الاثنين، 5 مارس 2018

شكسبير أم أخطاؤه؟ (2)


يرتبط الاستفهام الذي تبدو إجابته بديهية في وعي المدوّن ـ استنادًا إلى (حكمة السوق) ـ بسؤال (التقييم)؛ فهو بوصفه نسخة من القراء الآخرين الذين (ينتقدون) الكاتب كـ (منتج) إذا لم يوفر للقارئ الرضا والإشباع كـ (مستهلك)؛ يرى أن الدافع الأساسي لقراءة الرواية ـ شأن أي سلعة ـ هو رأي من سبق لهم قراءتها، حتى أنه يُمعن في تأكيد هذه (الحقيقة) ـ والتي يُبرزها كدور جوهري لموقع جودريدز ـ بتثبيت الثقة في أن حُكم الآخر قد يكون سببًا في تجاهل الكتاب .. ليس غريبًا بالطبع بل ومن المنطقي للغاية أن يستعمل المدوّن كلمة (الجودة) في حديثه عن العمل، سواء بإقرارها أو بنفيها من خلال التقييم بعدد النجوم.
لنتخيل أن القارئ الذي قرر التوقف عن أن يكون نسخة من القراء الآخرين قد بدأ يفكر في أن رأي قارئ آخر لا يجب أن يكون هو الدافع لقراءة رواية ما أو تجاهلها، أو أن يكون لهذا الرأي تأثيرًا على انطباعاته عنها حيث أن علاقته بالرواية لا يجب ـ كما تُعامل الأغراض الاستهلاكية الأخرى ـ أن تتشابه مع علاقات الآخرين بها؛ فالتأويل المستمر، والأداءات التخييلية المتغيرة، والخلق المتواصل للعالم السردي الذي يقوم به؛ ليست جميعها ممارسات متطابقة داخل ذهن كلي أو مزاج عام بل هوية ذاتية أو تاريخ فردي لا يتماثل مع هوية أخرى أو تاريخ آخر .. لنتخيل أن هذا القارئ قد استنتج بالتالي أن موقع كـ "جودريدز" يريد منه أن يكون ضد هذه الاستقلالية أي أن يكون "مستهلكًا" .. أن يفرض عليه دائمًا الإجابة على السؤال السحري: (هل أعجبك هذا الكتاب / المنتج؟) .. أن يزرع بداخله اليقين بأن (عدم الإعجاب) يرجع حتمًا إلى (عيوب أو خلل في صانع المنتج) .. أن يُطالبه طوال الوقت بتوثيق هذه الإدانة ليس كفرد بل كجزء من قطيع المستهلكين الذين يتنقلون من كتاب لآخر، ويخوضون تحديات القراءة، ويتصورون أنهم يقدمون الحقائق الحاسمة للأعمال الأدبية، كما يظنون أن مقارباتهم الذاتية لهذه الأعمال لا يتم تذويبها، وتغييب حدودها داخل المقاربات الأخرى، والذين يضمنون هكذا لآلة جودريدز أن تبقى وتحمي استثماراتها، وبالضرورة تحافظ على نجاحها .. لنتخيل أن هذا القارئ قد أدرك أن العلة الأولى تبدأ من (الانتقاد) الذي يتم استغلاله، أي إهداء الكينونة المنسحقة وجودًا ثأريًا مضاعفًا .. من كليشيه (خطأ الكاتب) الذي يتم اجتذاب القارئ من بداهته لمنحه السلطة، والتي ستصبح خاضعة بدورها لشروط القوة المعرفية التي أعطتها .. لنتخيل أن هذا القارئ قد قرر ألا يكون مستهلكًا، أي أن يحافظ على انفصال هويته عن القراء الآخرين، وأن يتخطى دوره كورقة رابحة لجودريدز عن طريق التخلي عن سلطة (التقييم) التي يمنحها الموقع له .. لنتخيل أن هذا القارئ قد اعتبر أن هذا التخلي هو نوع من الكفاح لأن يكون دائمًا في استعداد غريزي لتجاوز نفسه، أي أن يصير متعديًا لما يُشكّل هذه الهوية المنفصلة عن القراء الآخرين .. لنتخيل أن هذا القارئ قد بدأ يفكر في أن (وليم شكسبير) ليس حارسه الشخصي، وأن (روميو وجولييت) ليست تقريرًا أمنيًا عن كيفية التعامل مع التهديدات التي يواجهها سواء أقنعته هذه الكيفية أم لا .. على أي نحو بدأ هذا القارئ في إعطاء تعريفات مختلفة لـ (الكاتب) ولـ (العمل الأدبي)؟ .. لنقرأ أولا هذه السطور من مقالي عن رواية (هيا نشتر شاعرًا) لأفونسو كروش:
"إن ما يمكن أن تقترحه هذه الرواية للتأمل هو الأشكال الأخرى للاستهلاك التي لا تخضع إلى الاستعباد الرقمي التقليدي. أقصد هنا آليات التلقي والنقد التي تتعامل مع الفن كشيء عديم المنفعة إذا لم يحقق أهدافاً أو تأثيرات محددة، وهو الأمر الذي تدخل في نطاقه على سبيل المثال الرسائل الأخلاقية، والعواطف المتوقعة والمضمونة، والاستفادات المعرفية المباشرة، والأنظمة السردية المتماسكة المنطوية على صور من الحبكة يسهل الإمساك بخيوطها، وكذلك الغايات المثالية، والمعاني الواضحة، والبلاغة ذات الرونق الموسيقي المنضبط. إن حسابات الربح والخسارة لا تتعلق فقط بالغنائم العددية وإنما بالأطر والقوالب المتزمتة التي يُخضع أصحابها الفن إلى شروطها، فإما أن يتوافق وينسجم معها (الربح)، أو يتنافر ويتخاصم مع هذه الشروط (الخسارة).
(يقال في بعض الأحيان إن الخيال هو هروب مزعوم من الواقع «وكما قال إليوت، الإنسانية لا تتحمل كثيراً من الواقع»، كما أنه لم يصل إلينا أو أنه آلمنا ولذلك نحتاج إلى قليل من الخيال، كحاجتنا إلى المخدرات والترفيه. إذ يمكننا أن نكون نفعيين أكثر ونكتشف في الخيال نفعية أكبر غابت عن عالم النفس الذي يحدثنا عن الفظائع والمظالم. الخيال ليس هروباً من القبح، ومن الرعب، ومن المظالم الاجتماعية، وإنما هو بالضبط تصميم لبناء بديل، هندسة فرضية لمجتمع أكثر انسجاماً مع انتظاراتنا الإنسانية والأخلاقية).
هكذا أنهى أفونسو كروش روايته بما يشبه الخاتمة كتقرير دفاعي عن الخيال، وهو وإن كان يؤكد على أهميته - أي الخيال- في التطور البشري فإنه يضعنا في مواجهة الحدود الصارمة والمغلقة للذات، الأبعد من كونها نتيجة للنفعية الرأسمالية، والتي نجابه من خلفها الحضور المختلف للآخر، المصنّف كوجود عدائي، مهدِد، ليس لعدم قابليته للاستغلال في الحياة، وإنما لعدم القدرة على استهلاكه خيالياً أو ضمن الفن نفسه الذي وضعه كروش كجبهة مضادة للهيمنة النفعية".
موقع (الكتابة) ـ 4 مارس 2018

