الأحد، 28 مارس 2021

"الأقوى" لأوجست سترندبرج: الشخصية المسرحية كمؤلف ضمني

يسهل تفسير صمت الآنسة إيميلي طوال مسرحية "الأقوى" لأوجست سترندبرج ـ وهو التفسير الحاكم لتأويلات المسرحية ـ بعدم وجودها إلا في خيال السيدة إكس، والتي تتحدث إليها بنوع من الاعتراف الثأري البائس حول الحب والغيرة والخيانة .. لكن لنفكر في ذلك التصوّر الأكثر جموحًا: ماذا لو أن الآنسة إيميلي حاضرة بالفعل، وأن الغائبة حقًا هي السيدة إكس؟ .. إيميلي الصامتة طوال الوقت تجلس بالفعل في ذلك المقهى، أما إكس فلا توجد ولا تتحدث إلا في عقل إيميلي؟ .. ماذا لو أن السيدة إكس ليس لها حضور في الحياة مطلقًا؟

لنتخيّل الأمر على النحو التالي: تمتلك إيميلي شخصيتين؛ الأولى هي الآنسة العزباء التي تجلس وحدها في المقهى ليلة عيد الميلاد، وسبق لها أن ارتبطت بعلاقة مؤقتة مع رجل المسرح، وتمت خطبتها لأحد الأشخاص ثم عاشت لحظات من الفرح بالحياة المنزلية التي أرادت أن تتخلى من أجلها عن العمل بالمسرح، لكن انتهى بينهما الأمر بالانفصال.

أما شخصية إيميلي الثانية التي لم تتحقق في الواقع وإنما نسجت حياة كاملة متخيلة لها فهي الزوجة والأم المتباهية بحياتها العائلية بالرغم من هوس النساء بزوجها ذي النفوذ في عالم المسرح .. تشعر شخصية إيميلي الثانية (السيدة إكس) بالخوف والغيرة من الأولى (الصديقة التي لا يمكنها الانفصال عنها بطبيعة الحال)، وتعرف أن زوجها قد قام بخيانتها معها قبل أن يقطع صلته بها .. تكره تلك الشخصية الثانية كل ما يكوّن الشخصية الأولى: الزهور ـ الأماكن ـ الأسماء ـ الألوان ـ الكتب ـ الأطعمة ـ المشروبات .. هذا يعني ببساطة أن الآنسة إيميلي ناقمة على نفسها، ماضيها، حياتها، كل ما يُشكّل هويتها وتعجز عن التحرر منه .. لذا أنتجت تلك الشخصية المناقضة (كأنما تؤلف مونولوجًا مسرحيًا) وأعطتها حياة مغايرة لكي تواجه تلك الشخصية سماتها الخاصة بما لا تقدر هي عليه .. أن تحاكمها .. تحاول الانتقام منها كما لو أنها شخص مختلف عنها في حين أنها هي التي تفعل ذلك تجاه ذاتها من خلال وسيط مخترع .. الآنسة الوحيدة التي إذا ما نظرت في المرآة ترى إنسانة لامبالية، لا تحب ولا تكره، تستولي على نفوس (ضحاياها) بعواطف مصطنعة؛ تقرر أن تعيد خلق نفسها كامرأة متزوجة وأم لطفلين، كأن هذه المرأة هي الحياة التي لم تستطع أن تحققها تلك الآنسة الوحيدة، ولهذا تحاول المرأة (المتخيلة) أن تنفلت من أسر الآنسة (الواقعية) .. أن تحمي عالمها (المتخيل) من الوجود (الواقعي) لإيميلي الأصلية .. تحاول إكس أن تثبت قدرتها على النجاة ـ رغم كل العلامات المتسلّطة التي تحملها من إيميلي كعاهات مستديمة ـ خارج الحرمان الذي تعيشه الآنسة الوحيدة، وأن تحتفظ كـ (خيال) بكل ما فقدته كـ (واقع).

