الأربعاء، 17 مارس 2021

د. لؤي حمزة عباس قارئًا لنوڨيلا “مقتل نجمك المفضّل”

بدأت بقراءة النوفيلا فور تسلمها، كعادتي مع مجمل كتاباتك، أكملتها ونمت وفي رأسي تتخاطف أطيافها. كتابتك مساحة للمغايرة الذكية والاختلاف المحفز، ليس للأعراف السردية القارة مكان فيما تكتب، قصةً وروايةً، كتابتك تُنتج أعرافها لحظة تحققها، ثمة وعي واضح يقود الكتابة على طريق وعر، شحيح الضوء، ويشاكسها أحيانا، موجها السرد في نوع من النسج والتعشيق مع المنجز الثقافي العام، حيث تحضر الثقافة باباً للسؤال وأفقاً للإحتجاج، وثمة مقاربة بين مقتل نجمك المفضل والشعر، في عنايتها بإنتاج بنيةٍ محددةٍ تكون طريقاً للكتابة وطريقةً للقتل والتمثيل بالجثث ووضع الأقنعة على وجوهها، ورش المني على بطونها، لم يفلت قتيل واحد، رجل أو أمرأة، من دوامة الفزع المحكمة، وهي الدوامة التي دفعت بالقاريء للتحول من فعل القتل الى أفعال الثقافة مستمعاً لصوت طه حسين ومحمود امين العالم وسواهما عبر اقنعتهم الحاضرة جزءا فاعلاً من عملية القتل، فهل كان القناع مادةً لتحول السرد والانتقال بقيم الحكاية من منطقة بوح واعتراف إلى أخرى؟ أعود لتاكيد ما أراه جلياً، بأنك تكتب خارج الراهن، غير معني بما يحدث ويسوٌق ويُقال في عبودية السرد الذي لاهم له سوى تدجين الكتابة وأسر الخيال.

الأحد، 14 مارس 2021

لماذا كان بطل "العنكبوت" مسيحيًا؟

تقوم رواية "العنكبوت" لمصطفى محمود على شخصيتين أساسيتين: طبيب جراحة المخ والأعصاب م داود أو (مصطفى داود) كما في المسلسل الدرامي المأخوذ عن الرواية وقدّمه مؤلفها مصطفى محمود بنفسه، والمهندس راغب دميان مدير قسم أبحاث الراديوم بالقصر العيني .. كلاهما رجل علم، ولكنهما مختلفين: دكتور م داود طبيب تقليدي، يؤمن بأن "كل شيء حقيقي في الدنيا يجب أن يكون قابلًا للإدراك بالحواس، أما ما لا يُرى ولا يُسمع ولا يُشم ولا يُحس ولا يُعقل فهو غير موجود"، وإن كان يتمتع في نفس الوقت بالفضول العلمي والشره للمعرفة .. أما راغب دميان فهو عالِم مبتكِر "يبحث في سر النشاط والحيوية والنمو والتجدد، ويختار خاماته الحية من الأعضاء التي تتصف بهذه الصفات، ويهدف من عمليات الاستخلاص الكيميائي العثور على المادة السحرية الباعثة للحياة والنماء والنشاط"، كما يؤمن بأن "المخ عالم كبير .. أرشيف .. فهرس .. مرجع شامل .. كل يوم من أيام التاريخ مكتوب به ورقة في مخ  الإنسان من الأزل".

لكن هذا ليس الاختلاف الوحيد بينهما فهناك اختلافين آخرين لا يقلان أهمية: دكتور م داود مسالم، لم يدفعه العلم لارتكاب خطيئة، أما راغب دميان سفّاح، لم يتورع عن قتل الآخرين من أجل المعرفة "إنه يسرق .. ويقتل .. نعم ربما كانت هذه الوفاة التي بدت وفاة طبيعية هي جريمة قتل دبرها بوسائله ليحصل على مخ الضحية"، "هل أنا أمام سفّاح مجنون يقتل ضحاياه بالجملة ويتخذ من الأجسام البشرية الحية حقلًا لتجاربه، أو أن ما اكتشفه ذلك الرجل من أسرار جعله يستهين بكل قيمة إنسانية في سبيل أن يضع يده أخيرًا على لغز الحياة" .. دكتور م داود مسلم، راغب دميان مسيحي.

كُتبت الرواية بضمير المتكلم، حيث تدور الأحداث بكلمات دكتور م داود كما دوّنها في المذكرات التي تركها قبل موته، وهذا ما يجعل استفهامًا منطقيًا يفرض نفسه: إذا كان مصطفى محمود يمتلك ذلك الوعي العلمي والخبرات الكيميائية والتشريحية وكذلك القدرة التخييلية التي لدى راغب دميان في الرواية وساعدته على إجراء تجاربه واختباراته؛ لماذا لم يجعل دكتور م داود يقوم بدور راغب دميان؟ .. لكنه استفهام لا يتطلب جهدًا للإجابة: إن (مصطفى محمود) لن يجعل (مصطفى داود) قاتلًا ولو في سبيل العلم .. لن يعطي حتى دور الراوي في القصة لراغب دميان؛ إذ أنه يحتاج هذا الدور للتأكيد على طهارته كشخص يحترم "القيم الإنسانية"، ولإثبات رغبته في المعرفة، وتقصّي الأمور العلمية التي يجهلها .. في المقابل فإن مصطفى محمود كان يحتاج لأن يجعل رجل العلم السفّاح في الرواية مسيحيًا.