الحور العين تفصص البسلة: جدل الأساطير الأنثوية


إذا كان يمكن لقصص صفاء النجار في مجموعتها "الحور العين تفصص البسلة" الصادرة حديثًا عن دار روافد أن تبقينا في حالة اشتباك متواصل مع خبرات أساسية مثل الفقد والانتظار والكفاح من أجل الخلاص الذي يتجاوز الإنقاذ الفردي إلى أحلام التحرر الجماعي؛ فإن صفاء النجار لا تقدم هذه التجارب بوصفها همومًا اعتيادية سواء في انشغالاتها الذهنية أو آثارها الشعورية بل كأرق يمزج بين الحسي والميثولوجي، ويمثل ما يشبه صراعًا بين الجوهر الأنثوي الكامن داخل جسد مقهور يحاول تمثيله وتمريره نحو النجاة المرتبطة بكونيته ـ أي خارج مكانه وزمانه ـ وبين آليات الطمس أو المحو (الغريزية) التي يتعرّض لها هذا الجوهر بأشكال عدائية مختلفة .. تمنح صفاء النجار وجوه هذا الصراع الدور الرئيسي في تشكيل الوعي والجسد والعالم، كما تجعل هذه الممارسات هي الخالقة لطبيعة خلاصها، أو تعتبرها مصدر الخيال الذي يخطط مسرح إنقاذها لا كطريق ذاتي، بل كسبيل كلي، مطلق، لا يسقط من أحلامه أي حضور بشري، أو بتعبير آخر كافة المعذبين بالفقد الذين يموتون في انتظار تحررهم.
تتجلى هذه الأفكار في قصة "الأميبا" حيث تستخدم المرأة في هذه القصة ماء الغسيل لرد الاعتبار (التطهري بالنظر إلى الإحالة التقليدية للماء) إلى الجسد الذي يتم دهسه من جسد الزوج .. كأنها في يوم الغسيل هذا تعطي بنفسها إلى هذا الجسد الاحتفاء الجنسي اللائق به كما يتطلبه ويستحقه .. الماء الذي ينقّي جسدها من خطيئة الانسحاق تحت كرش ضخم، وهي بذلك الطقس الحسي كأنها ـ مثلما يفعل النحت ـ تزيل عن (حقيقتها الأنثوية) المتوارية داخل هذا الجسد بصمات العنف الذكوري التي تسجن انفلاتها كأسطورة مضادة ومخبوءة .. هنا يصبح الفقد حسيًا هو الآخر بأثر رجعي، وليس مجرد انطباع عن مشهد .. نستطيع أن نلمسه بأعصابنا، ونتوحد جسديًا بآلامه حينما نعيش الاندماج الناجم عنه مع المحاولات التطهيرية المحسوسة لجسد هذه المرأة .. كذلك الانتظار لن يصبح مجرد تعرّف على الجوهر العالق داخل جسدها فحسب بل سيكون انتظارنا نحن .. الشبق الذي يخصنا بينما نسعى للتناغم مع هذا الأداء الشهواني .. هكذا يتم تعيين واكتشاف علاقة أجسادنا ـ التي لا تريد أن تكون مجرد أشياء متطابقة ذات ملامح وتفاصيل مُغيّبة ـ بما هو كلي .. بالتخيلات التي تريد أن تنجو ـ كعادة سرية ـ خارج البداهة المطلقة للطمس، والمشيدة على أحكام وأسس من التراكمات المعرفية والقيمية والعقابية المتكاثرة، والتي يجدر الإشارة إلى أن صفاء النجار تعتمد في بعض الأحيان على تكوين ما يمكن تسميته بالمعادل الشكلي لهذا التكاثر للقمع ـ بهيمنته العشوائية ـ كأنها ترسم خريطة انتهاكية له عبر حركة السرد باتجاهاتها الموزعة ودورانها، والتنقل الذي لا يتبع نظامًا بين الفقرات، والتداخل والانفصال بين الوحدات الحكائية داخل القصة .. يتم تحديد وتبيّن علاقة أجسادنا بالصلات التي تربط بين كل فرد وآخر؛ كأن ثمة أسطورة مغايرة ومشتركة تخاطب أصلا لها في بُعد ما خارج هذا الصراع، وبالتالي لا تتوقف عن المجاهدة في تشكيل تصوراتها عن هذه الغاية.
(في مساءاتها كانت تنسحق تحت كرشه الضخم وتنبعج تحته كقطعة عجين تتمدد أطرافها تحت ضغط أصابع فران لا يحب صنعته، فاستوعبت أخيرًا أنه لم يكن هناك فائدة من تسابقها مع زميلتها أيتهما ترسم الشكل الصحيح للأميبا).
تتخذ المواجهة بين الذات الأنثوية والقمع اتجاهًا آخر في قصة "في انتظار ما قد أتى!" حيث القهر الديني بكل انتهازيته ووحشيته وهزليته في نفس الوقت، الذي يستطيع من خلال بقعة الدم في الجلباب الأبيض أن يبدو كالطفل المخصي الساذج الذي تتم إعادة ولادته باستمرار، وهو ما يضمن الطزاجة المتواصلة لطغيانه .. القهر لهوية المرأة التي يمكن أن تتمثل في استشراف الموت عبر العيون، أو من خلال غيمة تظلل الجميع مركزها سيدة عجوز يريدونها مثل الجميع أن تكون ضمن قطيع ممتثل للأوامر والنواهي تحت سلطة (السمع والطاعة)، أو من خلال الريش الذي ينبت على الجسد الذي يسعى للتحليق خارج الفقد، أو الانعتاق المتجسّد في إدراك المصير الأسود لكل أولئك الذين لم يستطيعوا الهرب.
(كان الرجل يتحرك كما في عروض "البانتومايم"، لكنه أشبه ما يكون بيونس شلبي في "العيال كبرت"، لم تكن هيئته مصدر دهشتي فلا يليق برجل مثله أن يظهر هكذا بعد طول انتظار إنما الأصعب كانت البقعة التي تبلل ملابسه من الأمام).
