الأربعاء، 13 أبريل 2016

تاهوما أحمر بلون أصابع الموتى

إلى أبي أو ربما إلى كل الآباء، وهي أيضاً إلى الرب القابع على كرسي السلطة الاجتماعية والنفسية والأدبية، وإلى الرب ( الهاكر ) حتى ولو لم يكن له وجود إلا داخل أذهاننا، أو يتمثل وجوده في كثيرين من حولنا لكنه ( احتمال كان يعدّه الآخرون ويعدّ نفسه مستبعدا )، أو أنه الرب الهاكر المستلقي يستمتع بمتابعة مصائب الأخرين من خلال عيون المحيطين أو المتلصصين وحتى العابرين .
(الناس تريد مصائب وكوارث محددة وملموسة بوضوح - وأنت أعطيتهم هذا : قلب مريض .. زوجة ميتة .. ابن عاطل .. ابنة مجنونة .. صديق مدمن )
لكن من قد يرى ما بداخل هذا المستلقي وما بداخل العيون المتطلعة لفضائح ودماء الأخرين، وأرجلهم المتعطشة للعبث بقطعهم الملقاة فى عرض الطريق، وآذانهم المستمتعة بصوت طفولى غاضب يخرج من شباك لم يكتمل يوماً فعل انفتاحه على آخره، أو على مصراعيه ككلمة مملة .
إنهم منتبهو الحواس ويفعلون كل ذلك كى يشعروا بمدى قوتهم وبأنهم لايزالون بخير وأنهم أقوياء وأنه يجب شكرهم وإعطائهم ميداليات ذهبية من مركز الكون حيث انهم لم يصلوا لهذه المرحلة التى وصل لها آخرون ...
)
هل جربت الفرح برسالة الترحيب الآلية التى تظهر لك بعد تسجيلك فى منتدى أو عندما يرسل لك المنتدى رسالة تهنئة على الإيميل يوم عيد ميلادك ؟ .. حينما تكون فى أشد الحاجة للتحدث مع أحد وتتصل بصديق؛ هل لاحظت نبرة السخرية في صوت المرأة التي تخبرك بأن " الهاتف الذى طلبته ربما يكون مغلقاً، من فضلك حاول الاتصال فى وقت أخر " ؟) ستكون كاذباً لو قلت أنك لم تجرب هذا كله
لم تسعد يوماً باللعب بجمجمة ملقاة فى الطريق قبل أن تدحرجها حتى بالوعة المجاري المفتوحة، هل اختبرت شعور جمجمة تسبح في ماسورة صرف بعد أن لعب بها أحدهم ككرة غير عابيء لمن هي وحتى غير متسائل عن لمن هي و من فصلها ولماذا على الأقل .
مشكلة الكتابة عن رواية كهذه أنها على حجمها الصغير كبيرة مشحونة، وأنني لست بناقد أصلاً، أنا أتحدث عن ما يؤثر في أنا وعن ما يتلاقى معي أنا، وأظن أنه حتى هذه لا يسلم منها ناقد إلا لو كان كمدرس لغة عربية إلزامي بتعبير ممدوح رزق نفسه .
ولكن لو حاولت اللعب بذاكرتي بعد انتهائي من الرواية وحاولت تسجيل الكلمات التي لازالت عالقة بذهني بقوة فستكون هكذا بدون ترتيب مقصود ولكنني أظن أن تذكرها بعينها له معنى ما وأن الترتيب له بداخلي معنى، سأفتح صفحة الورد وسأسجل هذه الكلمات :
يانيس ريتسوس، وودى آلن، كيركيجور، مخدرات، مدمن، عاطل، مستبعد، منتدى إنترنت، شرم الشيخ، الغردقة، باريس، مصحات نفسية، جاز، عازف ترومبيت، فنانه تشكيلية، فلسفة، الكوميديا، دار نشر، مقويات، شيخوخة، رقيق، لن أغضب، نصوص، سلطة، مقاهى، هازيء، متوتر، استمناء، eggs، سبحة، هاكر، خيبة أمل، فضائح، مجنون، ة، نادي القتال ...
لا تنتهي الكلمات ولا الأسماء هذه عينة فقط، لكن يتلاقى معي بالطبع المكان؛ فالمنصورة حاضرة وبقوة فهي ليست مجرد موضع إقامة ولا أحداث حياة للكاتب بل هي مكوّن لا يريد أن ينفصل عن الكاتب ولا يريد الكاتب أن ينفصل عنه، إنه المكان يلح دوماً فهناك لقاء بالأب داخل جامع (السنجق) حيث الأب في مركز الكون يصلي بنسخة من نادي القتال، وحيث يدور بينهم حوار وكأنه صلاة متبادلة وليس كحوار عادي يدور بين شخصين،
وكوبري طلخا وكوبري الحديد ومنطقة النوادي هذا الشريط بين المعبرين حيث يتمنى الكاتب العبور لكن يعود مرة أخرى فقد كان يدور حول الهرب ولا يريد الهرب بالفعل، لقد كان يلعب بفكرة الهروب يقتل بها الوقت وستقتل هي بعد عبور الوقت، بل هي مقتولة قبل عبوره .
شارع العباسي وكشري عبده .. لن ينتهي العد لو حاولت التحدث عن ما يتلاقى معي، لكن لا أستطيع أن أتخطى لحظات جلوسه وحيداً على ترابيزة بجوار غرباء بداخل مطعم مشحون بالناس وحركة الأكل لكنه وحيد ولا يختلط بأحد هل لا يريد أو هل اعتاد أو هل يتحصن بما في داخله أم هل يتحصن من ( الخيانات المتنكرة )
أن تلتقي مشاعر لك ومواقف مع مشاعر ومواقف شخصية فى رواية أو مشاعر الراوى نفسه فليس معنى هذا أنه سرق حياتك بل قد يعني ببساطة أنه عاش ما عشته أو أجاد التعبير عن ما تلاقى معك .. ما الذى قد يكون غريبا في هذا ، أن تعيش مع الراوي ومع الرواية؛ فالراوي نفسه يتحدث عن التماثل مع بطل سينمائى بداخل فيلم، بعد أن يتجاوز مضطراً الضرورة التقليدية لوسامة البطل القارة في تصوره كما زج بها في وعيه ...
)
أحس فجأة أنه التجسيد الواقعي للبطل السينمائي في صورته المعروفة، والذي يحمل دائماً ملامح متجهمة، وينظر إلى أشياء العالم بعمق بينما يرتحل بمفرده فى فيلم ما (
تساؤله هل يجب - فى لحظة وجد فيها نفسه هو وأباه محرومان من تصديق كل شيء - أن يفعلا مثل ( فورست جامب ) .. هو يسير بجانب أبيه وكلاهما فى تعبيره - فى هذه اللحظة عاريين من الحقائق الصغيرة التي يحتاج أن يصدقها كل كائن ليحافظ على يقينه بوجود غاية غيبية كبرى وبالتالي يصدق أنه ليس غافلاً.
الأم المريضة والأخت المهمشة، نظرة للواقع بصورتين صورة حقيقية وصورة متخيلة ولن تعلم أي الصورتين حقيقة .. إبحث عن حقائقك وخيالاتك أنت .
الكتابة والهواجس الشخصية وما وضع بين قوسين كحديث من الراوي لنفسه وللمتلقي ولروائيين آخرين، وأنه ( على الروائي أن ) ؛ خطة طويلة وقد تكون ممارسات حياة الراوي نفسه وقد تكون أمنيات وقد تكون رسالة .
لا أظن أنه يمكن تقديم رواية كهذه من خلال محاولة عرضها لكن شكراً للمتعة التي يروجها ممدوح رزق، رغم أنه قد يبدو من العنوان وغلاف الرواية بلوحة سلفادور دالي أنها كئيبة بالكلية.
حسام شادي
مجلة المحلاج
5 / 1 / 2013 

