الثلاثاء، 29 أكتوبر 2019

حوار قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأقصى مع الكاتب ممدوح رزق

حوار أجراه أ.د. عصام شحادة مع الكاتب والناقد المصرى ممدوح رزق لصفحة قسم اللغة الانجليزبة بجامعة الأقصى حول قصة وليام فوكنر "وردة إلى أميلى "، و كيف شكلت القصة علامة بارزة فى الوعى الأمريكى الأدبى.
لماذا اخترت هذه القصة للكتابة عنها؟
ـ لجدارتها بالتحليل ضمن مشروعي النقدي عن كلاسيكيات القصة القصيرة سواء بالنسبة لكتابات وليام فوكنر أو لتاريخ القصة بشكل عام .. تكمن هذه الجدارة بشكل أقوى في التوعّد الخفي للغة الذي دبّره فوكنر حتى يصل بالقصة إلى مشهد اقتحام غرفة أميلي بعد موتها .. هو واحد من أروع مشاهد القصة القصيرة بالنسبة لي، ولا يرجع هذا إلى مكوّناته الصادمة فحسب، وإنما أيضًا إلى ما يمكن تسميته بالغفلة الخبيثة المصطنعة التي جهّزت منذ بداية السرد لاكتشافه.
كيف وجدت أسلوب وليام فوكنر؟
ـ يعتمد أسلوب فوكنر على المراكمة الكاشفة للمعطيات السردية، ولكنها ليست مجرد تمرير عفوي لمعرفة واضحة من التفاصيل والأحداث الضرورية، وإنما تتميز هذه المراكمة بخاصيتين أساسيتين .. الأولى: إنها تقوم على التكوين الوصفي الذي يخلق إيقاعًا متزنًا من النبرات المحايدة .. يدمج هذا الإيقاع بين الملامح المتنامية للقصة وإحالات مخاتلة، غير معلنة، تتصاعد تدريجيًا في توحّد صامت، كأنما تشيّد بنية سرية من الصراخ المكتوم داخل الفراغات، لن تكشف عن نفسها إلا عند اقتحام حجرة أميلي بعد دفنها واكتشاف ما تبقى من جثة هومر بارون في سريرها، ولهذا فالقصة ليست رصدًا مجرّدًا لمشاهد انتقائية بل بديلا إيحائيًا للواقعية المفترضة لهذه المشاهد .. الخاصية الثانية: إن هذه المراكمة لا تعتمد على التعاقب المنطقي للأحداث، وهذا يؤدي إلى التداخل بين الأزمنة، حيث تستدعي اللحظة ما تنطوي عليه من لحظات أخرى باعتبارها مساهمة في تشكيلها أي مستمرة في الحدوث، لا ينقطع وجودها، ومستشرفة لما تنشأ عنه ولما تمتد إليه، وهذا ما يمنح القصة طابع الحلم، أي ذلك الزمن الداخلي الذي يمتلك ترتيبه الخاص أو مشيئته الذاتية داخل التاريخ.
وردة الى أميلى تعبر عن روح عصر الاعمار بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية ما هو منظورك؟
ـ حسنًا؛ إذا كان من الممكن قراءة القصة ـ كما يحدث أحيانًا ـ في ضوء المقاومة الاستعلائية "القاتلة" للبيض الجنوبيين لمتغيرات ما بعد الحرب، وتمسّكهم الانتقامي بالسيادة الزائلة أمام الحقوق والحريات التي حصل عليها السود في حماية الشمال، وإذا كان من الممكن قراءتها على نحو مناقض في إطار التعاطف مع الجنوبيين البيض بعد تضاعف المأساة الاجتماعية نتيجة "الخيانة السوداء"، فإنني أعتبر القصة متخطية لذلك .. إن الأمر لا يتعلق بالازدراء أو الشفقة تجاه أثر سياسي ما أو تحولات طبقية معيّنة، بقدر ما يرتبط بالكيفية الغامضة التي تنتج بها الأوهام أجسادنا عبر الزمن، ومن ثمّ تحدد المسارات الحتمية لخطواتنا المخذولة، غير المتوقعة، حتى أثناء ما نفترضه صراعًا مع بداهتها .. الأكاذيب القهرية، الأشبه بالقبور ـ التي تتخذ أحيانًا شكل البيوت الأرستقراطية ـ حيث تتعفّن الأرواح في ظلامها الذي لا يمكن انتهاكه .. يتعلق الأمر بأن الثمن يُدفع دائمًا، مهما حدث، كحياة كاملة دون نقصان.
كيف تعقب على قصة وردة الى اميلى كعمل فنى يتراوح بين الرمزية والحداثة والحنين الى الماضى و التطلع القلق نحو المستقبل؟
ـ أود الإشارة أولًا بصورة مختصرة إلى أن "الكلاسيكية" المقصودة في مشروعي النقدي الذي تضمن تحليل قصة "وردة إلى أميلي" ليست حكمًا جماليًا، أو تصنيفًا ثقافيًا، وإنما رؤية ذاتية للتاريخ، غير متورطة في الاختزال أو التقييم أو الانحياز، لكنها لا تستبعد الاشتباك مع ما يُنظر لها أحيانًا كسمات للأدب الكلاسيكي .. لهذا لا أجد مانعًا في منح صفة "الحداثة" إلى القصة من زاويتين: الأولى تتعلّق بالأسلوب نفسه، حيث الاقتصار على الضرورات اللغوية، الإشارية، المقتضبة، التي تتجنب الاستطرادات الحكمية الشارحة، أو التبريرات المقحمة، أو الفضح التقريري للدوافع والأحكام والانفعالات الوصفية، بمعنى آخر ثمة استبدال لليقين البلاغي بالتكتّم المراوغ الذي يتودد إلى كل الاحتمالات .. الزاوية ثانية ترتبط بمقاربة فوكنر لموضوع "الحنين إلى الماضي"؛ فهو يضعه في نطاق التشريح والاستجواب، لا التأكيد على مفهوم مطلق، وما يبرهن على ذلك طبيعة الاستخدام الرمزي في القصة: التكوين الجسدي لأميلي .. متعلقاتها الشخصية .. منزل العائلة من الداخل والخارج .. اللوحة التي تناولتها في قراءتي للقصة، والتي يمكن لهذه السطور التي أستعيرها منها الآن أن تضيء تجاوز الحنين لقالبه الرومانسي المجرّد إلى محاكمته، لا كوعد مهدر فحسب، بل كمستقبل مغدور به أيضًا:
"كانت (الآنسة أميلي) طوال هذه السنوات تعانق جثة (بارون)، وجثث أبيها، والحبيب الذي هجرها، والرجال الذين لم يُسمح لهم أن يدخلوا حياتها .. علينا استعادة كيف رفضت (الآنسة أميلي) تصديق موت أبيها .. ربما معالجة للذاكرة أي تصحيح الماضي بما يدفع الحياة للحدوث مرة أخرى بطريقة مغايرة .. ربما تقديراً لذكرى (القوة الذكورية) التي حاولت (الآنسة أميلي) أن تمتلكها ـ لنسترجع كيف كانت تعامل الآخرين بجفاء أعمق من كونه راجعاً لغرور ارستقراطي يتمسك برفاهية مجد زائل ـ بعد أن أخفقت في الحصول على الرحمة من هذه القوة .. الاندماج مع فحولة راضخة بفنائها في غرفة معدة لليلة (عُرس) .. امتلاك سوط أبيها بعد أن أصبح خامداً .. ربما النوم مع جثة الرجل هو الرغبة في الامتزاج مع ظلام الذاكرة .. الاحتفال به كعالم حقيقي، سري، يخص (الآنسة أميلي) وحدها رغم كل شيء، ومنفصل عن الحياة التي تصورها البشر .. الناس الذين سيعودون بعد ترك غرفة الطابق العلوي لنسج الأفكار والعواطف والاستفهامات التي تخلق أزمنة ـ يقينية ـ عن آخرين لا علاقة لهم بها".
هل تعتقد بموت اميلى ماتت حقبة تاريخية تتمثل بقيم الجنوب و انتصار العلم على التقاليد؟
ـ موت إميلي هو محرّض للتفكير في القيم نفسها بشكل عام .. في سرها الغيبي الذي يسبق تاريخ ما، أي في وجوبها المتغيّر الذي يستعمل حيواتنا كتدليل للموت .. أيضًا فكرة "انتصار العلم" لا تعادل دائمًا بالنسبة لي انتصارًا "بشريًا"، ولكنها ملهمة للتساؤل عن كلمات كالهيمنة أو الأخلاق أو الخلاص مثلًا .. حول الفروق الممكنة بين "التقاليد" و"العلم" .. هل هذه الفروق حقيقية بالفعل أم أنها ظنون لغوية تستهلك ما تُصدّقه، ولا تتوقف عن رسم وجوه متبدّلة للسلطة القيمية بحسب تعريفها الفردي أو لدى جماعة ما في حقبة محددة.
ماذا نتعلم من قصة وليام فوكنر, و كيف نستطيع أن نعمل مقاربة مع واقعنا؟
ـ ربما تلخص هذه الفقرة من مقالي عن القصة ما يمكن أن يجيب على هذا السؤال: "لا يشكّل البشر يقيناً عن الآخر ـ خصوصاً غير المتورط في خطواتهم الجماعية ـ من الأفكار والعواطف والاستفهامات فحسب بل إننا نراقب مع (فوكنر) كيف تشيد تلك الركائز موضوع الزمن عند هذا الآخر: كيفية مرور الوقت داخل عزلته، وتأثير الذاكرة في حركة الانتقال عبر مراحل العمر المختلفة، والنتائج المحسومة التي لابد أن ينتهي إليها مصيره .. لكن هناك زمن آخر تُشكّله ركائز أخرى مغلقة على نفسها .. وجود كامن في نطاق من العماء، مستغرق في حقيقته غير المكتشفة .. الوقت الآخر، الذي تحكمه ذاكرة معادية، وحركة بعيدة عن التصورات والقرارات المتطفلة، التي تحفر في الخارج معرفة زائفة عن أجسادنا".
موقع "الكتابة" ـ 29 أكتوبر 2019