مرة أخرى: لماذا؟

لنقارن بين محطات الماضي التي انتقل إليها كل من راغب دميان، ودكتور م داود: على سبيل المثال كان راغب دميان جنديًا في الحرب الأهلية الإسبانية، بينما كان دكتور م داود بهلول "حلبي"، تاجر عقاقير "فارسي"، أسقف "سيناوي"، عاشق "أندلسي"، فارس "عربي" في معركة صليبية ...

أراد مصطفى محمود في رواية "العنكبوت" أن يجسّد تصوّره الخاص حول الشرق بهويته الإسلامية (ذات الجذور المتعددة)، والغرب بهويته المسيحية (التي لا يعطّل سعيها الدائم للتفوق والهيمنة أي اعتبار قيمي) .. النهم المعرفي المغلّف بالتسامح، والتطور العلمي المقترن بالوحشية .. كان راغب دميان يتفوق معرفيًا وعلميًا على دكتور م داود .. لكن دكتور م داود كان أكثر أخلاقية من راغب دميان.

ثمة مشهد محوري في الرواية اجتمع خلاله دكتور م داود وراغب دميان في محطة ماضوية:

"كان ينظر إلى الأشياء وكأنها تشف له عن معان وأشكال غير أشكالها .. وكان ينظر إلى وجهي ويبتسم كالأطفال ويهمس:

ـ أناديك بأي اسم .. أنت لك أسماء كثيرة أكثر من ألف اسم .. أناديك باسمك أيام المماليك .. أم أيام الأتراك .. أم أيام الخلافة الفاطمية .. تصوّر أن اسمك كان في يوم من الأيام "بهلول الحلبي".

وضحك..

وخيّل إليّ أن الاسم يبدو مألوفًا بالرغم من غرابته..

وأردف دميان وهو يبتسم:

ـ بهلول .. بهلول .. تصوّر .. أصلك كنت بهلول الخليفة .. البهلول الذي تتشقلب أمامه لتضحكه .. كنت قصيرًا طول ذراعي هذا .. نعم .. وهذا أنت أراك أمامي الآن وأنت تتشقلب زمان (وأغرق في الضحك) .. كنت ظريفًا جدًا أيها البهلول.

ثم عاد ينظر إليّ في وقار..

ـ الدكتور م داود دكتوراه في جراحة المخ من برلين .. رجل علم محترم. يقف له كل من يراه .. أين هو من بهلول الخليفة".

نلاحظ أن راغب دميان يخاطب دكتور م داود لا كفرد وإنما كمواطن في حقبة سياسية .. يختزل وجوده في هوية جماعية حاكمة .. تلك هي النقطة التي تمثل المقصد الجوهري للرواية.

نعرف في هذه الفقرة أن راغب دميان لم تكن لديه القدرة على أن يعيش نسخته القديمة فحسب، وإنما أن يدرك ما الذي كانت عليه النسخة القديمة لدكتور م داود أيضًا، بل ويحدث لقاء بين هاتين النسختين في لحظة واحدة توازي لحظة لقائهما في الحاضر .. هذه الخاصية "العلمية" تم استدعائها عمدًا لتبرير هذه المقابلة بينهما في الماضي من أجل تثبيت المدلول "السياسي" لما يمثله كل منهما في الرواية.

كيف عرف راغب دميان أن بهلول الحلبي هو النسخة الأقدم من دكتور م دواد؟ .. هل كان راغب دميان هو "الخليفة" أو "رمز الاحتلال الغربي"؟ .. هل دكتور م داود هو نموذج الارتقاء الذي صار إليه الشرقي الذليل بعد التخلّص من الاحتلال؟.

"كنت وأنا طفل أحلم بأني أقود الجيوش، وأفتح الأمصار والأقطار .. وكان قلبي يخفق طربًا وأنا أقرأ عن جينكيز خان وهانيبال والإسكندر وتعذبني الأماني والآمال".  

كان يمكن لرواية "العنكبوت" أن تدور حول العلم، الخيال العلمي، تناسخ الأرواح، الأزلية، الخلود، لكن مصطفى محمود استخدم هذه المفردات في جعل الرواية تدور حول ثنائية مفاهيمية تقليدية تكتشف ذاكرتها وتستشرف المستقبل من خلال وسيطين بشريين متنافرين .. جعلها تدور حول التاريخ أكثر مما تستهدف الزمن .. عن النمط الحضاري أكثر مما تقتحم فكرة الخلق نفسها .. لهذا لم يكن غريبًا أن تأتي خاتمة الرواية فيما يشبه العقاب الإلهي .. الخاتمة التي كرّست ـ رغم الطابع الحميمي المشوّق للرواية ـ غريزة "العلم والإيمان".

