالي “الممارسات الرقمية والنص المرجأ ” إن اندماج القارئ مع الممارسات الرقمية للنص الخيالي الذي يقدمه الفكر النقدي فضلًا عن استعمال الوسائط ذاتها في كتابته لهذا النص يعني تجاوزًا للحظة تصوّر الكيفية التي خُلق بها .. يعني التورط في شخوص هذا النص، حيواتهم وأجسادهم ولغتهم وصمتهم وتواريخهم وعلاقاتهم وأسرارهم .. يعني كتابة نصوصهم السابقة كما لو كانوا طوال الوقت غافلين عن أنفسهم .. كما لو كان الواقع طوال الوقت غافلًا عن نفسه”.

وهذا ما تؤكده أيضًا د. أماني أبو رحمة في دراستها “النص والوسائط التشعبية: التحقيق الفعلي للنظرية النقدية ما بعد البنيوية”:

“عندما يعرّف ديفيد بولتر النص التشعبي على أنه كتابة تفكيك ذاتي تعارض المعيارية والتوحيد بالإضافة إلى التسلسل الهرمي فهو يربط بطريقة ما النص التشعبي مع “النص المثالي” وفكرة التفكيكية. يعتبر النص التشعبي نصًا مثاليًا لأنه ليس له بداية ونهاية، ويمكن عكسه، كما أن لديه العديد من الروابط والمداخل وهو مفكك ذاتيًا. بالنسبة لبولتر فإن النص التشعبي وسيط جديد يمنح الحرية الكاملة للقراء الموضوعيين والمحايدين حيث لا يمكنهم فقط اختيار تسلسل النص ولكن يمكنهم أيضًا إجراء إضافات وتعديلات عليه. ويرى أن النص التشعبي لا يقدم المزاعم الإمبريالية على فهم القارئ مثل النص المطبوع الأكثر صلابة. تسمح غرابة وجدة واختلاف النص التشعبي بإلغاء مركز العديد من افتراضات ثقافتنا حول القراءة والكتابة والتأليف والإبداع”. “4”

وكما أشرت أيضًا في المقال التمهيدي لهذه الدراسة “الممارسات الرقمية والنص المرجأ” فإنني مثلما “أتحدث عن “الميديا” الشخصية، العفوية، الارتجالية التي يتم إنتاجها وتبادلها كـ “كتابة”، “صوت”، “صورة” بين “كاتب” و”آخر” في إطار ما يبدو أنه محض استعمال ذاتي، اتصال حسي تقليدي بين شخصين في مكانين متباعدين “؛ فإنني أتحدث أيضًا عن ما يمتد بالضرورة إلى الواقع “خارج الشاشة”، وما لا يشترط أن يكون “نصًا إلكترونيًا”؛ ذلك لأن “النص الشبحي” كـ “عمل أدبي” غير متجسد، “لا يزال خيالًا نقديًا في صورة رؤى، أحلام، إيماءات، استفهامات، شذرات متأرجحة من الاحتمالات والفرضيات” هو “أشبه بخام نص كل قارئ، يُكتب بشكل مستمر، لا نهاية للتدخل في بنائه وتعديله، ولا حد لمساهمة الآخرين في تكوينه، أي أنه سيبقى مُرجئًا دائمًا”، يحوّل “القراءة الثقافية التناصية” التي تناولها الناقد معجب العدواني في كتابه “القراءة التناصية الثقافية” “5”، والتي تهدف إلى “بناء سياقات واسعة للدراسة الأدبية، والتركيز على الأبعاد التاريخية والثقافية للنصوص والقضايا مثل العنصرية، والجندر، والإثنية، والطبقة، في علاقتها بالمنتج الثقافي”؛ يحوّلها إلى قراءة “إبداعية” بالمعنى الحرفي / التوثيقي، “خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة” كما يجيب بول ريكور على سؤال “ما هو النص؟ ” “6” أي تُظهر وتوظف “الكتابة المضمرة” في “الخطاب”؛ ذلك لأن عملها “التناصي” يبدأ كعتبة مراوغة لـ “الكتابة”، تجهيز أوّلي من “المساحات الثقافية المتقاطعة والمتحاورة” لنص لا يفرض طريقة محددة لكتابته، غير أنه يُبدي ـ بحكم شبحيته ـ طبيعة غامضة، شاحبة، ومتشظية، تميل ـ خاصة في ارتكازها على الممارسات الرقمية ـ إلى التمثل بواسطة النص الإلكتروني الذي يتسق مع حضورها الإبهامي والمتناثر، دون التغاضي عن الأشكال النصية الأخرى التي بمقدورها اللعب بتلك الأشلاء وفقًا لأدواتها وتكنيكاتها الخاصة.