لكن ذلك ليس الدافع الوحيد الذي أنتجت من أجله الآنسة إيميلي نقيضتها السيدة إكس .. لقد خلقت الآنسة الوحيدة تلك المرأة التي لديها زوج وطفلان حتى تُجلسها أمامها في المقهى وتستمع إليها ساخرة بينما تؤكد لها بأنه رغم امتلاكها لحياة عائلية فإنها لا تستطيع أن تتحرر منها .. لا تقدر على التخلص من أسرها .. أن كل الملامح الذاتية التي لدى الآنسة إيميلي ستظل تقبض على وجود السيدة إكس، وتهيمن على علاقتها بزوجها وابنيها مهما ادعت عكس ذلك .. جعلت الآنسة الوحيدة تلك السيدة المتخيلة تقوم بذلك حتى تثبت لنفسها أنها (الأقوى) بدون زوج وأبناء .. أنها لم تخسر لكونها تعيش بمفردها، وتجلس في المقهى ليلة عيد الميلاد بعيدة عن أي رفقة .. ذلك الإنصات الساخر غير المكترث الذي كانت تؤديه الآنسة إيميلي نحو السيدة إكس باعتبارها كيانًا مستقلًا عنها؛ كان مصالحة مع وحدتها .. تبريرًا لخصالها ..  كان توطيدًا لفرديتها في مواجهة أحلام الزواج والأمومة التي تقتلها طوال الوقت.

يبدو الأمر كما لو أن الآنسة إيميلي تعطي مسارين للحياة فرصة للتحقق .. مسارها الحتمي (العنوسة ـ الوحدة ـ التهكم على الحياة العائلية)، ومسارها المتخيل (الزواج ـ الأمومة ـ تحويل الصفات القهرية للذات إلى إمكانات لتجاوز الماضي) .. يبدو الأمر كما لو أن الآنسة إيميلي قد عثرت على ما يكافئ طبيعتها المستقرة، ويعوّضها في نفس الوقت عما حرمتها منه هذه الطبيعة.

أراجيك ـ 27 مارس 2021

الثلاثاء، 23 مارس 2021

القطار

ليست المرة الأولى التي آتي فيها إلى كافتيريا محطة القطارات هذه .. فعلت ذلك كثيرًا .. كل مرة أجمع ملابسي وأغراضي في هذه الحقيبة، ثم أغادر البيت من دون أن يشعر بي أحد .. يحدث الأمر أحيانًا في الصباح، وأحيانًا في المساء .. لكنني دائمًا لا أشتري تذكرة .. أجلس فقط في كافتيريا المحطة مثل بقية المسافرين، كأنني في انتظار قطار ما .. أتناول قهوتي وأدخن بضعة سجائر، وأتخيل مشاهد وداع لم تحدث بيني وبين أولئك الذين تسللت خارج حياتهم وجئت إلى هنا .. دموعهم المتوسلة وضحكاتي المكتومة وراء قناع من ألم الفراق .. أتخيل الخطابات الانتقامية التي سأرسلها إليهم حين أنتقل إلى ذلك المكان البعيد المجهول .. الماضي الذي سأتمكن أخيرًا من أن أحكيه لهم بطريقتي .. بعد ذلك أحمل حقيبتي وأعود ثانية إلى البيت قبل أن يعلم أحد بغيابي .. كأنما لم أستطع اللحاق بذلك القطار الذي كان ينبغي أن يسافر بي .. أعود كشخص آخر يمكنه الوصول إلى حافة ما .. صحيح أنه لا يتجاوزها أبدًا، لكنه على الأقل قادرًا على التظاهر باستعداده لذلك .. بأنه ليس خائفًا، أو أسيرًا للذكريات .. قادرًا على التظاهر بأنه يستطيع أن يتحمّل الفقدان، ولو لبعض الوقت.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 19 مارس 2021
اللوحة: Michèle Lehmann (b. 1940). Waiting

الأربعاء، 17 مارس 2021

د. لؤي حمزة عباس قارئًا لنوڨيلا “مقتل نجمك المفضّل”

بدأت بقراءة النوفيلا فور تسلمها، كعادتي مع مجمل كتاباتك، أكملتها ونمت وفي رأسي تتخاطف أطيافها. كتابتك مساحة للمغايرة الذكية والاختلاف المحفز، ليس للأعراف السردية القارة مكان فيما تكتب، قصةً وروايةً، كتابتك تُنتج أعرافها لحظة تحققها، ثمة وعي واضح يقود الكتابة على طريق وعر، شحيح الضوء، ويشاكسها أحيانا، موجها السرد في نوع من النسج والتعشيق مع المنجز الثقافي العام، حيث تحضر الثقافة باباً للسؤال وأفقاً للإحتجاج، وثمة مقاربة بين مقتل نجمك المفضل والشعر، في عنايتها بإنتاج بنيةٍ محددةٍ تكون طريقاً للكتابة وطريقةً للقتل والتمثيل بالجثث ووضع الأقنعة على وجوهها، ورش المني على بطونها، لم يفلت قتيل واحد، رجل أو أمرأة، من دوامة الفزع المحكمة، وهي الدوامة التي دفعت بالقاريء للتحول من فعل القتل الى أفعال الثقافة مستمعاً لصوت طه حسين ومحمود امين العالم وسواهما عبر اقنعتهم الحاضرة جزءا فاعلاً من عملية القتل، فهل كان القناع مادةً لتحول السرد والانتقال بقيم الحكاية من منطقة بوح واعتراف إلى أخرى؟ أعود لتاكيد ما أراه جلياً، بأنك تكتب خارج الراهن، غير معني بما يحدث ويسوٌق ويُقال في عبودية السرد الذي لاهم له سوى تدجين الكتابة وأسر الخيال.