فضح الموتي في رواية ممدوح رزق

"خلق الموتي" رواية للقاص والروائي ممدوح رزق صادرة ضمن سلسلة إبداع الحرية تحت إشراف الكاتب عبدالفتاح الجمل. هي رواية إشكالية بداية من العنوان نفسه من هم هؤلاء الموتي؟
ربما هي الشخصيات التي تشكل منها عالم القاص قبل أن يرحلوا، وربما هي شخصيات تحيا لكنها لا تعيش وهو يحاول بث الروح فيهم بالكتابة، فأحد تعريفات الكتابة "خلق شخصيات حية علي الورق" كما أن حضور الكتاب العالميين الذين استدعي فقرات وجملا لهم طوال العمل هم أيضا ضمن هؤلاء الموتي أو من يري أنهم موتي. كتب ممدوح رزق رواية علي غلاف العمل، في حين أن النص من وجهة نظري أقرب لروح القصة القصيرة منه إلي الرواية، أو بالأحري هو نص عابر للنوعية، فخيوط الحكاية صغيرة وقد تقطعت سريعا، بالإضافة إلي وجود مقاطع شعرية، وكتابة عن الكتابة والنقد، وحضور لشخص المؤلف، واستشهاد فقرات لكتاب عالميين في محاولة تجريبية لكسر الشكل التقليدي الروائي واستقطاب جميع أشكال الفنون من سينما، ومسرح، وشعر، وفلسفة ونقد. إذا كانت العولمة قد جعلت من العالم قرية صغيرة، فإنها جعلت أيضا من الفن جنسا أصغر علي نفس الدرجة من التداخل، والتسامح، فالشعر لا يعادي القصة، والقصة لا تعادي الفلسفة، والعكس صحيح.
قتل الأب
يصدر القاص النص بمقطع شعري للشاعر "ريتسوس" عن الحنين إلي الطفولة والبراءة الأولي، بما يعني شوق الكاتب لطفولته وماضيه الجميل، غير أننا نصطدم من الوهلة الأولي بسلطة الأب المتماهي مع الابن في مفارقة مدهشة، فالعادة أن يتماهي الابن مع الأب، بينما السلطة الأبوية العاجزة الفاشلة الخاوية هي التي تماهت في محاولة لمسخ ومحو شخصية الابن، ويبقي الصراع بين سلطة الأب والابن. القديم والجديد صراعا مفتوحا، يقوم السارد بفضح خواء وضعف الأب ويعري زيفه من خلال تلك الحيلة.
كسر التابو الديني
كل سلطة لدي البطل سلطة مرفوضة، سواء كانت أبوية أو دينية. الابن شخص وجودي يريد تحديد مصيره بنفسه، وبتجاربه وقناعاته الشخصية لا أن يكون ريشة تعبث بها يد القدر. إنه يريد أن يجري ويجري مثل بطل فيلم فورست جامب في إشارة إلي أن البطل الأمريكي حر، مغامر طموح في مقابل البطل العربي مأزوم بقيود الواقع، والمكبل بالسلطة الدينية والأبوية.
رافضا أيضا أن يكون الدين منحصرا في العبادات والفروض لا صلة له بملابسات ومشكلات الحياة، فالمصلون في النص منفصلون عن الواقع تماما، ومشغولون بأحداث رواية بوليسية أخرج جميع المصلين بمن فيهم أبي نسخة من نادي القتال ولأن الصلاة لم تكن في نيتي أو توقعي فلم يكن معي نسخة الأمر الذي جعلني أشارك أبي القراءة من نسخته. وقف الإمام وراح يقرأ ونحن نردد وراءه كيف أضطر تايلر لاستخدام الدهن المشفوط من أم مارلا في صنع الصابون للاستفادة من ثمنه في غسل الملابس ودفع الإيجار.
ثم يتطرق إلي شيوخ الفضائيات الذين بدلوا الدنيا بالآخرة، لا يتحدثون إلا عن عذاب القبر وأهوال النار ونعيم الجنة، فيشبه هذه الخطب بصرخاتها وتأوهاتها بأفلام الجنس. فهم يقومون بدور خطير يشغلون المجتمع بقضايا غيبية، وفرعية ويتركون جوهر الحياة الأساسي فالدين ليس حصنا أو ديرا أو مسجدا للهروب من الواقع بل سلاح للتعامل معه وللتغلب عليه.
التطهر
البوح والفضفضة ونشر آلام القاص علي حبال القارئ ليس قتلا للوقت بل فعل تطهر بامتياز هو يريد التخلص من حمولة الماضي الثقيل، ليعود نقيا ويقف من جديد في وجه العالم عن طريق الاعتراف، ويتساءل يريد أن يختبر في كل مرة هل الفضفضة تريح حقا أو علي الأقل تخفف أم لا.؟
يعرض القاص بانوراما من الحيل والتقنيات الفنية في النص منها:
-
تعدد الضمائر أو الالتفات البلاغي: يستخدم القاص ضمير المخاطب في حواره مع أبيه كأنه يريد أن يواجهه، وضمير المتكلم حين يسرد أحداثا عن نفسه كأنه يريد من القارئ أن يكون صديقا له أمينا علي أسراره، ويشاغبه باللعب معه بتغيير الضمائر.
-
المونولوج الداخلي: البطل يعاني من مرض نفسي، وبالتالي هو ملئ بالهواجس، والأفكار وصراعات داخلية تفور بها رأسه. كان طبيعيا أن تتداخل الحوارات، والمقاطع الشعرية والأحداث المختلفة اللا مترابطة في الظاهر بينما الرابط الوحيد بينها هو البطل المريض نحن أمام عوالم منفصلة في آن.
-
التغريب السردي: الكاتب ليس السارد المتعالي الواقع خارج النص، يحرك شخوصه وأحداثه دون أن يتورط في عملية الكتابة بل يقوم بنفسه داخل العمل، والقارئ يتابع النص وهو يتخلق أمامه للمشاركة في إكمال زاوية الرؤية والخروج بالنص برؤي مختلفة لا بصيغة واحدة.
مازن حلمي
مجلة (الثقافة الجديدة)
أغسطس 2012 

الأربعاء، 6 أبريل 2016

أصوات العمى

في مجموعته القصصية (مملكة الأصوات البعيدة) الصادرة مؤخراً عن دار (روافد) يضع (أحمد الزلوعي) الفرد في مواجهة انعزاله الخاص على نحو يجعل من هذه المواجهة عتبة أو ممراً مجازياً للاشتباك مع الذاكرة الشخصية .. هذا الاشتباك يتسع ليشمل التاريخ الكوني بوصفه تراكماً من الأزمنة الشبحية غير المحكومة، التي تقف وراء لحظة الوجود بينما تحاول اكتشاف هويتها .. ربما هناك محاولة ممتدة عبر قصص المجموعة للسيطرة على الماضي ليس كفضاء ملتبس من الأسباب والدوافع الغامضة التي تُشكل تجارب وخبرات العالم، بل باعتباره الوجه المدرك للغيب .. التفاصيل التي يمكن استعمالها ـ كغنيمة سردية مثلاً ـ في اكتشاف المبررات والتدابير القدرية المجهولة التي تحاصر الحياة .. هذا الاكتشاف يتعامل معه (أحمد الزلوعي) كهاجس للهيمنة .. استيعاب مروّض للظلام القابض على المعرفة .. كسعي للخلاص خارج موضوع الزمن انطلاقاً من شروطه .. يأخذ الأمر شكل الإنقاذ الروحي كما في قصة (طاقة القدر)، وأحيانا يتجلى في سمة الوهم القادم من الأحلام كما في قصة (الحلم السابع)، وأحياناً يستغرق في طبيعة أقرب إلى الفانتازيا الميلودرامية كما في قصة (مملكة الأصوات البعيدة) حيث يتحوّل (معتز عبد الهادي) إلى سجل كوني يدمج بين أصوات ذاكرته الخاصة، وأصوات الكائنات الأرضية في حضورها اللحظي والتاريخي المنتشر في الزمن:
(التقط صوته وهو طفل يلهو في مدخل العمارة مع أبناء الجيران، وصوت أبيه يناديه ليصعد وصوت أمه تدعوه إلى الطعام .. ثم بدأت آذانه تلتقط أصواتا غريبة تنطق بلغات غريبة .. تعرف منها على الألمانية والأسبانية والإنجليزية، وأخرى لا يعرفها خمن أن منها السنسكريتية والآرامية والسيريانية .. أصوات شتى لسحرة في جبال بعيدة، وفرسان في صحار نائية، وجرحى يلفظون أنفاسهم الأخيرة، وفقراء في أكواخ بالية).
هذا السجل ليس مجرد توثيق أو امتزاج بين الإشارات المسموعة والمتناثرة، بل يبدو كحيز دلالي من العناصر المتنافرة التي تريد العثور على صياغة صحيحة للتساؤلات القادرة على بلوغ الغاية القدرية الأبعد .. التوصل إلى التآلف أو التوافق المناسب بين هذه الاستفهامات التي تتجلى ظاهرياً في شكل معطيات نمطية لانتزاع ما يشبه الحكمة الغيبية التي تمنح لكل صوت من هذه الأصوات التحرر الجدير به.
هذا الانشغال بالقدر نجده أيضاً في قصة (انفجار إطار أمامي) وهو تأمل يخضع أيضاً لتكنيك (البانوراما) أي تجميع الحالات المختلفة في نطاق فوقي أو مشهد لازمني موحد، له القدرة على أن يكون رهاناً استثنائياً بإيحاءاته واستجواباته التي تتخطى حدوده الواضحة .. في هذه القصة ملامسة للعلاقة بين الغيب ولعبة تحديد المصائر التي تُرسم تلقائياً دون تعمّد ولكن كاستجابة عفوية لاحتمالات كان من الضروري أن تتحقق.
هناك نبرة ذاتية يمكن ملاحظتها أثناء مراقبة (الأصوات) وهي تحاول الاندماج عبر الزمن كأسلوب جمالي للتفكير في القدر .. قراءة أسراره .. الفهم ومقاومة العمى بطريقة ما .. هذه النبرة تعطي ذلك الشعور بإدراك أن الغيب ـ رغم التعويض الروحاني ـ سيظل فكرة مغلقة .. أنه لن يمكن الاستقرار على هوية مُخلّصة للوجود، وأن الأسباب والدوافع التي تُشكل تجارب وخبرات العالم ستظل غامضة .. لنقرأ السطور الأخيرة من قصة (تجوال ليلي):
(تنبه إلى أن يسير بمحاذاة الجدران خشية المطر .. رمق السماء .. كان المطر قد هدأ وعاد رذاذا، والأرض قد شبعت وامتلأت عيونها بالرضا .. اندفع إلى وسط الطريق الغارق الذي لا يبالي بالرذاذ والبرد .. قرر التجوال في المدينة بلا هدف لكنه كان يشعر مسبقاً أنه بالصدفة سيجد نفسه أمام بيته).
إذا كان هذا التجوال الذي مهما تشتت سيصل إلى نفس النقطة التي يواجه فيها الفرد انعزاله الخاص، إذا كان هذا التجوال هو التجسيد الأعنف لما يمكن أن تعنيه المبررات والتدابير القدرية المجهولة التي تحاصر الحياة؛ فإن المتجول في هذه القصة يمثل وجهاً آخرً من (ابراهيم المغربي) في قصة (طاقة القدر) الذي عاش في رؤيا الملائكة والنور والأنبياء والبحار التي تعج بالحور، والطيور التي تغني على بوابات السماء .. يقف (أحمد الزلوعي) بين كافة الأوجه الممكنة للكائنات التي تترك أصواتها كعلامات لمواجهاتها غير المتكافئة مع القدر .. إذا لم يكن للتفاوض ـ قصصياً ـ مع الغيب، فعلى الأقل لإعادة كتابة الماضي .. أي لخلق العالم.