"مكان في الزمن"... قريبًا


السبت، 12 أكتوبر 2019

Doodlebug للمخرج كريستوفر نولان: جريجور سامسا مُطاردًا ظلاله

كوجه محنّط في العتمة، لا يكشفه سوى عينين تتلفتان داخل عمائها .. مجرد شخبطة طفولية، رُسمت خطوطها الباهتة بضمير هازئ؛ هي فقط كل ما تتطلبه إضاءة هذا التعريف المنكمش لكينونة على وشك الاختفاء ثانية، أو أن ظهورها المؤقت لم يكن إلا جزءًا من غيابها الخارق .. تتشكل الحروف بما يشبه اللامبالاة الكاريكاتورية، كأنها بلاغة بصرية مضادة لا تُستعمل لقراءة الكلمة، وإنما لملامسة التوحد الأزلي بشبحيتها .. تنقسم Doodlebug إلى شطرين يجسّدان اختزالًا منطقيًا للملامح في هذه اللحظة: Doodle / شخبطة تحدد أعلى الوجه، حيث تأخذ العينان المتلفتتان محل حرفي الـ O ، وأسفلها bug / حشرة لتكوّن موضع الفم .. إذن الكلمة ورسمها يؤكّد كل منهما الآخر .. حقيقة مستقلة، تثبت نفسها ذاتيًا دون حاجة لاستناد إلى علة خارجها .. ملامح يتخيلها المحو لحشرة تكتم صراخها .. هكذا نتعرّف على سر تحنيط الوجه في العتمة .. لكن ما هي العتمة؟ .. إنها ليست بيتًا يقبع الجسد المتصلّب برجفة الهلع داخله ـ قام بدوره الممثل جيرمي ثيوبالد ـ كما سيبدو أنها تعلن عن مكوناتها الظاهرية .. الأشياء الجديرة بتعبئة الفراغ المقبض حول المسوخ الشبقة في لوحات جان روستن .. ليست مكانًا يقع خارج هذا البدن المرتعش بالخوف والترقب بل تكمن تحت جلده حيث يتأصّل العماء وراء العينين .. ظلال عتمة الباطن هي ما يحاصر الجسد: فردة الحذاء في اليد كسلاح متأهب في رحلة المطاردة لكائن ضئيل، مبهم ومراوغ داخل الفضاء الباهت، المختنق، كزنزانة صغيرة لم تتبدّل تفاصيلها منذ أن شُيّدت في بداية العالم .. رداء كالح، ممزق ومتسخ كآثار لمعركة طويلة، منهِكة، لم يزل يخوضها سوى فرد واحد، مغلق عليه بإحكام .. دقات الساعة المتلاحقة كمزحة زمن لم يبدأ من الأساس، ولكنه رسّخ يقينًا زائفًا بقرب انتهائه كمهلة خائنة .. الآخر، الذي يدّعي أنه ليس أنت، فكرة الحياة والموت مجسّدة في صوت بشري عبر الهاتف، لا تجيبه كأنها بالتأكيد ليست المرة الأولى، كأنك تعرفه تمامًا، وتتوقع بالضرورة ما الذي سيقوله، الصوت أيضًا يدعم ذلك بخطاب أقرب إلى الرسالة الآلية المسجلة، تقرير إخباري، تحذير ما زال يُعيد نفسه؛ إذ لا يكفي إغراق سماعة الهاتف في ماء الدورق لتعطيل الإيمان الذي يختبئ العدم داخل كلماته المترصّدة .. ضربات متعاقبة، تخطئ في سحق "الحشرة" المستمرة في الهروب، تقترن باحتضان الحيلة المنعدمة لفردة الحذاء في الصدر، كأنما يتم تحفيز المواساة نحو جميع الخطوات الخاسرة لماضٍ يجب تصفيته، والتعلّق اليائس بإمكانية اجتيازها لخيبة الأمل المعاندة .. محاولة دهس النسخة الضئيلة بقدمين حافيتين للجسد الممسوس تتخذ شكل الرقصة البدائية بينما يواصل ممارسة الطقس الأقدم في التاريخ على الإطلاق، مكافحًا في الوقت نفسه لاسترداد طبيعة ما قبل الخبرة، أي حينما كان هناك احتمال لحماية الغفلة، أو لاكتساب الألوهة، أو لفهم اللعنة على الأقل .. الصورة التي يتم ملاحقتها، المتمثلة للجسد الأكبر وهي تقوم بالأمر ذاته "الرقصة البدائية" كقردٍ يؤدي صلاة عفوية للخلاص، كأنما تنعكس هذه الصورة في مرآة تصغيرية، بينما تجاهد لاستدعاء الأصل الغامض كبداية متطهرة، يمكنها أن تخلق نفسها على نحو متكرر .. مطاردة النسخة الضئيلة لنسختها الأكثر ضآلة أثناء ملاحقة النسخة الأكبر لها، كأنما "جريجور سامسا" بطل رواية "المسخ" لفرانز كافكا يطارد تمثلاته المتفاوتة، وصولًا للحظة السحق المتوالي حيث النسخة الضئيلة تضرب الأكثر ضآلة بفردة الحذاء، قبل أن تتلقى هي الأخرى ضربة منتشية مماثلة من الجسد الذي تصوّر نسخته الأصغر، والتي يعقبها ظهور وجه هائل يحمل الابتسامة ذاتها للنسخة الأضخم من هذا الجسد ممسكة بفردة حذاء عملاقة كي تسحقه بها.
بما أن ظلال عتمة الباطن هي ما يحاصر الجسد؛ فإن تناسخات جريجور سامسا غير منفصلة بل متماهية، دائمة التبدّل، أي تتغيّر مستويات التفاوت بين أشكال انمساخها وفقًا لما تظنه الذات عن وجودها، عن تدرّجات القوة والضعف، أو المعايير المجسّمة للضآلة، وما تعنيه المقاومة ومجابهة الاضمحلال في لحظة معينة .. لم تكن المراوغة هروبًا للصورة الضئيلة من صورتها الأكبر، وإنما فقط ملاحقة للأكثر ضآلة .. الصورة المنطوية على جوهر الأخرى "الأضخم" التي تطاردها .. لا يقتصر الجوهر على ما اكتمل حدوثه، وإنما يشتمل على التهديد بالتضاؤل، بمصير ينبغي إزاحته قبل أن يطغى كواقع .. لكن جريجور سامسا في توهمه انتصارًا على ضآلته، يوطد خضوعه البديهي لنسخة أخرى أكبر له .. نسخة كانت تلاحقه أيضًا لتفسد هذا الانتصار باعتباره أكثر انمساخًا منها، وبالتالي تمتلك الدافع لسحقه .. هكذا يظل جريجور سامسا عالقًا في هويته المتفاقمة كحشرة، دون حد نهائي يتوقف حين يصل إليه عن أن يكون ضئيلًا مقارنة بنموذج ذاتي آخر يسعى للتخلّص منه .. سيقودنا امتداد المسيرة الحتمية للسحق كلما تعملقت النسخة أو تضاءلت إلى العدم الذي يحلم بجريجور سامسا .. العتمة التي لم يدهسها أي حذاء بوصفها المادة الخام للسحق، أو العماء المتأصّل وراء العيون التي تتلفت حولها .. تتحرك تناسخات جريجور سامسا كمدركات غائمة، احتمالات تمر في الوعي كتأكيدات مؤقتة، كتفسيرات عابرة للإرادة .. لهذا تبدو حياة جريجور سامسا، كما يختصرها الفيلم كابوسًا لا ينقطع من التوهمات المتزامنة، من السحق المتبادل، حيث النسخة الأصغر تدهس هي الأخرى نسختها الأكبر بما أن وجودها الأكثر ضآلة يضمن حضور النسخة الأضخم من تلك التي تفوقها حجمًا أو "قوة".
الانمساخ هنا والآن مثل الموت حيث لا يمكن أن ينوب أحد عن الآخر أو يحمله عنه بتذكير مارتن هيدجر .. الانمساخ هو الموت؛ انمساخ الوجود ليس إلا هذا الجسد المتناثر في شحوب الأسود والأبيض والرمادي كمفترق كاشف لنسيج كوني لم يُخدش مطلقًا منذ امتداده كغطاء للجحيم .. تتحرك الكاميرا كما لو أنها تحدد مواضع التورّط المتغيرة للمتفرج لحظة بعد أخرى: المُطارِد .. النسخة التي يتم ملاحقتها .. النسخة الأكبر المخفية التي تتبّع المُطارِد .. هذا لا يثبت التماهي فحسب، بل يجعل المتفرج كذلك منتجًا للحركة، وليس متلقيًا لها، وبالتالي تتنوع أدوار العناصر الساكنة وفقًا للأثر الجسدي لهذا المتفرج، أي البصمة التخييلية للصراع بين عمائه وأشباحها .. مع هذه التبدلات تتغير مساحات الخفوت والسطوع عبر المشاهد، ودرجات حدتها، كأنما الإضاءة تكتشف الأشلاء التي تكوّن الجسد وتشرّحها من زوايا متباينة، لكنها لا تتخلّى عن البهتان في جميع الأحوال؛ إذ أن هذا الجسد لا يتسم بيقين "المرئي"، وإنما يُتصوّر وجوده كـ "شخبطة" يمررها الغياب .. يتلازم "الصمت الشخصي" الدائم لجريجور سامسا، الذي يقدّم الامتناع عن الرد على المكالمة التليفونية إقرارًا دامغًا به؛ يتلازم مع موسيقى لا تتوقف عن ترسيخ "عدم النطق" ـ قام بتأليفها ديفيد جوليان ـ باعتبار أن ثمة أمرًا غير عادي على وشك الحدوث، ومع ذلك يتكرر باستمرار .. كأن الموسيقى هي التي تغلق الفم، أي تمنع الكلمات من الخروج ـ لنسترجع الآن الكيفية التي كُتب بها اسم الفيلم في البداية ـ حيث لا يجب أن تتحوّل الصرخة المكتومة إلى لغة .. هذا ما يجعل النسخة الضئيلة في وعي الجسد الذي يطاردها مُصاغة من الكلمات .. اللغة سر انمساخها، ولذا ينبغي أن تُسحق ـ كالخطاب المنبعث عبر سماعة الهاتف قبل "إغراق كلماته" في ماء الدورق ـ حتى يتمكن الخيال من الاستحواذ على الحقيقة، التي هي كل ما لا نعرفه، كما يشير جاك لاكان، وحتى يتجرّد جريجور سامسا من الخطأ مع كل فهم تحت سلطة العلامات بما أن الكلمات ـ وفقًا للاكان أيضًا ـ هي موت الأشياء .. المطاردة إذن كأنها محاولة للعثور على الأشياء خياليًا خارج موتها اللغوي .. كأن اللاوعي يكشف مسرح حروبه الأبدية من خلال هذا الحلم، وبالضرورة يفسّر الأحلام كلها، وبهذا تكون تلك المجابهة مع "الرمزية" هي التي ترسم حركة التبدّل الدائمة بين التناسخات مثلما تؤشر لدقات الوقت السريعة بوصفها خطوات طائشة ومحمومة لقلب جريجور سامسا المتوقف من قبل أن يعتقد بوجود موعد ما.
موقع "الكتابة" ـ 10 أكتوبر 2019