أراجيك ـ 14مارس 2021

الأربعاء، 10 مارس 2021

مقتل نجمك المفضّل

خلق المحقق من الإيروتيكا منهجًا نقديًا للمحو، التناص، إعادة كتابة النصوص وتعريفها، تحرير الحياة الشخصية كنص تفاعلي، كآلية مقاومة .. جعل من الأخطاء، اللااكتمال، الشذرات المتناثرة، عدم الانتباه، النسيان، الحماقة، التشوهات، الارتباك، التسويد، الشخبطة، التلعثم، الغفلة، التظاهر بالقوة والاتزان، اللهاث، الحشد، الهفوات، الإيماءات المرتعشة؛ جعل منها جماليات مضادة لاكتشاف الكتابة وإنتاجها دون استقرار أو تنظيم للتداول .. استعمل “مراوغة الإدراك” في تخريب الانضباط الدلالي لفلسفة “شوبنهاور” .. قام بتفكيك سلطة “القراءة” بوصفها اعتداءً ذاتيًا .. رصد “خدعة المشهدية” كطيش رمزي، صراع شبقي بين لاوعي العلامات معتمدًا على أقل العناصر البصرية للإيهام بالدراما في مقابل متن غائب أو نسخ لانهائية من الهوامش المجابهة لسادية النسق، وإطلاق الجموح الشهواني للفكر المتحايل على “المشهد” أو شطحات العنف الذهني الذي يخترق وعوده الشكلية المغدورة .. استخدم الثنايا والفجوات في التوصّل إلى كيفية انتهاك اللغة بوصفها لاهوتًا للشر .. استثمر الإقحامات المتنافرة والمتخاصمة داخل بنية الحكايات الشعبية في تقويض الحقائق المروّضة لتاريخها .. خلق من “الفانتازيا” إلزامًا بهدم ما يُعتقد أنها حدود الواقع التي تبقيه خارج عزلة الغرائبية .. جعل من “الكسل” طريقًا لنزع القيمة وإفساد ميزان الجودة وإتلاف مقياس التميز بين الفروقات، وبين ما يُغفل عنه وما يُنتبه إليه، وبين الجدوى وانعدامها .. فعل هذا كارتكابات مبهجة لمشروع دماغه الملعونة بالكتابة كحياة انتقامية، وتحويل العالم إلى نص هائل يُصاغ من التدوينات اللانهائية الشبقية الغاضبة .. نظريته العصابية في إفساد التناغم وتطبيقاتها في اللعب الفلسفي والمرح النقدي.

https://drive.google.com/file/d/1qWYeCpxjAmwUHGjbKb7v3NYBanDlVw0I/view

أراجيك ـ 10 مارس 2021

الاثنين، 8 مارس 2021

نباتات الشرفة

أين أنا؟ .. ما الذي جاء بي إلى هذه الحجرة؟ .. إنها لا تشبه أي حجرة دخلتها من قبل .. لكن صورتي معلقة فوق جدارها .. كيف أتت هذه الصورة إلى هنا؟ .. مع ذلك أشعر بأنني لست غريبًا تمامًا عن هذا المكان .. ليست صورتي فقط هي التي تشعرني بذلك، وإنما بعض الأشياء التي توجد هنا أيضًا .. هل سبق أن رأيتها في الماضي؟ .. تذكرت .. إنها حجرة جاري العجوز الذي يعيش وحده .. هي نفس الأشياء التي كانت تظهر لي حين يفتح باب شرفته كل يوم بينما أراقبه من وراء باب شرفتي .. نعم، كنت أراقبه .. كنت أتابعه وهو يسقي نباتات تلك الشرفة يوميًا وأتساءل: لماذا يفعل ذلك؟ .. لماذا يعتني بالنباتات؟ .. ألم يجرّب الفقد؟ .. ألا يشعر بالحسرة؟ .. كيف لا يستوعب عجوز مثله أن العالم لا يستحق أن تزرع فيه ولو مجرد نبتة صغيرة؟ .. كان يذكّرني بطفولتي .. مفارقة هزلية أن يذكّرك عجوز بطفولتك .. حينما كنت أملأ شرفتي بالأصص التي تمتد منها الغصون المتشابكة والأوراق الخضراء الكثيفة .. لم أكن قد فقدت حبيبًا بعد .. الآن لم يعد يملأ شرفتي سوى خواء ثقيل من الحسرة المقبضة .. ذلك لأنني فقدت حبيبًا تلو الآخر .. فقدتهم بالبساطة نفسها التي تقضم بها يد لامبالية غصنًا أو تنزع  منه ورقة خضراء .. كنت أرى في جاري العجوز وهو يسقي النباتات أنقاض عالمي القديم .. الوعود المغدورة لأحلامي .. كنت أرى فيه تجسيدًا لوهم الجمال الذي تمارس الحياة من خلاله شرورها .. كنت أكره جاري العجوز .. أكرهه لدرجة أنني مع استمراره في الخروج بوجهه المسالم السخيف إلى الشرفة وسقي النباتات؛ تمنيت موته .. ليس هذا فحسب بل إنني أيضًا تخيلت نفسي أقتله .. آخر ما أتذكره أنني كنت أقف هناك وراء باب شرفتي وأراقب العجوز .. لا أدري ما الذي حدث بعد ذلك ..  كيف جئت إلى حجرته؟ .. لماذا يعلّق صورتي فوق جدارها؟ .. هل كان يعرف أنني أراقبه؟ .. هل كان يعرف بماذا أشعر نحوه؟ .. هل كان يعرف برغبتي في التخلص منه؟ .. لن يمكنني أن أفهم حقيقة الأمر لو بقيت هنا .. ينبغي أن أفتح هذا الباب .. ولكن هناك ما يمنعني .. إنه ذلك الشعور الذي اختبرته كثيرًا .. أنني فقدت أحدًا .. أدرك ذلك الآن على نحو مبهم، ولكن لا يمكنني التأكد .. ربما لو خرجت من هذا الباب سأعرف ما الذي حدث .. لكنني ربما لا أريد أن أعرف .. ربما أريد أن أبقى في هذه الحجرة ولا أغادرها أبدًا.