الاثنين، 4 أبريل 2016

دفتر النائم : يقظة القص الأوديبي

يستدعي "دفتر النائم" وهو عنوان المجموعة القصصية الجديدة لشريف صالح، الصادرة عن قطاع الثقافة بأخبار اليوم، يستدعي تصوراً عن سجلٍ ما مخصص لتوثيق تجارب الخاضع للنوم، ولكن ما تؤكده قصص المجموعة أن هذا الدفتر هو في حقيقته فضاء مراوغ، تغيب الفواصل القاطعة بين التدوينات التي تبدو ظاهرياً كحالات مستقلة تتوالي داخل صفحاته.. هذا الفضاء ليس محدداً أيضاً ببداية ونهاية، حيث تتشابك علاقاته في مسارات غير محكومة، دون الالتزام بركائز أو غايات مستقرة تُعطل حركة الاحتمالات التأويلية المفتوحة علي التبادل والتحوّل والتناسخ؛ أي علي اللعب الكاشف طوال الوقت عن جموحه الخاص.. ماذا عن النوم؟ إنه لا يحمل تلك الطبيعة التقليدية كموطن مُقفل للأحلام، بل يصبح ممراً لتحويل جسد النائم إلي أطياف لازمنية، تتنقل فوق الحواف العالقة بين العالم والمطلق.. هذه التنقلات لا تقتصر ضرورتها علي مراقبة الذات لتاريخها، ولوجودها كجزء من خبرة كونية أكثر غموضاً بواسطة رؤية يصوغها خيال غرائبي ناجم عن تداخل الواقع والحلم فحسب.. تعطي هذه التنقلات كذلك القدرة للجسد علي الاستعمال الرمزي لهويته الأوديبية المقموعة في إعادة خلق التاريخ الذي تراقبه الذات، وتعديل الوجود داخل الحيز الغائم للنوم، وإعطائه سردياً خواص اليقظة.
تبدأ قصة "رحلة النهار والليل" بهذه الفقرة:
(
خرجنا مع بزوغ الشمس أنا وأمي وأبي. لا نحمل أي شيء في أيدينا. سرنا في طريق ترابي ممتد، علي جانبيه صف نخيل قصير إلي درجة أن السباطة المثقلة بالبلح كانت في متناول يدي تقريباً).
إن فعل الخروج مع بزوغ الشمس عند مقارنته بعنوان القصة "رحلة النهار والليل" يدعم فكرة الحركة التي تؤسس لطقس ترتبط بدايته بالبداية الزمنية لليوم الذي يتكرر، أي أنه نظام يتجاوز الأداء البشري ليصبح امتثالاً لوعي مرهون بقانون خارج الوجود.. التعاقب لا يجعل من الخروج مع بزوغ الشمس ممارسة مشروطة بالبداية المعتادة لليوم إذن بل تكليف يخص بداية الحياة ذاتها بينما تعاود الحدوث دون توقف.. الرحلة بهذا الشكل تتخذ سمة فوق طبيعية، كأنها سلسلة من المشاهد التي تسعي وراء التحوّل إلي معجزة محمية بحقيقة أشمل.. يمنع الأب طفله من أخذ بلحة قائلاً له "لما يحمر" في حين كانت أمه صامتة وتداري وجهها عنه.. تتحالف (القوة) مع (المعرفة) في سلطة الأب الذي يشد الابن من ذراعه، ثم يحدد له متي يمكنه أن يحصل علي الشيء الذي يريده.. تجسيد المجاز الأبوي الذي يتخطي امتلاك القضيب، وهو ما يجعل الأم في المقابل تخفي وجهها عن الابن الذي غادر مرحلة التصور النرجسي لقدرته علي منحها الاكتفاء إلي الكبت الأساسي الذي يدرك معه أنه لا يقدر علي استكمال موضوع نقصانها، ووضع حد لاحتياجها إلي قضيب الأب.. حتي حينما أخذته الأم في صدرها بعدما عنفه الأب بشدة، ولكزه في صدره بعدما نسي أخذ باقي الفلوس التي اشتري بها كرة ـ ينبغي هنا مقارنة الكرة بثدي الأم ـ استمرت في عدم النظر إلي وجهه.. كأنها تجبره علي تصديق أنه موضوع مستقل عنها (مرحلة المرآة عند "جاك لاكان") أي إنهاء علاقته الثنائية الاندماجية بها (العبور من الخيالي إلي الرمزي) حينما لم يكن هناك رمزاً مبتوراً عن (الأنا).. يري الطفل أمه طوال الوقت تحت تهديد المحو الذكوري من قِبل أبيه.. تُمهد لإخفائها الكامل الذي سيحدث بالفعل.. الغياب هنا يُساوي بين الإقصاء والموت، ولكنني لا أستبعد أيضاً فرضية أن الطفل هو الذي قرر محو أمه من الحلم كحل انتقامي أخير بعدما أيقن عجزه عن الاستئثار بها في مواجهة الخوف من أبيه.. يترك الطفل الكرة (الثدي) لتنزلق خلسة من يده وهو يكتم دموعه أثناء مواصلة السير كأنما يصحح خطأً علي نحو يبدو غير متعمّد.. اللكزة العنيفة (عقدة الخصاء) كانت دافعاً لمحاولة التماهي مع الأب، أي سعي العضو الصغير لأن يتوحد بالعضو الكبير، القادر علي استعادة الأم رمزياً "رآني أبي أتلفت حولي فأخبرني أن أمي قالت إنها ستلحق بنا عند النهر".
إن ما يدعم فكرة أن الرحلة هي مسيرة الحياة التي تتكرر ملاحظة الطفل لتأثير الزمن علي الأب: "كنت أري جسده يزداد انحناء، وشعره يبيض ويتساقط إلي أن وقفنا أخيراً علي حافة النهر".. هل يمكن أن يكون النهر هو المرآة التي يتعرّف الطفل بواسطتها ـ عند النظر إليه وقبل الهبوط في الماء ـ علي حتمية استقلاله بعيداً عن أمه التي اختفت؟.. نزل الطفل والأب في النهر كما أن أناساً كثيرين نزلوا ليستحموا ثم ذهبوا.. إننا إزاء حالة تشبه التعميد، وهو ما يقودنا للتساؤل عن ما يمثله النهر.. ربما كان الماء الذي هبط الطفل إليه مع الأب هو المجاز الكلي كجوهر حاكم للوجود، الذي لابد من الاستمرار إلي ما لانهاية في المجيء والغوص بداخله من أجل التطهر وتأكيد الطاعة ومخاطبة الخلاص.. المجاز الذي يُرسخ (رمزية العالم) التي أصبح الطفل عنصراً مروضاً من هيمنتها.. يري الطفل بعد اختفاء الشمس رجلاً يمر علي الشاطيء ويحمل مصباحاً في يده: "أحسست بالاطمئنان لضوء المصباح واهتزازه وانعكاسه علي سطح النهر. كلما ابتعد الضوء عنا كان قلبي ينقبض، ويزداد انقباضاً مع عتمة وسكون الماء".
إذا كان النهر هو المجاز الكلي  الذي لا قاع له ـ فبالتالي لن يكون ضوء المصباح سوي المطلق الذي يبتغي السابحون في النهر الوصول إليه.. الغيب الواعد الذي خلقه المجاز، والذي يمنح الاطمئنان باقترابه، والانقباض بابتعاده.. من يحمل المصباح / الوهم إذن؟.. لاشيء سوي الغموض الذي لا يمكن للسابحين في النهر انتهاك عتمته بينما يغرقون تباعاً مثلما اختفي الأب تاركاً الطفل وهو يصرخ عليه داخل الماء.
