لا أحد يعرف عني شيئًا .. أنا الصبي البدين ذو العينان الساكنتان،
والملامح اللامبالية التي أصبح جمودها بعد زمن طويل من التجوّل في المدينة مألوفًا
لكم .. لا أبدو مشردًا تمامًا، كأن لدي عائلة، أسكن معها في بيت ما، لكنني دائمًا
ما أكون بمفردي في الشوارع، أمشي بخطوات بطيئة، وفم مطبق، ومجرّدًا من أي علامة
يمكنها أن تحدد هوية لي .. لم أطلب عطاءًا من أحد على الإطلاق .. كأنني امتلك كفاية مخبوءة
من الطعام والشراب والملابس .. أنتم الذين تريدون مني أشياءً كثيرة .. أن تتبدّل
مثلًا تلك النظرة الفارغة من المعنى في عينيّ، والتي بطريقة غامضة تمنحكم انطباعًا
بأنني أتجوّل في المدينة منذ زمن أكبر مما تتصورون .. أن أضحك أو ابتسم أو أتجهم
أو أبكي أو تبدو على وجهي الدهشة ولو لمرة واحدة .. أن أقول أي شيء يثبت أن ثمة
ذاكرة مفهومة لوجودي .. لكنني أفعل هذا
حقًا .. ألست أنا الذي كلما رأى سرادق عزاء، يدخل إليه ثم يسأل المعزّين عن اسم
الميت، وحينما يخبرونه يضحك بقوة حتى تدمع عيناه فيسرعون بطرده خارج السرادق؟ ..
ألست أنا من يفعل هذا كأنما أتذكر في كل مرة شيئًا ما قبل أن أعود إلى التجوّل في صمت؟.
الأربعاء، 4 ديسمبر 2019
الاثنين، 2 ديسمبر 2019
سيرة الاختباء (3)
في طريق عودتي إلى الفندق بعد انتهاء مناقشة روايتي "إثر حادث
أليم" كان ابتهاجي نابعًا من كل شيء حدث خلال الساعتين الماضيتين: اللقاء
برفقة عزيزة، أكن احترامًا لشخصياتها: أ. سيد الوكيل، د. حمدي النورج.، د. رضا
عطية، أ. وائل سعيد، أ. مصطفى رزق .. الكلمات التي قيلت عني وعن الرواية .. الجلسة الودودة في المقهى بعد الخروج من
المركز الدولي للكتاب .. حتى الطقس الغادر الذي أجبرنا على إنهاء هذا اللقاء لم
يكن سيئًا تمامًا، بل ربما وقتئذ كان له حميمية خاصة .. كل شيء عدا اللحظات التي
تحدثت فيها الرواية .. اللحظات التي اضطررت للإجابة فيها عن تساؤلات بشأن كتابتها
.. قد لا يشعر من حولك بهذا، بل على النقيض ربما ينظرون إلى الأمر كأداء كاشف،
ملهم، حدث بطريقة جيدة، ولكنه لم يكن بالنسبة لي أقل من خيانة للنص باستخدام الجسد
والصوت والشفاهة، أي الأطراف الصناعية المرتعشة للواقع، التي كلما زاد وقت
استخدامها كلما كان ذلك تماديًا في انتهاك الكتابة .. كان منطقيًا أن أفكر مجددًا
بينما أجلس بمفردي داخل شرفة الفندق في أن عدم وجود الكاتب شرط مثالي متعذّر
لمناقشة عمله الأدبي.
لم أكن أعرف أنه بعد هذه الليلة بعام ونصف تقريبًا ستناقش مجموعتي
القصصية "مكان جيد لسلحفاة محنطة" في مكتبة إسحاق الثقافية بفرع ثقافة
المنيا دون حضوري، بل وحتى دون علم لي بذلك؛ إذ لم أعرف بانعقاد هذه المناقشة إلا
في اليوم التالي من خلال الصحافة وفيسبوك .. ما أسعدني إلى جانب الإشادة الرائعة
بتميّز المجموعة في التغطية الخبرية للمناقشة هو عدم وجودي في الصور التي نُشرت
معها، مثل المرفقة بهذا المقال .. لم يكن حاضرًا أداة الإخماد الخيالي أو تخريب
التوقعات أو تشتيت الرؤى بعيدًا عن متن صامت، نحو ما هو واضح وقاصر وأقل كلفة ..
لهذا كانت سعادتي مختلفة، غير مسبوقة، تليق بحدث لم أجرّبه من قبل .. لكنني فكرت
أيضًا: ماذا لو تضمنت مناقشة عمل أدبي، في عدم وجود كاتبه، محاولة جماعية لتشريح
الدوافع ـ إذا كانت معلنة بالفعل ـ التي تقف وراء نظرة هذا الكاتب لحضوره الجسدي
في المناقشة باعتباره تضليلًا؟.
أفكر الآن، وبصورة عفوية تمامًا في رواية "الفشل في النوم مع
السيدة نون"، وكيف أن السطور السابقة يمكنها أن تفسّر لماذا لم أحرص على عقد
مناقشة لها منذ صدورها عام 2014 وحتى الآن .. كيف أن النميمة المضحكة حول "واقعيتها"،
والتي ما زالت تصلني عنها تدعم هذا القرار .. لكن الأمر بالطبع يتعلق بالكاتب
نفسه، وليس بضرورة شاملة، يتمثل الصواب في اتباعها، والخطأ في الخروج عنها .. قد
يجد كاتب ما أنه من "المفيد" أن يتحدث عن عمله أمام قراء، حتى لو أجبر
على شرح أو تفسير أو كشف التباس ما، وربما يظن أن بوسعه التحكم في تلك اللحظات إذا
ما تعمّد أن يطرح إجابات مراوغة، أو بالرفض القاطع للرد على استفهامات معينة، ولكن
في الوقت نفسه ثمة من يعتقد أن النظرة في عيني هذا الكاتب، وملامح وجهه، وحركة
يديه عندئذ كافية تمامًا لإفقاد النص شيء من الغموض الذي لا يمكن تعويضه بما هو
مغاير له .. أتحدث عن التأويل النفسي لجسد الكاتب كنوع من المقاربة الأساسية
أحيانًا للعمل الأدبي .. الأقكار العدائية المحتملة التي لا يمكن لدهاء الكاتب أو
صمته أن يضمنها إذا ما أصبح مرئيًا بجوار النص .. لذا، وقبل كل مناقشة لكتاب لي،
امتلك يقينًا بأن جرحًا روتينيًا سأضطر لحفره بنفسي داخل الذكرى الجميلة التي
سأعود بها.
موقع "الكتابة" ـ 1 ديسمبر 2019
السبت، 30 نوفمبر 2019
أن تتعطّر بقليل من البارود: التنفس مقابل الحواس
ثمة كلمات تبدو أساسية في ديوان "أن تتعطّر بقليل من
البارود" للشاعر عماد الدين موسى الصادر عن دار مخطوطات: (الحب)، (الحرب)،
(الحرية) .. لكن هذه الكلمات لا يتم استخدامها كأشياء ذات معانٍ محددة بل
كاستعمالات لغوية، بالأحرى محاولات للإبصار من خلال تجريب مفردات بعينها، أو لنقل
بوصفها تجارب تتبادل متونها، وتمر من خلال بعضها البعض.
بين (الحب)، و(الحرب) تحديدًا يخلق عماد الدين موسى نوعًا من التمازج
.. التداخل الذي يتيح لنا أن نتساءل عن أي (حرب)، وعن أي (حب) نتحدث؟ .. لهذا فذلك
التمازج يظل غائمًا كبنية شاملة، بينما تبدو (الحرية) كخطوة مخذولة خارجها .. ربما
يرجع هذا إلى أن التداخل بينهما ليس دالًا على فكرة أو مبدأ، كما أنه لا يعتمد على
حيلة التناقض التقليدية في إثبات حقيقة سبق استيعابها، بل هو أقرب إلى اختبار
الكيفية التي يُحتمل أن يكمن بواسطتها كل منهما داخل الآخر، بحيث يظهر كجزء جوهري
من تكوينه .. كبديل للمعنى الغائب الذي يفسره.
"تتمدد الأيام تحت سريري
كأفاعٍ أليفة..
تتكاثر كالنمل
وكالعشب تختفي".