لكن الأسطورة الأنثوية لا تتسم بالوضوح والتحديد فهي أشبه بطفلة تعيش داخل الجسد المقهور، وتضيع ملامحها في ظلام الذاكرة مع مرور الزمن، ولا يصبح هناك أي إدراك لها إلا من خلال صوت نحيبها كما في قصة "الأيام التي لا تطيب"، كما أن المرأة في القصة لا تستطيع أن تعرف ما الذي حدث أو ما هي الأسباب التي جعلتها تفقد وعيها بهذه الطفلة لذا هي في حالة محاكمة واستكشاف متواصلين للماضي .. هذه الذاكرة ـ حينما تكون كذلك ـ لا تخص امرأة وحيدة فحسب؛ بل كأن هذه الطفلة هي الصوت البشري لجميع لمسافرين بآلامهم نحو الموت .. هناك توظيف للأنثى المقدسة عند صفاء النجار حيث يمكننا الحدس بهذا التقارب بين شخصياتها الأنثوية والعذراء مثلا عن طريق استعمال التفاصيل المشابهة التي تتقمص سيرتها .. لنقارن الكافورة العتيقة في بداية القصة بنخلة السيدة مريم، والفروع الحية المتساقطة بالرطب .. هذه الطفلة ـ مثل العذراء ـ تستطيع أن تلخص كل ما فقدته المرأة، وكل ما لا تعرفه أو لا تفهمه، وكل ما تتألم أو تخاف بسببه في العطاء إلى المحتاجين الذين يماثلونها .. كأن هذا العطاء هو آخر ما تتمسك به أو آخر ما تبقى من أدلة أو إشارات ربما تقودها نحو (التحليق) المنتظر.
(تقف السيدة حائرة، هل تلحق بالرجل، هل تسأله تفسير حلمها؟، لكنها مازالت نائمة، لا تمتلك إرادة حركتها، هي فقط تتحرك وفق صانع أحلامها، تستسلم السيدة لتيهها، تسند ظهرها لجذع نخلة).
هو ذاته التحليق الذي حاولت (نجاة) أن تقوم به في قصة "العطية" بعد أن فارقت الغجرية (سهاد) وزوجها (حسونة) الشريكين في التنقل من مولد لآخر .. في هذه القصة سنجد تحوّلا مفاجئًا وملهمًا عند صفاء النجار من ضمير الغائب إلى المزج بين ضميري المتكلم والمخاطب في مونولوج داخلي حينما بدأت في سرد خطوات (نجاة) بعد رحيلها عن الغجرية وزوجها .. كأنما أرادت صفاء النجار أن تصف نفسها، وأن تحرّض كل أنثى على أن تنطق بما قامت به (نجاة) بوصفه فعلها الخاص، أي أن تستكشف الريش الذي يغطي جسدها، وأن تبحث عن فرصة (التحليق) .. بوسعنا النظر إلى حركة (نجاة) مع الإيقاع في حلقات المنشدين كأنها صورة أخرى للطقس الشهواني التطهري باستعمال (ماء الغسيل) في قصة (الأميبا) .. مرة أخرى سنجد توظيف (السيدة الطاهرة) أم الفقراء والمحتاجين التي كان ضوؤها يتراءى لنجاة، ويجذبها إليه .. تخوض نجاة ما يشبه (الرحلة المقدسة) من كنيسة في المنصورة إلى دير العدرا بجبل الطير حتى (تصعد) مع من رأته أمامها (يمشي على النهر).
(دقات أجراس الكنائس تتردد في أذني، تدق على أبوابي المجهولة، يتردد صداها في أغواري، لا أدري عمق مياهي، لكنها هناك هناك بعيدة لا أستطيع لمس سطحها، لكن الدقات المتواصلة الرتيبة العنيدة تخترق السطح الأملس وتنقش عليه دوامات تتسع وتتسع وتبث ارتعاشاتها في الروح).
في قصة (اكتشاف) نتتبع زوجة المشلول، وصاحبة كشك السجائر الواقع أمام مكتب المخرج الذي حاولت منذ زمن بعيد أن تكون واحدة من اللاتي يظهرهن على الشاشة، ليس كنجمة بل كأختها أو صاحبتها أو خادمتها لكنها لم تنجح، ثم بعد سنوات طويلة وبعد أن تكبر ابنتها الجميلة وتحلم وتخطط لها بأن تكون هي (الوجه الجديد) الذي يختاره المخرج بدلا منها سيطلب المخرج منها أن ترسل هذه الابنة للعمل لديه كمديرة منزل وسكرتيرة .. هذا يقودنا إلى تأمل فكرة ديمومة القهر الأنثوي،  كأنه شيء أشبه بالإلحاح العفوي للزمن الذي يُبقي تاريخ امرأة كصاحبة كشك السجائر داخل عتمة لا يتم اكتشافها .. في هذه اللحظات ربما يصير الدافع أكثر قوة للتفكير في أن النساء جديرات بأن يكن (الحور العين) دون احتياج لتبرير أكثر من صور المعاناة المتعددة لحيواتهن، والتي لم تختبرها نساء الجنة اللاتي يتم تمجيدهن في المتون المقدسة.
(كان عليها أن تبتلع غصتها وابنتها ترتدي الإيشارب، يتسرب من بين يديها كل ما تمنته، في البداية أقلقها الأمر وقالت عيلة وستمل الذهاب إلى المسجد بعد أسبوع شهر، شهرين...).
أفكر في التنويعات الرمزية للغة صفاء النجار داخل هذه المجموعة بوصفها حيلة فيها من التعويض ورد الاعتبار وترويض الألم، وتربط بين نقاط متباعدة داخل القصص، بقعة الدم مثلا التي تبلل الجلباب الأبيض للرجل الذي يشبه يونس شلبي في قصة "في انتظار ما قد أتى!" تبدو كأنها هي بقعة الدم على السرير الناجمة عن التهام الحزن والوحدة للمرأة في قصة (نبوءة) وقد ردتها صفاء النجار إلى هذه النسخة الذكورية المشابهة  للرجل الذي يفكر في القصة التي سيكتبها لمجلة (الثقافة الجديدة) بعد غياب المرأة .. هو شكل من المجاز المتعدد الذي ينتشر بغرض نسج ملامح لما يبدو أنها الاستفهامات التي ينبغي مواجهتها عند تشريح فكرة (الأسطورة) سواء في وضعيتها المضادة المخبؤة داخل الجسد الأنثوي، أو كرجاء طوباوي مبهم يمر عبر الوجود البشري ككل: هل لدينا استيعاب كامل بماهية الطمس؟ .. هل نمتلك معرفة حقيقية بمصادر المحو، وكيفيته، والغرض الفعلي الذي يعمل لتحقيقه؟ .. هل ندرك تمامًا طبيعة محاولاتنا للتحرر والهروب والانفلات، وما الذي تصير إليه أجسادنا معها، وما هو ذلك الذي تخاطبه وتتوجه إليه هذه المحاولات؟ .. هل نستطيع أن نفهم الكائن أو (الجوهر) الذي يعيش داخل ذكرياتنا وأحلامنا ورغباتنا أصلا، ويُستهدف بالتضييع طوال الوقت؟ .. الاستفهامات التي ترتطم بالجدران الغيبية ثم تعود فورًا إلى أرواحنا كأنها لم تغادرها مطلقًا.
جريدة (أخبار الأدب) ـ 4 مارس 2018