الأحد، 14 مارس 2021

لماذا كان بطل "العنكبوت" مسيحيًا؟

تقوم رواية "العنكبوت" لمصطفى محمود على شخصيتين أساسيتين: طبيب جراحة المخ والأعصاب م داود أو (مصطفى داود) كما في المسلسل الدرامي المأخوذ عن الرواية وقدّمه مؤلفها مصطفى محمود بنفسه، والمهندس راغب دميان مدير قسم أبحاث الراديوم بالقصر العيني .. كلاهما رجل علم، ولكنهما مختلفين: دكتور م داود طبيب تقليدي، يؤمن بأن "كل شيء حقيقي في الدنيا يجب أن يكون قابلًا للإدراك بالحواس، أما ما لا يُرى ولا يُسمع ولا يُشم ولا يُحس ولا يُعقل فهو غير موجود"، وإن كان يتمتع في نفس الوقت بالفضول العلمي والشره للمعرفة .. أما راغب دميان فهو عالِم مبتكِر "يبحث في سر النشاط والحيوية والنمو والتجدد، ويختار خاماته الحية من الأعضاء التي تتصف بهذه الصفات، ويهدف من عمليات الاستخلاص الكيميائي العثور على المادة السحرية الباعثة للحياة والنماء والنشاط"، كما يؤمن بأن "المخ عالم كبير .. أرشيف .. فهرس .. مرجع شامل .. كل يوم من أيام التاريخ مكتوب به ورقة في مخ  الإنسان من الأزل".

لكن هذا ليس الاختلاف الوحيد بينهما فهناك اختلافين آخرين لا يقلان أهمية: دكتور م داود مسالم، لم يدفعه العلم لارتكاب خطيئة، أما راغب دميان سفّاح، لم يتورع عن قتل الآخرين من أجل المعرفة "إنه يسرق .. ويقتل .. نعم ربما كانت هذه الوفاة التي بدت وفاة طبيعية هي جريمة قتل دبرها بوسائله ليحصل على مخ الضحية"، "هل أنا أمام سفّاح مجنون يقتل ضحاياه بالجملة ويتخذ من الأجسام البشرية الحية حقلًا لتجاربه، أو أن ما اكتشفه ذلك الرجل من أسرار جعله يستهين بكل قيمة إنسانية في سبيل أن يضع يده أخيرًا على لغز الحياة" .. دكتور م داود مسلم، راغب دميان مسيحي.

كُتبت الرواية بضمير المتكلم، حيث تدور الأحداث بكلمات دكتور م داود كما دوّنها في المذكرات التي تركها قبل موته، وهذا ما يجعل استفهامًا منطقيًا يفرض نفسه: إذا كان مصطفى محمود يمتلك ذلك الوعي العلمي والخبرات الكيميائية والتشريحية وكذلك القدرة التخييلية التي لدى راغب دميان في الرواية وساعدته على إجراء تجاربه واختباراته؛ لماذا لم يجعل دكتور م داود يقوم بدور راغب دميان؟ .. لكنه استفهام لا يتطلب جهدًا للإجابة: إن (مصطفى محمود) لن يجعل (مصطفى داود) قاتلًا ولو في سبيل العلم .. لن يعطي حتى دور الراوي في القصة لراغب دميان؛ إذ أنه يحتاج هذا الدور للتأكيد على طهارته كشخص يحترم "القيم الإنسانية"، ولإثبات رغبته في المعرفة، وتقصّي الأمور العلمية التي يجهلها .. في المقابل فإن مصطفى محمود كان يحتاج لأن يجعل رجل العلم السفّاح في الرواية مسيحيًا.

مرة أخرى: لماذا؟

لنقارن بين محطات الماضي التي انتقل إليها كل من راغب دميان، ودكتور م داود: على سبيل المثال كان راغب دميان جنديًا في الحرب الأهلية الإسبانية، بينما كان دكتور م داود بهلول "حلبي"، تاجر عقاقير "فارسي"، أسقف "سيناوي"، عاشق "أندلسي"، فارس "عربي" في معركة صليبية ...