بدءًا من العنوان نفسه، حيث رمزية "البارود" لا تتعلق بوصف
تجربة قتالية يتم إثباتها من خلال مجاز "العطر"، بل بتحقق التجربة نفسها
داخل كل ما يُفترض أن يكون "رومانسيًا" منفصلًا عنها .. بهذا يكون
العنوان واقعيًا، مباشرًا، أكثر منه مستندًا إلى البلاغة، وهو ما يفسره فكرة
الامتزاج بين الحب والحرب التي أشرت إليها من قبل .. لو أردنا استدعاء صورة للمنطق
وفقًا للعنوان لاعتبرنا أننا نتجمّل بما هو أداة هلاكنا، التي لا تمنحها الكوابيس
العادية إلينا فحسب، بل ما نقر بجماله أيضًا.
"تستطيع أن تتعطّر بقليل من البارود
قبل أن تذهب إلى موعدك،
تستطيع أن تُهدي لمن تحب
بضع رصاصات طائشة،
تستطيع أن تقول:
"الحب رداء، وها أنا أرتديه كما ينبغي".
"كجندي منشق للتو، وبفردة حذاء واحدة" هي عبارة أشبه
بالخلاصة التشبيهية لموضوع "الاستعمال اللغوي" المضاد لـ
"المعنى"؛ فهذا الاستعمال هو برهان الانشقاق عن يقين عام، الأمر الذي
أنتج انعزالًا، دليله المجسّد قدم عارية، أي مجرّدة من حماية قديمة، وقدم أخرى تتشبث
بفرديتها، أو بالمصير الغامض الذي يمكن أن يفضي إليه السير دون رفقة.
"وما من شفق يلوح
كراية باهتة الألوان
فوق بناء مهجور،
أقف على الناصية
مسبل القلب واليدين
لكن السماء
ـ المنخفضة أكثر مما ينبغي ـ
زرقاء .. كطائر".
أفكر في الخطوات التي ينبغي أن يقطعها هذا الجندي المنشق بوصفها
محاولات لاستبدال الأيام / الأفاعي الأليفة، أي التي لا تُنجز مهام القتل مبكرًا،
بزمن لا يختفي ـ بعدائيته الماكرة المعتادة ـ كالعشب تحت السرير / علامة المرض، حيث
الأرق، أو العجز عن الحركة، أو ما يمكن تسميته بالإغماءة الواعية التي تراقب من
داخل سكونها الأجنحة المقطوعة كافة.
"فالحياة أشبه بعجلة
دراجتك الأمامية،
الحياة
التي
ككرة ثلج ..
تنتظر ـ بشغف ـ لحظة زوالها".
إذا تخيلنا مكوّنًا كالظل نابعًا من الذات، يقف مراقبًا
"الموعد"؛ فإنه سيرصد بالضرورة كيف يمكن للقاء أن يكشف عن وجه مشترك بين
ملامح الحرب والحب .. هذا الظل هو الاحتمال غير المتحقق، وغير المفهوم للحرية ..
هو يتأمل القناع / المعنى الغائب فحسب لكل من الحب والحرب، ولا يمكنه أن يفسّر بدايات
هذه اللحظة، أو يتنبأ بنهايتها .. إذن يبدو الأمر كأنه يقع داخل نطاق اللغة نفسها،
وقد تخلصت من الحدود التي من شأنها تعطيل التوهمات باعتبارها "إبصارًا".
يحيلنا الخطاب الشعري إلى الحرب كمسألة تسبق الحياة .. الجحيم ليس ما
نراه من تعاقب زمني بل الفناء المبهم الذي تقدّم على إمكانية الوجود .. الحرية إذن
ليست مناقضة لشيء يطلق عليه (السجن) مثلًا، ذلك لأن السجن نفسه يمكن أن يكون
الاحتفاظ بفكرة الحب .. بامتلاك تصوّر عن ماهية هذه الكلمة .. الحرية هي الشيء
الذي دائمًا هناك إرادة للعثور عليه خارج الانتحار والقتل العشوائي والحتمي، أي
قبل أن يُخلق الموت ذاته.
تسعى البصيرة لتشكيل حريتها الخاصة، ربما كتسلل من أشلاء الحرب، وربما
كهروب من أنقاض الحب نفسه، وإذا تم استخدام (الطائر) كمرادف لهذه الحرية فهو لا
يتوقف هنا عند الرمز المتداول بل يشير إلى التحرر خارج كل ما يتم تجميعه كذخيرة
لهذا الطائر، مهما بدت مختلفة عن الماضي .. كل ما يمتلكه الطائر هو كرات ثلج، وثمة
عينان تراقبان هذه اللعنة.
يتكرر حضور الطائر عبر القصائد، الأمر الذي قد يجعلنا نشعر بأن شيئًا
يُراد تثبيته كأمل أخير في (الحقيقة) .. الطائر هو الرجاء المتبقي من الواقع، أي
ليس فقط على مستوى وظيفته الرمزية بل على مستوى قابليته كجسد للتحوّل إلى إجابة
فعلية.
هل تمثل هذه (الحقيقة) حدًا فاصلًا تتوقف عنده الموجودات عن التحوّل
من احتمالات لفردوس ما إلى قرائن للموت؟ .. من وعود للنجاة إلى مرايا معدّة فقط
لتأمل النهاية الوشيكة؟ .. قد يتولّد إحساس ولو على نحو خافت بأن القصائد تتسم بطبيعة
صامتة أشبه بالسكون المتواطئ .. هذا الصمت يتلازم مع تكرار آخر وهو التنفس ..
التنفس كمقابل للحواس كلها .. التنفس كطائر يريد اختراق الصمت الذي تتلاشى عنده
الرجاءات .. لذا فالأمل الأخير هو التنفس حتى النهاية بدلًا من الفهم المتعذّر، أو
بلوغ الحد الفاصل للحقيقة.
"الأطفال ما عادوا إلى بيوتهم
الغجر فقدوا عاداتهم الجميلة
أما أنا
ـ عكس العادة ـ
خرجت لأشتم رائحة الموت".
يضع عماد الدين موسى قلب كل كائن على المستوى الظاهري كتعويض عن الفقد
.. هذا التعويض يأتي بعد رسم التوحد بين الطبيعة والبشر حيث تبدو الطبيعة مكانًا
أثيرًا لدى الشاعر .. القلب باعتباره ذاكرة .. لكن هل يفعل ذلك باعتبار أن الثقة
المفترضة تجاه هذه الذاكرة تقتصر على الشعور بكل ما ينطوي عليه من تخيلات، أم على
ارتقاء وجودي، أو نوع من الخلاص قائم على هذا التوحد مع الطبيعة الحسية؟ .. بالفعل
كان من المنطقي أن يُترك هذا الاستفهام دون إجابة؛ ذلك لأنه لا أحد يعلم كيف يمكن
استرداد الأصوات الضائعة، وهل كانت هناك أصوات بالفعل أم لا سواء كان هذا الصوت
يخص إنسانًا أو غيمة على سبيل المثال .. لذلك فإنني بشكل تلقائي أستطيع أن أضع
الحنين كمسمّى للقلب المعوِّض عن الفقد .. الحنين وليس الذاكرة .. ذلك لأن الذاكرة
ستجبرك على استرجاع أغنيات محددة: أشجار .. مرافئ .. مطر .. أغصان .. قوارب ..
زهور .. قبلات .. بحار .. أما الحنين فهو يخاطب دومًا ما وراء تلك الأغنيات، أي
ذلك الغياب الذي سبق كل هذه الجروح.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 1 ديسمبر 2019
الاثنين، 25 نوفمبر 2019
سيرة الاختباء (2)
كان يجب أن يكون لهذا المقال من الباب الأسبوعي موضوع آخر، ولكن
المحاضرة التي ألقيتها الأحد الماضي عن الأصل الواقعي لرواية "دكتور جيكل
ومستر هايد" فرضت نفسها، ليس لأهمية الحدث بالنسبة لي في حد ذاته، وهو ما كان
سيلائمها الكتابة عنه في يومياتي على سبيل المثال، وإنما لأنه نموذج واضح لما كنت
أقصده في المقال السابق عن "الاختباء".