الاثنين، 26 فبراير 2018

شكسبير أم أخطاؤه؟ (1)

يكتب أحد المحررين وهو abdnormal في مقاله بالمجلة التقنية عن موقع جودريدز: (لا أحد فوق الانتقاد، يمكنك الدخول إلى صفحة شكسبير على الموقع وقل رأيك فيه وفي رائعته “روميو وجولييت” بصراحة، وبأنك تعتقد أنه اقتبس أو سرق بشكل كبير أجزاء من قصة حياتك وسيحترم رأيك الجميع - لست متأكدًا-، في الواقع يمكنك إبداء رأيك في عمالقة الأدب والكتّاب الكبار، ليس بالضرورة أن يعجبك الكتاب الأعلى مبيعًا، ولك الحرية بأن تصفه بأنه يصلح فقط كمناديل ورقيّة).
يبدو حديث المدوّن الجزائري مألوفًا تمامًا بالنسبة لي، بما في ذلك المزحة السخيفة التي يتضمنها عن شكسبير .. مألوفًا لدرجة أنه يختزل بالفعل الفكرة الأساسية التي يقوم عليها موقع جودريدز، والذي لا يحتاج بالضرورة لأكثر من هذه الكلمات المختصرة لترويج دعاية مضمونة .. ما كتبه هذا المحرر ليس أقل من هوية شبقية يحصل عليها كل قارئ بفضل الإغراء السحري لامتلاك السلطة التي يتيحها هذا الموقع، والتي تختلف عند ممارسته لها في فضاءات أخرى:(التقييم).
حسنًا .. لنتخيل أن أحد القراء قد قرر التوقف عن أن يكون نسخة من القراء الآخرين الذين يمكن أن تكون اختلافاتهم غير قابلة للتأطير ولكنهم يتشابهون فقط في (الانتقاد) .. لنتخيل أن هذا القارئ قد بدأ يسأل نفسه هذا السؤال البسيط (ما الذي يعنيه "انتقاد" الكتابة؟) .. لنتخيل أن هذا السؤال ـ رغم بساطته الظاهرية ـ قد أفرز استفهامات عفوية بدأت مع تكاثرها في منح هذا القارئ خطوات متزايدة خارج حدود التشابه مع الآخرين: ما الذي يحوّل عدم الإعجاب الشخصي إلى (عيوب) للكتابة؟ .. لماذا أنا في حاجة إلى إرجاع عدم التكيّف مع عمل أدبي إلى (خلل) في هذا العمل؟ .. لو أنني لم أستمتع بروميو وجولييت، بل على العكس أصابني الإحباط عند قراءتها؛ هل هذا يعني أن شكسبير قد (أخطأ)، وهو ما حكم على تجربتي معها بالفشل؟ .. هل يجب أن تكون ذائقتي بكل ما يُشكلها هي اليقين المطلق، وبالضرورة تمتلك الحق غير المشكوك به في تحديد (النجاح) و(الفشل) للنص وفقًا لإرضائه لها من عدمه؟ .. لماذا يطالبني موقع جودريدز بأن أمارس هذا (الانتقاد) وفق أنساق محددة قررها سلفًا؟ .. هل هناك أشخاص، مؤسسة، أيديولوجيا، أنماط وجود تحصل على استفادة أو ربح نتيجة ما أقوم به؟ .. لماذا يتماثل ما يطالبني به موقع جودريدز مع الدعوات الصادرة عن منصات ومواقع أخرى لا يتوقف تناسلها في الحياة المعاصرة مع تباين القواعد والآليات التي تنظّم الاستجابة لوعودها؟ .. هل هناك فرق بين أن أتحدث عن خبرة مررت بها مع كتاب ما بطريقة، وبين أن أتحدث عنها بطريقة أخرى؟ .. ما هي طبيعة الذات التي يريد موقع كجودريدز أن يربيها ويحافظ عليها وبالتالي يضمن استمراريته في استثمارها؟.
قبل أن نتخيل محاولات هذا القارئ ـ الذي خلقت هذه التساؤلات مسافة فاصلة بينه وبين القراء الآخرين ـ للإجابة لنقرأ فقرة أخرى من مقال abdnormal بعنوان (رأيك مهم):
(ما هو أول ما يدفعك لقراءة رواية ما؟ غالبًا رأي من حولك هو السبب الرئيسي، إذا تكرر سماعك لمديح قصة ما من طرف عدة أشخاص فالفضول غالبًا سيدفعك لمطالعتها. ماذا لو كان من حولك في أرض الواقع غير مهتمين بالكتب؟ هذه هي بالضبط مهمة هذا الموقع، في  goodreads رأيك في كتاب معين قد يكون سببًا في قراءة شخص آخر لهذا الكتاب أو تجاهله، تقييمك له بعدد النجوم - أنت وغيرك - يكون الفيصل بين جودة الكتاب من عدمه، غالبًا يتحمّس الناس لمشاهدة الفيديو الأعلى مشاهدة، نفس الشيء بالنسبة للكتب).
موقع (الكتابة) ـ 25 فبراير 2018