الاثنين، 9 سبتمبر 2019

عن قصة ممدوح رزق: "مكان في الزمن" جديد المخرج نواف الجناحي


أطلق المخرج الإماراتي نواف الجناحي دعاية لفيلمه الروائي القصير "مكان في الزمن"، والذي انتهى من تصويره مؤخرًا في البحرين، عن قصة للكاتب ممدوح رزق، وينتظر عرضه قبل نهاية العام الحالي. يُعد نواف الجناحي من أبرز المخرجين على الساحة الإماراتية والعربية، كما شارك كمحكّم رئيسي في العديد من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية.
يُذكر أن ممدوح رزق قد كتب سيناريو الفيلم الروائي القصير "من أجندة الخيانة" بالاشتراك مع المخرجة الإماراتية منال بن عمرو، وتم إنتاجه عن مجموعة دبي للأفلام عام 2008 وشارك بمهرجان الخليج السينمائي في نفس العام، كما كتب قصة وسيناريو الفيلم الروائي القصير "إخفاء العالم"، وأخرجه محمد صبري، بالتعاون مع مجموعة أفلام اسكندرية المستقلة عام 2012، ويعمل حاليًا على كتابة سيناريو فيلم طويل عن نوفيلا "جرثومة بو" التي أصدرها نهاية العام الماضي.
موقع "الكتابة" ـ 7 سبتمبر 2019

الأحد، 8 سبتمبر 2019

غرام الطرقات

في مدينة كهذه، حيث تطارد المسالمين من العشاق الصغار عداوات متجذّرة، كان منطقيًا أن يكون لعجوز مثلها عمل مستقر .. يقصد بيتها ولد وبنت طلبًا للحماية فتخرج معهما، تسير برفقتهما داخل المنعطفات الهادئة أو الأقل ازدحامًا كأنها أم لأحدهما، كي تمنع عنهما التهديدات المحتملة عندما تتشبث كف كل منهما بالآخر .. تجلس بجانبهما فوق أريكة مواجهة للنهر فيقدران بفضل وجودها أن يتلاصقا، أو يختلسا على نحو متقطّع قبلات صغيرة، أو ملامسات جسدية أكثر تماديًا في أمان .. ما تكسبه العجوز من مهنتها لا يتجاوز بحسب ما أرادت تلك الحكايات التي تجمع كلماتها المتناثرة من عيون وملامح العشاق الصغار، وأفعالهم المسروقة في ظلها الأمومي، وهمساتهم الأشبه باعترافات غير متعمّدة لها، كذلك الانفعالات العابرة التي تحاول كتمان أسرارهم، فضلًا عن الكيفية التي يودّع بها كل منهما الآخر في نهاية اللقاء .. كانت أشبه بالخبيئة الثمينة التي يحتفظ بها زبائنها فيما بينهم، ولا يمررونها إلا لأقرانهم وثيقي الصلة من الأحبة الذين يقطعون خطواتهم الأولى داخل شوارع لا يستطيعون فيها وحدهم أن يصدوا الأذى عن أنفسهم .. هكذا استطاعت بالثقة المتبادلة أن تُبقي عملها خفيًا ورائجًا في ذات الوقت .. لم يكن حذرها راجعًا إلى أن معرفة الناس بمهنتها ستجعلهم بصورة عفوية يطلقون عليها "قوّادة غرام الطرقات"، وإنما لأن هذه المعرفة ستضع دون شك حدًا قاطعًا لعملها .. لكنها لم تكن تراهن فقط على وفاء زبائنها ـ الذي لم يُخدش أبدًا ـ بعهودهم معها، وإنما على الذاكرة المتخاذلة أيضًا لأولئك الذين يحاصرون العشاق الصغار المسالمين في كل مكان، خاصة مع تحديد مواعيد متباعدة لخروجها معهم، والتغيير المستمر لمسارات سيرهم، ومواضع جلوسهم.
كان للعجوز في شبابها أحبة لا تتذكر هل خرجت برفقتهم أم لا، وكان لها زوج مات بعد خمسة وأربعين عامًا من لحظة إغلاق باب البيت عليهما وحدهما للمرة الأولى، كما كان لها أربعة أبناء، مات ثلاثة منهم وبقي أصغرهم .. طفل أصبح في الثانية والأربعين الآن، يشاهد أمه وهي تكافح بواسطة الكلمات المتناثرة من العشاق الصغار المسالمين أن تتوصّل إلى ما لم تستطع على الإطلاق أن تفهمه من حكاياتها الشخصية القديمة .. أن تدرك ما ظل غائبًا عنها طوال الوقت من حكايات زوجها وأبنائها الموتى داخل شوارع تلك المدينة .. يراها هكذا كلما أغمض عينيه، كأنما يوقظها من قبرها، ويدفعها للقيام بالأمر حتى تنقذه قبل أن يلحق بهم .. لكنها كلما استمرت في الخروج برفقة الأحبة، والمشي بجوارهم، أو الجلوس بجانبهم أمام النهر كلما شعر بوطأة احتضاره تشتد، ومع هذا لم يكن قادرًا على الامتناع عن جعل أمه الميتة تكرر ذلك .. كالعادة رسم في ذهنه صيغة ساخرة لهذا الذي أصبح طقسًا يدور بلا توقف داخل عتمة جفونه المطبقة .. اعتبر أن جسده قد اكتشف مرضًا جديدًا، غير مسبوق؛ فهو الكائن الوحيد الذي كلما أغمض عينيه كلما شعر بضيق حاد ومتصاعد في التنفس.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 7 سبتمبر 2019
الصورة: Dagny, Bastugatan, Stockholm, 1949. Photograph by Christer Strömholm.



الاثنين، 2 سبتمبر 2019

نكاية

كانت أمي تغلّف نوعًا من بسكويت الشوكولاتة، الذي ستقوم ببيعه دعمًا لملجأ أيتام .. أتى "سيف" إلى الطابق السفلي، وتسمّر في الردهة المقابلة لقاعة الطعام حيث كانت أمي منهمكة في عملها .. في اليوم السابق حاول شنق نفسه بجزء من حبل رقيق؛ كان شيئًا ما قد أدخله في نوبة يأس .. تساءل متحيرًا إذا كان سيذهب إلى الجحيم نتيجة لذلك .. فكر في الأمر بينما مازالت أمي تغلّف البسكويت .. حينها التقطت واحدًا من الأربطة المعقودة وقالت: انظر "سيف"؛ هذه تسمى "عقدة الجلاد "، وتستخدم للشنق .. هكذا يمكن للرقبة أن تنكسر فورًا لأن الناس لا يتمنون الاختناق ببطء حتى الموت .. في المرة القادمة التي تلعب فيها بالخيط عليك أن تتذكر هذا.
لسنوات لم يعرف أبدًا ما الذي كانت تعنيه بـ "تلعب بالخيط".
سام سيلفا