طوال ثلاث سنوات لم أعلن عن هذه الدراسة، ولم أخبر أي أحد بها، حتى
المصنفين اجتماعيًا بأنهم الأقرب لي، منذ الليلة التي استمعت فيها كشخص مغرم
بالدراما الإذاعية البوليسية القديمة إلى حلقة من برنامج "أغرب القضايا"
وكانت بعنوان "قضية مقتل الدكتور باركمان"، وشعوري بأن شيطانًا غامضًا
قد بدأ يحوم في عقلي حول أحداثها، مرورًا بمعاودة الاستماع إليها أكثر من مرة
بإلحاح متصاعد، ثم البحث عن تفاصيل القضية على الإنترنت مقترنًا بالرجوع إلى
ترجمات مختلفة للرواية التي قرأتها في طفولتي للمرة الأولى في نسخة مبسطة
للناشئين، ثم تحوّلت إلى أحد الملاذات الكلاسيكية التي لم أتوقف عن التسلل إليها
بين حين وآخر، وذلك بعد التوصّل إلى طبيعة الهاجس المحرّض الذي انتابني، والتأكد
من صحته، وحتى البدء في كتابة الدراسة بعد زمن طويل من البحث والتنقيب والتحليل
الاستكشافي في جميع الاتجاهات .. لم أكن أنوي الإعلان عن هذه الدراسة في محاضرة
الأحد الماضي، حتى أن أول ما خطر في ذهني بعد توجيه الدعوة قبل انعقادها بأسبوع هو
"محاولة" التحدث عن الماضي الأدبي الشخصي مثلما فعلت سابقًا بشكل
اضطراري في مناسبات سابقة .. كنت قد قررت، وبصورة عفوية الانتظار حتى صدور الكتاب
مطلع العام القادم، حيث يمكن حينئد الاستجابة لرغبة المحررين الروتينية في كتابة
شهادات أو إجراء حوارات عن هذه الدراسة، ولكن ما كان مؤكدًا هو عدم التحدث عنها لأطول
فترة ممكنة .. التحدث الذي يشترط "الظهور"، أي الحالة التي لا تتوقف عن
إثبات عدائيتها للكتابة.
ما جعلني أقرر على نحو مفاجئ الإعلان عن الدراسة قبل صدورها كمحاضرة
في هذا اليوم هو ذلك التواطؤ الذي أشرت إليه في المقال السابق بين الضرورة الذاتية
للكاتب، والإلحاح القهري للجماعة الأدبية التي تحاصره .. الرغبة في الكشف عن
"مكسب جديد" أمام الاستعراضات المضحكة لمكاسب الآخرين الجديدة
والمتلاحقة، التي تطالبك ضمنيًا بالمِثل .. حتى لو كنت في مكان آخر، يعتلي الحروب
كافة، أو لديك تفسير ـ موضوعي ـ مختلف لـ "المكسب الأدبي"، مجرّد من
التزييف القيمي لتحالف المال والشهرة، أو تمتلك دافعًا مغايرًا في عمقه لهذا
"الظهور" .. كان ينبغي أن أكشف في هذا التوقيت عما هو "غير
مسبوق" بحق، وليس المدهون بالثرثرة الشعبوية الرخيصة.
تواصل معي أحد الصحفيين بعد المحاضرة، وتحدث معي عن موضوعها، متوقعًا
موافقتي على نشر هذه المناقشة كحوار عن الدراسة المنتظر صدورها، ولكنني طلبت منه
الاكتفاء بصياغتها كخبر، وتأجيل الحوار لما بعد نشر الكتاب .. رغم أن الحوار ليس
"ظهورًا"، ولكنني أدركت أن وراء رغبتي في استبداله بالشكل الخبري محاولة
لاسترداد "الاختباء" .. استدراك ضمني لـ "الظهور" المبكر ـ
حتى لو كان هناك إجماع بأن الأمر كان رائعًا ـ والذي كشف عن شيء كان ينبغي انتظار
تحققه في صورته المثالية، وامتلاك وقتها المستحق كاملًا.
موقع "الكتابة" ـ 24 نوفمبر 2019
الأحد، 24 نوفمبر 2019
البيت
لم يكن يستطيع أن يبوح بما يريد لأحد من الذين يتعاقبون كل يوم على
ركوب التاكسي الذي يقوده، وتحديدًا الذين تُظهر ملامحهم تقاربًا مع عمره، خاصة
أثناء الدوران آخر الليل في سكون المدينة .. لم يقدر حتى على النظر في عيني أي
منهم، ولو عبر المرآة الأمامية الصغيرة .. كان كل ما بوسعه هو تشغيل أغنيات قديمة
كشفرة متوسلة، يرجو أن يلتقطها الجالس بجواره ويستجيب لها، قبل أن ينتهي الزمن
الوداعي للصدفة التي جمعتهما .. لكن دائمًا ما يترك المغادر خيبة أمل جديدة، إما
بسبب عدم الانتباه، أو الفهم الخاطئ للرسالة الرمزية المنبعثة من مسجّل السيارة ..
خيبة أمل تضاف لمثيلاتها التي تزايدت، وتوطد تلاحمها بمرور السنوات، بحيث أصبحت
مكوّنًا سريًا للتاكسي، ومصدر ترنّحه المتفاقم، الذي لا يشعر به إلا سائقه العجوز
.. لم يكن يستطيع أن ينظر بالدموع المتراكمة في عينيه لأحد كي يسأله: هل يمكنك أن
تصف لي الطريق إلى بيتي؟.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 22 نوفمبر 2019
الثلاثاء، 19 نوفمبر 2019
دراسة للناقد ممدوح رزق تكشف عن الأصل الواقعي لرواية "دكتور جيكل ومستر هايد"
في محاضرة ألقاها الأحد الماضي بنادي الأدب بالمنصورة تحت عنوان
"الأصل الواقعي لرواية دكتور جيكل ومستر هايد"؛ قدم الناقد ممدوح رزق
عرضًا لدراسته المنتظر صدورها مطلع العام القادم، والتي تكشف بالأدلة المادية
والتحليل النقدي عن الحدث التاريخي الذي استلهم منه روبرت لويس ستيفنسون روايته.
تشتمل الدراسة على تشريح دقيق لحياة ستيفنسون، وملابسات كتابة كل عمل
أدبي له، خاصة رواية "دكتور جيكل ومستر هايد"، وكذلك جميع التفاصيل التي
تتعلق بالأصل الواقعي لها، والمتمثل في حادثة مقتل الطبيب جورج باركمان على يد
صديقه دكتور جون ويبستر عام 1849 بكلية الطب جامعة هارفارد في مدينة بوسطن الأمريكية.
قام ممدوح رزق في المحاضرة بشرح جميع أوجه التماثل بين الرواية
والقضية، وكيفية استخدام روبرت لويس ستيفنسون لعناصرها على مستوى الأماكن،
والشخصيات، وأدوارها، وحركتها، واللعب بالاختفاء، وأداة القتل، واكتشاف الجريمة،
والوصول إلى الجثة، وتوظيف الخطابات، والفروق التشريحية، والأعمار، واستعمال الانتحار
والشنق، والنزوات المشتركة، بالإضافة إلى استقصاء العوامل الاجتماعية على مستوى
الحادثة والرواية.
في نهاية المحاضرة عقد الناقد ممدوح رزق مقارنة بين دراسته
والافتراضات الأخرى حول الأصل الواقعي لرواية "دكتور جيكل ومستر هايد"،
مستعرضًا تميز هذا الكشف عن تلك التخمينات التي حاولت أن تنسب الرواية لأشخاص
ووقائع مختلفة عبر الزمن، حيث يرجع هذا التميز إلى أن الدراسة تحدد أصلًا واقعيًا
يشتمل على جميع عناصر الرواية، وبصورة ترتقي إلى نوع من التطابق، في حين لم تتجاوز
الافتراضات السابقة الإشارة إلى عنصر مشابه، أو مادة مقاربة لأحد معطيات الرواية، والتغاضي
عن التفاصيل الأخرى لمضمونها .. ليس هذا فحسب بل إن هذا الكشف لا يكتفي بتضمنه
لجميع عناصر "دكتور جيكل ومستر هايد"، بل يحتوي أيضًا على الطريقة التي
تطورت بها أحداث الرواية حتى نهايتها.