الأربعاء، 21 فبراير 2018

"عزلة صاخبة جداً" لبوهوميل هرابال ... متعة التخريب

يقترح الروائي التشيكي بوهوميل هرابال في روايته "عزلة صاخبة جداً"، والتي صدرت ترجمتها حديثًا بتوقيع منير عليمي عن منشورات المتوسط في (110) صفحة؛ يقترح تأملا يتجاوز الحدود الضيقة لفكرة الطغيان الذي تمارسه الأنظمة البوليسية ضد الثقافة، وما يمكن أن يُتخذ من سُبل في مواجهة هذا القمع التقليدي. تضعنا الرواية أمام منطق رمزي يجعل من كوابيس الوجود الشخصي معادلا للبطش البوليسي، وبالتالي يفترض أن فعل القراءة، أي التأويل معادلا للسحق.
بهذه الكيفية يمكن لرواية بوهوميل هرابال حينما تدور حول عامل عجوز يُدعى هانتا قضى خمسة وثلاثين عاماً في قبو مكرساً حياته لإتلاف الكتب بواسطة آلة الضغط الهيدروليكي كما يليق بخاضع متكرر لاستبداد الدولة البوليسية فكأنها تدور بالضبط حول شخص يقرأ تحت وطأة القهر الاعتيادي للحياة والموت، ويحوّل بشكل "آلي" ما يقرأه عبر التخييل الهادم والمفتت لبنية النصوص إلى شيء آخر ـ مهما بلغ مستوى التماثل أو درجة التطابق ـ يخص ذاكرته الفردية. حينئذ يبدو أن ما كان يُعد معرفة للعالم، كان في الأساس رصيد خاص، مجهّز للأنا.
"لا أستطيع التمييز تماماً بين الأفكار التي تأتي مني أو من كتبي. هذا ما أبقاني منسجماً مع نفسي ومع العالم حولي خلال الخمسة وثلاثين سنة الماضية. لأنني عندما أقرأ، أنا لا أقرأ حقاً، بل أرمي جملة جميلة في فمي، وأمصّها كالسكاكر، أو أرشفها كشراب كحولي".
إننا حين نتمعن في آلة العامل هانتا كأننا نتفحص الوعي الذاتي الذي لا تعدو مقارباته للمعرفة سوى نوع من السلوك التدميري الذي يفكك عناصرها ـ أي يلحق بالأصل خسارة حتمية ما عندما ينتقل إلى ذهن مغاير ـ ويعيد إنتاج هذه العناصر وفقا لغريزته، ليس كنتيجة للرفض أو الإدانة أو الرغبة في الطمس بل أيضًا كأثر للقبول والتجاوب وربما التقديس كذلك.
"أنا جزار مجيد وحسب. الكتب علمتني نشوة التدمير. أعشق العواصف وانكسار البواخر. أستطيع أن أجلس ساعات بانتباه محدقاً في مشاعر خبراء المتفجرات، وهم يفجرون منازل وشوارع بأكملها... وأن ألمح الفضاء، وهو يعج بالشظايا".
تدفعنا رواية "عزلة صاخبة جداً" لاكتشاف علاقتنا بكتبنا الشخصية التي لم نطعمها بالتأكيد لآلة هيدروليكية، بالقدر الغامض غير المشروط بنظام بوليسي كي يمارس الطغيان، والذي يحرّك استجاباتنا المختلفة تجاه العوالم المستقرة بين الأغلفة، بحواس التلقي لدى كل منا، التي حينما تستعمل وثائق الآخرين فهي تخرّب بصورة أو بأخرى النقاء السابق للمعنى، أي أنها تقود علاقات القوة داخل المعرفة نحو سياقات بديلة، دائمة التوالد، تنحرف على نحو مستمر عما كان يُفترض أنه أصل للمتن.
"سأحملها معي إلى المنزل، وأُخفيها في مكان ما بين الأشجار في حديقة جدي عندما يحين الوقت. سأضع كومة واحدة في اليوم، لكن؛ أية كومة؟ خلاصة كل الأكوام.سأسكب فيها كل الأوهام التي علقت في رأسي. كل شيء أعلمه، كل شيء أحمله".
سنلاحظ مدى انسجام الأسلوب الذي يتبعه بوهميل هربال مع هذا الاقتراح؛ فالسارد هانتا يخاطبنا طوّال الوقت كما لو كان ممسوسًا بحُمى التقويض، بهذيان الفصل بين اللغة وإحالاتها. نجد في هذا التدفق العفوي المتوتر هوساً (صاخباً) بتحويل الأفكار والعواطف والمشاهد والتخيلات وصور الذاكرة إلى تناثر عشوائي من الأشلاء والأنقاض التي كافحت في الماضي لتكوين يقين ما أو إطار مرجعي غير قابل للشك. إنه خطاب قد يعيدنا إلى كلمات "جاك دريدا" عن التفكيك: "لا! ليست للرسالة وجهة معينة أو محطة أخيرة، وما ذلك بالعامل السلبي. إنه الشرط التراجيدي الأكيد ولكنه الوحيد لكي يحدث ويُجدّ جديد". بهذا يتقمص العامل هانتا آلته فيتحوّل إلى جسد هيدروليكي ينتهك الظواهر التي تسعى لإثبات نفسها، ويحطم بنهم طائش سلطة المتعة الجمالية، ويُبقي أمانها مرجئاً طوال الوقت. هذا ما يبرر خشيته من أن تسحقه كالفأر أطنان الكتب التي يحتفظ بها انتقاماً من تاريخه.
"أستطيع أن أسمع تهشُم الهياكل العظمية. بينما أسحق جماجم وعظام الأعمال الكلاسيكية عظامها، كأني أسمع التلمود يقول: نحن أشبه بحبات زيتون. فقط عندما نُسحق نُظهر أفضل ما لدينا".
أعتقد أنه جدير بالانتباه هذا التماس اللافت بين هانتا في "عزلة صاخبة جداً" وجان باتيست غرنوي بطل رواية "العطر" لباتريك زوسكيند. لنقارن القبو  الذي كان يسحق هانتا الكتب داخله، بمدبغة جريمال التي عمل غرونوي وسط روائحها النتنة. هانتا يستخرج الأفكار من جثث الكتب، وغرونوي يستخلص العطور من الجثث البشرية. كلاهما موصومان بلعنة حسية؛ هانتا بسبب قذارته الجسدية ـ حيث تعيش الفئران في ملابسه، ولا يحب الاستحمام ـ الناجمة عن الطبيعة الكريهة لعمله، وغرونوي نتيجة غياب الرائحة عن جسمه. الوحدة. يصير هانتا كياناً من شظايا اللغة المنتزعة من الكتب التي أتلفها، بينما تتحوّل هوية غرونوي إلى مزيج من عطور البشر الذين قتلهم.
بمقدورنا النظر إلى إنقاذ هانتا لكثير من الكتب في ضوء "نشوة التدمير" إذا ما وجّهنا تركيزنا في هذه اللحظة نحو حاجته للاحتفاظ بالآلة بعد تقاعده. إن الإقرار الذي يقدمه هانتا عن نفسه كمجرم في مقابل تصوّره عن "جمالية التدمير" يبدو كأنه تجسيد للصراع نفسه بين أن تكون ذاتك ـ بكامل مراوغتها ـ هي كتابة الآخر في وضعيتها اللامنتمية إلى عالمك المغلق، أي كوجود خام منفصل تعبر إليه متجرداً من ذاكرتك نحو خلاص محتمل، وبين أن تستخدم هذه الكتابة، أي توظفها لآلامك بحسب ما يقتضي الأمر، وبالتالي تُفقدها حيادها كموضوع خارجي فتلحق بها الإتلاف المتوقع. كان هانتا يُدمر نسخاً داخل مكان ما في وقت معين، وهذا يعني أنه لم يكن يخرّب جميع النسخ في كل مكان وزمان، ولهذا فالرواية لا تدور حول الدولة البوليسية أو التخلص من الكتب أو عن العامل الذي أصبح وآلته شيئاً واحداً بقدر ما تدور حول العنف الذي يحكم الاشتباك بين الوعي والأفكار داخل حيز ضئيل في لحظات مؤقتة ممثلا في عناصر شكلية مألوفة. تتعلق باستفهامات القراءة والتأويل ولذة الهدم، ومثلما كان يعرف هانتا ربما بأن الأفكار لا تفنى مهما تم تدمير النسخ، وأن ما يبقى معها هو "نشوة تدميرها" فإن بوهوميل هرابال ربما كان يعرف أيضاً أن كل قراءة لـ "عزلة صاخبة جداً" هي سحق ضروري لها.
جريدة (الحياة) اللندنية ـ الثلاثاء، 20 فبراير 2018