الأحد، 1 سبتمبر 2019

سارقة الابتسامات: الحافة بين موت وآخر


بعكس القصة الشهيرة تدفع أماني خليل في مجموعتها "سارقة الابتسامات" الصادرة حديثًا عن دار صفصافة سندريلا إلى الهرب عند الثانية عشرة مساءًا بحثًا عن حريتها .. سندريلا التي ليس لديها شيء بحسب أغنية نينا سيمون " "Ain't Got No, I Got Life، والتي تمثل في قصة "الثانية عشرة" ما يشبه تعويذة المقاومة للابنة / الأم في مواجهة الأمير / الأب الذي استيقظ من موته كأنما يقيم حفله الخاص .. تحاول الابنة إنقاذ نفسها، بالانفلات خارج المسار الذي قطعته خطوات الأم، لكنها تدرك أن الأمر لا يتعلّق بها فحسب، وإنما بالحياة نفسها؛ لذا سيتم تثبيت الوقت في القصة عند الثانية عشرة مساءًا كي تصبح لحظة التحرر ممتدة كزمن كوني، وبالضرورة كحقيقة بشرية شاملة .. تكافح الابنة / الأم للنجاة بما لديها ـ بحسب أغنية نينا سيمون أيضًا ـ وهو حياتها / حريتها، أي ما يمثّل الواقع بالنسبة للراوية، والماضي بالنسبة للأم الذي يسعى للمحو، والبدء منذ اللحظة القديمة على نحو مضاد .. ورغم تثبيت الوقت عند الساعة الثانية عشرة إلا أن دقات الساعة كانت تتواصل "كأن حدثًا جللًا سوف يحدث"، وهو ما يشير إلى تحوّل الوقت المثبّت إلى مجاز تحذيري على حافة النهاية أو الموت .. إما أن تحصل هذه اللحظة على أبديتها أو يلتهمها الفناء .. كأن الزمن الفعلي يواصل التقدم حول الوقت الذي تم تجميده، وليس هناك سبيل لإيقافه إلا بتحويل هرب السندريلا إلى وجود أصلي للعالم .. يمكن النظر إلى استخدام سندريلا "المناقضة" للدراجة كدليل على هذه اللعبة .. امتلاك سرعة إضافية لإنجاز الأمر قبل انتهاء الوقت .. الهرب، واستبدال اللحظة العابرة بلحظة ثابتة، وتعميمها كزمن كلي قبل نهاية الحياة .. سيدعم هذا الدليل أيضًا الدم النازف من باطن قدميها نتيجة الضغط على بدال الدراجة .. لم يكن الهروب هيّنًا، وكأن هذه الدماء هي ثمن عدم ترك الحذاء قبل الهرب، أي ما يعادل نزف الحياة ذاتها .. لكنها ليست دماء الراوية وحدها بل دماء الأم أيضًا، ليس لأنها ترتدي حذاء الأم ـ كما في القصة الشهيرة ـ بل لأنها كانت تحمل قدمي أمها أيضًا أثناء الهرب .. على جانب آخر، يمكن مقاربة الدماء بصورة عكسية، باعتبار أن النزيف هو تخلّص من أشباح الإخضاع البدائية التي كان الجسد مسكونًا بها، أما ذلك الذي يشبه التطهّر فقد كان ينبغي إنجازه في أسرع وقت ممكن .. لكن هذه الصورة ليست عكسية على نحو كامل، فهذا الخلاص من الأشباح ـ نتيجة تأصلّها الغيبي ـ قد يعني نزف الحياة ذاتها أيضًا .. ربما يقودنا هذا إلى التفكير في أن التحرر هو الآخر جزء من الموت .. أن الموت والتحرر شيء واحد، كليهما شرط للآخر، حيث تُفقد الحياة، أو الصورة الحية للموت عند محاولة الحفاظ عليها خارج التسلّط المهيمن، أو عند تجريدها من القهر .. كأن هناك ما يشبه الحكمة تتجسّد في رغبة الراوية بنهاية القصة في شراء مشط باللون الأزرق السماوي بينما تفكر في أن الهواء يبعثر شعرها وهي فوق الدراجة .. ربما مشط بهذا اللون سيجعلها أثناء التحرّك بالدراجة أشبه بطائر .. كأنها حيلة لأن تكون هي الإله الذي ليس لديها .. الحكمة التي تقول بأن تلك هي طبيعة الحياة التي تمتلكها حقًا .. الطبيعة الحلمية العاقلة، الكاشفة للتحرر، كمجاز، وكفخ عقابي في مواجهة جنون اليقظة ـ وفقًا لفيسوافا شيمبورسكا في تصدير المجموعة ـ الذي تعود إليه سندريلا كما لو كان كابوس الغياب في نوم عميق.
"أصبح الرجل حرًا أخيرً. انفصل جسده تمامًا من الجدار. نزل على الأرض، وسار تجاهي خطوات، وعلى وجهه ابتسامة شبحية. جسده مفرود في كامل أناقته غير المألوفة على المكان، كأنه أتى من ستينيات القرن، أو كأنه مغنّي روك غربي أتى إلى هذه المدينة بسبب خطأ في القدر. خُيّل إليّ أنه يشبه أبي. كان يحاول أن يقول شيئًا، لكني خفتُ بشدة حتى كاد قلبي ينخلع من صدري".
علينا أن ننتبه إلى أن الهيئة الأنيقة الملونة التي منحتها الراوية في القصة للرجل المرسوم الذي يشبه أباها، وانفصل عن الجدار "كأنه مغني روك غربي" ليست مجرد سمة احتفالية، عدائية بالنسبة لها؛ إذ أن خوفها الشديد الذي دفعها للهرب ثم الجلوس إلى إحدى موائد المقهى، وشعورها بالصفو والجلال والسكينة، كل هذا لا ينفي أن ثمة من أعطى لهذا الرجل تعويضًا ما عن التصاقه الطويل بالجدار ولو بشكل مؤقت، وهنا يجب ملاحظة استخدام تعبير مثل "يحاول الهرب"، وكذلك "أتى إلى هذه المدينة بسبب خطأ في القدر" .. الرجل يشبه الأب، ولكنه أب يجدر أن يتحرر هو الآخر.
"ليس من السهل عليّ أن أخبرك تلك الأمور الدقيقة بيننا الآن، لكن من العدل أن تعرفي كيف كانت الأمور. سنوات انقضت دون أن أحظى براحة النفس، بقبلة شهية، بمضاجعة ممتعة، بنزهة على شاطئ البحر، أو بتربيتة في عيد ميلادي. كيف تملّك الخوف قلبي؟ كيف أكل الحزن ملامحي يومًا بعد يوم؟ كيف حملت هذا البيت فوق رأسي كي أحمي رؤوسكم؟ ليس من السهل أن تنتقلي من بيت أبيكِ إلى بيت رجل يعتبر نفسه أبًا لكِ؛ أنتِ الفتاة المهذبة في حضن أبيكِ، لست العاشقة في حضن رجلها الأثير، الخائفة أمام معلمها، العاصية دومًا أمام قس اعترافها، الباكية أبدًا من ذنب لا تعرفه، التائهة بلا خطى ولا طريق".
في قصة "حقائق صغيرة عن السيد بابا" لن نتعرّف فحسب على حياة الأم التي أرادت الابنة تضليلها في قصة "الثانية عشرة"، أو المصير الذي أرادت الابنة أن تنقذ الأم منه عبر العودة لتفادي البداية في القصة نفسها؛ بل سنتعرّف أيضًا على تأكيد لهذا التعويض المؤقت الذي منحته الابنة لأبيها، وذلك حينما نقارن بين "المرض الذي أقعده عن الحركة"، و"حياته التي تسرّبت بين يديه دون أن يعرف معنى السعادة الحقيقية" كما وصفته الأم في قصة "حقائق صغيرة عن السيد بابا"، وبين الحياة التي دُفعت لأوردته، وكذلك حركته، وانتزاع نفسه خارج الجدار مبتسمًا، وفي كامل أناقته في قصة "الثانية عشرة" .. كأنما كانت سندريلا تحقق أمنية أمها في الانفلات قبل فوات الأوان، وقبل أن تحدث القصة من الأساس، وأن تحرم الأمير من أن يكون أبًا آخر، ولكن دون مرض يقعده عن الحركة.
"عند أبواب المدارس، تقترب من الصغار. تعرض عليهم الحلوى والعصائر. تسألهم عن ابن وهمي في مدرستهم. تقول أنه مريض وأنها تريد أن توصل له الشطائر التي نسيها بالمنزل، أو تقول أنه نسي دواءه. كان بعض الأطفال يخافون منها ويبتعدون بظهوره، وفي آذانهم نصائح الأمهات وتحذيراتهم من الغرباء، ولكن بعضهم يبقى ويتبادل الحديث مع المرأة، فإذا آمن لها، وضعت كفها على جبهته، وسرقت ابتسامته، بعدها يبقى متجهمًا، عيناه مليئتان بالدموع، ووجهه شاحب للأبد".
لهذا فإن الابتسامات المسروقة في قصة "سارقة الابتسامات" هي حيوات تسكن المرأة سارقة الابتسامات نفسها، والتي لا يدري رجلها شيئًا عنها .. سرقة الابتسامات هو الفعل ذاته الذي كانت تمارسه الزوجة / الأم في قصة "حقائق صغيرة عن السيد بابا" .. فالابتسامات المسروقة هي ابتسامات هذه المرأة "السارقة" داخل تنويعات الألم الذي يعيش في جسدها .. نفس أشكال المكابدة المخبوءة للمرأة التي كانت تسرد حياتها مع زوجها لابنتها، ولم تنجح في التملّص منها .. هنا تتوقف المرأة عن أن تكون شخصًا محددًا، وتتحوّل إلى الذات الأنثوية كوجود .. فكرة أو هاجس الحياة عن تعاستها .. الحياة التي تقتل نفسها حينما يكون هناك سبب أزلي ومطلق يضطرها لذلك .. الرجل لن يكون شخصًا محددًا هو الآخر، وإنما يتحوّل إلى الذات الذكورية "الجائعة" واللامبالية .. المبرر المحتمل الذي يجبر الحياة على تدمير نفسها من أجله .. الدافع الاستعبادي الممكن، الذي يبقى متبطلًا دائمًا بعد نهاية هذه الحياة ـ أي حياة ـ ولا يشعر سوى بجوع لن يشبع لمزيد من السعادة التي لا تسرقها المرأة إلا من نفسها.
"الخوف وحش عملاق وأنا خائفة. تراجعت عن أن أدس خطابًا لزوجي بين طيّات القمصان، أو في صندوق بريده. كانت تلك الفكرة قد راودتني في الليلة السابقة؛ أن أخبره أنني أريد الطلاق، وأن حياتنا انتهت، وأني لن أخرج من المستشفى للبيت ثانية. لكن ما جدوى هذا الكلام إن مت في النهاية. إن نجوت فسأضطر لمواجهته بما أريد، وإن رحلت، فبلا إجابات أفضل. ربما لو تركت تلك الفقرة من حياتي معلقة بيضا، فسيكون ذلك أكثر نبلًا وعدلًا، وربما لا ينتبه لصندوق بريده بالأساس".
يمكن للتحرر، أو بالأحرى للتصوّر الخاص عن التحرر أن يُستبدل بما قد يساعد على الاستمرار في الرضوخ .. على كتمان الألم الناجم عن مواصلة الإذعان .. بما قد يضاعف الألم الناجم عن عدم الانفلات أو التأجيل المرغم للتملّص .. الحلوى مثلًا في قصة "ماكنتوش" .. إنها قد تعادل شيئًا مشابهًا "ابتلعته" الأم في قصة "حقائق صغيرة عن السيد بابا" كي تبقى مكانها .. كأن "ماكنتوش" هي صورة أخرى للموت الذي يبدو أن الراوية قد نجت ظاهريًا منه في القصة التي تحمل الاسم ذاته بعد عملية جراحية .. لذا فالنجاة ليس سوى تنقّل بين الأشكال المختلفة للموت .. هذا ما يتم تمريره عبر قصص المجموعة .. خلق حواف مصطنعة بين ما يبدو أنها الحياة والموت .. حواف وهمية يتم تكوينها من أجل تلك اللحظة التي يكُتشف خلالها أنها مجرّد ظنون تقتضيها مسايرة الزمن .. بين الحرية، والانكماش داخل المصيدة الحتمية .. بين الوقت الذي يخلو من الحياة كمهلة غير معلومة تنتهي فجأة كما في قصة "الخميس التالت"، والموت الذي يعقب هذه النهاية .. الحواف التي تدعي قدرتها على الفصل بين مصائر متباينة بينما الدم ينزف من قدمي سندريلا في جميع الأحوال .. هل أرادت سندريلا ـ بذاكرة الشعر الصبياني القصير كما في قصة "في البيت القديم" ـ أن تقبض على الشراهة الذكورية داخل خيالاتها قبل أن يضع أحدهم بيد خائنة زبدة الكاكاو على شفتيها وهي تحتضر كأنه الاحتفال الهازئ للعالم بيوم ميلادها كما في قصة "رجل زبدة الكاكاو" ـ كأن الراوية في قصة "ماكنتوش" قد ماتت حقًا، وعلى شفتيها زبدة الكاكاو ـ أو يتمادى الشعر الأبيض في قتلها كما في قصة "خيط رمادي"؟ .. حتى يكون بوسعها حينئذ أن تخلع أسنان الرجل عندما تكون أسنانها هي، فتخلّصه من قدرته الراسخة على المضغ، وبالتالي يمكن للابنة حين تساعد نفسها على وضع طلاء الأظافر، أو تعاون أمها على هذا داخل الترام ـ عندما تقوم بذلك الفعل للفتاة الغريبة ـ أن تمتلك أي قدر من الحماية الملتبسة، أو تزيح الإبهام عما يُفترض أنها الحماية؟ .. ربما أرادت أن تمنح الذات الأنثوية تاريخًا مغايرًا بعد ما يشبه فقدانًا تامًا للذاكرة الكونية التي لا تثبّت أبدًا تلك اللحظة التي يتردد خلالها صوت نينا سيمون داخل رأس السندريلا.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 1 سبتمبر 2019