إن الأم التي اختفت في قصة "النهار والليل" هي الفتاة التي أحبها الراوي المتقمص لشخصية (القطار) في قصة (توووووت) والتي وصلت متأخرة دقيقة واحدة إلي المحطة التي اتفقا عليها بعد أن غادرها، حيث يتمني الراوي / القطار أن تكون الفتاة مازالت جالسة في مكانها المعتاد تحت شجرة سرو تنتظر مروره في زمن آخر.. نلاحظ في هذه القصة أنه من ضمن الأشياء التي طارت بسبب السرعة الفائقة واندفاع الهواء عبر النوافذ الدفتر الذي كان يُسجل فيه أحلامه.. هنا ينبغي استعادة ما كتبته سابقاً عن حقيقة الدفتر بأنه فضاء مراوغ، وليس مجرد سجل محدد ببداية ونهاية، كما أنه مفتوح طوال الوقت علي اللعب الكاشف عن جموحه الخاص.
يتم استرجاع الأم أيضاً في قصة "كوخ ست الحسن" حيث الفتاة التي تعطيه الماء لري النبتة حتي يصيبها التعب ويشيب شعره.
"
تطلعت من كوة الكوخ.. إلي الخارج.. فرأيت نفسي شاباً قادماً من بعيد".
هذه الاستعادة تقترن بأدائين متلازمين.. الأول هو جعل الزمن يتخذ نسقه المضاد بحيث يعود من (الشيب) إلي (الشباب)، والثاني هو جعل الشيب عتبة للشباب كتواصل غير منقطع في مقابل النبتة التي لم تزهر.. كأننا نتوقع أن الفتاة (الأم في شبابها مثلاً)، والتي تقدمت في العمر ـ منطقياً ـ مثل الشاب ستري نفسها ـ من مكان رقادها المتعب علي السرير ـ وهي تملأ الإبريق ـ كفتاة صغيرة ـ للشاب الذي عاد للظهور.. إنني أتصور أن الزهرة التي لم تنبت هي اللقاء الذي لم ينجح في الحدوث بين الابن وأمه.. اللقاء المحرّم الذي يستمر الزمن في الدوران دون تحقيقه.
لعل أكثر حالات الاسترجاع الأمومي سطوعاً هي تلك التي جاءت في قصة "قصر الأموات".. الراوي كعضو في فوج سياحي يشاهد داخل البهو الرئيسي لوحة زيتية عملاقة لصورة برنسيسة شاحبة وحزينة، كانت تضع يدها علي خدها.. ينتبه إلي فقده الزر الأوسط من الجاكت الذي أهدته له أمه في عيد ميلاده فيعود للبحث عنه في ردهات القصر:
"
رأيت البرنسيسة الشاحبة تغادر لوحتها الزيتية وتسير أمامي. وبألفة وبساطة مدت يدها الناعمة والتقطت لي الزر من جوار مزهرية عليها نقوش صينية. ثم التفتت نحوي وابتسمت. وقفت مذهولاً وهي تقترب مني. خلعت الجاكت عني وبدأت في رتق الزر وهي واقفة أمامي. كانت تحرك أصابعها الرقيقة كخياطة متمرسة، قبل أن تجذب الخيط بجانب فمها وتقطعه. بالألفة ذاتها التي نلتقط بها صورنا التذكارية في القصور العتيقة، ساعدتني البرنسيسة الحزينة في ارتداء الجاكت وناولتني برتقالة. ثم ابتسمت لي للمرة الأخيرة قبل أن تعود إلي اللوحة التي كانت تحمل توقيع الرسام الإيطالي فرانشيسكو هايز. ولا أدري لماذا ظللت أردد اسم فرانشيسكو هايز في سري".
هذا التناسخ الذي جعل الأم تتجسّد في شخصية البرنسيسة المرسومة في اللوحة جعل الراوي بالضرورة يتجسّد في شخصية الرسام الذي ظل يردد اسمه.. حينما كان الراوي يتساءل قبل لحظة فقده لزر الجاكت عن من سيفكر في سبب حزن البرنسيسة أو حتي في مصير الرسام الذي أفني الليالي في رسم ملامحها قبل أكثر من تسعين عاماً؛ هذا التساؤل كان يتعلق بأم الراوي أكثر مما كان يتعلق بالبرنسيسة، وهو ما دفعه لخلق هذا التوحد بينهما، ويحوّل البرنسيسة إلي أمه التي ترتق له زر الجاكت الذي أهدته له في عيد ميلاده.. إنه بهذه الكيفية يصبح هو الرسام الذي يعرف سبب حزن الأم، وهو بالتالي الذي تولي توثيق هذا الحزن بواسطة الرسم.. الحزن الذي لن يعرف أحد شيئاً عن حقيقته.. اللوحة هي تعويض فني إذن بواسطة الخطوط والألوان عن الاتصال الذي لم يتوفر بين جسديهما.. بين البرنسيسة والرسام، وبين الراوي وأمه.. الأم التي سيعتذر لها الأب في صورة الممثل الكهل بقصة "حفلة عربية" بعد أن تحوّلت إلي فتاة داخل مشهد من فيلم لـ (شكسبير)، وهي القصة التي سبقت في ترتيب قصص المجموعة قصة (ابتسامة بوذا) التي يضرب فيها الأب أم الراوي في غرفة مغلقة حيث يقرر الابن قتل أبيه، ثم يطلب من (بوذا) أن يُبقي علي أبيه في هيئة (الجولوم سميجل) / بطل فيلم (سيد الخواتم) إلي الأبد، وأن يساعد أمه (سنو وايت) في العثور علي السعادة مع الأقزام السبعة.
في قصة "قطعان الليل الهائمة" تمثل المرأة البنية الصورة الأنثوية من الأب مدموجاً بالمطلق أو بالغموض الغيبي.. تسوق المرأة البنية قطعان الليل الهائمة وكأنهم هؤلاء الذين كانوا يسبحون في النهر في قصة (رحلة النهار والليل) أي أولئك الغارقين في المجاز.
"
كنت خائفاً وضعيفاً حين اشتهيت تناسق ساقيها وهي تدنو مني.. كأنها تقرأني. تقرأ كل رغبة آثمة في أعماقي".
هذا الشعور بالذنب الذي يقف وراء توصيف الرغبات بالإثم هل هو راجع إلي التبديل الذي قام به الراوي بجعل أبيه (صاحب القوة والمعرفة) امرأة يلتصق بها في ممارسة جسدية تُسفر عن عشرات النسخ البنية المتكاثرة حوله؟.. تسأله المرأة البنية: "ألن تقود قطيعك؟".. كأن هذا التساؤل هو انعكاس لرغبته التي تحققت بشكل أو بآخر في التماهي مع المطلق، وهو ما يتخطي امتلاك سلطة الأبوة  وإخضاعها.. هل كانت هذه الممارسة ترويضاً في اللاوعي للنسخة الموحدة التي يتطابق في داخلها الأب والمطلق عن طريق الاتصال الحسي؟.. ما هي العلامة التي يمكنها إثبات أن المرأة البنية تمثل نسخة أنثوية من الأب؟.. إنها الأفعي الرمز الفرويدي للقضيب، والتي انتبه الراوي إلي وجودها في هيئة وشم بين ثديي المرأة البنية.. هل أعاد الطفل أمه من الخفاء ككائن يمزج بين المجاز الأبوي والمطلق في فضاء غير مهدد يتيح له مضاجعتها الأمر الذي يعطي مبرراً إضافياً للشعور بالإثم؟
"
قبل أن أجيب، أعطتني ظهرها وانقلبت إلي عنكبوت عملاقة راحت تتسلق جدار محطة الباص".
الموت هو العقاب الذي رآه الراوي منطقياً في حلمه أمام إدراكه للذنب.. القتل الذي تُنهي به أنثي العنكبوت (المتنكرة في صورة المرأة البنية) حياة الذكر بعد مجامعتها.. غريزة الموت التي تدفع الطفل للحاق بأمه وأبيه إلي المحو.
أخبار الأدب
2 / 4 / 2016