الاثنين، 19 فبراير 2018

القراءة المتزمتة ككاتب أصلي (3)

وفقًا لهيكلة تقرير تحكيم العمل لجائزة كتارا للرواية العربية سنجد أنها تعتمد على أسس ملتزمة بانحيازها إلى (الانضباط): (اللغة ـ البناء الفني ـ الخبرة الفنية الجمالية ـ الموضوع) ثم تعمل بالتالي المحاور المرتبطة بكل أساس في هذه الهيكلة على تأكيد هذا (الانضباط): (السلامة اللغوية والإملائية ـ التكثيف والإيحاء ـ بنية القصة ـ العقدة ـ الفضاء: الزمان والمكان ـ السرد والحوار ـ العنوان والنهاية ـ الخبرة بفن الرواية ـ خبرة الشكل الفني ـ الموقف الخاص ـ الطرافة والجدة ـ الأصالة ـ العمق ـ المعالجة / الخلاص) .. على هذا يتم منح أعلى درجات التقييم بحسب هذه الهيكلة إلى (النص الخالي من أخطاء لغوية وإملائية ـ لغة النص المكثفة الإيحائية ـ بنية الرواية التجريبية غير المألوفة ـ الإجادة "دائمًا" لإحكام عقدة القصة ـ تناسب المكان والزمان للحكاية وتوظيفهما في حركة الحدث داخل البنية ـ التنويع للسرد والحوار في مواءمة مع طبيعة الرواية ـ العنوان الجذاب، والنهاية مفتوحة ... إلخ ـ إبراز الوعي بفن الرواية عن طريق؛ الجملة السردية، التكثيف، دور الراوي ... إلخ ـ استخدام شكل سردي واعي، كتوظيف التراث لغويًا وحدثيًا ـ إظهار الموقف الخاص والبصمة الذاتية في الفكرة ـ التقاط البُعد الطريف في الموضوع، وطريقة العرض الطريفة ـ ابتكار فكرة الرواية، وطريقة العرض غير المقلّدة ـ تحلي الموضوع بالقيمة ـ الرؤية القوية للخلاص، وتعزيز الانتماء) .. على هذا أيضًا يتم منح أدنى درجات التقييم بحسب هذه الهيكلة إلى (امتلاء النص بالأخطاء اللغوية والإملائية ـ عدم استخدام التكثيف والإيحاء ـ البنية التقليدية القديمة ـ الطابع الحدوتي المهلهل للقصة ـ عدم التناسب، وعدم التوظيف للزمان والمكان في حركة الحدث داخل البنية ـ عدم تنويع السرد والحوار في مواءمة مع طبيعة الرواية ـ عدم عنونة القصة، وتوقع النهاية ـ الإظهار النادر للوعي بفن الرواية عن طريق؛ الجملة السردية، التكثيف ... إلخ ـ عدم استخدام شكل سردي واع، وعدم توظيف التراث لغويًا وحدثيًا ـ عدم إظهار الموقف الخاص في الرواية أو بصمة ذاتية في فكرتها ـ عدم طرافة الموضوع، وطريقة العرض التقليدية جدًا ـ الفكرة المستهلكة للرواية، وطريقة عرضها المنقولة ـ عدم اتسام محتوى الرواية بالقيمة ـ عدم طرح الخلاص الجيد، وخلو النص من تعزيز الانتماء).
من السهل ملاحظة أنه في مقابل استخدام واضعي هذه الهيكلة لكلمات مثل: (تجريبي ـ غير مألوف ـ غير تقليدي ـ تجديد ـ طريف ـ ابتكار ـ غير مقلّد)؛ سنجد استخدامًا آخر لكلمات مثل: (بناء ـ خبرة ـ سلامة ـ بنية ـ إحكام ـ ترابط ـ تناسب ـ توظيف ـ مواءمة ـ خلاص ـ انتماء) .. كأن هناك خطاب يتم تكريسه عبر هذه الهيكلة يفيد بتحديد شروط للتجريب، وقواعد للخروج عن المألوف، ومعايير للابتكار .. لكن هذا الخطاب ـ بصرف النظر عن فكرة التقييم بالدرجات في حد ذاتها ـ لا يكرّس لهذا حقًا بقدر ما يؤكد أنه نتيجة هذه الشروط والقواعد والمعايير فإن كلمات: (تجريبي ـ غير مألوف ـ غير تقليدي ... إلخ) ليست سوى لافتات ضرورية أو عناوين رسمية ينبغي على أي جائزة ـ إن أرادت ذلك ـ أن تعطي بواسطتها صورة متوازنة لنفسها، تحميها استباقيًا ـ بحسب ما تعتقد ـ من النقد أو الاتهام بالرجعية، وفي نفس الوقت لا تحرم وجودها في (الحياة الثقافية) من وجاهة (المعاصرة) عبر استعمال كلمات ليس هناك أسهل من استهلاكها دون اهتمام يتخطى تدوينها في (هيكلة).