أنطولوجيا السرد العربي ـ 7 مارس 2021
اللوحة: Lady in black, Symeon Sabbides. Greek 1859 – 1927

الجمعة، 26 فبراير 2021

جريمتا شارع مورج: تبرير قسري لنقيض "بو"، وتناغم مع مثلية كونية

كيف لم ينتبه أحد إلى إنسان الغاب أو يشعر به طوال المسافة من بيت البحار الذي هرب منه، وحتى منزل السيدة ليسبانيه، وابنتها الآنسة كاميل حتى مع (هدوء الشوارع لأبعد حد)؟ .. أين اختفى ذلك القرد في الفترة ما بين مذبحة شارع مورج، والقبض عليه بمعرفة صاحبه البحار؟ .. هل تبددت وحشيته المسعورة فجأة بحيث لم يترك أثرًا داميًا أو تخريبيًا واحدًا يشير إلى وجوده بالمدينة، وبالضرورة يكشف عن صلته المحتملة بمقتل الأم وابنتها؟

لم يجب الراوي في قصة إدجار آلن بو عن أسئلة كهذه لأنها تقوّض ذلك النظام الصارم من الفروق الملفقة بين قوة التحليل والبراعة الذهنية، والذي خُلقت على أساسه شخصية صديقه سي أوجست دوبان .. النظام الذي يمكن إنتاج نسخ مماثلة له دون حد، استنادًا أيضًا إلى اختلاقات صلبة من الفروق الناجمة عن إرادات شخصية مختلفة فحسب، مثلما ستتغافل تلك التحديدات كذلك عن الانقطاع البديهي الذي يفكك تماسكها المفترض من دون أن يخضع لمنطق أو توقع: الشرود المباغت خارج سياق التفكير نتيجة دافع مبهم أو مؤثر لحظي .. الومضة الذهنية التي تنتهك بشكل غامض ومفاجئ التسلسل المتناغم من التأملات الاستدلالية .. الذكرى المتنافرة التي تقطع الطريق على نحو ملغّز وغير منتظر أمام تدفق الملاحظات والاستنتاجات المترابطة.

لهذا لم يكن مفيدًا للراوي في قصة بو اختراع نماذج إثباتية لتلك الفروق، أو التأكيد المتكرر على انبهاره المذهول بعقلية صديقه دوبان .. وبتقمّص روح ذلك الصديق الذي تخيّل هذا الترتيب لتفكير الراوي خلال تجوالهما: "شانتيلي ثم كوكبة أوريون ثم الدكتور نيكولس ثم الفيلسوف إبيقور ثم علم قطع الحجارة ثم حجارة الشارع ثم بائع الفاكهة"؛ يمكن تصوّر ـ كمجرد مثال موازٍ ـ أن كلمة علم قطع الحجارة التي تفوّه بها الراوي أعقبها استدعاء لمشهد من الماضي كان يسير خلاله مع أبيه في شارع مرصوف بشكل مشابه، وأن ثمة أشجارًا في ذلك الشارع كانت تُشكل فروعها العالية مع غيوم السماء لوحة أخّاذة، وهو ما دفع الراوي للنظر إلى أعلى محاولًا استرجاع ذلك المنظر القديم، ومن ثمّ لم يكن غريبًا في تلك اللحظة أن يتذكر التنبيه المتكرر لأبيه الذي يمشي إلى جواره بضرورة أن يفرد قامته، وهو ما جعله يعدّل انحناءته ويسير منتصبًا .. ذكريات يفترض أن دوبان لا يعرفها، وقد تكون هي مصدر كل الأداءات الصامتة للراوي، ولهذا لا يكفي أن تكون ثمة معرفة مشتركة، أو معلومات تضمنها حديث سابق بين الصديقين حتى تكون استنتاجاته صحيحة.

لكن بو أراد أن يكون دوبان محقًا .. أن تكون كل ملاحظاته سليمة واستنتاجاته صائبة، بالرغم من أنه يمكن استبدالها كليًا بملاحظات واستنتاجات مغايرة لن تكون أقل صحة منها .. أراد أن يصوغ بشكل متعجّل وهزيل معلومة القبض على إنسان الغاب في نهاية القصة كأنما يواري جثتي الأم وابنتها بحفنة تراب أو بورقة جريدة أثناء عاصفة.

لماذا أراد بو ذلك؟ .. لأن دوبان هو النسخة المضادة لـ "بو" .. لأن بو كما نعرفه في "القلب الواشي" أو "القط الأسود" مثلًا كان يحلم بقرينه المناقض .. يختبر العقلانية مقابل جنونه الدموي .. المنطق مقابل كوابيسه التدميرية .. كان بو يجرّب وحدته الغامضة في عناية نظير عكسي؛ يمتلك الوضوح المثالي والرصانة المنهجية .. ما الذي يثبت ذلك؟: بحث الصديقين عن كتاب واحد نادر جدًا واستثنائي جدًا في لقائهما الأول (يتعمّد الراوي عدم ذكر اسمه، ولكنه يثبت التحالف بينهما من خلال الاتفاق على أمر "نادر جدًا واستثنائي جدًا"؛ أي أن هذا الكتاب يعادل الذات الفريدة التي تكوّنت باندماجهما) .. الكآبة الغريبة التي تميّز مزاجهما المشترك .. معيشتهما معًا في قصر بمنطقة مهجورة ومنعزلة .. عدم البحث في الخرافات التي أبقت القصر خاليًا كتوطيد للعقلانية .. انقطاعهما عن الزملاء والمعارف السابقين، والمتوّج بهذا التعبير الجوهري الذي يثبت أنهما ذات واحدة "كنا نوجد فقط داخل أنفسنا"؛ لم يقل "كان كل منا يوجد فقط داخل نفسه" .. إضفاء الراوي صفات مقصودة على دوبان مستمدة من عالم بو كالغرابة والجموح، دون أن تتجسّد بحدة دامغة في سلوكياته مقابل صلابة النزعة المنطقية لتفكيره .. استسلام الراوي لما أسماها "نزوات" دوبان، والتي يسهل بالطبع إدراك اتزانها المسالم عند مقارنتها بالنزوات الشيطانية في أعمال بو.