موقع "الكتابة" ـ 19 نوفمبر 2019
السبت، 16 نوفمبر 2019
محاضرة للناقد ممدوح رزق عن الأصل الواقعي لرواية "د. جيكل ومستر هايد"
في السادسة من مساء الأحد 17 نوفمبر 2019 بنادي الأدب بالمنصورة، يلقي
الناقد ممدوح رزق محاضرة بعنوان "الأصل الواقعي لرواية دكتور جيكل ومستر
هايد"، يقدم خلالها عرضًا لدراسته المنتظر صدورها مطلع العام القادم، والتي
تكشف بالأدلة المادية والتحليل النقدي عن الحدث التاريخي الذي استلهم منه روبرت
لويس ستيفنسون روايته.
الاثنين، 11 نوفمبر 2019
سيرة الاختباء (1)
لماذا "سيرة"؟ .. لأنها أقرب ما يمثل زمنًا شخصيًا محكومًا
بطبيعة معينة داخل ما تعتبره الذات تاريخًا عامًا .. بهذا فإن "أقرب" هو
الباب الخلفي المفتوح طوال الوقت لمراوغة وتخطي اليقين المحتمل
لـ"السيرة" .. لماذا "الاختباء"؟ .. لأنه الشيء الأساسي الذي
أردت تحقيقه والتمسّك به منذ اليوم الذي دخلت فيه "منتدى عروس النيل الأدبي"
بداية التسعينيات، وحتى اللحظة التي أكتب فيها الآن .. منذ المرة الأولى التي حضرت
فيها "ندوة"، والتقيت بـ "أدباء" كي "أقرأ محاولاتي
القصصية" أمامهم وأنا مازلت طالبًا في المرحلة الإعدادية، وحتى التوقف بعد ما
يقرب من ثلاثين سنة عن حضور الندوات، والامتناع عن عقد مناقشات أو حفلات توقيع
لأعمالي، والاتجاه منذ فترة لنشر كتبي إلكترونيًا عدا الاستثناءات المحتومة ..
الاختباء الذي طالما أثبته كل "ظهور"، ولم يفارقه مطلقًا الوعي بأنه
بديل عدائي لما هو أكثر استحالة أي "الاختفاء" .. أن تكافح من أجل
الاختباء بكل ما يضمره من تمنّع ومشقة وخسائر؛ فهذا يعني أنك تستوعب جيدًا عدم
القدرة على بلوغ الغاية الأصلية؛ أي أن تختفي تمامًا.
في فيلم Sideways ((2004 إخراج ألكسندر باين؛ يقول مايلز "قام
بدوره بول جياماتي"، لصديقه جاك "قام بدوره توماس هادن تشورتش"،
وكانت وكيلته الأدبية قد أخبرته للتو برفض جديد من الناشرين لروايته الأولى:
"لقد انتهيت .. أنا لست كاتبًا، أنا مجرد أستاذ لغة انجليزية للإعدادي ..
العالم لا يهتم البتة بما لدي لأقوله .. وجودي ليس ضروريًا .. أنا تافه لدرجة أنني
لا أستطيع حتى أن أقتل نفسي .. لقد انتهى نصف حياتي، وليس لدي شيء يعبر عنه، لا
شيء".
تبدو تلك الكلمات كأن موضوعها ما تم الاعتياد على تسميته بـ
"الاعتراف الأدبي" .. ماذا يعني هذا الاعتراف؟ .. كيف يتم الحصول عليه؟
.. من هم الجديرون بمنحه؟ .. ما هي السياقات المختلفة التي لابد أن يمر من خلالها؟
.. هل تنبع الرغبة في حيازته من ضرورة ذاتية للكاتب، أم نتيجة إلحاح قهري متواصل
للجماعة الأدبية التي تحاصره، أم أن مصدرها تواطؤ ضمني بين هذا وذاك؟ .. كيف تتغير
صور المطالبة بهذا الاعتراف سواء فيما يتعلق بالكاتب أو بالواقع الذي لا يتوقف عن
فرض الانتماء حتى على أكثر الرافضين له والساخرين منه؟ .. لماذا يجب الحصول على الاعتراف
أصلًا؟.
من ضمن ما أركّز عليه في المحاضرة الأخيرة بورشتي القصصية هو تذكير
أولئك الكتّاب الذين يقطعون خطواتهم الأولى بألا يسمحوا لأحد ـ مهما كان ـ أن يفرض
وصايته عليهم .. "إذا كنت خلال زمن الورشة بمثابة الصوت المغاير في أذهانكم،
الذي يخلق إمكانات جامحة لكل نص في مرحلة العمل على جميع مستوياته، بحيث تكون هذه
الاحتمالات جزءًا من حريتكم في الكتابة؛ فإن التهكم هو الطريقة المثالية لمجابهة
كل من يحاول أن يقلل من شأن قصصكم بعد نشرها، أو يحاول إخضاع أعمالكم المستقبلية
لأوهامه الخاصة باعتبارها الحياة والموت سواء كان يقينًا أخلاقيًا، أو سياسيًا، أو
أسلوبيًا على سبيل المثال" .. دائمًا ما أفكر بعد انتهاء هذه المحاضرة في أن
هؤلاء إذا ما استمروا في الكتابة، وتزايدت حدة "الجموح" في قصصهم بمرور
الوقت، وتضاعفت لامبالاتهم تجاه السائد والمضمون، وظلوا مقيمين في هذه المدينة
بعيدًا عن مكان قد يمنحهم الوضعية الملائمة للحماية والتعويض؛ فإن هناك ثمنًا
بالتأكيد سيستمرون في دفعه .. إنه أمر أشبه بقانون قطّاع الطرق.
موقع "الكتابة" ـ 10 نوفمبر 2019
الأربعاء، 6 نوفمبر 2019
الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019
صمت منفرد
خلال ثلاثين عامًا، غابت أشياء كثيرة عن البيت الذي مات أهله تباعًا،
لكن الساعة ظلت كما هي، حتى المسمار الذي يحملها منذ البداية، لم يرتعش طوال تلك
السنوات .. استبدلت أغراض عديدة أماكنها، لكن الساعة لم يتغيّر أبدًا موضعها على
الحائط، كأنها جزء أصيل من تكوينه .. تراكمت على الموجودات القديمة آثار الزمن،
لكن الساعة بقيت دون علامات ضرر، كشيء لم يُستعمل مطلقًا .. ربما يكمن السر في أن
عقاربها قد توقفت عند لحظة محددة منذ ثلاثين عامًا .. اللحظة التي كنت أجلس خلالها كطفل غافل، تتنقل
عيناه بين وجوه أسرته التي مازالت على قيد الحياة، ثم رأيت فجأة عجوزًا لا أعرفه،
يمر في منتصف الشقة، جالسًا فوق كرسي متحرك قبل أن يختفي على الفور .. رجل عجوز لم
ينتبهوا إليه، ولم أقدر على إخبار أحد بأنني رأيته، كما لم أعرف هل سيعاود الظهور
ثانية أم لا .. لذا، وحتى لا تضيع ملامحه من ذاكرتي؛ قررت أن أغلق على نفسي باب
الحجرة، وأن أحاول وصفه سرًا بكلمات مكتوبة، غير مُدرِك بأنها ستصير القصة التي لن
ينجو منها أحد.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 4 نوفمبر 2019
اللوحة: Edgar Fernhout
السبت، 2 نوفمبر 2019
العالق في يوم أحد: تقمّص الفراغ
يمكننا تحديد قائمة من الأداءات "التخييلية" التي تضمنتها
مجموعة "العالق في يوم أحد" للكاتب عبد الله ناصر الصادرة حديثًا عن دار
التنوير، من حيث كونها تتسم بنوع من الثبات المتعمّد والتكراري، وهو ما يكاد يمثّل
استراتيجية سردية عامة لقصص المجموعة .. ستشتمل هذه القائمة على: إضاءة التماثل ..
التحريف البنيوي .. التبادل .. تغيير الوظائف .. تثبيت المتناقضات .. كسر
التراتبية .. تعطيل المنطق.