أراد مصطفى محمود في رواية "العنكبوت" أن يجسّد تصوّره الخاص حول الشرق بهويته الإسلامية (ذات الجذور المتعددة)، والغرب بهويته المسيحية (التي لا يعطّل سعيها الدائم للتفوق والهيمنة أي اعتبار قيمي) .. النهم المعرفي المغلّف بالتسامح، والتطور العلمي المقترن بالوحشية .. كان راغب دميان يتفوق معرفيًا وعلميًا على دكتور م داود .. لكن دكتور م داود كان أكثر أخلاقية من راغب دميان.

ثمة مشهد محوري في الرواية اجتمع خلاله دكتور م داود وراغب دميان في محطة ماضوية:

"كان ينظر إلى الأشياء وكأنها تشف له عن معان وأشكال غير أشكالها .. وكان ينظر إلى وجهي ويبتسم كالأطفال ويهمس:

ـ أناديك بأي اسم .. أنت لك أسماء كثيرة أكثر من ألف اسم .. أناديك باسمك أيام المماليك .. أم أيام الأتراك .. أم أيام الخلافة الفاطمية .. تصوّر أن اسمك كان في يوم من الأيام "بهلول الحلبي".

وضحك..

وخيّل إليّ أن الاسم يبدو مألوفًا بالرغم من غرابته..

وأردف دميان وهو يبتسم:

ـ بهلول .. بهلول .. تصوّر .. أصلك كنت بهلول الخليفة .. البهلول الذي تتشقلب أمامه لتضحكه .. كنت قصيرًا طول ذراعي هذا .. نعم .. وهذا أنت أراك أمامي الآن وأنت تتشقلب زمان (وأغرق في الضحك) .. كنت ظريفًا جدًا أيها البهلول.

ثم عاد ينظر إليّ في وقار..

ـ الدكتور م داود دكتوراه في جراحة المخ من برلين .. رجل علم محترم. يقف له كل من يراه .. أين هو من بهلول الخليفة".

نلاحظ أن راغب دميان يخاطب دكتور م داود لا كفرد وإنما كمواطن في حقبة سياسية .. يختزل وجوده في هوية جماعية حاكمة .. تلك هي النقطة التي تمثل المقصد الجوهري للرواية.

نعرف في هذه الفقرة أن راغب دميان لم تكن لديه القدرة على أن يعيش نسخته القديمة فحسب، وإنما أن يدرك ما الذي كانت عليه النسخة القديمة لدكتور م داود أيضًا، بل ويحدث لقاء بين هاتين النسختين في لحظة واحدة توازي لحظة لقائهما في الحاضر .. هذه الخاصية "العلمية" تم استدعائها عمدًا لتبرير هذه المقابلة بينهما في الماضي من أجل تثبيت المدلول "السياسي" لما يمثله كل منهما في الرواية.

كيف عرف راغب دميان أن بهلول الحلبي هو النسخة الأقدم من دكتور م دواد؟ .. هل كان راغب دميان هو "الخليفة" أو "رمز الاحتلال الغربي"؟ .. هل دكتور م داود هو نموذج الارتقاء الذي صار إليه الشرقي الذليل بعد التخلّص من الاحتلال؟.

"كنت وأنا طفل أحلم بأني أقود الجيوش، وأفتح الأمصار والأقطار .. وكان قلبي يخفق طربًا وأنا أقرأ عن جينكيز خان وهانيبال والإسكندر وتعذبني الأماني والآمال".  

كان يمكن لرواية "العنكبوت" أن تدور حول العلم، الخيال العلمي، تناسخ الأرواح، الأزلية، الخلود، لكن مصطفى محمود استخدم هذه المفردات في جعل الرواية تدور حول ثنائية مفاهيمية تقليدية تكتشف ذاكرتها وتستشرف المستقبل من خلال وسيطين بشريين متنافرين .. جعلها تدور حول التاريخ أكثر مما تستهدف الزمن .. عن النمط الحضاري أكثر مما تقتحم فكرة الخلق نفسها .. لهذا لم يكن غريبًا أن تأتي خاتمة الرواية فيما يشبه العقاب الإلهي .. الخاتمة التي كرّست ـ رغم الطابع الحميمي المشوّق للرواية ـ غريزة "العلم والإيمان".