الاثنين، 21 مارس 2016

النقد الإيروتيكي

سأقتبس الآن فقرة من مقال سابق لي بعنوان (من الشعر إلى الواقع): (لكن الواقع يرتفع فوق حتمية الحدوث الفعلي؛ فالأكاذيب تساهم في إنتاج الحقيقة بضرورة مساوية لما تنجزه التجارب المدركة .. الإشارات التوثيقية هي آثار تتخطى الصدق والادعاء، فتظهر كمقاطع من مذكرات خاصة لحياة أُعيد تشكيلها على نحو لا يُراد التشكيك في صوابه .. من هنا يبدو الوجود كأنه غنائم من الخبرات المتصارعة التي يتم تمريرها داخل الشعر ثم إعادتها إلى العالم كحضور مغاير، طبيعة مختلفة، لكنها مؤكدة باعتبارها احتمالات لها صفة البداهة، أي تستعير إلزام الظواهر والمشاهد الملموسة).
وصفت (مها الجويني) نصها بأنه (بورتريه مستقبلي تخييلي)، وأنا لا يعنيني كيفية تصور المستقبل أو مساحة الخيال في النص لأن هذا البورتريه أصبح هو الواقع الذي أمتلكه عن (مها الجويني) .. الحقيقة التي تتجاوز الاستفهام حول إذا ما كانت أحداث النص قد وقعت جميعها بالفعل أو بعض منها أو لم تقع على الإطلاق، وإذا كانت هذه الأحداث في طريقها للوجود (مستقبلاً) سواء بكاملها أو بكثير أو قليل منها أو لن توجد أبداً .. لقد وقعت ـ بالنسبة لي ـ جميع أحداث هذا النص فعلاً بمجرد كتابته، أي بمجرد أن شكّلتها (مها الجويني) لذا أصبحت هي الحقيقة التي تعلو فوق الانشغال بمدى الصدق والزيف في متنها .. إن (مازال مقتنعا بأنه أول من افتضها) هو النص الذي لا يوجد شيء خارجه بحسب (جاك دريدا)، أي أنه الوجود الخاص بـ (مها الجويني) الذي يتجاوز حدوده الكتابية المعلنة ليشمل حياتها بأكملها، حتى التفاصيل التي بدا أنه لم يتضمنها .. لقد تعاملت مع هذا النص كأثر شخصي مدعوم بالتأكيدات المعرفية التي يمكن الحصول عليها من الأدلة المتاحة على الإنترنت عن (مها الجويني)، والتي تتطابق بشكل ما مع (المعلومات) الواردة في النص .. هذه الممارسة النقدية ستقودني إلى متعة حسية تتأسس على العلاقات الجمالية بين (الكتابة) و(الصورة) و(التناص)، والتي ستُخلق بالتالي على إثرها علاقات شبقية لانهائية، تتخطى الارتباطات التمهيدية التي تجمع النص الأدبي والفوتوغرافيا الشخصية والتفاعلات المشيّدة مع نصوص كتابية وبصرية أخرى .. هل يعيد النقد الإيروتيكي ـ بهذه الطريقة ـ تعريف النص الإيروتيكي؟ .. هذا مؤكد، ولكن ينبغي أن أكون أكثر دقة وأقول أن النقد الإيروتيكي سيحوّل تعريف النص الإيروتيكي إلى احتمالات لا يمكن تأطيرها، تزاوج بين الفني والشخصي والتاريخي حيث لا يمكن تعطيل (إعادة الكتابة) عند ذات معيّنة في لعبة التداول والإرجاء وتغييب المعنى.
من كتاب "النقد الإيروتيكي / مدخل تطبيقي لمنهج جديد" ـ يصدر قريباً.
الصورة: (نادية عبد الواحد بعدسة فان ليو).