الأربعاء، 21 أغسطس 2019

من أنتِ حقًا يا ميادة؟

دون مقدمات تبدأ ميادة بينما نخرج من شارع المختلط ثم نعبر الطريق إلى كورنيش النيل في حكي تجربة زواجها السابق من الروائي الذي تعرّفت عليه في إحدى ندوات اتحاد الكتاب ثم تزوجها بعد فترة خطوبة لم تستغرق وقتًا طويلًا .. تخبرني بأنه أرادها بشكل مفاجئ أن تترك عملها في الصحافة لأن الوسط الثقافي لا يحكمه سوى نسخ من عباس العبد .. أشخر ضاحكًا فتقول وهي تشير للأمام: أنظر كيف كنا...
أحرّك عينيّ إلى حيث اتجهت يدها .. كانت هناك أريكة فوق رصيف الكورنيش مواجهة للنيل تجلس عليها ميادة وطليقها .. نقف أمامهما مستندين إلى السور الحديدي دون أن يلتفتا إلينا .. يخاطب الروائي زوجته الصحفية: هل تعرفين بماذا أحلم؟
ـ بماذا؟
ـ باليوم الذي يصبح فيه كوكب الأرض نظيفًا من الروايات المبتذلة .. التي لا تحمل شغفًا، ولا متعة .. الروايات الممتلئة بألفاظ بذيئة، ليس لها غاية أو مبرر .. الروايات المترهلة، التي لا تتماشى مع نسق مجتمعنا أو عقلية المتلقي العربي .. الروايات المحبِطة، المكتوبة بأشكال مستهجنة، وغير مستحبّة، وتحكمها تعبيرات لا تمتلك ضرورة فنية، ولا تقدم أي استفادة.
ـ لكن الروايات التي تراها مبتذلة، من الجائز أن تكون ثمينة عند قارئ آخر، والتي تخلو من الشغف أو المتعة بالنسبة لك، ربما تتضمن ذلك لدى قارئ آخر، كما أن الروايات التي تعتبرها مترهلة، من الجائز أن تكون محكمة بطريقتها الخاصة عند قارئ آخر .. فضلًا عن أن هناك قرّاءًا ربما يرون أنه ليس حتميًا أن تتماشى الرواية مع نسق مجتمعنا أو عقلية المتلقي العربي حتى تكون رواية جميلة .. كذلك الروايات المكتوبة بأشكال مستهجنة وغير مستحبة بالنسبة لك، من الجائز أن تكون جذّابة لشخص غيرك، والتعبيرات التي تراها بلا ضرورة فنية، ولا تقدم أي استفادة ربما لها أهميتها ولزومها عند شخص غيرك أيضًا.  
ـ حبيبتي .. كل هؤلاء القراء الذين تتحدثين عنهم لا يعرفون ولا يفهمون ماذا تعني القراءة أو الكتابة .. طالما أرى الأمر هكذا فهو الصواب الذي لا شك فيه، وعدا ذلك ليس أكثر من هراء وتخريف.
ـ معك حق.
التفت مذهولًا إلى ميادة التي تقف بجانبي مبتسمة وهي تتأمل حوار النسخة القديمة منها مع زوجها السابق .. أسألها بسخرية مستنكرة: معه حق؟ .. هذا بدلًا من نحت الشخرة المنطقية في وجهه؟!.
تلتفت لي بنفس الابتسامة التي يبدو أنها تسترجع حلمًا لم تطمئن بعد لتفسيره القديم، وتقول بنبرة أقرب إلى الهمس، كأنها لا تريد للرجل والمرأة الجالسين فوق الأريكة ويواصلان حديثهما أن يسمعا كلماتها:
ـ نعم .. كنت أتعمّد أن أقول له ذلك.
تبدأ في التحرّك ببطء فأخطو معها بعيدًا عن الأريكة لنترك الزوجين يمهّدان لانفصالهما الوشيك .. أسألها:
ـ أخبريني بصراحة .. لماذا تزوجتيه؟
ـ لأنني طيبة جدًا .. دون مزاح أو مراوغة، كنت أشفق عليه بحق .. الهشاشة العميقة التي كان يحاول تخبئتها بتسلّطه الأعمى، والضعف البالغ وراء أحكامه المطلقة كان يهيّجني فعلًا .. يمكنك القول بأن الأصل الشرموط المدفون داخل الديكتاتور بوسعه استفزاز الشفقة الأمومية عند امرأة مثلي.
ـ كان يُمتعك كـ "هاملت" الذي يخلع جلد الطاغية قطعة قطعة مثل راقص ستربتيز مقهور حتى يعود إلى رحمك سرًا.
ـ بالفعل، لكنني منذ البداية كنت أعلم بما يعادل القرار الاستباقي أن هذه اللعبة مثلما لها متعتها فإن لها تاريخ صلاحية ستنتهي عنده أيضًا، وحينما يحدث هذا فإنني لن أرغم نفسي على لحظة أزيد في تحمّل شيء لا أقدر، بل لا أريد أن أتحمّله.
نصل إلى أسفل الكوبري .. يمر قطار فوق رأسينا فأتذكر أنني استعملت هذه اللحظة كمجاز في قصة لي منذ عشرين سنة .. تتوقف ميادة فجأة وتسألني كأنما تطالبني بتسديد دين تذكرته حالًا:
ـ احك لي عن امرأة لم تكتب عنها من قبل؟
أجيبها دون تردد:
ـ أستاذة في العلوم السياسية، كانت ميلف حماسية، تعرّفت عليها في ندوة بقصر الثقافة، وأهديتها نسخة من مجموعتي "قبل القيامة بقليل" .. ليلتها طلبت رقم تليفوني، ثم اتصلت بي في اليوم التالي .. أسمعتني قصائد مدح في المجموعة، وأنا ـ كالعادة ـ لا أستطيع الرد كما يجب، وبعد انتهاء المكالمة الطويلة وجدتها ترسل لي على الهاتف آخر الليل المزيد من عبارات الإعجاب بالمجموعة، مقترنة بأكثر الاقتباسات التي أحبّتها من القصص .. رددت عليها بكلمات شكر تقليدية كأنما أحاول التخلّص من ورطة، وحينما استمرّت في بعث الرسائل قررت الاكتفاء بقراءتها لأنني لم أكن قادرًا على مواصلة الرد عليها أكثر من ذلك.
ـ ثم ...
أحكي لميادة بقية القصة .. أحكيها كشخص يتمنى أن يكون هذا الحكي طريقة لجعل القصة تخص شخصًا آخر .. هي بالفعل لا تخصني، ولكن بشكل أسوأ .. راقبت نفسي بما أظنه خلاصة الخيبة المؤسفة للعالم، وأنا أتصل بأستاذة العلوم السياسية كي أدعوها بتلعثمي الشهير إلى حفل توقيع "قبل القيامة بقليل" .. راقبت نفسي وأنا أجلس مشاركًا في التصنّع: هذه مكتبة .. أنا كاتب .. هؤلاء قرّاء .. هذا كتاب .. هذه إهداءات .. هذه صور فردية .. هذه صور جماعية .. راقبت نفسي وأنا أشاهد الدكتورة تشتري نسخة من المجموعة أمامي كي أوقّعها لها، رغم أن النسخة التي سبق أن أهديتها إليها مازالت بحوذتها .. كانت ترى في ذلك تكريمًا لي، وتعبيرًا لطيفًا عن تقديرها لكتاباتي .. راقبت نفسي وأنا منتبه إلى حرصها على الجلوس بجواري طوال الوقت، وإلى نظراتها المختلسة لي بينما أتحدث وأضحك وابتسم للقطات الفوتوغرافية المتتابعة .. راقبت نفسي بعد نهاية الحفل، وأنا أغادر المكتبة بعينين تائهتين، وابتسامة بلهاء، وملامح تتظاهر بعدم وجود بركان متحسّر داخلي يرجوها أن تطلب التحدث معي بعيدًا عن الآخرين، ثم تدعوني حين يصبح الكلام سرًا بيننا إلى احتفال خاص في بيتها.
تضحك ميادة وتسألني بتهكم كأنني أهديتها طريقة للثأر مني:
ـ ومتى قمت بحظرها على فيسبوك؟
أنظر لها بتلك الابتسامة التي تفهم منها أنني أوجّه إليها سبابًا سافلًا، يُعبّر عن تقديري لدهائها ومعرفتها المتينة بي .. أجيبها باستسلام:
ـ بعد فترة بسيطة .. لم يكن لدي استعداد لانتظار أمر، أنا متأكد تمامًا من استحالة حدوثه، كما لم يكن لدي صبر على مواصلة البقاء داخل تلك المنطقة المائعة بيننا، خصوصًا أنها كانت تحيط نفسها بمجموعة غلمان من النشطاء السياسيين والحقوقيين وفناني الثورة، وكما تعرفين فإن هذه الإفرازات المهبلية للحياة العامة تسسبب احتقانًا في خصيتي.
ـ لكنك بالتأكيد ضاجعتها كثيرًا؟
ليس كثيرًا يا ميادة .. أحيانًا ونحن نقف متجاورين في المظاهرات كنت أجعلها وسط الهتافات الصادحة تميل إلى أذني وتهمس بأنها تشعر بحريق متصاعد بين فخذيها، أو أن جحافلًا من النمل المكهرب تسري في شرجها، أو أن ثدييها يكادا يمزقان سوتيانها؛ فننسحب خارج الدعابة الجماهيرية التي أتقن جيدًا تمثيل أني واحد منها ثم نتوجه إلى بيتها لنغيب بعض الوقت، وحينما نعود للانضمام إلى الزومبي كي نواصل الهتاف والتصفيق والغناء ستفوح من جسدينا نفس الرائحة، وستلتقطها أنوف القطيع المحيطة بنا، الأمر الذي سيسبب لتركيز أبنائه في النضال من أجل عالم أفضل ارتباكًا مؤقتًا، سيحاولون تضليله بإنكار عفوي ينقذ كرامتهم.
ـ لكن هذا ليس مجرّد تخيل جنسي، وإنما انتقام أيضًا من "العلوم السياسية"، و"الثورة"، و"الزومبي الشعبي".
ـ يمكنك القول إنها الحياة الروتينية للممثل بعدما يُنهي تقمّص الدور الذي اختار أن يجرّبه في الدعابة.
ـ أو أن الممثل كان يُشفي غليله، لأنه لم يستطع أن يتحوّل بصورة كاملة إلى زومبي، بمعنى أن يحصل على كل شيء في حياة هؤلاء البشر الذين حاول أن يتقمّص دور واحد منهم.
حينما تقولين كلامًا كهذا فإن رغبة محمومة تتملكني، ولا أحققها أبدًا في سؤالك: من أنتِ حقًا يا ميادة؟، وكيف تستطيعين تفسيري بهذه الحساسية والدقة؟ .. ما الذي أمرره بالفعل داخلك يا ميادة؟ .. قضيبي، أم حياتي التي لا أعرفها؟.
موقع "الكتابة" ـ 20 أغسطس 2019
من المتوالية القصصية "البصق في البئر" ـ قيد الكتابة.
اللوحة لـ "مارك شاجال".