أراجيك ـ 14مارس 2021

الأربعاء، 10 مارس 2021

مقتل نجمك المفضّل

خلق المحقق من الإيروتيكا منهجًا نقديًا للمحو، التناص، إعادة كتابة النصوص وتعريفها، تحرير الحياة الشخصية كنص تفاعلي، كآلية مقاومة .. جعل من الأخطاء، اللااكتمال، الشذرات المتناثرة، عدم الانتباه، النسيان، الحماقة، التشوهات، الارتباك، التسويد، الشخبطة، التلعثم، الغفلة، التظاهر بالقوة والاتزان، اللهاث، الحشد، الهفوات، الإيماءات المرتعشة؛ جعل منها جماليات مضادة لاكتشاف الكتابة وإنتاجها دون استقرار أو تنظيم للتداول .. استعمل “مراوغة الإدراك” في تخريب الانضباط الدلالي لفلسفة “شوبنهاور” .. قام بتفكيك سلطة “القراءة” بوصفها اعتداءً ذاتيًا .. رصد “خدعة المشهدية” كطيش رمزي، صراع شبقي بين لاوعي العلامات معتمدًا على أقل العناصر البصرية للإيهام بالدراما في مقابل متن غائب أو نسخ لانهائية من الهوامش المجابهة لسادية النسق، وإطلاق الجموح الشهواني للفكر المتحايل على “المشهد” أو شطحات العنف الذهني الذي يخترق وعوده الشكلية المغدورة .. استخدم الثنايا والفجوات في التوصّل إلى كيفية انتهاك اللغة بوصفها لاهوتًا للشر .. استثمر الإقحامات المتنافرة والمتخاصمة داخل بنية الحكايات الشعبية في تقويض الحقائق المروّضة لتاريخها .. خلق من “الفانتازيا” إلزامًا بهدم ما يُعتقد أنها حدود الواقع التي تبقيه خارج عزلة الغرائبية .. جعل من “الكسل” طريقًا لنزع القيمة وإفساد ميزان الجودة وإتلاف مقياس التميز بين الفروقات، وبين ما يُغفل عنه وما يُنتبه إليه، وبين الجدوى وانعدامها .. فعل هذا كارتكابات مبهجة لمشروع دماغه الملعونة بالكتابة كحياة انتقامية، وتحويل العالم إلى نص هائل يُصاغ من التدوينات اللانهائية الشبقية الغاضبة .. نظريته العصابية في إفساد التناغم وتطبيقاتها في اللعب الفلسفي والمرح النقدي.

https://drive.google.com/file/d/1qWYeCpxjAmwUHGjbKb7v3NYBanDlVw0I/view

أراجيك ـ 10 مارس 2021

الاثنين، 8 مارس 2021

نباتات الشرفة

أين أنا؟ .. ما الذي جاء بي إلى هذه الحجرة؟ .. إنها لا تشبه أي حجرة دخلتها من قبل .. لكن صورتي معلقة فوق جدارها .. كيف أتت هذه الصورة إلى هنا؟ .. مع ذلك أشعر بأنني لست غريبًا تمامًا عن هذا المكان .. ليست صورتي فقط هي التي تشعرني بذلك، وإنما بعض الأشياء التي توجد هنا أيضًا .. هل سبق أن رأيتها في الماضي؟ .. تذكرت .. إنها حجرة جاري العجوز الذي يعيش وحده .. هي نفس الأشياء التي كانت تظهر لي حين يفتح باب شرفته كل يوم بينما أراقبه من وراء باب شرفتي .. نعم، كنت أراقبه .. كنت أتابعه وهو يسقي نباتات تلك الشرفة يوميًا وأتساءل: لماذا يفعل ذلك؟ .. لماذا يعتني بالنباتات؟ .. ألم يجرّب الفقد؟ .. ألا يشعر بالحسرة؟ .. كيف لا يستوعب عجوز مثله أن العالم لا يستحق أن تزرع فيه ولو مجرد نبتة صغيرة؟ .. كان يذكّرني بطفولتي .. مفارقة هزلية أن يذكّرك عجوز بطفولتك .. حينما كنت أملأ شرفتي بالأصص التي تمتد منها الغصون المتشابكة والأوراق الخضراء الكثيفة .. لم أكن قد فقدت حبيبًا بعد .. الآن لم يعد يملأ شرفتي سوى خواء ثقيل من الحسرة المقبضة .. ذلك لأنني فقدت حبيبًا تلو الآخر .. فقدتهم بالبساطة نفسها التي تقضم بها يد لامبالية غصنًا أو تنزع  منه ورقة خضراء .. كنت أرى في جاري العجوز وهو يسقي النباتات أنقاض عالمي القديم .. الوعود المغدورة لأحلامي .. كنت أرى فيه تجسيدًا لوهم الجمال الذي تمارس الحياة من خلاله شرورها .. كنت أكره جاري العجوز .. أكرهه لدرجة أنني مع استمراره في الخروج بوجهه المسالم السخيف إلى الشرفة وسقي النباتات؛ تمنيت موته .. ليس هذا فحسب بل إنني أيضًا تخيلت نفسي أقتله .. آخر ما أتذكره أنني كنت أقف هناك وراء باب شرفتي وأراقب العجوز .. لا أدري ما الذي حدث بعد ذلك ..  كيف جئت إلى حجرته؟ .. لماذا يعلّق صورتي فوق جدارها؟ .. هل كان يعرف أنني أراقبه؟ .. هل كان يعرف بماذا أشعر نحوه؟ .. هل كان يعرف برغبتي في التخلص منه؟ .. لن يمكنني أن أفهم حقيقة الأمر لو بقيت هنا .. ينبغي أن أفتح هذا الباب .. ولكن هناك ما يمنعني .. إنه ذلك الشعور الذي اختبرته كثيرًا .. أنني فقدت أحدًا .. أدرك ذلك الآن على نحو مبهم، ولكن لا يمكنني التأكد .. ربما لو خرجت من هذا الباب سأعرف ما الذي حدث .. لكنني ربما لا أريد أن أعرف .. ربما أريد أن أبقى في هذه الحجرة ولا أغادرها أبدًا.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 7 مارس 2021
اللوحة: Lady in black, Symeon Sabbides. Greek 1859 – 1927