“في هذه الحالة يعمل الفكر النقدي كـ “موَلِّد” استباقي، خفي، غير حاضر إلا بما ينتجه من فائض غير محكوم لتصورات (النص، الصوت، الصورة) المقترحة للقراءة. التمثلات دائمة التغير والتبدل، ليس بناءً على “الخيال” الذي أسس لها فحسب، وإنما على الوسائط التي استخدمها في تغييب حدودها أيضًا. كأن الفكر النقدي يتخذ موضع “التفاعلية المتقدمة” أي أنه يبدأ في صنع تأثير للنص السردي من قبل أن يكون لهذا النص وجود أصلي، وبالتالي تصبح “إعادة الكتابة” التي يؤديها القارئ هي لحظة كتابة أصلية بالمعني الفعلي لا المجازي”.”7″

يعيد الفكر النقدي بذلك تعريف “التداولية” بدفعها لأن تسبق ما يتم تصنيفه كـ “نص أدبي” بخطوة؛ فإذا كانت الدراسات النقدية الحديثة كما تشير راضية خفيف بو بكري في بحثها “التداولية وتحليل الخطاب الأدبي” “8”؛ “تجعل من اللغة الأدبية نظامًا معقدًا للاتصال، يجاوز مستويات الصياغة اللفظية والنصية إلى دراسة الحدث الأدبي انطلاقًا من دائرة الاتصال الاجتماعي، أي الانتقال باللغة الأدبية من مستوى النص كنظام إلى مستوى التواصل”؛ فإن النص الشبحي يرسم ملامح الاتصال مسبقًا حينما يجعل ما هو تداولي بالأصل (لغة الممارسة التي لم تستوعب أدبيتها بعد) هو الفاعل التحريضي لكتابة في سبيلها للتحقق كـ (حدث أدبي)، أي أن “اللغة الأدبية” لم تعد نتيجة تواصلية وحسب وإنما أصبح “التواصل” نفسه نظامًا أدبيًا مبدئيًا للنص أيضًا.

يجيب كذلك مقالي “الممارسات الرقمية والنص المرجأ” على سؤال: “على أي شيء يرتكز الفكر النقدي في تخيّل وتوثيق هذا النص “المحتمل”؟:

“صورة الكاتب وتاريخها: النصوص المنشورة ـ ما كُتب عن أعماله السابقة ـ حياته الخاصة (مشتملة الماضي) كما يُظهرها بنفسه وكما يشير إليها الآخرون أو يتناولونها أو يكشفون عن صلاتهم بها عبر الوسائل المختلفة ـ ما يتداول عنه من “أسرار” إما في شكل “معلومات” أو “أكاذيب” أو “أقاويل”.

توظيف الوسائط: استخدام معطيات انتقائية من صورة الكاتب وتاريخها عبر العالم الافتراضي في خلق تصوّر لماهية “الآخر” الذي يشارك الكاتب في هذه الممارسة الرقمية ـ نسج علاقات متعددة بين هذه المعطيات لتشكيل طبيعة التفاعل بين الكاتب وشريك أو شركاء الممارسة الرقمية ـ تعيين الأدوات الملائمة لكل تمثل خيالي ناجم عن هذا التواصل / الصراع المفترض بحسب خصائص كل أداة وكيفية تفاعلها مع الأدوات الأخرى”.