"ما عدت آمن كل الأخشاب في بيتي: الطاولة، والكراسي، والمكتبة،
والخزانة، حتى السرير، أحلم أنه ينطبق عليّ فأختنق وأصحو من الهلع حتى صرت أنام
مؤخرًا على السيراميك، قد يكون باردًا ولكنه آمن. عندما أخرج إلى العمل صباح الغد،
سأقفل الباب مرتين، ولن تنجو تلك الأخشاب من النار التي سأضرمها في البيت".
هذا على سبيل المثال، ولكن ما أراه جديرًا بالتمعّن عند مقاربة هذه
الأداءات يتلخص في ثلاث أفكار: الأولى أن هذه الأداءات لا تمنح ما نعتبره
"العادي" طبيعة مختلفة، أي لا تكسبه غرابة مستقلة لم تكن تنتمي إليه،
وإنما تكشف عن وجوه "ضمنية" أخرى تساهم في تكوين ما يُنظر لها كحقائق
للموجودات، ملامح كامنة في المألوف وليست إضافات خارقة له.
الفكرة الثانية أن الظواهر الناجمة عن هذه الأداءات، والمتعلقة بما هو
خارج الذات ليست انعكاسًا للوعي الذي يمارسها، أي أنها غير خاضعة لإرادة متعالية
تخص الجسد المنتج لهذه الأداءات، وإنما امتثالًا لجوهر الأشياء الذي يسبق تجسّدها،
وبالتالي تمتلك حقائقها الخاصة التي تتجاوز توقعات الذهن الذي يتصوّرها على نحو
معيّن .. بمعنى آخر تتخطى الكيانات غير البشرية كل ما يمكن أن يكشفه
"التخييل" من إمكانات مخبوءة في حضورها التقليدي.
الفكرة الثالثة أن هذه الأداءات لا تسعى إلى إعطاء الرسوخ للذوات
والأشياء المكتشفة، أي إلى دعم الاستقرار لصور الوجود التي تتخذها وإنما إلى
تبديدها، إلى ملامسة الفراغ المفترض وراء حضورها الذي يتعدّى دائمًا ما يبدو عليه
.. الحضور الذي يمكنه أن يتحوّل إلى خلاف ما نعهده باستمرار .. كأن الأداءات تسعى
لتفتيت المراوغة طمعًا في الوصول إلى نوع آخر من المرايا .. مرآة كفيلة بأن تعكس
ذلك الغموض الذي لا يُرى أو يُدرك، ومن ثمّ جعل هذه الذوات والأشياء تنوب عنه ..
المرآة الكلية التي لن تعكس أصلًا مطلقًا إلا لو كانت فراغًا.
"ولأن الذبابة كانت تطير بسرعتها القصوى لم تستطع تفادي تلك
الجمجمة، التي قضت عليها لحظة الارتطام. وعندما التفتت الرصاصة، راعها ذلك المشهد،
وقررت أن تكون من الآن فصاعدًا أكثر حيطة وحذرًا فلا تبتعد كثيرًا عن
النفايات".
ما الذي يعنيه "التخييل" إذن وفقًا لهذا؟ .. إنه أشبه
بالحدس المضمون، الذي لا يخترع الأعاجيب ـ أو كما تبدو هكذا ـ وإنما يحدد مواضعها
في ما هو بديهي .. لا يؤلف الاستثناء كحالة منفصلة عن الطبائع النمطية بل يظهره
كجزء متداخل في تركيبها .. التخييل هنا هو توسيع متواصل لمساحة الصواب التي لا يمكن
دحضها لمجرد أنها عاشت حياة سابقة من التواري المحكم .. لكنه الصواب الذي كلما
تمدد، كلما امتلكت تفاصيله القدرة على التودد إلى غيابها، أي استثمار قابليتها لأن
تكون أي شيء غير ما هي عليه بالتعبير الهيدجري، كي تحاول إزاحة العتمة عن الشيء
الوحيد "الغيبي" الذي يضمن لها أن تظل كذلك، في مقابل أن هذا الشيء
الوحيد المبهم لا يمكنه أن يكون إلا نفسه.
"بدا أن هؤلاء البشر لن يتوقفوا عن قتل بعضهم البعض، إذ لا مناص
من أن يكون أحدهم قابيلًا آخر أو هابيلًا آخر. كانت الغربان المذعورة تتناقص بينما
يتضاعف عدد النوارس حتى ما عاد القتل يُفزع أحدًا، بل لقد صارت الغربان تتلذذ
بالتهام القتلى. لو نظرت الآن إلى أي غراب لوجدته يشتهي أن ينقر عينيك
الطازجتين".
ما يتم تداوله كفروق مؤكدة بين الموجودات يحوّله عبد الله ناصر إلى
إثباتات للتطابق، وبالتالي يكون الاختلاف هو هيمنة من الادعّاءت المتغيرة التي
تحاول الكينونة بواسطتها أن تتحرر خارج ورطة التشابه .. لكن هذا يؤكد أيضًا أن
الذات لا تمتلك ما يُشكّلها، أي لا تحصل على اليقين استنادًا إليه، بما أن الأشلاء
التي تكوّن بنيتها تمزج بين المتضادات، وتنطوي على النقائض لتُجسّد تماثلها الحتمي
مع الآخرين العالقين في الضرورات نفسها .. لهذا تتناول قصص المجموعة هذه الأشلاء
كاحتمالات طائشة في لعبة ترتكز "إعجازيتها" على الانفلات المؤبد للماهية
مع كل لحظة من الخلق الظاهراتي البريء، أو العفوي مثلما أبصر غاستون باشلار
بالتأمل الشارد شاعرية العالم .. الحفر في جميع الظنون المحقة طوال الوقت مهما كان
تنافرها مع "المعقول"، لبلوغ الأشياء في نقائها السري .. كأن عبد الله
ناصر يحوّل الأجساد والأماكن والأزمنة ـ كرهان فينومينولوجي ـ إلى صور شعرية تكشف عناصرها
الأولى، أو منطلقاتها الأساسية ـ كما أراد باشلار إعادة خلقها ـ خارج عماء
المفهوم، أو القمع الاختزالي للسياق الذي يستهلكها.
"ساقي اليسرى سليمة تمامًا ولكنها ليست لي هي أيضًا، حتى هذا
الوجه المستطيل الحاد، جسدي كله ليس لي، حتى الاسم والعمر والوظيفة والحالة
الاجتماعية كذلك، كلها تخص أخي الذي يصغرني بعشرة أعوام".
على جانب آخر يمكننا التفكير في أن الأداءات التخييلية تكشف أثناء
قيامها بالمهام السردية السابقة؛ تكشف عن نوع من التشابك فيما بينها .. إنها تجعل
من التماثل أو الطمس القدري للفردية في قصة "متواليات" كأنما يحلم بالحب
الذي لا يشبهه آخر في قصة "تكامل" مثلًا .. كذلك صفعات الأبواب في قصة
"اللذان لا يستطيعان الخروج" كأنها توصيف أو تشريح للتوأمة بين هابيل
وقابيل في قصة "التوأم" أيضًا .. إنه كنسيج داخلي للعالم، أو التاريخ
يبوح بالمزيد من ملامحه الفعلية، وتناسلاتها، حيث العالق في يوم أحد يختبر هذا
حقًا كزمن الباطن، الواقعي، لا المجازي، دون مبالاة بتمنّعه المؤقت عن الإدراك في
وعي الآخر .. في تصوّر الغريب عن التجربة الذي لا يمكنه أن يلحظ مثلا خوفك من
النظر إلى المرآة، كما في قصة "الآخر"، قبل أن يصل بنفسه إلى هذه اللحظة
التي يخاف فيها من أن يلتقي بـ "الرجل الذي خرّب حياته" .. بالكيفية
ذاتها سيكون الإبصار من الخلف أمنية لذلك الذي يخاف من النظر في المرآة؛ فذلك الذي
يسير إلى الوراء في قصة "الذي يبصر من الخلف" ربما يكافح لفهم المسار
الذي قاده نحو الخوف من لقاء الرجل الذي خرّب حياته، وهذه القصة تذكرني بقصة
"ماريا نكوبولوس" من مجموعتي القصصية "مكان جيد لسلحفاة
محنطة" 2013، حيث الشابة التي أظهرت في طفولتها القدرة على
المشي بظهرها دون أدنى مشكلة، ودون مساعدة من أحد حتى في الأماكن الغريبة عنها
التي لم تذهب إليها من قبل لدرجة أنها اشتهرت بلقب "الفتاة ذات العينين
الخلفيتين"، فضلا عن استطاعتها صعود السلالم ونزولها وعبور الطرق المزدحمة
والقفز والجري بسرعة كبيرة على هذا النحو .. في قصة "الذي يبصر من
الخلف" ـ المغايرة عن قصة ماريا في التفاصيل والأحداث واللغة ـ يتفق بطلها
"المبصر من الخلف"، الذي كأنما يسير في الماضي مع ماريا نكوبولوس
"التي كانت يعتمد نجاحها في المشي بهذه الطريقة على إحساسها الخاص"، حيث
"كان يعتبرنا أسوأ حالًا من العميان، إذ ما قيمة العيش حين لا نستطيع رؤية ما
خلفنا"، بينما كانت "ماريا" تقول في القصة "بأن الحياة كان من
الممكن أن تكون جميلة حقًا لو أتيحت لكل إنسان القدرة على التفحص الدائم للنقطة
التي ينطلق منها تحركه داخل العالم، وأن المشي بالظهر حينما يعتبر معجزة، فهذا
دليل على بشاعة النوايا التي وقفت وراء الوجود البشري لأن الغيب لو كان يريد بنا
خيرًا لجعلنا جميعًا قادرين على المشي بظهورنا".