الجمعة، 26 فبراير 2021

جريمتا شارع مورج: تبرير قسري لنقيض "بو"، وتناغم مع مثلية كونية

كيف لم ينتبه أحد إلى إنسان الغاب أو يشعر به طوال المسافة من بيت البحار الذي هرب منه، وحتى منزل السيدة ليسبانيه، وابنتها الآنسة كاميل حتى مع (هدوء الشوارع لأبعد حد)؟ .. أين اختفى ذلك القرد في الفترة ما بين مذبحة شارع مورج، والقبض عليه بمعرفة صاحبه البحار؟ .. هل تبددت وحشيته المسعورة فجأة بحيث لم يترك أثرًا داميًا أو تخريبيًا واحدًا يشير إلى وجوده بالمدينة، وبالضرورة يكشف عن صلته المحتملة بمقتل الأم وابنتها؟

لم يجب الراوي في قصة إدجار آلن بو عن أسئلة كهذه لأنها تقوّض ذلك النظام الصارم من الفروق الملفقة بين قوة التحليل والبراعة الذهنية، والذي خُلقت على أساسه شخصية صديقه سي أوجست دوبان .. النظام الذي يمكن إنتاج نسخ مماثلة له دون حد، استنادًا أيضًا إلى اختلاقات صلبة من الفروق الناجمة عن إرادات شخصية مختلفة فحسب، مثلما ستتغافل تلك التحديدات كذلك عن الانقطاع البديهي الذي يفكك تماسكها المفترض من دون أن يخضع لمنطق أو توقع: الشرود المباغت خارج سياق التفكير نتيجة دافع مبهم أو مؤثر لحظي .. الومضة الذهنية التي تنتهك بشكل غامض ومفاجئ التسلسل المتناغم من التأملات الاستدلالية .. الذكرى المتنافرة التي تقطع الطريق على نحو ملغّز وغير منتظر أمام تدفق الملاحظات والاستنتاجات المترابطة.

لهذا لم يكن مفيدًا للراوي في قصة بو اختراع نماذج إثباتية لتلك الفروق، أو التأكيد المتكرر على انبهاره المذهول بعقلية صديقه دوبان .. وبتقمّص روح ذلك الصديق الذي تخيّل هذا الترتيب لتفكير الراوي خلال تجوالهما: "شانتيلي ثم كوكبة أوريون ثم الدكتور نيكولس ثم الفيلسوف إبيقور ثم علم قطع الحجارة ثم حجارة الشارع ثم بائع الفاكهة"؛ يمكن تصوّر ـ كمجرد مثال موازٍ ـ أن كلمة علم قطع الحجارة التي تفوّه بها الراوي أعقبها استدعاء لمشهد من الماضي كان يسير خلاله مع أبيه في شارع مرصوف بشكل مشابه، وأن ثمة أشجارًا في ذلك الشارع كانت تُشكل فروعها العالية مع غيوم السماء لوحة أخّاذة، وهو ما دفع الراوي للنظر إلى أعلى محاولًا استرجاع ذلك المنظر القديم، ومن ثمّ لم يكن غريبًا في تلك اللحظة أن يتذكر التنبيه المتكرر لأبيه الذي يمشي إلى جواره بضرورة أن يفرد قامته، وهو ما جعله يعدّل انحناءته ويسير منتصبًا .. ذكريات يفترض أن دوبان لا يعرفها، وقد تكون هي مصدر كل الأداءات الصامتة للراوي، ولهذا لا يكفي أن تكون ثمة معرفة مشتركة، أو معلومات تضمنها حديث سابق بين الصديقين حتى تكون استنتاجاته صحيحة.