إن النص الشبحي بهذه الطريقة يتعدى “الصدق والكذب” في “الأقاويل”؛ حيث يشيّد احتمالًا مستقلًا، فنيًا، يستند بصورة كاشفة إلى “طبيعة الكلام” التي تجعل بُعد الصدق أشد أساسية من بُعد الكذب كما تذكر الفيلسوفة والمحللة النفسية السلوفينية ألينكا زوبانجج في دراستها “الكذب على أريكة التحليل النفسي”، وبالتالي فإن لهذا الاحتمال “الفني” الذي يخلقه الخيال النقدي “صدقه الخاص”، باعتباره ـ أي الاحتمال ـ أرضية الصدق الملهمة التي يحتاج أي “كذب مفترض” ليقوم عليها، وذلك تحديدًا ما يجعل النص الشبحي يتجاوز التوقعات الجمالية المرتبطة بأنماط الذاكرة النصية لدى أفراد الممارسة:

“الصدق والكذب ليسا متكافئين لأن بُعد الصدق أشد أساسية من بُعد الكذب: لا لسبب لاهوتي أو أخلاقي وإنما بسبب طبيعة الكلام نفسها. فلا يمكن أن يوجد كلام (سواء كان حقًا أو باطلًا) غير مموضع في بُعد الصدق. دعوني أستشهد بجاك ألان ملير الذي عبّر عن المقصود هنا بأوجز ما يكون: يوجد بلا شك صدق ليس سوى نقيضًا للكذب، لكن يوجد صدق يحفظ الاثنين، الصدق والكذب، ويحملهما، مرتبط بالتكلم نفسه؛ لأنه لا يمكن للمرء أن يقول أي شيء من دون أن يطرحه كصدق، كحق. وحتى عندما أقول: “أنا أكذب،” فإن ما أقوله حينها في واقع الأمر هو: “الحق أقول لكم، أنا أكذب” ـ ولهذا، الصدق ليس نقيض الكذب. أو يمكننا أن نقول، مرة أخرى، إنه يوجد صدقان: الأول وهو نقيض الكذب، والثاني هو ما يحمل الصدق والكذب كليهما على حد السواء”.”9″

حينما يخلق الخيال النقدي “نصًا شبحيًا” فإنه يجمع هكذا بين الحلين اللذين اقترحهما د. محمد مشبال في مقاله “كيف ننقذ دراسة الأدب؟”:

“ـ الحل الأول هو ممارسة نقد إبداعي؛ حيث يعمد الناقد المبدع إلى خلق خطابه “النقدي” بناءً على تفاعله مع الأعمال الأدبية التي قرأها وأوحت له بفكرة يعمل على نسجها بناء على استدعاء ذخيرته من النصوص المخزنة في ذاكرته. وبناءً أيضًا على تنشيط خياله. هذا الضرب من النقد تجده في كتابات طه حسين وعبد الفتاح كيليطو عن الأدب القديم. وهما الناقدان العربيان اللذان أثبتا حضورهما عند القارئ العام غير المتخصص.

ـ الحل الثاني هو ممارسة نقد متعدد الاختصاصات أو عابر للحقول المعرفية؛ فغير مجد في عصرنا هذا ممارسة نقد شكلاني أو بنيوي أو أسلوبي أو بلاغي خالص. لا يروم سوى إعادة إنتاج النظرية أو المفاهيم التي تهم فئة ضيقة من المتخصصين. وتنطوي هذه الدعوة إلى نقد منفتح على فكرة خروج الممارسة النقدية الأدبية من دائرة التخصص الضيق الذي فرضته نظرية الأدب بمناهجها المختلفة، إلى الأفق الرحب لنقد يحاور الأعمال الأدبية من منظور القضايا التي تهم الإنسان في وجوده بهذا العالم”.”10″

في العدد القادم من مجلة “الناقد” أتناول نموذجًا تطبيقيًا لهذا البحث.

الهوامش:

1ـ الممارسات الرقمية والنص المُرجأ / ممدوح رزق ـ منصة “مقال كلاود”، 26 سبتمبر 2023.

2ـ السرياليون ومفهوم الشعر: “يجب أن يُكتب من قبل الجميع” / حميد عقبي ـ ضفة ثالثة، 30 أغسطس 2023.

3ـ من النص إلى النص المترابط / د. سعيد يقطين ـ المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2005.

4ـ ما بعد الانترنت: الفن في عصور بعد ما بعد الحداثية / د. أماني أبو رحمة ـ مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر 2022.

5 ـ القراءة التناصية الثقافية / معجب العدواني ـ المركز الثقافي للكتاب 2019.

6 ـ الممارسات الرقمية والنص المُرجأ / ممدوح رزق ـ مصدر سابق.

7ـ النص والتأويل / بول ريكور، ترجمة: منصف عبد الحق ـ مجلة العرب والفكر العالمي، مركز الإنماء القومي، بيروت، العدد الثالث، 1988.