السبت، 12 مارس 2016

صانع الساعات المُبصر

هناك استفادات عدة حققتها رواية (شواش) لـ (أحمد سمير سعد) الصادرة عن دار (ميريت) 2016 من التوظيف السردي لنظرية الفوضى، وكذلك لفكرة (الشواش) في العهد القديم .. ربما يمكن تحديد الاستفادة الأولى في إضاءة الصراع بين الترصّد الرقمي للعالم بوصفه طريدة رياضاتية يمكن الإمساك بطيشها وتوقّع مساراته، وتشريح الوجود ـ كطبيعة حية غير مضمونة ـ من خلال محاولة تفسير المشاهد المتشابكة، اللامنطقية بالرجوع إلى أصولها المحتملة .. هذا الرجوع ربما يقود إلى اكتشاف التغيرات ـ التي قد تكون ضئيلة ـ المؤدية إلى آثار مباغتة، ومتصاعدة التأثير بشكل متسلسل داخل ما يمكن أن يُعتبر نظام ما، أو ما يُسمى بـ (تأثير الفراشة).
(لا أحد أدرك تلك الحالة التي يكون فيها العالم على شفا الانزلاق، لحظة مفتوحة على كل احتمال، لحظة تستحيل فيها تيارات الحمل العادية في الماء الساخن إلى دوامات وفقاعات وغليان وانفجار وكأنها بلا سبب أو نظام أو نمط، لحظة حساسة جدا لكل مدخل، لحظة رياضاتية بامتياز).
(حتى وإن سلّمت وأقنعت نفسي أنه تكفيني المعطيات البشرية والأرقام غير الدقيقة تماما، أعرف أنه مع استمرار التعويض في المعادلات بذلك المستوى من الأخطاء والتقريب، والذي لا أملك فكاكا منه، سيزيد الانحراف وتتباعد النتائج وتقل الدقة، بإمكاني فقط إحكام التنبؤ لأيام، ربما لشهور قليلة، من أدراك أنك حتى تملك دقة البشر؟!، ما الذي تعرفه عن هذه المجتمعات حتى تأتي بنتائج دقيقة؟!، كل نشاط بشري ولو ضئيل كفيل بتغيير كل النتائج).
الاستفادة الثانية ربما تكمن في التعرّف على هزائم الراصد، الذي يحاول التفسير والاكتشاف والتنبؤ عند الرغبة في تحويله إلى صورة أرضية للإله أو إلى إله بشري / نصف إله، يختبر الخيبة الناجمة عن استعارة الطبيعة المتعالية، اللامبالية للإله الكوني، غير المتورط في الخبرة الإنسانية، والقادر على السيطرة على (الشواش)، أي إعادة خلق الكون بالإتيان به من الشر والظلمة إلى البركة والنور مثلما جاء في سفر التكوين.
(كإلهٍ ملّ العالم، أنظر إلى كل شيء في غير اعتناء وبترفع العارفين، أو لعله يأسهم، أبشر بالنهاية وأحتفظ بالبشرى لنفسي، أهون من أن أتحدث إليهم وأوهن من أن أخبرهم).
(تجاربي صفر، شقي بحدودها الضيقة، لست ذلك المتحرك، المقدم، المخترق، الجريء، الكلمات جامدة على شفتي، ربما لا تتكون بالأساس، عاجز عن التلاعب بها والتعبير عنها).
(أرقامي لا تعني شيئًا، لا تعني إلا ذاتها، ليس بمقدوري أن أصير إلهًا أو حتى جنيًا يتقن التصنت على السماء، ليأتي بخبر الغد اليقين، كل ما أفعله هباء، عبثٌ كامل كحياتي).
يمكن تحليل الاستفادة الثالثة لهذا التوظيف السردي باعتبارها نتيجة ناشئة عن اندماج الاستفادتين السابقتين؛ إذ أدى هذا التزاوج إلى وقوع ما يُمكن تسميته بـ (الكوارث المتواصلة عند حافة النهاية) في مستوى غائم من الإدراك .. نطاق ضبابي يرتفع فوق إمكانية التعيين الحاسم: هل تنتمي تفاصيل هذا الجحيم إلى الواقع الموضوعي لزمن السرد حيث تُشكّل هذه التفاصيل المُفضية بتلاحقها المحموم نحو الفناء حقيقة ملموسة ومشتركة بين كافة شخصيات هذا الواقع، أم أن هذا الجحيم يتم كتصورات تنبؤية لها صفة البداهة، وتتمسك بحتميتها في وعي السارد / نصف الإله دون أن تتجسد خارجه، أم أن هذا السارد يرى ـ ببصيرة لازمنية ـ المشاهد المخبوءة (التي تمثّل الحقائق الكارثية) في الظلام المحيط بما يحصل فعلاً، الذي لا يطفو سوى سطحه الأقل عنفاً، ولا يرى الآخرون غير قشوره المضللة .. هل شخصيات هذا الواقع هي أجساد وأرواح مغايرة، ومستقلة فعلياً، أم أنها تمظهرات مرآوية متوهمة لشخصية السارد، ويتمثّل في بعضها الخصائص التي حُرم من امتلاكها.
(محمود نصار وبوحي منه أدرك أنه بصق على العالم بصقته الأخيرة، امتلك كل الشجاعة وتحدى ونفذ، لا يُبقي على حياة لا تستحق، استطاع أن يتخلى عن الابن، عن ميري، عن الخوف والرهبة وبجرأة بلا مثيل، ارتمى على ظهره وأخذ يضحك ويقهقه على العالم).
هذا المستوى الغائم للأحداث التي تبدو كتداخل من الاحتمالات المعرفية، والمقترن بتفحّص الذاكرة ليس مجرد إطار جمالي لتوثيق الفوضى، أو مُعادل انعكاسي للطيش الرقمي، بل على نحو أعمق هو اختراع للـ (شواش) بكيفية ذاتية .. إعادة خلقه، أي تنظيمه كما يليق بإله أو بنصف إله يسعى وراء اكتمال ألوهيته .. تتبع شخصي لفوضى العالم عبر خطوط انتقائية تتخذ ظاهرياً سمة التنقّل العشوائي .. لكن هذا التتبع ليس للأمام كما قد يبدو للوهلة الأولى .. لا يتقدّم السرد نحو النهاية أو الفناء بل على العكس، فوراء ما يبدو اقتراباً تدريجياً نحو الموت هناك رجوع قهري داخل الماضي ـ وهو ما يُعد المتن الأصلي للرواية ـ هذا الماضي ليس بداية تاريخ عالم الرياضيات وحسب، وإنما كافة البدايات الممكنة .. بداية التاريخ الكوني الذي يُمثّل تاريخ عالم الرياضيات جزءً من فوضاه، وبالتالي يحتوي ـ كموت هائل ـ  على موته الخاص.   
(الانهيارات الأرضية تزحف، اصطدام عربات المترو، سقوط شبكة الكهرباء بالكامل، تصدعات الكباري، انطباق الأنفاق، أخبار عن شقوق بمبنى السد العالي، زحف البحر، الانفجارات التي صارت كزقزقة العصافير أمام كل نافذة وأعلى كل شجرة وتحت كل مقعد عام وعلى كابلات التليفونات وفي كل منور، القتل اليومي بلا ضغينة والنهب والسرقة بلا نية وإفلاس البورصة والبنوك المقفرة كقبور، البشر الساعون كموتى بلا روح أو حياة؛ ينتظرون موتًا، قد يأتيهم عن يمينهم أو يسارهم بغتةً، أو بسكرات موجعة وصرخات مفزعة ملتاعة يغتالهم من أسفل أو يحوّم حولهم ثم يصرعهم ويخطفهم من أعلى).
يروق لي إجراء مقارنة بين فقرتين في الرواية ـ تتشابهان مع فقرات أخرى تحمل نفس المعطيات بصيغ مختلفة ـ ربما ستفضح ما أراه مواجهة مع مدلولات استفهامية جوهرية داخل النص .. الفقرة الأولى:
(كانت الطامة والهزة التي هيجت الدم في عروقي أن أعرف أن هناك من سخر من إله نيوتن ومعادلاته، وصفوا ربه الذي يتدخل ليعدّل من حركة الكواكب ويحفظ النظام بدفعات رقيقة من يده، وصفوه بأنه صانع ساعات أعمى، عاجز عن أن يجعل من الكون عالمًا منتظمًا بلا تدخل منه .. الكفرة لا يخلب عقولهم شيء وقد ضرب الله عليها غشاوة، متى كانت الساعة منتظمة دون تدخل منه ادعوا عدم وجوده أو موته أو تخليه عن العالم، ومتى تدخل، ادعوا عجزه عن خلق نظام لا يحتاج إليه).
الفقرة الثانية:
(أجلس إلى حاسوبي بالساعات، ظهري مصلوب، عيناي ملتهبتان، الوخزات بكل جسمي، أحاول أن أقرأ العالم، أستقرىء مستقبلي، أحمل البشارة أو أكتمها كنبي مقطوع اللسان أو رسول نغزه الشيطان فكفر).
هل نحن إزاء نوع من التحوّل الفكري أو الإنقلاب العقائدي للسارد أدى إليه الفشل في أن يكون صورة للإله؟ .. في أن يكون بديلاً له بعد التأكّد من غيابه؟ .. هل هناك فراغ كوني تم اكتشاف انفتاحه على هواجس غامضة لا يمكن حسمها، أخذت محل الاستقرار الإيماني، وبالتالي أفرز ـ منطقياً ـ شكلاً من المراجعة أو المحاكمة التي تعمل بنفس طريقة السرطان؟ .. هل كانت صفات الإله التي حاول السارد تقمّصها مكونات لقناع صلب يريد إخفاء عذابات هذا التحوّل أو ترويضها؟.
(ساعتها ترى كل شيء ممكن، لا يصدمك شيء وإن ارتجف جسدي البشري ولم يتحمل، ارتعد وخاف ودهش ولم يفهم وتألم وبكى وانتحب .. كل غريب يغدو منطقيا تحركه طاقة الاحتمال).

ربما كانت رواية (شواش) نموذجاً لكتابة الغضب التي تقف وراءها دوافع الثأر من اليقين مهما كان .. الثأر من خيانته .. من توسّل العثور على صانع الساعات .. إيجاده ولو ككيان بشري .. خلقه ببصر غير مفقود .. من الفوضى المتمادية التي لا يتدخل أحد ـ أي أحد ـ لإيقافها، أو لجعلها شيئاً قابلاً للتوقع، وبالضرورة متاحاً للفهم.