لكن بو أراد أن يكون دوبان محقًا .. أن تكون كل ملاحظاته سليمة واستنتاجاته صائبة، بالرغم من أنه يمكن استبدالها كليًا بملاحظات واستنتاجات مغايرة لن تكون أقل صحة منها .. أراد أن يصوغ بشكل متعجّل وهزيل معلومة القبض على إنسان الغاب في نهاية القصة كأنما يواري جثتي الأم وابنتها بحفنة تراب أو بورقة جريدة أثناء عاصفة.

لماذا أراد بو ذلك؟ .. لأن دوبان هو النسخة المضادة لـ "بو" .. لأن بو كما نعرفه في "القلب الواشي" أو "القط الأسود" مثلًا كان يحلم بقرينه المناقض .. يختبر العقلانية مقابل جنونه الدموي .. المنطق مقابل كوابيسه التدميرية .. كان بو يجرّب وحدته الغامضة في عناية نظير عكسي؛ يمتلك الوضوح المثالي والرصانة المنهجية .. ما الذي يثبت ذلك؟: بحث الصديقين عن كتاب واحد نادر جدًا واستثنائي جدًا في لقائهما الأول (يتعمّد الراوي عدم ذكر اسمه، ولكنه يثبت التحالف بينهما من خلال الاتفاق على أمر "نادر جدًا واستثنائي جدًا"؛ أي أن هذا الكتاب يعادل الذات الفريدة التي تكوّنت باندماجهما) .. الكآبة الغريبة التي تميّز مزاجهما المشترك .. معيشتهما معًا في قصر بمنطقة مهجورة ومنعزلة .. عدم البحث في الخرافات التي أبقت القصر خاليًا كتوطيد للعقلانية .. انقطاعهما عن الزملاء والمعارف السابقين، والمتوّج بهذا التعبير الجوهري الذي يثبت أنهما ذات واحدة "كنا نوجد فقط داخل أنفسنا"؛ لم يقل "كان كل منا يوجد فقط داخل نفسه" .. إضفاء الراوي صفات مقصودة على دوبان مستمدة من عالم بو كالغرابة والجموح، دون أن تتجسّد بحدة دامغة في سلوكياته مقابل صلابة النزعة المنطقية لتفكيره .. استسلام الراوي لما أسماها "نزوات" دوبان، والتي يسهل بالطبع إدراك اتزانها المسالم عند مقارنتها بالنزوات الشيطانية في أعمال بو.

يمكننا أن نتأمل حرص بو على تبرير نسخته المضادة المتعيّنة في شخصية دوبان ولو بشكل متحايل باعتبارها تمثل ـ خاصة في ضوء مظاهر الارتباط الذهني والجسدي بين الراوي وصديقه في القصة ـ تمثّل نوعًا من التناغم مع ما يشبه "مثلية كونية" تلهم بها نظريات إبيقور التي تحدث دوبان حول إثبات علم نشأة الكون الحديث لصحتها: الذرات كأصل الوجود التي يؤلف التقاؤها المركبات حيث أنها متحركة بذاتها وعلة حركتها موجودة فيها "كنا فقط نوجد داخل أنفسنا" .. الإحساس كصورة مطابقة للواقع تنشأ من اتصال بين جسمين "المزاج المشترك ـ العيش المنعزل في منطقة مهجورة ـ الانقطاع عن الآخرين" .. تولّد الفكر (اللذات العقلية) من الإحساسات (اللذات الجسمية) التي تعود جميعها إلى (اللمس) ومن خلالها يتم التوافق مع الطبيعة: "بعد ذلك نتجوّل في الطرقات وقد تأبطت ذراعه مستمرين في مناقشة موضوعات النهار، أو نجول في كل مكان حتى ساعة متأخرة باحثين ـ وسط الأضواء المبهرة والظلال للمدينة المزدحمة ـ عن المتعة العقلية اللانهائية التي يمكننا الحصول عليها بالملاحظة الصامتة لما يدور حولنا".