8ـ التداولية وتحليل الخطاب الأدبي “مقاربة نظرية” / راضية خفيف بو بكري ـ مجلة “الموقف الأدبي”، العدد 399، يوليو 2004.

9ـ الكذب على أريكة التحليل النفسي / ألينكا زوبانجج، ترجمة: طارق عثمان

https://www.academia.edu/105919599/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B0%D8%A8_%D8%B9%D9%84%D9%89_%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A

10ـ كيف ننقذ دراسة الأدب؟ / د. محمد مشبال ـ مجلة “الثقافة الجديدة”، العدد 396، سبتمبر 2023.

“الصورة المرفقة: Mamdouh Rizk

تحميل العدد الأول من مجلة “الناقد”

https://drive.google.com/file/d/1y19vVww-tL4TR70yO8RHYxsadi4Kr962/view?fbclid=IwAR0b2nL6x6RtjbBiOOkfHzdpY0fQIwSAL4cz6u_MaRkKRz9fLAunZWtcZXg


ملكة القاهرة


لم يرني أحد أبكي إلا معه .. هو الوحيد الذي جعل لبوات ومخنثي وقوّادي وسط البلد يشاهدون دموعي .. “ملكة القاهرة” كما يطلقون عليّ تحولت على يديه إلى جارية .. لكنها ـ رغم كل شيء ـ جارية سعيدة .. لم يتعمّد أن يجعلني كذلك على الإطلاق ولكن ما أصبحت عليه بعد لقائنا الأول كان حتميًا .. ما كنت على استعداد له وفي انتظاره من قبل أن نلتقي .. كان حتميًا أن تتحوّل الجميلة الخبيثة الساخرة العدائية بذيئة اللسان إلى ذلك الخليط الخاضع من الحنان والرقة والضعف .. سعيدة لأنه فعل بي ذلك .. لأنني أصبحت هكذا من أجله حتى لو لم يقصد .. لأنني أصبحت أكثر حزنًا بسببه .. ربما لا أفهم الكثير من الأشياء .. ربما لا أفهم معظم الأمور التي حدثت وتواصل الحدوث .. لكنني متأكدة من شيء واحد .. شيء واحد يُغني عن كل الأمور التي لا أفهمها .. لو عاد الزمن إلى الوراء سوف أرضخ ثانية لذلك الانهيار المفاجئ، ومجددًا سأعتبره تكرّمًا استثنائيًا من العالم .. سأعاود قبول ذلك الألم الأشد وطأة طالما أنه ناجم عن وجوده في حياتي .. طالما ظل هذا الألم شرط بقائه في حياتي .. يا مرآتي العزيزة التي حينما أحتضن جسدي العاري بين أطرك المتآكلة بكل هذا اليأس الشهواني المرتعش فكأنما أحتضن غيابه .. كأنما أتوسل لهذا الغياب وأثبّته .. كأنما أنتقم من نفسي ومن حضوره السابق حول هذا الجسد بالطريقة الوحيدة اللائقة به.

من رواية “البصق في البئر” ـ قيد الكتابة

اللوحة: Charlotte Bracegirdle

السبت، 9 مارس 2024

النقد السينمائي و”الجنون” وما يعنيه “الميديوكر” حقًا

كيف ساهم النقد السينمائي في تنميط “الجنون” بالأفلام العربية؟

لماذا ينحاز “النقاد” غالبًا إلى “الخرافات الشعبوية العدائية” التي تحكم طبيعة تناول “الأمراض النفسية والعقلية” في الأفلام العربية إما بالتغاضي أو بالدعم والإشادة؟

كيف شارك هذا الانحياز في التكريس التاريخي لبديهيات معرفية وجمالية زائفة تتسم بالجهل والسذاجة، وتمنح شرعية “أخلاقية وقيمية” لأشكال العنف المتعددة تجاه الشخصية الموصومة بـ “الجنون” في السينما العربية؟

كيف يُنظر إلى هذا الانحياز من خلال ميكانزمات الدفاع اللاشعورية لـ “الناقد” السينمائي؟

هل يُعد هذا الانحياز نوعًا من التطهر وتجديد الولاء وإثبات الانتماء إلى “العقائد الحاكمة” للوعي العام؟