بالعودة إلى غاستون باشلار؛ يحتل "التقمّص" مكانة رئيسية في
تناول الصورة الشعرية لديه، أي استدعاء حالة "المبدع" لكي تصبح هذه
الصورة خاصة به، لها جذور في داخله، وبالضرورة تصبح وجودًا جديدًا في لغته .. فإذا
كان عبد الله ناصر ـ كما سبق وأشرت ـ يحوّل الأجساد والأماكن والأزمنة إلى صور
شعرية؛ وجب التفكير في ذلك الذي "يتقمّصه" بينما يقوم بذلك .. الفراغ
الذي يطغى وراء الذوات والأشياء .. المرآة التي تعكس الغموض .. الأصل المطلق الذي
جعل هذا الحضور المراوغ للعالم ينوب عنه .. هذا التقمّص تحديدًا هو ما يفسر
"المرح" السائد في المجموعة، الذي يتجاوز الحس الفكاهي في عدد من قصصها
.. المرح المعادل للذة الخلق الديناميكي للأجساد والأماكن والأزمنة مثلما يكون
عليه الأمر تمامًا للصور الشعرية .. لكن المرح لا يتعلق بالخلق فحسب، وإنما أيضًا
ـ وربما بشكل أقوى ـ بالوعي بغياب الفروق بين الموجودات، وعدم امتلاك الذات لما
يُشكلها، والانفلات المؤبّد للماهية، والرغبة في تبديد ما يتم اكتشافه كمحاولة
لإبصار الشيء الوحيد المبهم الذي لا يمكنه أن يكون إلا نفسه.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 3 نوفمبر 2019الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019
حوار قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأقصى مع الكاتب ممدوح رزق
حوار أجراه أ.د. عصام شحادة مع الكاتب والناقد المصرى ممدوح رزق لصفحة
قسم اللغة الانجليزبة بجامعة الأقصى حول قصة وليام فوكنر "وردة إلى أميلى "،
و كيف شكلت القصة علامة بارزة فى الوعى الأمريكى الأدبى.
لماذا اخترت هذه القصة للكتابة عنها؟
ـ لجدارتها بالتحليل ضمن مشروعي النقدي عن كلاسيكيات القصة القصيرة
سواء بالنسبة لكتابات وليام فوكنر أو لتاريخ القصة بشكل عام .. تكمن هذه الجدارة
بشكل أقوى في التوعّد الخفي للغة الذي دبّره فوكنر حتى يصل بالقصة إلى مشهد اقتحام
غرفة أميلي بعد موتها .. هو واحد من أروع مشاهد القصة القصيرة بالنسبة لي، ولا
يرجع هذا إلى مكوّناته الصادمة فحسب، وإنما أيضًا إلى ما يمكن تسميته بالغفلة
الخبيثة المصطنعة التي جهّزت منذ بداية السرد لاكتشافه.
كيف وجدت أسلوب وليام فوكنر؟
ـ يعتمد أسلوب فوكنر على المراكمة الكاشفة للمعطيات السردية، ولكنها
ليست مجرد تمرير عفوي لمعرفة واضحة من التفاصيل والأحداث الضرورية، وإنما تتميز
هذه المراكمة بخاصيتين أساسيتين .. الأولى: إنها تقوم على التكوين الوصفي الذي
يخلق إيقاعًا متزنًا من النبرات المحايدة .. يدمج هذا الإيقاع بين الملامح
المتنامية للقصة وإحالات مخاتلة، غير معلنة، تتصاعد تدريجيًا في توحّد صامت، كأنما
تشيّد بنية سرية من الصراخ المكتوم داخل الفراغات، لن تكشف عن نفسها إلا عند
اقتحام حجرة أميلي بعد دفنها واكتشاف ما تبقى من جثة هومر بارون في سريرها، ولهذا فالقصة
ليست رصدًا مجرّدًا لمشاهد انتقائية بل بديلا إيحائيًا للواقعية المفترضة لهذه
المشاهد .. الخاصية الثانية: إن هذه المراكمة لا تعتمد على التعاقب المنطقي
للأحداث، وهذا يؤدي إلى التداخل بين الأزمنة، حيث تستدعي اللحظة ما تنطوي عليه من
لحظات أخرى باعتبارها مساهمة في تشكيلها أي مستمرة في الحدوث، لا ينقطع وجودها،
ومستشرفة لما تنشأ عنه ولما تمتد إليه، وهذا ما يمنح القصة طابع الحلم، أي ذلك
الزمن الداخلي الذي يمتلك ترتيبه الخاص أو مشيئته الذاتية داخل التاريخ.
وردة الى أميلى تعبر عن روح عصر الاعمار بعد انتهاء الحرب الأهلية
الأمريكية ما هو منظورك؟
ـ حسنًا؛ إذا كان من الممكن قراءة القصة ـ كما يحدث أحيانًا ـ في ضوء
المقاومة الاستعلائية "القاتلة" للبيض الجنوبيين لمتغيرات ما بعد الحرب،
وتمسّكهم الانتقامي بالسيادة الزائلة أمام الحقوق والحريات التي حصل عليها السود
في حماية الشمال، وإذا كان من الممكن قراءتها على نحو مناقض في إطار التعاطف مع
الجنوبيين البيض بعد تضاعف المأساة الاجتماعية نتيجة "الخيانة السوداء"،
فإنني أعتبر القصة متخطية لذلك .. إن الأمر لا يتعلق بالازدراء أو الشفقة تجاه أثر
سياسي ما أو تحولات طبقية معيّنة، بقدر ما يرتبط بالكيفية الغامضة التي تنتج بها
الأوهام أجسادنا عبر الزمن، ومن ثمّ تحدد المسارات الحتمية لخطواتنا المخذولة، غير
المتوقعة، حتى أثناء ما نفترضه صراعًا مع بداهتها .. الأكاذيب القهرية، الأشبه
بالقبور ـ التي تتخذ أحيانًا شكل البيوت الأرستقراطية ـ حيث تتعفّن الأرواح في
ظلامها الذي لا يمكن انتهاكه .. يتعلق الأمر بأن الثمن يُدفع دائمًا، مهما حدث،
كحياة كاملة دون نقصان.