إن الطيف أو الخاطر أو الهاجس الذي تحفّزه أي من الألعاب والحيل والمكائد النفسية اللانهائية المجهولة، وغير المضمونة يمكنه أن يخرّب بصورة عفوية أكثر مسارات الاستدلال تيقنًا، وهو ما يجعل ذلك المُسمّى في قصة "جريمتا شارع مورج" بـ "قوة التحليل" و"البراعة الذهنية" متساويين ليسا في كونهما قادرين على التشابه فقط، وإنما في كونهما بالدرجة الأولى خاضعين طوال الوقت لجميع المؤثرات التي تدمج بينهما وتجعلهما يبدوان على غير ما اعتقدنا عن صورتيهما المنفصلتين حيث تتبدل دائمًا تلك التغيرات ليكوّنا وفرة من احتمالات تراوغ حدودها، ودون هوية مؤكدة.

أراجيك ـ 26 فبراير 2021

الاثنين، 22 فبراير 2021

ما لا يمكن رؤيته

لا أعرف هل أيقظتني أمي، أم أنني الذي أيقظتها، أم أن صحونا المفاجئ كان متزامنًا كأنه موعد مُدبّر على نحو خفي .. توجهنا نحو حجرة الصالون بخطوات عفوية دون أن نتكلم كمن يعرفان تمامًا ما الذي ينبغي أن يفعلاه في هذا الوقت المتأخر من الليل .. بدا أيضًا أن علينا اختيار أبعد منافذ البيت عن النائمين تجنبًا لإيقاظ أي منهم، بالرغم من يقيني بأنه ليس في البيت سوانا .. لم يفكر أحدنا في إضاءة الحجرة، كأن إدراكًا مشتركًا بيننا أن الظلام ضروري في تلك اللحظة .. فتحنا الشباك بهدوء لنتطلع إلى الشارع حيث يهيمن الصمت الضبابي متواطئًا مع برودة الفراغ بين سماء سوداء ذات غيوم باهتة، وأرض لا يضيئها إلا نور أبيض شاحب لمصباح لافتة أحد الدكاكين المغلقة .. كانت نوافذ وشرفات البيوت مقفولة جميعها، ومداخل سلالمها معتمة كليًا .. لم يكن في الشارع سوى حيوانات ضخمة تستلقي إما نائمة أو في حالات نعاس متباينة أو بعيون مفتوحة بكامل اتساعها .. حيوانات لا تعيش إلا في الغابات والبراري، ولكنها تتوزع الآن بعد منتصف الليل في هذا الحيّز البارد الصغير من الشارع بصمته الغائم، وإضاءته بالغة الخفوت، أسفل الشباك الوحيد المفتوح الذي أقف وراءه أنا وأمي .. همست أمي (رغم أنني لم أظن أن يسمعها أحد غيري لو تكلمت بنبرتها العادية): هذا أسد .. أرد عليها بهمس مماثل تجاوبًا مع ما اعتبرته الشرط الصوتي للمشهد: وهذا نمر هناك .. هل تعتقد أن هذا فهد؟ .. لا، أعتقد أنه نمر أيضًا، لكن هذا الذي يتثاءب أظن أنه فهد .. لاشك أن هذا ذئب .. نعم، إنه ذئب ...

لحظات قليلة مرت في هذا الهمس المتبادل كأننا نشاهد فيلمًا مجسّمًا في قاعة عرض تخصنا وحدنا .. أحيانًا كان أحد الحيوانات يرفع عينيه نحونا ثم يهز رأسه وهو يخفضه ثانية .. أحدهم كان ينهض من مكانه ويتحرك لمسافة قصيرة للغاية ثم يعود للاستلقاء من جديد .. فجأة ظهرت قطط صغيرة .. القطط التي تعيش في الشارع دائمًا .. ظهرت بين الحيوانات الضخمة كأنها موجودة هناك منذ البداية .. عادت أمي للهمس: هناك قطة تقف بجوار هذا الأسد .. وجدت نفسي أرد عليها بالهمس ذاته: وهناك قطتان بالقرب من ذلك النمر .. هذا فهد .. لا هو نمر، أما الذي بجوار الذئب هناك فهو فهد .. وبجانبه قطة أخرى أيضًا .. نعم ثمة قطة بجانبه...

كانت القطط الصغيرة إما واقفة أو جالسة أو تتحرك في سكينة تامة بين الحيوانات الضخمة المستلقية على أرض الشارع .. لم أعرف أي استفهام ينبغي أن أوجهه لأمي: لماذا لا تهرب القطط الصغيرة من الحيوانات الضخمة؟، أم لماذا لا تلتهم الحيوانات الضخمة القطط الصغيرة؟ .. لكنني وجدت نفسي أسألها: هل هناك ما يحدث ولا يمكنني رؤيته؟ .. لم ترد أمي فالتفت إليها تلقائيًا .. لم أجدها بجانبي فعرفت أنه ينبغي أن أعود إلى النوم رغمًا عني.