يمكننا أن نتأمل حرص بو على تبرير نسخته المضادة المتعيّنة في شخصية دوبان ولو بشكل متحايل باعتبارها تمثل ـ خاصة في ضوء مظاهر الارتباط الذهني والجسدي بين الراوي وصديقه في القصة ـ تمثّل نوعًا من التناغم مع ما يشبه "مثلية كونية" تلهم بها نظريات إبيقور التي تحدث دوبان حول إثبات علم نشأة الكون الحديث لصحتها: الذرات كأصل الوجود التي يؤلف التقاؤها المركبات حيث أنها متحركة بذاتها وعلة حركتها موجودة فيها "كنا فقط نوجد داخل أنفسنا" .. الإحساس كصورة مطابقة للواقع تنشأ من اتصال بين جسمين "المزاج المشترك ـ العيش المنعزل في منطقة مهجورة ـ الانقطاع عن الآخرين" .. تولّد الفكر (اللذات العقلية) من الإحساسات (اللذات الجسمية) التي تعود جميعها إلى (اللمس) ومن خلالها يتم التوافق مع الطبيعة: "بعد ذلك نتجوّل في الطرقات وقد تأبطت ذراعه مستمرين في مناقشة موضوعات النهار، أو نجول في كل مكان حتى ساعة متأخرة باحثين ـ وسط الأضواء المبهرة والظلال للمدينة المزدحمة ـ عن المتعة العقلية اللانهائية التي يمكننا الحصول عليها بالملاحظة الصامتة لما يدور حولنا".

إن الطيف أو الخاطر أو الهاجس الذي تحفّزه أي من الألعاب والحيل والمكائد النفسية اللانهائية المجهولة، وغير المضمونة يمكنه أن يخرّب بصورة عفوية أكثر مسارات الاستدلال تيقنًا، وهو ما يجعل ذلك المُسمّى في قصة "جريمتا شارع مورج" بـ "قوة التحليل" و"البراعة الذهنية" متساويين ليسا في كونهما قادرين على التشابه فقط، وإنما في كونهما بالدرجة الأولى خاضعين طوال الوقت لجميع المؤثرات التي تدمج بينهما وتجعلهما يبدوان على غير ما اعتقدنا عن صورتيهما المنفصلتين حيث تتبدل دائمًا تلك التغيرات ليكوّنا وفرة من احتمالات تراوغ حدودها، ودون هوية مؤكدة.

أراجيك ـ 26 فبراير 2021

الاثنين، 22 فبراير 2021

ما لا يمكن رؤيته

لا أعرف هل أيقظتني أمي، أم أنني الذي أيقظتها، أم أن صحونا المفاجئ كان متزامنًا كأنه موعد مُدبّر على نحو خفي .. توجهنا نحو حجرة الصالون بخطوات عفوية دون أن نتكلم كمن يعرفان تمامًا ما الذي ينبغي أن يفعلاه في هذا الوقت المتأخر من الليل .. بدا أيضًا أن علينا اختيار أبعد منافذ البيت عن النائمين تجنبًا لإيقاظ أي منهم، بالرغم من يقيني بأنه ليس في البيت سوانا .. لم يفكر أحدنا في إضاءة الحجرة، كأن إدراكًا مشتركًا بيننا أن الظلام ضروري في تلك اللحظة .. فتحنا الشباك بهدوء لنتطلع إلى الشارع حيث يهيمن الصمت الضبابي متواطئًا مع برودة الفراغ بين سماء سوداء ذات غيوم باهتة، وأرض لا يضيئها إلا نور أبيض شاحب لمصباح لافتة أحد الدكاكين المغلقة .. كانت نوافذ وشرفات البيوت مقفولة جميعها، ومداخل سلالمها معتمة كليًا .. لم يكن في الشارع سوى حيوانات ضخمة تستلقي إما نائمة أو في حالات نعاس متباينة أو بعيون مفتوحة بكامل اتساعها .. حيوانات لا تعيش إلا في الغابات والبراري، ولكنها تتوزع الآن بعد منتصف الليل في هذا الحيّز البارد الصغير من الشارع بصمته الغائم، وإضاءته بالغة الخفوت، أسفل الشباك الوحيد المفتوح الذي أقف وراءه أنا وأمي .. همست أمي (رغم أنني لم أظن أن يسمعها أحد غيري لو تكلمت بنبرتها العادية): هذا أسد .. أرد عليها بهمس مماثل تجاوبًا مع ما اعتبرته الشرط الصوتي للمشهد: وهذا نمر هناك .. هل تعتقد أن هذا فهد؟ .. لا، أعتقد أنه نمر أيضًا، لكن هذا الذي يتثاءب أظن أنه فهد .. لاشك أن هذا ذئب .. نعم، إنه ذئب ...

لحظات قليلة مرت في هذا الهمس المتبادل كأننا نشاهد فيلمًا مجسّمًا في قاعة عرض تخصنا وحدنا .. أحيانًا كان أحد الحيوانات يرفع عينيه نحونا ثم يهز رأسه وهو يخفضه ثانية .. أحدهم كان ينهض من مكانه ويتحرك لمسافة قصيرة للغاية ثم يعود للاستلقاء من جديد .. فجأة ظهرت قطط صغيرة .. القطط التي تعيش في الشارع دائمًا .. ظهرت بين الحيوانات الضخمة كأنها موجودة هناك منذ البداية .. عادت أمي للهمس: هناك قطة تقف بجوار هذا الأسد .. وجدت نفسي أرد عليها بالهمس ذاته: وهناك قطتان بالقرب من ذلك النمر .. هذا فهد .. لا هو نمر، أما الذي بجوار الذئب هناك فهو فهد .. وبجانبه قطة أخرى أيضًا .. نعم ثمة قطة بجانبه...