الاثنين، 19 أغسطس 2019

مكان جيد لسلحفاة محنطة .. بثقافة المنيا

قدم فرع ثقافة المنيا بمكتبة اسحاق الثقافية مناقشة تحليلية لكتاب بعنوان "مكان جيد لسلحفاة محنطة" للمؤلف" ممدوح رزق" وذلك اليوم الأحد ١٨اغسطس ،استعرضت فيه د.رباب جمال أبرز ما في المجموعة القصصية، بعد حجمها الكبير ،وقالت أنها مجموعة مختلفة ومتميزة وتحتاج إلى قراءة غير تقليدية، لأنها تتناول عوالم القصص بشكل فريد، تخلط بين الواقعي والفانتازي، والأحلام والحقائق،وأردفت أنه لايمكن الإلمام بها ولا بعوالمها في سطور كهذه، وإنما ينبغي أن تُقرأ وبعناية،
وتابعت إن "ممدوح رزق" ختم المجموعة بقصص قصيرة جدًا مميزة أيضًا.

الخميس، 8 أغسطس 2019

ذروة العادة

فجأة عرفت كل شيء ...
كنت مستلقيًا فوق السرير، أحدّق إلى السقف، وأفكر في بعض الأمور الصغيرة المبهمة التي تركتها خارج البيت الذي لم أعد أغادره، قبل قطع علاقاتي بالجميع: لماذا انسحب المترجم تدريجيًا من صداقتنا؟ .. لماذا توقفت كاتبة القصة الشابة عن كتابة الرسائل لي على فيسبوك؟ .. لماذا ترك الناقد الأدبي عمله في دار النشر؟ .. لماذا كتب الروائي الشاب على تويتر تلميحات كثيرة عن الخيانة الزوجية؟ .. لماذا تحدث معي الروائي العجوز باقتضاب مرتبك في آخر مكالمة بيننا؟.
ربما كان يبدو أن عزلتي المغلقة ليست في حاجة لتفسير أشياء غامضة كتلك، خاصة بعد مرور وقت طويل على حدوثها، لكن الفضول القديم لإدراك الأسباب كان يستيقظ في نفسي بين حين وآخر.
على سبيل الانفصال المؤقت عن الطقوس اليومية المألوفة؛ قررت تكريس جهدي هذا المساء لمحاولة العثور على هذا التفسير .. كان الأمر ظاهريًا يماثل الشروع في لعبة جديدة طمعًا في مرح غير معهود، لكن جدية حاسمة كانت تملؤني حقًا بينما أعود لأوراق قديمة سبق لي تدوين ملاحظات، وإشارات هامشية بها على مدار أعوام متعاقبة .. تنقّلت أيضًا داخل وفرة من الملفات المختزنة على اللابتوب، والتي تحمل أفكارًا وهواجسًا قمت بتسجيلها منذ مدة كبيرة كملامح متناثرة تنتظر الوجوه التي ستراوغها .. ظللت أجمع المعلومات المفترض أهميتها من هذا الأرشيف، ثم بدأت أعمل على تشريحها كي أخلق احتمالات مختلفة لخفائها المستمر في التصدّع .. سرعان ما أخذت هذه الاحتمالات تفرز نفسها، وتتحوّل انتقاءاتها الذاتية إلى ضرورات تتقدّم في طريق ثابت نحو الاستقرار كاستنتاجات مؤكدة .. شعرت بما يشبه ضوءًا نقيًا، ساطعًا انبعث دون تمهيد داخل ذهني؛ فاعتدلت على الفور كمحقق متقاعد اكتشف حل لغز الجريمة بعد سنوات كثيرة من وقوعها: عرفت أن المترجم قد انسحب تدريجيًا من صداقتنا نتيجة اعتراف حبيبته له بأنها تحبني، وما زاد الصدمة إذلالًا أن المترجم كان يعمل سرًا على ترجمة مختارات قصصية لي إلى الإنجليزية كهدية أراد أن يفاجئني بها تقديرًا لمكانتي عنده، وبالطبع تحوّلت بعد هذا الاعتراف إلى كابوس يجدر محوه تلقائيًا .. توقفت كاتبة القصة الشابة عن كتابة الرسائل لي على فيسبوك لأن اليأس استحوذ على نفسها كليًا من أن أقدم على خطوة رومانسية أكسر بها حاجز العلاقة التقليدية بين صديقين، وذلك بعد اعترافها للمترجم أنها تحبني بينما كان يحدّثها ببراءة مطلقة عن المفاجأة المترجمة التي يجهّزها لي .. ترك الناقد الأدبي عمله في دار النشر كإرضاء مستتر ومتأخّر للضمير، بعد إصراره على منحي المستحق للجائزة التي كان عضوًا في لجنة تحكيمها في مواجهة بقية أعضاء اللجنة الذين كان عليهم توزيعها في ذلك العام على إصدارات دار النشر التي كان يعمل بها الناقد، واستقال منها احتجاجًا على عدم فوز مجموعتي القصصية، في مقابل إعطاء الجائزة لمجموعة كاتبة القصة الشابة التي اعترفت للمترجم أنها تحبني ثم توقفت عن كتابة الرسائل لي على فيسبوك .. كتب الروائي الشاب تلميحات كثيرة على تويتر عن الخيانة الزوجية لأنه استمع خلسة إلى زوجته المحررة الثقافية وهي تتحدث تليفونيًا إلى صديقها الناقد الأدبي الذي ترك عمله في دار النشر، وكان يشرح لها الدافع وراء الاستقالة؛ فكان ردها على الناقد بأنه في مجموعتي هذه قصة قصيرة من النوع الذي لا تمانع بعد قراءتها من أن تخون زوجها مع كاتبها .. تحدث معي الروائي العجوز باقتضاب مرتبك على الهاتف بسبب شعوره بالذنب؛ حيث طلب منه أحد الطلاب الجامعيين من قرّائه ترشيح رواية ذات سمات معينة تلائم موضوع البحث المكلّف بإعداده، وكان على وشك ترشيح روايتي بالفعل لكنه في اللحظة الأخيرة غدر بقناعته، وقام بترشيح رواية لصديقه المقرّب، الروائي الشاب الذي كتب تلميحات كثيرة عن الخيانة الزوجية كمجاملة له، وهي الرواية التي سبق أن ترجمها إلى الإنجليزية ذلك المترجم الذي اعترفت له حبيبته كاتبة القصة بأنها تحبني فانسحب تدريجيًا من صداقتنا.
ليس هذا فقط كل ما عرفته؛ فالضوء الساطع استمر في التدفق كنهر جارف، لا يحتاج لتذكر منبعه، أو ما وراء انسيابه في تلك اللحظات على هذا النحو المشوّق .. كان تفسير تلك الأمور الصغيرة المبهمة بمثابة الإرشاد السحري لفك شفرات الذاكرة بأكملها .. كأنه دليل الحكمة الشاملة أو المنطق الأساسي الذي أدركت بواسطته العلاقات الخفية التي كانت تربط بين عائلتي وأصدقائي وجميع من عرفتهم طوال الماضي .. ما يمكن أن أطلق عليه التاريخ السري لحياتي الذي ظل مطموسًا في وعيي كل الوقت .. فهم صلب، عفوي، راح يطغى بلا تمهّل ليتجاوز الكشف عن ذلك الواقع الأصلي المحدود إلى امتلاك الخلاصة العارية لتاريخ العالم نفسه .. استوعبت تمامًا حقيقة الخيوط المتشابكة التي كنت معميًا عنها، وتمتد بيني والبشر كافة منذ بداية الوجود، ولن تنقطع حتى نهايته .. استطعت تحديد الصلة المختبئة ـ مثلًا ـ بين سقوطي في عمر العامين من فوق كرسي الاستوديو قبل لحظات من التقاط صورة لي مما نتج عنه تورّم رأسي، وشعور عجوز إيطالي بالحنين لأيامه الأولى مع زوجته، ولميلاد طفلتهما في نهاية القرن التاسع عشر .. بين صاحب المكتبة الذي أخبرني في سعيه لصداقتي بأن عينيّ تعريان الآخرين كعيني سلفادور دالي، وأغنية "رصيف نمرة خمسة" لعمرو دياب .. بين مرض أبي بالزهايمر قبل موته، والعقيدة الغنوصية .. كل شيء أصبح واضحًا.
لكنني وجدت نفسي أتساءل حول كيفية الاستفادة من هذه المعرفة داخل الظلام المتحجّر بين هذه الجدران وحولها منذ زمن بعيد .. ما الذي يمكن أن أفعله حقًا بكل ما اكتشفته، والذي من المؤكد أنه أقصى ما يمكنني الحصول عليه من حركة يدي اليمنى الأزلية أمام المرآة؟ .. كان حتميًا أن تختفي ابتسامتي، وأعود للاستلقاء، والتحديق إلى السقف، والتفكير في التوصّل إلى طريقة مثالية لاستغلال هذه الذخيرة الخارقة لصالح الأمر الوحيد الذي تبقّى لي .. أن أحاول جعل انتظاري للموت مختلفًا بصورة ما داخل البيت الذي لم أعد أغادره، ولا أعلم هل سأنجح في هذا أم سيكون موتي هو الآخر مجرد منديل ورقي مكرمش على أثر جاف لامتنان عابر في سلة القمامة .. من أخدع!، ربما أتمنى لموتي أن يكون هكذا بالفعل.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 6 أغسطس 2019
الصورة من فيلم Süt