الاثنين، 7 مارس 2016

معبد أنامل الحرير‮:‬ إخفاء المؤلف‮..‬ قناع الموت

لا يتحدد المنجز السردي لرواية "معبد أنامل الحرير"، الصادرة عن منشورات ضفاف والاختلاف، في إطار الألعاب الكتابية التي شيدها إبراهيم فرغلي، بقدر ما يقوم هذا المنجز علي الفرص الغنية التي قدمتها هذه الألعاب للقاريء كي يمتلك حرية غير مروّضة في تأويل الرواية، والتي يمكن أن تتمادي إلي درجة الطيش اللازم لهدم أي منطق مفترض لها.
نحن أمام مخطوطة لرواية بعنوان "المتكتم" تحكي (حياة) كاتبها المختفي رشيد الجوهري بالتزامن مع قراءة صديقه (قاسم) لصفحاتها.. كيف تتحدث المخطوطة؟ رشيد الجوهري يتكلم بواسطة مخطوطته (وهو ما يُفسر حيازتها للأبعاد والصفات الإنسانية) التي تتجاوز حدودها الخطية لتسرد (الحياة الكاملة) كأنها تحقق مقولة جاك دريدا: (لا شيء خارج النص)، أي أن الوجود هو نص، ولا شيء خارج الوجود؛ لذا فالمخطوطة ليست مجرد انعكاس جمالي، جزئي لحياة كاتبها، وإنما تحتوي  ضمنياً ـ تفاصيل ذاكرته كلها، وهي الطريقة الوحيدة التي ينبغي التعرّف علي سيرة الكاتب من خلالها، حتي تلك المشاهد والأزمنة الشخصية التي يبدو أن الكتابة لم تتضمنها .. رواية رشيد الجوهري هي ذاته الحقيقية بالضرورة، التي تجعل من ذاته الأخري التي كانت تتحرك في العالم نسخة زائفة منها، أو الصورة الملوثة التي لا يجب أن تكون جديرة بالاعتبار مقابل (أصله) الكتابي .. رشيد الجوهري لم يختف إذن بالمعني الحرفي للاختفاء، وإنما حدث هذا التوحد بين كينونته والكتابة الأمر الذي أدي إلي تغييبه كجسد، وتحوّله إلي نص.. رشيد الجوهري الذي يتحدث بواسطة (المتكتم) ليس بالتالي رشيد الجوهري الذي كان قبل كتابة الرواية.. لقد صار خيالاً منذوراً لكافة الاحتمالات.. أصبحت سيرته متاحة للمراوغة والادعاء وإعادة الخلق وهذا عمل الرواية الذي يقودنا لسؤال آخر: هذه المخطوطة تخاطب من؟ إنها تخاطبني أنا، رشيد الجوهري يتحدث إلي (القاريء) الذي يحصل علي معرفة تدريجية عن حياة واختفاء هذا الشخص  بواسطة مخطوطته.. لماذا يجب عليّ تصديقه؟ أو بالأحري ما الذي يمنعني من تخطي ثنائية الصدق والكذب فيما تسرده المخطوطة؟
"قد تقولون عني إنني أكذب، فمن أين لي أن أري وأنا مجرد رواية ملتبسة الهويّة، بين دفتر مكوّن من بضع أوراق وفكرة مكتوبة في أحشائي، لكن قولوا ما شئتم فربما أكون بمنطقكم عمياء، لكني في الحقيقة بصيرة حدسي ومعرفتي يمثلان جزءًا من حواسي التي أترجمها وفق ما يمكن أن تفهموه".
رشيد الجوهري  بعد تحوّله إلي كتابة ـ لم يعد يمتلك السيطرة علي المخطوطة ـ مع كل محاولة لتأويلها ـ أي أنه لم يعد يمتلك السيطرة علي حياته التي يُعاد خلقها، وهو ما يعد ربما طموحاً رئيسياً عند الكاتب.. هذا ما يقودني للتعامل مع الشرح التبريري لـ (اختفاء) الكاتب كـ (حجة إخفاء درامية) ـ بُنيت علي أساسها كافة الادعاءات الأخري كضياع المخطوطة، وإنقاذ الصديق لها، وما تبع ذلك من أحداث ـ أما الفرق بين (الاختفاء)، و(الإخفاء) فهو التعمّد.. لقد قصد رشيد الجوهري تغييب جسده (خيالياً) بواسطة ترتيب إيهامي للأحداث ليتمكن (كذات خطية تنوب عنه بوصفه حاضراً مستتراً فيها) من الدخول (ككائن كتابي غير مسيطر علي حدوده التفسيرية) في علاقة مع القاريء / صديقه (قاسم) عبر طقوس شبقية متعددة.. لنتأمل مثلاً كيف كان يتكرر أن تتحدث (المخطوطة) ـ للقاريء ـ عن مقطع من حياة (رشيد الجوهري) ثم يصبح هذا المقطع هو موضوع السرد الذي سيقرؤه الصديق (قاسم) من المخطوطة في اللحظة التالية بشكل يدعي  ظاهرياً ـ وقوعه عن طريق الصدفة .. نقرأ:
"ربما لهذا السبب اختار لبطل روايته ذلك الحلم الغريب؛ الذي يقود فيه شاحنة في طريق سريعة لا وجود لها إلا في خيال رشيد الجوهري. وربما أيضا لأنه كان يعبر في ذلك المشهد عن إحباطه الشخصي. انفتح باب الغرفة فانتبهت. دخل منقذي، وأغلق الباب. اقترب من الدُرج الذي وضعني به، وتناولني بين يديه متأملا غلافي: صفحة بيضاء عليها كلمة واحدة "المتكتم" ثم اتجه صوب الفراش الصغير في إحدي زوايا الغرفة الضيقة. تأملته، ببصيرتي، لأول مرة. بدا لي رياضياً قوي الجسد، وسيم الملامح، عيناه واسعتان تطلان علي العالم بنظرة متذاكية، أهمل حلاقة ذقنه وشاربه منذ أيام، شعره طويل أسود وكثيف، معقوص في ضفيرة تتدلي خلف رقبته وتتناثر بها شعيرات بيضاء كثيرة. ألقي بنفسه علي الفراش منهكاً، يحدق شارداً في السقف، بعد دقائق التقطني واعتدل جالساً، وفتح إحدي صفحاتي، ليقرأ من حيث انتهي: "استعدتها في الحلم. جاءت مندفعة، متدفقة بحيوية، متألقة باللون الأحمر كشهاب، متعملقة كماردة أسطورية، كلما اقتربت تراءي لي مدي وحشية الجمال الذي تتمتع به، يتردد زئيرها في الأرجاء فيختلط توتري بتيار دفين من الإثارة يكاد يطفر من روحي. شاحنة الحلم. قمرة فسيحة لشاحنة عملاقة، فخمة، تلتمع بالأحمر، شامخة وحدها من دون مقطورة. تقف مستأسدة علي إطاراتها العشرة في شموخ".
هنا يجب ملاحظة التشريح الحسي، المفتون بالسمات الذكورية الذي قامت به (المخطوطة) لجسد الصديق قبل أن يبدأ في قراءة نفس الفكرة التي كانت تتحدث عنها قبل دخوله الغرفة.. كأنها كانت تتجرد من غموضها، أو تُمهد للاتصال الشهواني بينها و(القاريء) عند مساحة التقاء مكشوفة، ومدبّرة.. تجرّد المخطوطة ليس تعرياً لـ (كيان) كمعادل روائي لشخصية رشيد الجوهري بل هو تعرٍ لرشيد الجوهري نفسه كحياة كتابية غير خاضعة، لذا فالطقس الشبقي يتخطي حتمية أن يكون بين (الأنثوي) و(الذكوري) ليشتمل أيضاً علي أن يكون بين (الذكوري) و(الذكوري).. لنقرأ:
("كنت أتبرع حتي بشطب صورة أي رجل يظهر صدره عارياً، رغم ما أثارته مجموعة من الزميلات المحجبات من نميمة حول الموضوع وصلت إلي مسامعي في وقت لاحق كالعادة، عن ارتيابهن في كوني مثلياً").
إن (المخطوطة) أو (رشيد الجوهري) كذات خطية غير مُسيطر عليها عندما يكون بإمكانها ـ نتيجة لغياب الجسد الراضخ ـ أن تحقق هذه الصلات الشهوانية المتعددة مع القاريء فهي تتجاوز الأُطر الجنسانية لصالح الانفتاح غير المحكوم علي المتعة الشبقية المطلقة التي توازي لانهائية التأويل للرواية .. هي لا تكتفي بذلك بل إن المتعة / التأويل لا تتوقف عند حدود المخطوطة وحسب، وإنما تمتد كأثر داخل حياة القاريء (قاسم) باعتبارها جزءًا مراقباً، أي مساهم بواسطة السرد في وجوده الأبعد من فعل القراءة، وهذا إلهام في غاية الأهمية بالنسبة لـ (لانهائية التأويل) لأنه يتيح الانشغال بكيفية تحوّل الكتابة من (خلق حياة الكاتب) إلي (خلق حياة القاريء) بعد غياب السيطرة عليها، حتي دون أن تُنجر نصها الخاص، أي دون أن تتجسد ككتابة ملموسة عن حياة هذا القاريء:
(هويتنا في الحالة هذه تكون موزعة ما بين كوننا روايات ذكورية النزعة أو نسوية النزعة، أو روايات إنسانية لا تتحيز إلا للإنسانية). 
هل هناك نتيجة أخري يمكن أن تنجم عن (الإخفاء المتعمّد) لجسد رشيد الجوهري، وتتلاءم في نفس الوقت مع (المتعة الشبقية المطلقة) بين المخطوطة والقاريء ؟ هي نتيجة (فصامية) تلك التي تفترض أن رشيد الجوهري هو (قاسم) في حالته (القرائية) أي التي توفر له الحصول علي لذة الامتزاج بحياته الكتابية (التي لا يمكنه السيطرة عليها) من موقع المشارك أي محاولاً استرداد هذه السيطرة عن طريق تقمّص مصدر التأويل اللانهائي (القاريء / قاسم) في حياة أخري مختلفة، بعد أن كان مصدر الكتابة .. في هذه الحالة تتحوّل القراءة إلي فعل استمناء بعد اندماج الكاتب والقاريء (فاقد الذاكرة ككاتب طبعاً) في شخصية واحدة تدعي اختفاء الكاتب وتنشط في الحياة وفقاً لهذا الادعاء .. لكن الفصام لابد أن يتسع إذن ليشمل المخاطب الذي تتحدث المخطوطة إليه عن حياة رشيد الجوهري، ويقرؤها أيضا كنص يحمل عنوان (المتكتم)، ويتفحص علاقتها بصديقه (قاسم) .. المخاطب الذي يُكمل الحفل الجماعي عندما يكون الثالث المتداخل مع المخطوطة (الأنثوية) و(قاسم) .. عندما يكون الثالث مع (رشيد الجوهري) (الذكوري الحاضر في الأنثي غير المروضة) و(قاسم).. عندما يكون الثالث مع (رشيد الجوهري) و(رشيد الجوهري) الآخر الذي يحمل اسم (قاسم) .. الذي يتحوّل إلي ذات غير مسيطر علي هويتها، وتستغرق في المتعة الشبقية المطلقة، والتي تغيب كحياة / سرد لانهاية لتأويله .. المخاطب الذي هو الأنا القارئة لـ (معبد أنامل الحرير) أي التي تكتبها، وهذا ما جعل كل ما سبق من علاقات يمثل جوهر (النسخ)، أي الاستراتيجية التي لا يمكن أن تخضع لأي رقيب داخل (مدينة الظلام) .. المتاهة التي نظمّها (رشيد الجوهري) بغيابه المتعمّد لينجو في النهاية بـ (سفينة الأشباح) في نهاية الرواية.
لو أن (معبد أنامل الحرير) تقوم علي تصور رولان بارت عن (موت المؤلف): (يجب قلب الأسطورة، فموت الكاتب "المؤلف" هو الثمن الذي تتطلبه ولادة القراءة) لكان تركيز الرواية مقتصراً علي (المخطوطة) من حيث هي نص لا من حيث هي سارد لحياة مؤلفها .. لظل موضوع الرواية هو (الكتابة) و(القاريء) فقط دون أن تعمل حياة الكاتب ـ التي ترويها المخطوطة نفسها ـ كخلفية اندماجية هائلة للنص .. كان ينبغي ألا يكون هناك سوي (المتكتم) و(قاسم) وحسب بينما تظل سيرة رشيد الجوهري معمية تماماً .. لكن إبراهيم فرغلي قام باستغلال الفكرة أي (موت المؤلف) وتطويرها بتحويل هذا الموت إلي (ادعاء) .. (تنكر) كي يتمكن الكاتب من العودة إلي مخطوطته كقاريء بعد أن تولي تدبير اختفائه داخلها حتي ينقذها ـ أي المخطوطة ـ من الحرق ويحولها إلي نص منشور / معلن .. لقد أحيا إبراهيم فرغلي المؤلف من حيث ادعي موته أو اختفاءه بأن جعله كتابة.. بمنحه أقنعة عديدة هي في الحقيقة سرديات تراوغ الواقع والخيال لتحويل البشر إلي نصوص، الأمر الذي يدفعني لاسترجاع تساؤل من مقال سابق لي بعنوان (من الشعر إلي الواقع): "هل يمكننا مقاربة العالم كنص هائل تؤلّفه حصيلة لانهائية من النصوص؟"
إن رواية "معبد أنامل الحرير" تبدو إجابة بارعة لهذا التساؤل، حققها هذا (الإخفاء الخبيث) للمؤلف، في حين أن إبراهيم فرغلي كان حاضراً منذ البداية وحتي النهاية.
أخبار الأدب
5 ـ 3 ـ 2016