إننا لو افترضنا ـ مثلا ـ وجود عمل روائي يعتمد على التشظي، أو تفكيك البنية الذي يتجاوز (تجريبيتها)، أو التمرد المتعمّد على سلطة اللغة، أو خلخلة النظام السردي، أو انتهاك الحالة  التناغمية للمضمون، أو تفتيت ما يُسمى بالعقدة، أو تخريب الانسجام بين المكان والزمان والحدث، أو إفساد التلائم بين الحوار والسرد، أو الخرق الهازئ للمبادئ الشائعة حول فن الرواية، أو العبث بالقوانين والتقاليد الأخلاقية السائدة، أو تقويض المفاهيم النمطية عن (القيمة)، أو السخرية من فكرة (الخلاص)، أو التهكم على (تعزيز الانتماء)؛ لو افترضنا أن هذا العمل الروائي تم تمريره إلى ماكينة التقييم التي تم استعراض أدواتها سابقًا فإنها لن تنظر إلى (انحيازه لطبيعته الخاصة)، أو (تناسبه وتوظيفه ومواءمته لوجوده)، أو (موقفه وبصمته الذاتية المتنافرة مع المنطق الاعتيادي)، أو (قيمته المضادة للثوابت الإنسانية المتداولة) ذلك لأن هذا العمل يتنافى بكيفية تامة وجوهرية مع (الإيمان) الذي تم تجميله ببعض الإغراءات التطهيرية، ليس فيما يتعلق بالرواية والوعي بتاريخها، وإنما بالثقافة ويقينيات الحياة عند واضعي هذه (الهيكلة)، الذين ينتمون إلى ذلك الجزء من العالم .. يطرح عمل روائي كهذا نفسه كاعتداء، كتهجّم متعارض من المبدأ مع حقيقة مطلقة لن يكون هناك مجال للتفاوض معها وفق أي احتمالات حاول أبناء هذه الحقيقة أنفسهم تضمينها من أجل ادعاء شكلي لمرونتها وانفتاحها: (تجريبي ـ غير مألوف ـ غير تقليدي ... إلخ).
يعيدني هذا لعبارات سابقة كتبتها في (نقد المراقبة العقاب): (قد يفسر هذا بشكل ما الطغيان التاريخي لما يمكن تسميته بـ "السرديات الآمنة" في الكتابة الأدبية العربية، بما اشترطته كأحكام منظّمة للتلقي مثل: "الموضوع.. المعنى.. الرسالة.. الهدف.. المغزى الدلالي.. الاستفادة.. المتعة الجمالية"، والتي لم تكن هيمنتها راجعة إلى الإجراءات الصارمة للتنميط والفرز والإقصاء "القانون فوق الرسمي"، بل كانت على نحو جوهري ناجمة عن استسلام الكتابة الأدبية الغالب، واللازمني، لأنساق القراءة التي رسخها المقدس الديني).
وُضعت أدوات التقييم هذه ـ وهي مجرد نموذج ـ كإقرار روتيني لعقيدة مثالية .. تعبير بديهي عن إرث مقدس .. هي توثق بصورة حتمية تصديقًا متجددًا لتاريخ هائل من التماثلات الداجنة للكتابة العربية التي تواصل خلق قرّائها (حرّاس القوانين والأعراف) عبر الأزمنة المختلفة .. القراء الذين تربى داخل كل منهم كاتبًا أصليًا يسبق أي عمل أدبي ـ كما هو الحال مع واضعي هيكلة تحكيم كتارا ـ ليقيس من خلاله مدى خضوع الكتابة لهذا التاريخ ـ لا أناقش هنا أي حسابات أخرى تتعلق بالنزاهة ـ؛ فإما أن تثبت طاعتها ـ بحسب الدرجات المتفاوتة ـ أو تُطرد خارج كرمها الإلهي الذي لا يبدأ بالمال فقط، ولا يمر بالترجمات والاحتفاء الإعلامي والتقدير الأكاديمي والنقدي فقط، ولا ينتهي بالإشارة الدائمة إليها كنسخة ضمن التكدسات المتشابهة فقط.
موقع (الكتابة) ـ 18 فبراير 2018

الاثنين، 12 فبراير 2018

القراءة المتزمتة ككاتب أصلي (2)