كيف يعتبر هذا الانحياز تواطؤًا مروّضًا مع سلطة المجتمع كشبح مترصد، رادع وعقابي، باستغلال الطرائد السهلة، غير المكلفة، ليضمن “الناقد” مكانته كـ “فاعل ثقافي” غير مُهدِد، أو كابن بار ضمن علاقات القوة التي تفرضها هذه السلطة؟

هل تشير هذه المساهمة النقدية في تنميط “الجنون” بالأفلام العربية إلى طبيعة “الفكر” لدى “النقاد” العرب التي تهيمن على مقارباتهم وتحليلاتهم للفن السينمائي بشكل عام؟

حينما حددت هذه الاستفهامات لتكوّن مدخلًا للكتابة عن “النقد السينمائي و”الجنون” في الأفلام العربية” كان ثمة مصطلح سلطوي شائع ـ بكل ما يعنيه وينتجه التسلط من جهل وزيف وعنف ـ يناوش ذهني وهو “الميديوكر”.

في كتابه “العناصر النمطية في السينما المصرية” وتحديدًا في فصل “العُقد النفسية وفقد الذاكرة والجنون”؛ كتب د. نبيل راغب:

“وبرغم هذا التكرار فإن الأفلام التي اعتمدت في علاجها لهذه العناصر والتيمات على أسس علمية وطبية وسيكلوجية كانت قلة ملحوظة، إذ أن معظمها اعتمد على الأفكار الشائعة والدارجة بين عامة الناس، وهي أفكار غالبًا ما تكون غير علمية أو مغلوطة أو خاطئة، فقد كان هدفهم الاستراتيجي هو استغلال العناصر الميلودرامية  والمثيرة التي يمكن أن تترتب على المفاجآت غير المتوقعة الناتجة عن العُقد النفسية وفقد الذاكرة والجنون، بصرف النظر عن مصداقيتها العلمية”.

المؤرخ زياد عساف أيضًا في مقاله “نزيل مستشفى الأمراض العقلية .. صور سينمائية” بصحيفة “الرأي” الأردنية يكتب:

“وهذا ما يحدث في الحقيقة إذ أن غالبية الناس ينظرون لمثل هذه الحالات باستخفاف وإهمال ونظرة دونية شكلتها مفاهيم اجتماعية ودينية مغلوطة، ما يساهم في تأزيم هذه الحالات وكان للسينما العربية الدور الأكبر في تشكيل هذه الثقافة السلبية مما لا يعفيها من المساءلة القانونية والأخلاقية. ففي كثير من الأعمال السينمائية المتعلقة بهذا الخصوص لجأت السينما لتقديم المرضى النفسيين بصورة فكاهية ساخرة والهدف مادي بحت دون استدراك أن السينما بهذه الخطوة أحدثت حالة من الشرخ الاجتماعي بحق هذه الفئة من الناس وبالتالي التعامل معهم بسخرية لا تخلو من الغمز واللمز، والنفور منهم لدرجة أن تشكل في وعي الأغلبية ضرورة تجنب المصاهرة والنسب مع كل من يمت للمريض النفسي والعقلي بأي صلة، ما أوقع الظلم على كثيرين دون وجه حق”.

كذلك في الملف الذي أعده الصحفي “رامي الجزيري” في جريدة “الوطن” بعنوان “أنا مش قصير أوزعة .. كيف عالجت السينما المصرية الصحة النفسية”؛ ذكر الدكتور أحمد هلال الطبيب النفسي: “إن السينما المصرية أساءت إلى الطب النفسي وإلى المرضى النفسيين وقللت من شأنهم”.