الثلاثاء، 6 أغسطس 2019

الجوائز الأدبيّة العربيّة.. ماذا قدّمتْ للمؤلف والكِتاب؟

الجوائز العربية الأكثر منحًا للامتيازات الأدبية والمادية هي تواطؤ فكاهي متغيّر بين ركائز عدة، لا أظن أن هناك أحدًا في الأوساط الثقافية يمكن أن يجهلها: التكريس المتعمّد للكتابة المتطهرة من الشرور الجمالية الهدّامة .. المجهودات التفاوضية لوكلاء دور النشر، أو سماسرة الجوائز من الكتّاب والعاملين في الصحافة الأدبية، دائمي التنقّل بين لجان التحكيم وكواليسها .. التوافقات الملزِمة بين محرري المطبوعات الثقافية المعينين كشماشرجية إعلام للجائزة ومحكّمين لها .. التوازنات الجغرافية والسياسية والجندرية وكذلك التعويضية عن خسارات سابقة .. أحكام المحبة والصداقة، والمتع المتبادلة ـ بمختلف أشكالها ـ بين الإخوة في الثقافة .. لكن هذا بالنسبة لي لا علاقة له بكل الثرثرة السخيفة المتعلقة بالتقييم والاستحقاق والعدالة، بل ـ وهذا أمر أعرف أن البعض يجد صعوبة بالغة في فهمه ـ أرى أن كل كتابة ـ مهما كانت ـ تستحق الحصول على جائزة، وأن كل العوامل ـ غير الأدبية ـ التي تهيمن وتتحكم في النتائج تحدد فقط عملًا سيفوز وأعمالًا أخرى ستستبعد من بين كتابات ينبغي جميعها أن تنال الجائزة.
أستعير هذه السطور من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي ـ مقدمة في جينالوجيا التأويل" والخاصة بهيكلة تقرير تحكيم العمل لإحدى الجوائز العربية:
" إننا لو افترضنا ـ مثلا ـ وجود عمل روائي يعتمد على التشظي، أو تفكيك البنية الذي يتجاوز (تجريبيتها)، أو التمرد المتعمّد على سلطة اللغة، أو خلخلة النظام السردي، أو انتهاك الحالة  التناغمية للمضمون، أو تفتيت ما يُسمى بالعقدة، أو تخريب الانسجام بين المكان والزمان والحدث، أو إفساد التلائم بين الحوار والسرد، أو الخرق الهازئ للمبادئ الشائعة حول فن الرواية، أو العبث بالقوانين والتقاليد الأخلاقية السائدة، أو تقويض المفاهيم النمطية عن (القيمة)، أو السخرية من فكرة (الخلاص)، أو التهكم على (تعزيز الانتماء)؛ لو افترضنا أن هذا العمل الروائي تم تمريره إلى ماكينة التقييم التي تم استعراض أدواتها سابقًا فإنها لن تنظر إلى (انحيازه لطبيعته الخاصة)، أو (تناسبه وتوظيفه ومواءمته لوجوده)، أو (موقفه وبصمته الذاتية المتنافرة مع المنطق الاعتيادي)، أو (قيمته المضادة للثوابت الإنسانية المتداولة) ذلك لأن هذا العمل يتنافى بكيفية تامة وجوهرية مع (الإيمان) الذي تم تجميله ببعض الإغراءات التطهيرية، ليس فيما يتعلق بالرواية والوعي بتاريخها، وإنما بالثقافة ويقينيات الحياة عند واضعي هذه (الهيكلة)، الذين ينتمون إلى ذلك الجزء من العالم .. يطرح عمل روائي كهذا نفسه كاعتداء، كتهجّم متعارض من المبدأ مع حقيقة مطلقة لن يكون هناك مجال للتفاوض معها وفق أي احتمالات حاول أبناء هذه الحقيقة أنفسهم تضمينها من أجل ادعاء شكلي لمرونتها وانفتاحها: (تجريبي ـ غير مألوف ـ غير تقليدي ... إلخ)".
في عام 2014 قام ناشر إحدى رواياتي بترشيحها للبوكر العربية .. اعتبرت الأمر مزحة، حتى لو لم يكن الأمر كذلك، ربما لأن هذا كان أفضل من وصف الناشر بالسذاجة، ومع ذلك كان لدي امتنان لما اعتبرته تقديرًا منه للرواية التي اختارها من ضمن روايات كثيرة أصدرها في ذلك العام .. بالطبع كانت روايتي المرشحة بالنسبة لوعي "البوكريين" أشبه بالكابوس أو الفضيحة التي يجب الاختباء منها .. الجوائز التي حصلت عليها ليس من بينها تلك النوعية التي تتصدّر المشهد الثقافي العام قهرًا، وإنما التي سبق لي التعبير عنها في حوار سابق بهذه الكلمات:
"أحصل على جائزة ما.. أشعر بسعادة بديهية ثم أنسى أنني حصلت على جائزة.. أتذكرها أحيانًا ثم أنساها مجددًا.. هي نوع من التقدير ربما يتساوى مع أي تقدير آخر لو استثنينا الامتياز المادي، وبالنظر إلى الطبيعة الانتقائية لأعضاء لجان تحكيم الجوائز الشهيرة، واختياراتها للأعمال الفائزة، وبيانات نتائجها فإن هذا يمكن أن يضيف نوعًا من الاعتزاز إلى السعادة المؤقتة التي أشعر بها مع كل جائزة أحصل عليها".
شهادتي ضمن ملف "الجوائز الأدبية العربية .. ماذا قدمت للمؤلف والكِتاب؟" للشاعر "عماد الدين موسى" على موقع "ضفة ثالثة".
6 أغسطس 2019