كانت القطط الصغيرة إما واقفة أو جالسة أو تتحرك في سكينة تامة بين الحيوانات الضخمة المستلقية على أرض الشارع .. لم أعرف أي استفهام ينبغي أن أوجهه لأمي: لماذا لا تهرب القطط الصغيرة من الحيوانات الضخمة؟، أم لماذا لا تلتهم الحيوانات الضخمة القطط الصغيرة؟ .. لكنني وجدت نفسي أسألها: هل هناك ما يحدث ولا يمكنني رؤيته؟ .. لم ترد أمي فالتفت إليها تلقائيًا .. لم أجدها بجانبي فعرفت أنه ينبغي أن أعود إلى النوم رغمًا عني.

الخميس، 18 فبراير 2021

سيرة الاختباء (25)

ذات ظهيرة عادت "ملك" من الحضانة إلى البيت، وقبل أن تبدّل ملابسها توجهت إلى الشرفة وحدها، وراحت ترتجل أغنية تحكي فيها جميع تفاصيل يومها بالترتيب منذ الاستيقاظ في الصباح الباكر مرورًا بما سيحدث بعد رجوعها من الحضانة وحتى ذهابها إلى الفراش في نهاية المساء .. تضمنت الأغنية بالطبع اللحظة الأشد قسوة حينما تتركها أمها في الحضانة لتمضي عدة ساعات بعيدة عنا قبل أن تعود لاصطحابها إلى البيت.

كان عمرها حينئذ أربعة أعوام، ومن وقتها لم تتوقف عن ارتجال الأغنيات، الرسم، كتابة القصص، تقمص الشخصيات المختلفة بواسطة الملابس والمكياج والإكسسوارات، النحت، الأداءات الاستعراضية على النغمات والإيقاعات، تأليف الحكايات وتمثيلها برفقة عرائسها .. لا تفعل كل هذا كتسلية وإنما كاحتياج وجودي .. كحياة جوهرية لذاتها .. وبالنسبة لي كان دعمها بكل السُبل ضرورة أساسية أيضًا.

لن أتحدث الآن عن الدلائل والمصادفات الدامغة لروحي الحاضرة في جسد ابنتي، وإنما سأتساءل: هل يعني هذا الدعم أنني إنسان مختلف عن ذلك الرجل في روايتي "خلق الموتى" الذي مزّق الخطاب المرسل إلى ابنه، طالب المرحلة الإعدادية، من نادي القصة بالقاهرة، وكان يحمل مظروفه اللقب الذي أسعد ذلك الولد كثيرًا (السيد القاص/ ...) ثم ألقى بقصاصاته من البلكونة بينما كان الابن يتابع تناثرها بين أقدام العابرين من الشباك المجاور؟.

نعم، قد أكون مختلفًا عن أبي بل ومناقضًا له، ولكن القهر الأبوي أو عدمه في تلك المسألة لا يوفر الحماية المطلقة للكاتب أو الفنان أمام قارئ، متلق، جمهور .. أتحدث كثيرًا مع "ملك" بشأن اهتمامها ـ الطبيعي ـ برأي الناس: عدد الإعجابات، التعليقات، المشاركات .. أذكّرها دائمًا بأن القيام بما تحب أن تفعله والاستمتاع به هما أكثر الأشياء أهمية، وأن البشر يحتاجون أحيانًا ـ لم أقل لها دائمًا حتى الآن ـ لمحاولة تعويض إخفاقاتهم بتوزيع اعتداءات طائشة على مباهج الآخرين .. صحيح أن مواجهة "ملك" لما يُسمى بـ "الاعتراف" في أي وقت من عمرها ستكون مجرّدة من عنف الأبوة، أي تحالفها مع الوضعية الإلهية للواقع وسياقاته "الثقافية"، بل وعلى العكس ستكون المواجهة مستندة إلى انتصار تلك الأبوة إلى أحلامها؛ إلا أنه ليس هناك ضمان أبدًا لتلك الحاجة الذاتية المتواطئة مع الإصرار المنيع للمجتمع "الإبداعي" لأن يكون الكاتب أو الفنان مقبولًا، ناجحًا بمقاييس سلطة قيمية ما.

لن تراني "ملك" أبدًا ألقى بقصاصات لوحة أو قصة لها من البلكونة، ولكن مع ذلك ثمة ما قد يجبرها على أن تظل واقفة في شباكها المجاور.

موقع "الكتابة" ـ 18 فبراير 2021

الأحد، 14 فبراير 2021

عزيزي جودريدز

كان دائم الشكوى مما يعتبرها عيوبًا فادحة، أو أخطاءً لا تُغتفر ضد القواعد الثابتة المتفق عليها والمفروغ منها للكتابة الأدبية .. ولم يكن غريبًا أن تنتج ذائقته ـ باعتبارها مرجعًا شاملًا لتلك القواعد ـ أكثر الاستجابات عنفًا تجاه النصوص التي لا تتوافق معها .. كان يبدو في أشد الاحتياج لاستعراض ما يمارسه من ردود أفعال انتقامية بعد الانتهاء من القراءة دون تعطيل أخلاقي من أي نوع كإلقاء قصاصات منتقاة من رواية ما في المرحاض قبل التبول أو التبرز فوقها، أو رمي أشلائها في صندوق القمامة، أو تطويحها بعلامات بصاق من نافذة البيت أو شباك سيارة، أو إعطائها إلى الباعة الذين يستخدمون الأوراق المهملة في تغليف بضائعهم، أو عرضها كهدية مجانية لشخص لا يطيقه .. كانت إدانته الذاهلة تطارد بالضرورة وعي القراء الذين يحتفون بالأعمال المنبوذة من فردوسه اللغوي، أو تلك التي لا تلتزم بما يسميه "الشروط التاريخية للسرد الأدبي" .. كان يردد طوال الوقت: إن العمل الذي لا يروق لي هو (عمل سيئ)؛ فأي شخص حينما يقرر كتابة رواية لابد ألا ينشد غاية تتخطى إرضائي، ووفقًا لذلك تصبح روايته (رديئة) إن لم تحقق هذا الرجاء.