هؤلاء القراء يتحدثون باسم جماعات اندماجية تم تكوين الأطر الفكرية لها (تاريخ القراءة كأحد أنماط الوعي) من خلال إخضاع معطيات المعرفة (الكتابة كأثر يسهل رصد درجة انسجامه أو عدائيته للواقع الفردي بوصفه ابنًا للمقدس) لما يمكن تسميته بـ (غريزة التحريم) بمستوياتها وأشكالها المتعددة .. هذا يعني ضرورة المقاومة الأخلاقية ـ كاحتياج يجب إشباعه، وكما تحددها الطبيعة المراوغة للتآلف والجدل والرفض بين الذات ولحظة الحقيقة التي صارت إليها المراكمة الثقافية ـ لتحويل تجربة الحاضر (قراءة عمل أدبي مضاد للانحيازات القيمية والجمالية) إلى مبرر لتغيير خبرة الماضي (محاكمة القيم والجماليات) .. تقف هذه الجماعات ـ بما تواصل الاحتماء به واستهلاكه بلذة روتينية من التكدس المتواصل للقوانين (حيث تحضرالمؤسساتية بكامل هيمنتها عبر شبكات الأنساق والأدوار التفاعلية للقراء) التي تتخذ صيغًا متنوعة قابلة للتبدل ـ ضد انتهاك العلاقة بين الفضاء التمثيلي (اللغة)، واليقين الذي يجسّده (التأويل المحكوم بما يُعتبر المبادئ الكلية للثقافة كما أقرتها عمليات الترويض) .. بين العالم كما يبدو من خلال الكلمات (البراهين والحجج)، والقرار المتخذ سلفًا بشأن ماهيته (الإخصاء الاستباقي للفكر) .. بين الواقع (حيث لا يوجد ما يمنع من حدوث أي شيء)، والعقل (حيث لا يجب الشك في المقدس مهما حدث أي شيء).
هنا يمكن النظر إلى الذاكرة الشمولية لهذه (القراءة) كامتداد يتم توظيف انتقائياته المختلفة، أو انتقالاته المحتملة، أو تغييراته المتناقضة لصالح فكرتين جوهريتين: الأولى (تثبيت الحقائق الأصلية، ومجابهة الانقطاعات التي يمكنها أن تضع حدًا للإخضاع المعرفي)، والثانية (إعطاء صفة التطور لهذا التثبيت كضمان مزيف للمواصلة والاستمرارية لتاريخ التحريم، والذي يمثل معارضته اعتداءً على الذات وتهديدًا لمصيرها).
تعد القراءة المتزمتة كاتبًا أصليًا نظرًا لكونها الهيكل الأوّلي (القواعد والمبادئ الرسمية كما حددتها الأنظمة الدينية والتعليمية والتربوية بأطيافها المتقاطعة) للخيال المكلف بإنتاج الرموز التي تحافظ على ديمومته .. إلى أي مدى يمكننا بسهولة ـ لو أردنا بالفعل ذلك ـ أن نلاحظ التشابه والتلامس ـ المنطقي ـ بين الأداءات اللغوية، وطبيعة الأفكار، والانفعالات لدى قطعان هائلة من القراء العرب على موقع جودريدز مثلا تجاه الأعمال الأدبية المختلفة حتى في ظل التباين والتقابل بين مراجعاتهم ومواقفهم تجاه هذه الأعمال؟ .. القراءة المتزمتة داخل المجتمعات العربية ذات الأغلبية المسلمة هي المبدأ الذي يعطي المعنى للصور، ويحوّلها إلى مفاهيم، ومع كل ما يمكن رصده من فروق بين القراء، ومع كل ما قد يتغيّر ويتحوّل ويتراجع فإن هناك ابتعاد أو التفاف أو مناوشة ـ في أفضل الأحوال ـ لما لا يمكن هدمه .. هذا الكاتب الأصلي دائم التعبير عن نفسه عبر الحركة المتجانسة والمتصارعة للقراء داخل البنية المعرفية التي لا يجب انتهاكها .. يكاد كل احتفاء بـ (جماهير القراء) أن يكون احتفالا بالجدية الاستهلاكية أو الانقياد العفوي داخل المسارات (القمعية) التي لم يأت الخلاص بواسطتها بعد، ولكن ليس هناك مفر من الدوران في وعودها لأن الخروج منها يحتاج لشجاعة أو مقامرة غير مفهومة قبل أن تكون عسيرة التنفيذ.
موقع (الكتابة) ـ 11 فبراير 2018

السبت، 10 فبراير 2018

أبوكاليبس (قصائد قصيرة)

(1)
في هذه المدينة
إذا أردت أن تتوجّه من بيتك إلى مكان آخر
دون أن تخاطر بفقد حياتك البائسة
عليك الانتظار
حتى تصبح الشوارع خالية تمامًا
لكن ينبغي أن تحذر وقتئذ
من الذكريات.

(2)
ربما سأموت هكذا:
بينما أسير في الشارع
يقترب مني أحد الأشخاص
ثم يخرج سكينًا فجأة
ويطعنني بقوة
من المؤكد أنه سيكون شخصًا لا يعرفني
ولكني أعرفه.

(3)
ما تبقى من بضاعته القديمة
التي لم يبعها للأطفال
لا يزال يتجوّل بها
يقابل الآباء والأمهات
الذين يعرفونه جيدًا
منذ سنوات طويلة
يبتسم لصغارهم
ويمضي سريعًا
قبل أن يفكر أحد في إيقافه.

(4)
ليس هناك تهديد أكثر خطورة للمبصرين
من النظارة السوداء التي يرتديها الأعمى...
ليس هناك تهديد أكثر خطورة للسائرين
من العصا التي يتوكأ عليها
من لا يستطيع المشي وحده...
ليس هناك تهديد أكثر خطورة لهذا الجدار الصلب
الذي لا يشبه جدارًا آخر
من النظرة المنكسرة
في عيني الجثة الممددة أمامه.

(5)
أصبحت منهكًا جدًا
لدرجة أنني لم أعد أرغب في شيء
سوى أن أمضي ما تبقى من حياتي
سواء كان كثيرًا أم قليلا
في النوم المتواصل
الذي لا ينقطع إلا للاحتياجات الضرورية:
الجنس
الأكل
الشرب
قضاء الحاجة
وضع حبات الأرز وملأ طبق الماء فوق سور الشرفة
ثم مراقبة العصافير وهي تأكل وتشرب لثوان قليلة
عبر فتحات الشيش المغلق
بالضبط كمن يتلصص
على قاتله.

(6)
قطة ميتة
وحدها فوق رصيف بارد في الليل
الآن فقط
أصبح هذا الشارع المهجور المظلم
يشبه الحجرة التي غادرتها منذ قليل
دون أن أعرف إلى أين.

(7)
كان يحمل ألمًا
أكثر ثقلا وغموضًا
من أن يسمح لهذه الابتسامة
الملتصقة دائمًا بصمته
أن تتبدد.

(8)
حلمت في طفولتي
أن أكون ـ بالمعنى الحرفي ـ
كاتبًا على كل شيء قدير
أي لا يكون في حاجة لخلق شيء
يمكنه أن يتألم
أو إلى حكمة غيبية
ينتظرها المعذبون
لتفسير الشقاء الغامض
ألا يترك سؤالا ـ مهما كان ـ دون إجابة
وهذا ما يجعله بالضرورة
لا يحتاج إلى خلق أي شيء أصلا
لأنه لن يكون موجودًا.
الصورة لـ Jeremy Piper
موقع (ثقافات) ـ 9 فبراير 2018