السبت، 3 أغسطس 2019

لا شيء يحدث هنا: الخواء العليم

لو تخيلنا أن راويًا شعبيًا قد ترك ربابته ومجلسه في المقهى القديم، وقرر أن يكتب سيرة متجرّدة من اليقين الشفاهي أو الحكمة المنغّمة، بعكس ما اعتاد أن يمرر إلى آذان السامعين؛ ما هو الشيء الذي ربما سيحرص على الاحتفاظ به خلال هذا التحوّل؟ .. لن يتخلى الراوي عن الإيقاع .. لماذا؟ .. لأن الإيقاع هو الحيلة اللغوية التي سيُكسب بها ما يسرده شكل المعرفة، وذلك حتى يثبّت إدراكًا هزليًا بعمق الحكي الذي يقاوم تكوينها .. لهذا لن يتخذ الإيقاع نفس الطبيعة الغنائية المهيمنة في الرواية الشعبية بل سيستعير ظاهرها .. إيحاءاتها .. ظلالها المتأرجحة .. في روايته "لا شيء يحدث هنا" الصادرة عن دار العين بتقديم مميز للكاتب أيمن باتع فهمي؛ فعل وائل ياسين شيئًا مماثلًا لهذا .. قام بتحويل الإيقاع ـ الذي ربما يذكرنا أحيانًا بفن المقامات ـ من برهان للثقة في الراوي إلى دليل ثابت للشك فيما يحكيه .. هناك سارد، لكنه لا يحكي بقدر ما يحاول أن يتذكر .. بقدر ما يحاول أن يعثر على ما يتذكره في صورة أخرى .. بقدر ما يحاول ألا يتذكر .. كأن ثمة مجهولًا يختبئ فيما يحكيه لا يتوقف عن مطاردته .. لهذا يظل السرد ـ كخالق تخييلي لما يُعتقد أنه الواقع ـ عالقًا بين الغموض السابق لحدوثه، والعماء الذي يحجب ما يحاصره.
"فكر ناصيف: ست! قال حامد "ست" وكأن نجمًا هوى .. لا .. لا هذا ليس بالكلام الماسخ أبدًا. راحت هند. لم يكن ناصيف يعرف ماذا يفعل بهند أو ماذا يريد منها، فقط هو رأى ما رآه حامد. رأى الست. أحس أنه اقترب لما رأى. فما قادته الرؤية إلا بعدًا. رأى وحلم وابتعد كلما اقترب. ضحك ناصيف كثيرًا من نفسه "والعيال أوديهم فين!!" وظن أن هذه الجملة ـ فقط هذه الجملة ـ قادرة على هند".
يقترن الإدراك الهزلي الثابت في الحكي، المقاوم للمعرفة، بإلحاح آخر لا يتعطّل وهو الإنهاك .. شعوران متوحدان كأن كلًا منهما سر الآخر .. ربما هذا ما يعطي انطباعًا دائمًا في الرواية بأن عظام عجوز تحاول ترميم نفسها .. تحاول أن تحقق تماسكها .. لكنها تعرف أن التماسك في حد ذاته فكرة باطلة .. كأن هذه العظام هي الشخصيات التي تتناثر في اتجاهات تبدو متناقضة ظاهريًا .. الآباء والأبناء .. التجار والشيوخ والسماسرة ونساء المتعة والجثث المارة في شارع السوق العمومي .. كأن هذه العظام هي حكاياتهم التي لا يمتلكوها، وإنما التي تمتلكهم .. تستعملهم .. يتوهمون أنها تمثل خزانة حياتهم وموتهم، ولكنها تجعلهم عندما يفكرون في ذواتهم، ويخاطبون أنفسهم والآخرين يبدون كأن أشباحًا تستدعي أشباحًا .. السرد هو ما يكشف هذه الخدعة القدرية حين يحاول تقمّصها .. ما يضيئ الوعي بالمأساة غير المفهومة .. لذا تُختزل الذاكرة إلى هاجس متسلّط بأن ما يتصوّر وجوده لم يحدث حقًا .. ربما لأن الأمور جرت بطريقتها وليس بمشيئة العابرين .. ربما لأن المشيئة نفسها إمكانية ملتبسة، غائبة في ادعاءات مضللة .. يساير الشبح الحكاية بأن يرويها كأنها حكايته .. لكنه في كل لحظة يتعمّد الخواء خلالها أن يرسم ما يتوهم أنها حافة منقذة له، يستوعب الراوي جيدًا أن عليه محوها.
"بينما يقف حامد على مشارف الأربعين، ببطن نصف مشدودة بما بقي له من الرياضة، وعين أكلها السهر بما بقي له من القراءة، وذات صغيرة بين التضخم والانسحاق بما بقي له من السياسة، وروح ينفثها في ثلاث علب سجائر يوميًا. يقف على مشارف الأربعين بكامل غضبه، وبشهية معطوبة أنهى غداءه".
الخواء في "لا شيء يحدث هنا" أشبه بعتمة مقبضة، لا ينفلت منها احتمال .. ذلك لأنه مزيج محصّن من ما كان، وما لم يكن .. من ما يُفترض وقوعه، وما كان يجب أن يُفصح عن نفسه .. من الظنون المتغيّرة التي تتراكم كحقائق للألم، والصمت المحكم الذي سبق به الموت كل خطوة داخل الصراعات والمكائد والتحولات الاستعبادية .. الخواء هو الراوي متنكرًا في صوت مألوف .. كأن الحكاية حلم جماعي يمر في رأسه .. حلم يكافح لتجميع أشلاء الخيال المتطايرة من أذهان الرواة عبر الزمن، والرأس الذي لا يمكن اصطياده .. يمتد الحلم من الأصل الغامض له، ويمر عبر الأجساد المتعاقبة، مشكّلًا نفسه على نحو مغاير كما يليق بالإرث الذي يترصّد كل شخصية، وبالجسور المحترقة التي ستحاول العبور منها نحو ظلام الآخر.
"قاربت العشرين دقيقة، حتى انتبه الشارع إلى نفر قليل يحدقون في الأرض بذهول وسيطرت لا حول ولا قوة  إلا بالله على ما عداها، وما كاد الشارع ينتظم حتى هاج من جديد، مع اتساع الحلقة حول جسد عبد الله من تجار الدكاكين وزبائنهم وخلق الله التي تعبر الشارع، الأقرب للجسد هو الأقرب للرجل في حياته، وكلما جاء قريب قدموه، الأقرب فالأقرب، حتى صار القريب بعيدًا والبعيد قريبًا، وأخذ الناس في حزن صادق، تأكد شيخ الجامع من خروج السر الإلهي بعد ما قربته الناس لجسده، ليس لأنه قريب من عبد الله ولكن لأنه قريب من الموت وعلى معرفة به، فجل خطبه عنه".
ينتج السرد سؤال المخاطب إليه، خاصة لو نظرنا إلى هذا السرد باعتباره ذاتًا مستقلة أو تجاهد للانفصال عن مصدرها، أي كحصيلة من التلصص تريد الانفلات خارج وجوه الماضي التي تم توثيق ملامحها المتبدلة .. يخاطب السرد هذه الوجوه نفسها قبل أن يخاطب أطيافهم في أدمغة الآخرين .. يتوجّه الحكي إليهم بوصفهم غرباءًا عما عاشوه .. بوصفهم موتى يحتاجون في قبور الحياة وما بعدها لمن يستثمر المرح القديم في توفير دعابات جديدة عن الفناء .. يصلح هذا كغاية مناقضة للخلاص .. كهدف أكثر منطقية من أي نجاة مخاتلة .. بذلك يمكن للتبادل أن يكون منطقيًا أيضًا بين الشخصيات وبعضها في خيال المرتحل داخل السيرة .. بين المصائر التي تجاورت وتقاطعت كإعادة تدوير أبدية لشبق خارق، لا يُرى، ولا تُفهم علّته.
"أمام الفاترينة الجانبية والباب الخلفي لمحله يسدان الأفق عن شِماله الشارع الجانبي المقفول يحفظ ناسه وقلما يجود بعابر، ومولد من الناس وسلامات تعلو وعلاقات تبدأ وأخرى تنتهي وعتاب وملاطفة وعربات وتكاتك و(حتت) تأخذ العقل قبل العين، يا خلق الله على الطراوة، بعد أقل من عشر خطوات بينه وبين شارع السوق العمومي، يراه كأنما يشاهد التلفاز، أحس بنفسه موجودًا وغير موجود في آن، استولى عليه شعور بالضآلة لم يكن غريبًا عنه، فتح على روحه بابًا يعرف أنه لن يُغلق بسهولة, آخر ما يحتاج إليه مع وقفة الحال وصعوبة الرزق والأمل الشحيح، تذكر البغل في محطة المترو الذي مال عليه مبتسمًا يسأله عن مكان دورة المياه فحدجه بنظرة جاحدة ومد إليه كفًا من حجر: ـ بطاقتك".
ما أراه جوهريًا في الرواية أن ما كل ما يبدو تعددًا على المستوى الشكلي هو تنويعات على إرادة مستقرة لاكتشاف الأصوات الغائبة .. لاستبطان الحكاية الكلية المفقودة .. التماهي مع الجزئيات المراوغة ـ أي ما كان يجدر به أن يكون معرفة ـ يعد السبيل القهري لهذا الاستبطان .. لكن إلى ماذا تنتمي تلك الأصوات الغائبة، أو الحكاية المفقودة؟ .. إلى الراوي المتمنّع، الذي يجسّد الخواء أمانه الخاص.
"فارتبك الشيخ، لم يشغله أمر المال من قبل، وفيم يشغله والأرض تعطي خيرها؟ لم يخطر له على بال وهو يحزم أمره في الانتقال إلى المدينة، فجل ما شغل رأسه وقتها سؤال عذبه كثيرًا: أيهجر قريته حقًا؟! هذه المدينة كبيرة، مفاسدها كثيرة، تحتاج وقتي كله، والأمانة ثقيلة وعليّ أن أتمها كاملة غير منقوصة بوقت السفر، محشورًا مع العامة بما ينال من هيبة الإمام، هكذا حسم الاختيار لنفسه".
تنجز الرواية غرضًا جماليًا لافتًا، وهو أنها تقترح بصورة غير مباشرة نسخًا أخرى لها عند إجراء ترتيب مختلف لنظامها السردي .. فقرات متباعدة لو انتزعت من سياقها وضمها نسق آخر لنشأ انسجام فيما بينها، كأنها تُكمل بعضها، وهو ما يندرج ضمن التأثيرات العديدة للإيقاع اللغوي الذي تحدثت عنه من قبل .. من هذه الفقرات مثلًا نقرأ:
"إنما تصل الحياة ما انقطع وتقطع ما اتصل وهكذا، في صيرورة وحركة دائبة، دون بدء أو نهاية، ونحن دائمًا في وسط شيء ما، بعد البدء وقبل النهاية".
"وطالما وُجد الحكاؤون فُتح الباب للخيال على مصراعيه، يكمل الناقص منها على هوى النفس، وكل نفس ترى الناقص في مخاوفها وأملها الذاتي، من لسان إلى لسان, غابت الحكاية الأم كطوبة ألقيتها فاستقرت في قاع بركة راكدة مخلفة عنها موجات لا تنتهي دوائرها".
كأن الحياة نفسها هي الطوبة التي في قاع البركة الراكدة، وكأننا موجات الخيال التي تدور فيما بعد سقوطها، وقبل استردادها من هذا القاع.  
من قرأ الرواية سيعرف القصد من هذا التشبيه، ومن لم يقرأها عليه أن يفعل حتى يفهم لماذا تبدو رواية "لا شيء يحدث هنا" كأنها ترديد مستمر لهذا الاستفهام: "ماذا حدث؟" بصيغ متباينة، وأن الرد الذي يأتي دائمًا من داخل الراوية نفسها، ومن خارجها مصحوبًا بالقهقهة هو: "بكرة تعرف".
جريدة "أخبار الأدب" ـ 4 أغسطس 2019