كلمات د. نبيل راغب والمؤرخ زياد عساف والطبيب النفسي أحمد هلال بقدر ما تصف وتحلل “طبيعة سينمائية تقليدية” فإنها بالضرورة أيضًا تحفّز على التفكير في دور النقد السينمائي إزاء هذا “التنميط” التاريخي للجنون في الأفلام العربية .. إن انحياز “النقاد” في الغالب لـ “الخرافات الشعبوية العدائية” التي تحكم طبيعة تناول “الأمراض النفسية والعقلية” كما كتبت في مقدمة المقال لا يعكس فقط غياب الوعي والمعرفة أو القدرة على بذل الجهد “النقدي” بشكل عام لدى “العاملين تحت لافتة النقد السينمائي”، وإنما يشير كذلك إلى “المكاسب المهنية” التي يحصل عليها هؤلاء “النقاد” مقابل اللامبالاة تجاه هذه الطبيعة السينمائية ـ كمثال ـ أو مساندتها والترويج لها .. المكاسب التي وإن كانت منفصلة عن “السينما” و”النقد”؛ فإنها ليست منفصلة حتمًا عن المساهمة في “أشكال العنف المتعددة تجاه الشخصية الموصومة بـ “الجنون” في السينما العربية” من خلال التوطيد المتواصل لإكراهات “تغييبية” لم تنج منها ـ بالطبع ـ الأعمال المقتبسة .. إكراهات ينتجها الحمق والغفلة، وتحرّض على “العداء” وتبرره بوصفه “فضيلة” نحو المصنّف كـ “مجنون” سواء على الشاشة أو خارجها .. إنه التواطؤ الذي يحصل “الناقد السينمائي” دائمًا على مكافأة أو ثمن بقائه عنصرًا فعالًا من تدابيره داخل ما يُسمى بـ “المجتمع”.

أتذكر الآن قصة قصيرة للكاتب والممثل الأمريكي جيسي آيزينبيرغ بعنوان “مراجعة أمينة لفيلم بقلم ناقد سينمائي” وقدّم من خلالها صورة ملهمة لـ “الناقد” الذي نتحدث عنه:

“الخلاصة، ها هي المشاكل الأساسية التي يعاني منها فيلم Paintings of Cole: أنه عُرض في أقصى المدينة وهو الشيء غير المريح، ألَّفه رجل أحسده، عرضته موظَّفة جميلة لم أستطع تذكُّر اسمها المحيِّر، وقائم على فكرة نفَّذتها برداءة أثناء دراستي العُليا، وتلقَّى الإطراء من الـTimes  التي رفضَت أن أعمل فيها”.

كيف يمكنك مقاومة ذلك الإغراء العفوي شديد الإلحاح، والذي يبدو في لحظات كهذه أكثر منطقية وعدلًا من أي فكرة أخرى بأن “تحكم” على “الكائن” الذي ينتمي إلى الأغلبية من “العاملين تحت لافتة النقد السينمائي” بأنه “ميديوكر”؟ .. كيف يمكنك مقاومة ذلك بكل ما لديك من احتقار للمصطلح، وسخرية من تعريفاته، ودأب على تقويض حضوره بينما تراقب أحدهم يلقب بـ “الناقد السينمائي” استنادًا وحسب إلى علاقاته الشخصية والعائلية التي تمنحه الأدوار والمناصب في المهرجانات والمؤسسات الإعلامية وجمعيات النقاد فضلًا عن الورش التي “يُعلِّم” من خلالها “النقد الفني”، وكذلك استثماراته في شركات الإنتاج وتسويق الأفلام إلخ؟ .. كيف يمكنك مقاومة وصف هذا الشخص ـ بأقصى ما تقدر على استدعائه من تهذيب ـ بأنه “محدود الموهبة ـ مدعي ـ غير مميز ” كما يفعل دائمًا “أنطاع القيمة”؟

إن الأمر لا يحتاج سوى إلى التفكير في أن “الميديوكر” ليس “الفرد” الذي يعيد تدوير المستهلك والمعتاد والمسالم ليراكم المقالات والكتب والفيديوهات عن “السينما”، ولكنه “النسق” الذي يستعمل “ميكانزمات الدفاع اللاشعورية” لـ “الناقد السينمائي” وهو ما يستهدفه النقد الثقافي كما تشير د. صورية جغبوب في مقالها المنشور بالعدد الأول من مجلة كلية الآداب واللغات، جامعة خنشلة:

“ينبني النقد الثقافي على نظرية الأنساق المضمرة، وهي أنساق ثقافية وتاريخية تتكون عبر البيئة الثقافية والحضارية، وتتقن الاختفاء تحت عباءة النصوص، ويكون لها دور في توجيه عقلية الثقافة وذائقتها، ورسم سيرتها الذهنية والجمالية، لأن النقد الثقافي مشروع في نقد الأنساق، والنسق مرتبط بكل ما هو مضمر”.