كيف تعقب على قصة وردة الى اميلى كعمل فنى يتراوح بين الرمزية
والحداثة والحنين الى الماضى و التطلع القلق نحو المستقبل؟
ـ أود الإشارة أولًا بصورة مختصرة إلى أن "الكلاسيكية"
المقصودة في مشروعي النقدي الذي تضمن تحليل قصة "وردة إلى أميلي" ليست
حكمًا جماليًا، أو تصنيفًا ثقافيًا، وإنما رؤية ذاتية للتاريخ، غير متورطة في
الاختزال أو التقييم أو الانحياز، لكنها لا تستبعد الاشتباك مع ما يُنظر لها
أحيانًا كسمات للأدب الكلاسيكي .. لهذا لا أجد مانعًا في منح صفة
"الحداثة" إلى القصة من زاويتين: الأولى تتعلّق بالأسلوب نفسه، حيث
الاقتصار على الضرورات اللغوية، الإشارية، المقتضبة، التي تتجنب الاستطرادات
الحكمية الشارحة، أو التبريرات المقحمة، أو الفضح التقريري للدوافع والأحكام
والانفعالات الوصفية، بمعنى آخر ثمة استبدال لليقين البلاغي بالتكتّم المراوغ الذي
يتودد إلى كل الاحتمالات .. الزاوية ثانية ترتبط بمقاربة فوكنر لموضوع
"الحنين إلى الماضي"؛ فهو يضعه في نطاق التشريح والاستجواب، لا التأكيد
على مفهوم مطلق، وما يبرهن على ذلك طبيعة الاستخدام الرمزي في القصة: التكوين
الجسدي لأميلي .. متعلقاتها الشخصية .. منزل العائلة من الداخل والخارج .. اللوحة
التي تناولتها في قراءتي للقصة، والتي يمكن لهذه السطور التي أستعيرها منها الآن
أن تضيء تجاوز الحنين لقالبه الرومانسي المجرّد إلى محاكمته، لا كوعد مهدر فحسب،
بل كمستقبل مغدور به أيضًا:
"كانت (الآنسة أميلي) طوال هذه السنوات تعانق جثة (بارون)، وجثث
أبيها، والحبيب الذي هجرها، والرجال الذين لم يُسمح لهم أن يدخلوا حياتها .. علينا
استعادة كيف رفضت (الآنسة أميلي) تصديق موت أبيها .. ربما معالجة للذاكرة أي تصحيح
الماضي بما يدفع الحياة للحدوث مرة أخرى بطريقة مغايرة .. ربما تقديراً لذكرى
(القوة الذكورية) التي حاولت (الآنسة أميلي) أن تمتلكها ـ لنسترجع كيف كانت تعامل
الآخرين بجفاء أعمق من كونه راجعاً لغرور ارستقراطي يتمسك برفاهية مجد زائل ـ بعد
أن أخفقت في الحصول على الرحمة من هذه القوة .. الاندماج مع فحولة راضخة بفنائها
في غرفة معدة لليلة (عُرس) .. امتلاك سوط أبيها بعد أن أصبح خامداً .. ربما النوم
مع جثة الرجل هو الرغبة في الامتزاج مع ظلام الذاكرة .. الاحتفال به كعالم حقيقي،
سري، يخص (الآنسة أميلي) وحدها رغم كل شيء، ومنفصل عن الحياة التي تصورها البشر ..
الناس الذين سيعودون بعد ترك غرفة الطابق العلوي لنسج الأفكار والعواطف
والاستفهامات التي تخلق أزمنة ـ يقينية ـ عن آخرين لا علاقة لهم بها".
هل تعتقد بموت اميلى ماتت حقبة تاريخية تتمثل بقيم الجنوب و انتصار
العلم على التقاليد؟
ـ موت إميلي هو محرّض للتفكير في القيم نفسها بشكل عام .. في سرها
الغيبي الذي يسبق تاريخ ما، أي في وجوبها المتغيّر الذي يستعمل حيواتنا كتدليل
للموت .. أيضًا فكرة "انتصار العلم" لا تعادل دائمًا بالنسبة لي
انتصارًا "بشريًا"، ولكنها ملهمة للتساؤل عن كلمات كالهيمنة أو الأخلاق
أو الخلاص مثلًا .. حول الفروق الممكنة بين "التقاليد"
و"العلم" .. هل هذه الفروق حقيقية بالفعل أم أنها ظنون لغوية تستهلك ما
تُصدّقه، ولا تتوقف عن رسم وجوه متبدّلة للسلطة القيمية بحسب تعريفها الفردي أو
لدى جماعة ما في حقبة محددة.
ماذا نتعلم من قصة وليام فوكنر, و كيف نستطيع أن نعمل مقاربة مع
واقعنا؟
ـ ربما تلخص هذه الفقرة من مقالي عن القصة ما يمكن أن يجيب على هذا
السؤال: "لا يشكّل البشر يقيناً عن الآخر ـ خصوصاً غير المتورط في خطواتهم
الجماعية ـ من الأفكار والعواطف والاستفهامات فحسب بل إننا نراقب مع (فوكنر) كيف
تشيد تلك الركائز موضوع الزمن عند هذا الآخر: كيفية مرور الوقت داخل عزلته، وتأثير
الذاكرة في حركة الانتقال عبر مراحل العمر المختلفة، والنتائج المحسومة التي لابد
أن ينتهي إليها مصيره .. لكن هناك زمن آخر تُشكّله ركائز أخرى مغلقة على نفسها ..
وجود كامن في نطاق من العماء، مستغرق في حقيقته غير المكتشفة .. الوقت الآخر، الذي
تحكمه ذاكرة معادية، وحركة بعيدة عن التصورات والقرارات المتطفلة، التي تحفر في
الخارج معرفة زائفة عن أجسادنا".
موقع "الكتابة" ـ 29 أكتوبر 2019
السبت، 12 أكتوبر 2019
Doodlebug للمخرج كريستوفر نولان: جريجور سامسا مُطاردًا ظلاله
كوجه محنّط في العتمة، لا يكشفه سوى عينين تتلفتان داخل عمائها ..
مجرد شخبطة طفولية، رُسمت خطوطها الباهتة بضمير هازئ؛ هي فقط كل ما تتطلبه إضاءة
هذا التعريف المنكمش لكينونة على وشك الاختفاء ثانية، أو أن ظهورها المؤقت لم يكن
إلا جزءًا من غيابها الخارق .. تتشكل الحروف بما يشبه اللامبالاة الكاريكاتورية،
كأنها بلاغة بصرية مضادة لا تُستعمل لقراءة الكلمة، وإنما لملامسة التوحد الأزلي
بشبحيتها .. تنقسم Doodlebug إلى
شطرين يجسّدان اختزالًا منطقيًا للملامح في هذه اللحظة: Doodle / شخبطة تحدد أعلى الوجه، حيث
تأخذ العينان المتلفتتان محل حرفي الـ O ، وأسفلها bug / حشرة لتكوّن موضع الفم .. إذن الكلمة ورسمها
يؤكّد كل منهما الآخر .. حقيقة مستقلة، تثبت نفسها ذاتيًا دون حاجة لاستناد إلى
علة خارجها .. ملامح يتخيلها المحو لحشرة تكتم صراخها .. هكذا نتعرّف على سر تحنيط
الوجه في العتمة .. لكن ما هي العتمة؟ .. إنها ليست بيتًا يقبع الجسد المتصلّب
برجفة الهلع داخله ـ قام بدوره الممثل جيرمي ثيوبالد ـ كما سيبدو أنها تعلن عن
مكوناتها الظاهرية .. الأشياء الجديرة بتعبئة الفراغ المقبض حول المسوخ الشبقة في
لوحات جان روستن .. ليست مكانًا يقع خارج هذا البدن المرتعش بالخوف والترقب بل
تكمن تحت جلده حيث يتأصّل العماء وراء العينين .. ظلال عتمة الباطن هي ما يحاصر
الجسد: فردة الحذاء في اليد كسلاح متأهب في رحلة المطاردة لكائن ضئيل، مبهم ومراوغ
داخل الفضاء الباهت، المختنق، كزنزانة صغيرة لم تتبدّل تفاصيلها منذ أن شُيّدت في
بداية العالم .. رداء كالح، ممزق ومتسخ كآثار لمعركة طويلة، منهِكة، لم يزل يخوضها
سوى فرد واحد، مغلق عليه بإحكام .. دقات الساعة المتلاحقة كمزحة زمن لم يبدأ من
الأساس، ولكنه رسّخ يقينًا زائفًا بقرب انتهائه كمهلة خائنة .. الآخر، الذي يدّعي
أنه ليس أنت، فكرة الحياة والموت مجسّدة في صوت بشري عبر الهاتف، لا تجيبه كأنها
بالتأكيد ليست المرة الأولى، كأنك تعرفه تمامًا، وتتوقع بالضرورة ما الذي سيقوله،
الصوت أيضًا يدعم ذلك بخطاب أقرب إلى الرسالة الآلية المسجلة، تقرير إخباري، تحذير
ما زال يُعيد نفسه؛ إذ لا يكفي إغراق سماعة الهاتف في ماء الدورق لتعطيل الإيمان
الذي يختبئ العدم داخل كلماته المترصّدة .. ضربات متعاقبة، تخطئ في سحق
"الحشرة" المستمرة في الهروب، تقترن باحتضان الحيلة المنعدمة لفردة
الحذاء في الصدر، كأنما يتم تحفيز المواساة نحو جميع الخطوات الخاسرة لماضٍ يجب
تصفيته، والتعلّق اليائس بإمكانية اجتيازها لخيبة الأمل المعاندة .. محاولة دهس
النسخة الضئيلة بقدمين حافيتين للجسد الممسوس تتخذ شكل الرقصة البدائية بينما
يواصل ممارسة الطقس الأقدم في التاريخ على الإطلاق، مكافحًا في الوقت نفسه
لاسترداد طبيعة ما قبل الخبرة، أي حينما كان هناك احتمال لحماية الغفلة، أو
لاكتساب الألوهة، أو لفهم اللعنة على الأقل .. الصورة التي يتم ملاحقتها، المتمثلة
للجسد الأكبر وهي تقوم بالأمر ذاته "الرقصة البدائية" كقردٍ يؤدي صلاة
عفوية للخلاص، كأنما تنعكس هذه الصورة في مرآة تصغيرية، بينما تجاهد لاستدعاء
الأصل الغامض كبداية متطهرة، يمكنها أن تخلق نفسها على نحو متكرر .. مطاردة النسخة
الضئيلة لنسختها الأكثر ضآلة أثناء ملاحقة النسخة الأكبر لها، كأنما "جريجور
سامسا" بطل رواية "المسخ" لفرانز كافكا يطارد تمثلاته المتفاوتة،
وصولًا للحظة السحق المتوالي حيث النسخة الضئيلة تضرب الأكثر ضآلة بفردة الحذاء،
قبل أن تتلقى هي الأخرى ضربة منتشية مماثلة من الجسد الذي تصوّر نسخته الأصغر،
والتي يعقبها ظهور وجه هائل يحمل الابتسامة ذاتها للنسخة الأضخم من هذا الجسد
ممسكة بفردة حذاء عملاقة كي تسحقه بها.