كان يؤمن أيضًا بأن التناص البارز، أو الصلة الظاهرة بمادة فنية أو محتوى تاريخي، أو الاشتباك مع نظرية نقدية معينة أو مضمون فلسفي محدد أو تحليل ما في علم النفس، أو الاستخدام المقصود لإحدى تقنيات السرد في العمل الأدبي الذي لا يعجبه؛ كل هذا ليس مبررًا لتضييع الوقت أو بذل الجهد في التفكير والبحث للعثور على اكتشاف يمكن أن تثمر عنه تلك الأداءات .. كان يثق تمامًا في صحة انطباعاته وصواب رؤيته التي تتضاءل أمامها أهمية أي إدراكات أخرى، وهو ما كان يجعل الأمور أكثر سهولة بالنسبة له .. كانت هذه الثقة تحميه من أي ممارسة ذهنية شاقة يرى نفسه غير مضطر لها.

كانت الريفيوهات التي يدوّنها عن الأعمال التي لا تحظى بقبوله تفيض بـ (أخفق الكاتب في ...)، (فشل الكاتب في ...)، (لم ينجح الكاتب في ...)؛ إذ كان يؤكد من خلالها أن هناك ثمنًا ينبغي للكاتب أن يدفعه نتيجة عدم إشباعه شخصيًا، كما كان ينتهز تلك الريفيوهات أيضًا في الثأر مما يسميها "السخافات البراقة" أو "لافتات الهراء الذائع" مثل: (لكل عمل أدبي قانونه الخاص) .. (الدوافع الجمالية للنص) .. (المنطق الشخصي للكاتب) .. عبارات لا تجسّد في تصوّره سوى تفاهة طاغية حيث لا يوجد سوى قانونه هو الذي لابد أن يكون قانون الجميع، ومنطقه هو الذي لابد أن يكون منطق الجميع، ودوافعه هو التي لابد أن تكون دوافع الجميع، وإلا لصارت الحياة عبثية وليس لها حاكم.

لم يكن كل هذا منفصلًا عن حلمه القديم بكتابة الرواية الإعجازية الشاملة، الخالية من أي عيب أو خطأ .. الرواية التي لا تدنس قواعدها شائبة، ولا يجرح أساسياتها ذنب .. الرواية التي تمنح الإرضاء التام لجميع القراء في كل مكان وزمان .. كان يريد أن يكتب الرواية الكونية المثالية، المحصّنة من تقلبات الوعي، التي لا تنقص أبدًا نجومها الخمس على جودريدز.

كان الكتّاب الجيدون في اعتقاده هم الأقل انتهاكًا لشروط الكتابة، وطموحهم جميعًا كان تجنّب الفشل في تحقيق الكمال السردي، وبلوغ أقصى درجات التوافق المحكم مع كل قارئ مهما كان، ولكن لم ينجح أي منهم أبدًا في كتابة رواية بلا خلل .. ولأنه كان ينظر إلى نفسه كقارئ خبير في "النجاحات والإخفاقات الأدبية" فقد أيقن أن بإمكانه كتابة تلك الرواية التي لا يمكن لأي شخص أن يوجّه إليها إدانة ما .. الرواية التي ستتوّج ملكة على عرش جودريدز، وسيكون اسمها دالًا على موضوعها، وعلى إهدائه تلك الأيقونة السردية الخارقة للموقع في نفس الوقت: (عزيزي جودريدز).    

"لكنها لن تكون رواية فقط" .. كان يعدها العقل المفكر لجميع الأعمال السردية السابقة واللاحقة، التي تمثّل أعمق مستويات الفهم لطبيعة الفن الروائي، وموطن الحكمة السردية الخالصة .. قاموس المعرفة الذي تحتاجه كل رواية لتصحيح جمالياتها، والنموذج الأعظم الذي سيبقى وحده بعد موت جميع الروايات، شاهدًا على نقصانها، وعلى ما كان يجب أن تكون عليه كائناتها وأحلامها .. كان يؤمن بأنه بالرغم من كل شيء، لن تنجح أي رواية في إنقاذ نفسها مهما حاولت الاقتداء بروايته؛ إذ أن من أنتج تلك الروايات في النهاية كتّاب آخرون وليس هو.

كان لديه مخططًا دقيقًا وحاسمًا لإنجاز الأمر: "سأجعل رقمي المفضل معيارًا لما سأنتقيه كذخيرة تجهيزية للرواية .. سأختار سبعة كُتاب، سبع روايات، سبع شخصيات، سبع حبكات، سبع تقنيات، سبعة أساليب لغوية، سبعة أماكن، وسبعة أزمنة .. ستكون الروايات التي منحتها التقييم الأعلى على موقع جودريدز هي كنز اختياراتي، وبحرص بديهي على التنوع الجغرافي والزمني لتلك الاختيارات .. ستمتزج تلك الذخيرة بمئونتي السرية التي ادخرتها من أجل تلك اللحظة، والتي سيكون الرقم ذاته مقياسًا لها أيضًا: سبع ذكريات خاصة، سبع شخصيات ممن أعرفهم، سبعة مشاهد من حيوات تلك الشخصيات، سبعة أماكن خطوت داخلها، سبعة أزمنة مررت بها، سبعة أحلام عبرت نومي، سبع تفاصيل عامة تسكن مخيلتي: البحر .. أثداء النساء .. الشرفات القديمة .. موسيقى "الراعي الوحيد" .. المطر .. الرسائل الممزقة .. الانتقام الهاملتي (نسبة إلى هاملت).