“الميديوكر” ليس الشخص المنحاز إلى “الخرافات الشعبوية العدائية” وإلى القوالب اللغوية الجاهزة في تحليل الأفلام أي ما يضمن إنتاج وتوطيد “الإقصاء” عبر “الوسائط المعرفية” كما ذهب “ميشيل فوكو” في محاضراته عن “المجتمع العقابي”، ولكنه “الانحياز” نفسه الذي يلبي احتياج “الفرد” إلى التطهر وتجديد الولاء وإثبات الانتماء إلى “العقائد الحاكمة” للوعي العام .. “الميديوكر” ليس كائنًا حيًا خاضعًا لـ “التقييم” وفقًا لمعايير “كائن آخر” يؤمن بها كـ “مبادئ شمولية محصنّة”، ولكنه التواطؤ المروّض مع سلطة المجتمع كشبح مترصد، رادع وعقابي، باستغلال الطرائد السهلة، غير المكلّفة، ليضمن “الناقد” مكانته كـ “فاعل ثقافي” غير مُهدِد، أو كابن بار ضمن علاقات القوة التي تفرضها هذه السلطة.

“يُعد استعمال “المعاق ذهنيًا” في تكريس الإيمان بالأنساق المألوفة للحياة بمثابة جائزة كبرى لهذه الأنساق؛ فالأشخاص العاديين الذين يتم توظيف حكاياتهم لتوطيد اليقين بخرافات العالم لا مساءلتها ومحاكمتها؛ هؤلاء يؤدون أدوارًا طبيعية وشائعة، لكن “المعاق ذهنيًا” حين يتم استعباده من خلال السلطة البديهية لهذا اليقين بحيث يتحدد رجاؤه الدنيوي في أن يصبح إنسانًا عاديًا، خاضعًا لأنساق الحياة فإن خرافات العالم تكتسب بفضل ذلك الدعم الاستثنائي مزيدًا من القوة والتأثير كحقائق حاسمة، في إنكارها أو التجرد منها مجابهة لغربة مضنية وهلاك محتوم”.

تلك كانت السطور الختامية من مقالي عن فيلم The other sister الذي أنتج عام 1999من إخراج غاري مارشال وبطولة جولييت لويس وجيوفاني ريبيسي، وكأنها تتحدث عن “الميديوكر” باعتباره “الفكر” وليس الذين يصنعون الأفلام في حمايته، مثلما هو “النمط” وليس الذين ينتجون المقاربات والتحليلات الراضخة لهيمنته .. وكأنها تشير إلى الفرق ـ العسير ملاحظته ربما ـ بين إدراك الفرد بأن ثمة تمثيلًا لذاته يتسم بالصدق والصواب في لحظة معينة، وبين الدوافع والمبررات القهرية التي قادته إلى هذا الإدراك.

الهوامش:

ـ  العناصر النمطية في السينما المصرية / د. نبيل راغب ـ المركز القومي للسينما 2013

ـ نزيل مستشفى الأمراض العقلية .. صور سينمائية / زياد عساف ـ صحيفة “الرأي” الأردنية، 7 يوليو 2020

ـ “أنا مش قصير أوزعة” .. كيف عالجت السينما المصرية الصحة النفسية؟ / رامي الجزيري ـ جريدة “الوطن” المصرية، 10 أكتوبر 2018

ـ مراجعة أمينة لفيلم بقلم ناقد سينمائي / جيسي آيزينبيرغ، ترجمة: هشام فهمي ـ صفحة “المترجم” 2016

ـ النقد الثقافي: مفهومه، حدوده، وأهم رواده / د. صورية جغبوب ـ مجلة كلية الآداب واللغات / جامعة خنشلة ـ العدد الأول، يناير 2015

ـ المجتمع العقابي ـ دروس ألقيت في الكوليج دو فرانس (1972 ـ 1973) / ميشيل فوكو، ترجمة: نصير مروّة ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022

ـ The other sister: السينما كتجميل للأنقاض الخالدة / ممدوح رزق ـ أراجيك، 1 يناير 2022

تحميل العدد الأول من مجلة “الناقد”

https://drive.google.com/file/d/1y19vVww-tL4TR70yO8RHYxsadi4Kr962/view?fbclid=IwAR0b2nL6x6RtjbBiOOkfHzdpY0fQIwSAL4cz6u_MaRkKRz9fLAunZWtcZXg