بما أن ظلال عتمة الباطن هي ما يحاصر الجسد؛ فإن تناسخات جريجور سامسا
غير منفصلة بل متماهية، دائمة التبدّل، أي تتغيّر مستويات التفاوت بين أشكال
انمساخها وفقًا لما تظنه الذات عن وجودها، عن تدرّجات القوة والضعف، أو المعايير
المجسّمة للضآلة، وما تعنيه المقاومة ومجابهة الاضمحلال في لحظة معينة .. لم تكن المراوغة
هروبًا للصورة الضئيلة من صورتها الأكبر، وإنما فقط ملاحقة للأكثر ضآلة .. الصورة
المنطوية على جوهر الأخرى "الأضخم" التي تطاردها .. لا يقتصر الجوهر على
ما اكتمل حدوثه، وإنما يشتمل على التهديد بالتضاؤل، بمصير ينبغي إزاحته قبل أن
يطغى كواقع .. لكن جريجور سامسا في توهمه انتصارًا على ضآلته، يوطد خضوعه البديهي لنسخة
أخرى أكبر له .. نسخة كانت تلاحقه أيضًا لتفسد هذا الانتصار باعتباره أكثر
انمساخًا منها، وبالتالي تمتلك الدافع لسحقه .. هكذا يظل جريجور سامسا عالقًا في
هويته المتفاقمة كحشرة، دون حد نهائي يتوقف حين يصل إليه عن أن يكون ضئيلًا مقارنة
بنموذج ذاتي آخر يسعى للتخلّص منه .. سيقودنا امتداد المسيرة الحتمية للسحق كلما
تعملقت النسخة أو تضاءلت إلى العدم الذي يحلم بجريجور سامسا .. العتمة التي لم
يدهسها أي حذاء بوصفها المادة الخام للسحق، أو العماء المتأصّل وراء العيون التي
تتلفت حولها .. تتحرك تناسخات جريجور سامسا كمدركات غائمة، احتمالات تمر في الوعي
كتأكيدات مؤقتة، كتفسيرات عابرة للإرادة .. لهذا تبدو حياة جريجور سامسا، كما
يختصرها الفيلم كابوسًا لا ينقطع من التوهمات المتزامنة، من السحق المتبادل، حيث
النسخة الأصغر تدهس هي الأخرى نسختها الأكبر بما أن وجودها الأكثر ضآلة يضمن حضور
النسخة الأضخم من تلك التي تفوقها حجمًا أو "قوة".
الانمساخ هنا والآن مثل الموت حيث لا يمكن أن ينوب أحد عن الآخر أو
يحمله عنه بتذكير مارتن هيدجر .. الانمساخ هو الموت؛ انمساخ الوجود ليس إلا هذا
الجسد المتناثر في شحوب الأسود والأبيض والرمادي كمفترق كاشف لنسيج كوني لم يُخدش
مطلقًا منذ امتداده كغطاء للجحيم .. تتحرك الكاميرا كما لو أنها تحدد مواضع التورّط
المتغيرة للمتفرج لحظة بعد أخرى: المُطارِد .. النسخة التي يتم ملاحقتها .. النسخة
الأكبر المخفية التي تتبّع المُطارِد .. هذا لا يثبت التماهي فحسب، بل يجعل
المتفرج كذلك منتجًا للحركة، وليس متلقيًا لها، وبالتالي تتنوع أدوار العناصر
الساكنة وفقًا للأثر الجسدي لهذا المتفرج، أي البصمة التخييلية للصراع بين عمائه
وأشباحها .. مع هذه التبدلات تتغير مساحات الخفوت والسطوع عبر المشاهد، ودرجات
حدتها، كأنما الإضاءة تكتشف الأشلاء التي تكوّن الجسد وتشرّحها من زوايا متباينة،
لكنها لا تتخلّى عن البهتان في جميع الأحوال؛ إذ أن هذا الجسد لا يتسم بيقين "المرئي"،
وإنما يُتصوّر وجوده كـ "شخبطة" يمررها الغياب .. يتلازم "الصمت
الشخصي" الدائم لجريجور سامسا، الذي يقدّم الامتناع عن الرد على المكالمة
التليفونية إقرارًا دامغًا به؛ يتلازم مع موسيقى لا تتوقف عن ترسيخ "عدم
النطق" ـ قام بتأليفها ديفيد جوليان ـ باعتبار أن ثمة أمرًا غير عادي على وشك
الحدوث، ومع ذلك يتكرر باستمرار .. كأن الموسيقى هي التي تغلق الفم، أي تمنع
الكلمات من الخروج ـ لنسترجع الآن الكيفية التي كُتب بها اسم الفيلم في البداية ـ
حيث لا يجب أن تتحوّل الصرخة المكتومة إلى لغة .. هذا ما يجعل النسخة الضئيلة في
وعي الجسد الذي يطاردها مُصاغة من الكلمات .. اللغة سر انمساخها، ولذا ينبغي أن
تُسحق ـ كالخطاب المنبعث عبر سماعة الهاتف قبل "إغراق كلماته" في ماء
الدورق ـ حتى يتمكن الخيال من الاستحواذ على الحقيقة، التي هي كل ما لا نعرفه، كما
يشير جاك لاكان، وحتى يتجرّد جريجور سامسا من الخطأ مع كل فهم تحت سلطة العلامات بما
أن الكلمات ـ وفقًا للاكان أيضًا ـ هي موت الأشياء .. المطاردة إذن كأنها محاولة
للعثور على الأشياء خياليًا خارج موتها اللغوي .. كأن اللاوعي يكشف مسرح حروبه
الأبدية من خلال هذا الحلم، وبالضرورة يفسّر الأحلام كلها، وبهذا تكون تلك
المجابهة مع "الرمزية" هي التي ترسم حركة التبدّل الدائمة بين التناسخات
مثلما تؤشر لدقات الوقت السريعة بوصفها خطوات طائشة ومحمومة لقلب جريجور سامسا
المتوقف من قبل أن يعتقد بوجود موعد ما.
موقع "الكتابة" ـ 10 أكتوبر 2019
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)