كان منتشيًا بالتوقع...

لن يكون في حاجة بعد نشر روايته إلى معاقبة الكتّاب الذين لا يعرفون كيف يكتبون، والقراء الذين لا يعرفون كيف يقرأون .. ستتكفل روايته بذلك الدور التنويري، وستنفّذ وحدها تلك الوصية التطهيرية .. ستؤدي روايته نيابة عنه الأمانة الإلهية التي طالما اعتبر نفسه أكثر الجديرين بها.

لكنه حينما بدأ في الكتابة وفقًا لخطته الراسخة شعر بأنه يرتكب خطًأ ما دون قدرة على تحديده .. مع ذلك استمر في الكتابة، وبمرور الوقت تصاعد إدراكه بأنه لا يفعل الشيء الصحيح رغم التزامه بكل ما قرره واستقر عليه من خطوات ومسارات .. شعر بأن الأخطاء المتزايدة التي يخطها بعكس المنتظر هي ما تدفعه لمواصلة الكتابة .. كل مفردة كانت في مكانها .. كل عبارة كانت في موضعها .. لكن السرد كان يكشف في كل لحظة عن هوّة معتمة بين كلماته ورجاء غامض في نفسه .. كان موقنًا بصورة مبهمة بأنه لا يقوم بالأمر كما ينبغي، وكان ذلك ما يحرّضه على التمادي في الخطأ بمتعة غريبة، كأنما يمارس طقسًا تعبديًا لإثم غير مألوف .. الإثم الذي لا توجد فضيلة تناقضه .. بعدما انتهى من الكلمة الأخيرة؛ كانت الفراغات بين الكلمات والجُمل والفقرات هي الموطن الوحيد للصواب في روايته .. ما يبدو صمتًا خبيثًا داخل المتن الذي لم يتوقف بالنسبة له وبعد تعديلات وتغييرات استقصائية عديدة عن أن يكون وكرًا للأخطاء .. كان ذلك سببًا في مضاعفة سعادته المنبعثة من اتجاه مضاد لمشيئته السابقة .. السعادة التي أبقت على عنوان الرواية كما هو بعد أن أصبح مُضاءً بنبرة ساخرة .. شعر حينئذ أن ظلالًا مباغتة آخذة في التوالد داخل روحه لم تتمثّل من قبل لموت أبيه.

موقع "صدى .. ذاكرة القصة المصرية" ـ 9 فبراير 2021

الثلاثاء، 9 فبراير 2021

سيرة الاختباء (24)

التسامح ليس سمة الأقوياء فقط

ولا الضعفاء فقط

وإنما الضجرين أيضًا

فاقدي الرغبة في تغذية رتابة العالم

بالانتقام.

والكسالى

المؤمنين بأن الاستلقاء فوق أريكة أغلب اليوم

أكثر ضرورة من الثأر.

والذين لا وقت لديهم لرد الأذى

حيث أعمارهم مشغولة دائمًا

في التلويح للغيب

بإصبع واحد.

كل كتابة ـ كأي شيء آخر ـ دافعها الغضب، وإن لم يكن ملموسًا لكاتبها .. الغضب الكامن في النقصان، أي في كل ما ينجم طوال الوقت عن تكوينك المناقض للألوهة .. ثمة من يعتبر أن تشريح الغضب ليس جوهرًا للكتابة فحسب، بل للحياة أيضًا.

أن تكتب انتقامًا موجهًا لأشخاص بعينهم فهذا حق لا يخضع للتفاوض .. لكن الأمر ـ مثلما كتبت في رسالة سابقة للصديقة الشاعرة مريم شريف ـ يتجاوز حتمًا تصفية حساب شاملة طال تأجيلها، أو انتظرت وقتًا كبيرًا للغاية حتى تتم في موعدها المناسب، وبالكيفية وحدها التي تلائمني كبصمة أو ما أطمع أن تكون كذلك .. دائمًا يتعلق الأمر بثأر يتخطى أشخاص بعينهم .. يتعلق بما يجسدونه .. بالعالم نفسه .. الموت .. أشباح السماء المتوارية داخل الأغوار الغامضة للذات .. الظلام القابض على ماوراء الوجود .. الصمت المبهم لحكمة الحياة الذي يحوم الخيال حول حصانته .. يتعلق الأمر بالألم كحتمية مطلقة، كقرار كوني ملغز ينبغي أن يكون له مصدر تتأمل المهانة روحها بواسطة غيابه.  

أن يدرك القارئ ـ والذي قد يكون أحد المستهدفين بالسخرية الانتقامية ـ هذا التجاوز فهو ما لا تُشغل الكتابة نفسها به .. ليس هناك تعمّد لتمرير ذلك الفهم بأن الثأر ليس شخصيًا كما يبدو .. تشكّل الكتابة كابوسها الخاص، أو دعابتها اللغوية وفقًا لما تمثله علاقتها بالعدم في تلك اللحظة دون حرص مستقل على ترك أدوات مساعدة يمكن لأحد استعمالها في تخطي "تصفية الحساب" .. إما أن تعثر أشلاء كينونتك على ذاكرة مختلفة لها في تلك الكلمات أو لا .. إما أن تتلصص على السر مستخدمًا بصيرتي أو تتسمّر وراء جدارك الشخصي مرددًا "إنه ينتقم فحسب".

لأنني ضجر، وكسول، ولا وقت لدي لرد الأذى؛ فإنني أكتب.

موقع "الكتابة" ـ 9 فبراير 2021