الأربعاء، 2 مارس 2016

ورشة الكتابة

إلى محمد عبد النبي (نيبو(
خرجنا من مناقشة التعريفات والآثار الضمنية لسلطة المفاهيم إلى دراسة النماذج التاريخية المختلفة، وتحليل الأفكار الناشئة عن تأويل هذه النماذج ومقارنتها بالتفسيرات السائدة في ذاكرة القصة القصيرة .. كانت هناك مشاريع مرتبكة تنمو ـ رغم ذلك ـ بإصرار بالتزامن مع الجدل النظري .. أحياناً كان يبدو لي أن الحياة تتدفق داخل تلك البدايات السردية بفضل هذا الجدل، وفي أحيان أخرى ـ دون تغيير حرف واحد ـ كانت تبدو معادية له تماماً .. في كلتا الحالتين كنت أشعر بالضياع إذ لم أكن حينئذ أكثر من أعمى يقتلع عيون طلابه ليجدد ثقته في الظلام .. كأن النصائح الكلاسيكية كانت تنتقم من أسلوبي الذي يحاول الاقتراب من تهكم الـ (ستاند أب كوميدي) في شرحها .. أرى مسدساً خيالياً مصوباً لرأسي يخرج من مخطوطات أبناء الحرفة الجدد يدفعني إلى إعادة الهيبة فوراً إلى القواعد العامة في عقولهم:
اجعل التكثيف ضميراً متقداً، يرفض التسامح .. لا تبالغ في استعمال المجاز .. قاوم رغبتك في التحليل والاستسلام للتأملات والاستغراق في الخواطر المجردة عن الزمن .. دع المشاهد والأحداث تتكلم نيابة عن لسانك .. ابتعد عن الصيغ الصحفية والتعبيرات الشائعة والبلاغة المستهلكة .. لا تتورط في الاستطراد، واستبدل الاستدراك بالتوتر الكامن في الصمت .. الفراغ أهم من الكلمات .. اغلق الأبواب والنوافذ جيداً كي لا تتسلل الكليشيهات إلى وليمتك .. لا تسرف في الوصف أو في إعطاء المعلومات أو في رسم الملامح .. كن غامضاً أكثر من كونك معترِفاً .. تجنب العبارات الطويلة خاصة المكونة من تسلسل مفرط للاستعارات المتداخلة .. امنح الشخصيات والأماكن والأفعال ما يلزم من فضائل الأشباح .. لا تضع صوتك الخاص في المكان الخاطئ أو في الوقت غير المناسب .. احذر من طغيان العاطفة .. لا تختبىء أبداً من الاستجواب الذاتي: هل أتحرك بطريقة ما كنسخة من خطوات كاتب آخر؟ .. لا تتمسك بغنيمة.
لا أحد منهم يشعر بعذابك .. ربما ـ بدافع الشفقة لا أكثر ـ يفسرون وجومك المفاجىء بأنه اضطراب داخلي مفهوم يمكن أن يصيب أولئك المطالبين بتقديم استعراضات الثقة عن خرافة لم تكتمل بعد قدرتهم على فهمها .. نعم .. أنا لا أستوعب حتى الآن كيف أفسر لهم ـ بإيمان كامل ـ ضرورة التعامل مع التقنيات الأساسية كرمال متحركة، وأطالبهم في اللحظة التالية ـ بنفس الإيمان الكامل ـ أن يشيّدوا بواسطتها قلاعاً حصينة .. لا أحد غيري يسمع هذا الصوت الذي يخاطبهم: (أعزائي القادمين إلى الحفل الذي غادره "تشيكوف" و"همنجواي" و"كافكا" و"فرجينيا وولف" و"كاثرين مانسفيلد" أعرفكم بنفسي: أنا الكاذب الذي يدعي أن مراجعاته لمسوداتكم لا تعدو سوى مجرد تصور شخصي في حين أنه يؤمن بها كحقيقة مطلقة .. وظيفتي هنا هي زرع الحرية في بصائركم، ولكنني مع الأسف أعرف أنه ليس المكان ولا الزمن الملائمين كي أحرّض شاباً على اغتصاب حبيبته في موعدهما الرومانسي الأول(.
لم يكن أمامي سوى الانتظار حتى الانتهاء من جميع التمرينات: الكتابة ككائنات غير بشرية (حيوانات .. جمادات .. ظواهر طبيعية .. إلخ) .. لعبة (الجثة الفاتنة) التي بدأها السيرياليون الفرنسيون في أوائل القرن العشرين، وكانت نتيجتها (الجثة الفاتنة سوف تشرب الخمرة الجديدة): (يقوم أحد الطلبة بكتابة أول سطر على صفحة من الورق ويمررها إلى شخص آخر لكتابة السطر التالي، وعن طريق طي الصفحة، لا يرى كل واحد من الكتّاب التالين إلا السطر السابق، وليس بقية القصة) .. سُبل تجاوز عُسر الكتابة أو سكتة الكتابة .. بداية النص ونهايته وأنواع الرواة .. بناء الشخصيات والمشاهد .. تطوير الحوار .. اللعب بالحبكة .. نسج المفارقات .. تنظيم واستخدام عناصر الزمان والمكان .. كيفية وضع علامات وملاحظات في صيغ استفهامية لإضاءة الخطوات داخل البنية .. الحماية من التشتيت بإمكانية الرجوع المتوفرة دائماً إلى عناصر السرد الأصلية .. كيفية استغلال صور معينة أو لحظات حاسمة أو صدمات منتقاة لتثبيت مزاج أساسي للنص .. اكتشاف الصوت الصحيح أو وجهة النظر الملائمة للسرد والأوقات اللائقة بتواجدها، والعثور على المهام المناسبة للضمائر .. تدبير خطط لقراءات ومعاينات ومشاهدات للبحث في المادة المعرفية للعمل إذا تطلّب الأمر ذلك مع وضع حد ملزم كي لا يتحول البحث إلى مختبر أبدي .. الوصول لعلاقة تفاهمية بين التركيز والإيقاع خلال مرحلة العمل
في اليوم الأخير من الورشة أخذتهم عصراً إلى بيت في كل دور منه شقتان متقابلتان، وتفصل بينهما ردهة صغيرة مضاء في سقفها مصباح أصفر .. صعدنا إلى الدور الثالث حيث كانت الشقة المجاورة للسلالم مفتوحة على مصراعيها ويجلس فوق عتبتها رجل يبدو في منتصف الخمسينيات، يرتدي جلباباً بياضه منطفىء.. تقابلت جميع العيون في صمت تام خلال اللحظة الخاطفة التي عبرت فيها مع طلابي أمام الرجل .. فتحت البابين المتلاصقين للشقة المواجهة وطلبت من ذوي العيون المترقبة إحضار كراسي من الداخل وتنظيمها لجلوسهم أمام الرجل.. كانت الشقة خالية إلا من الكراسي، ولم تكن هناك حاجة لنور كهربائي إذ كان هناك شباك ألوميتال كبير مغلق ينبعث ضوء العصر من خلاله بوفرة .. تحركوا ببطء حذر يكاد يلامس التردد، وزادت حدة دهشتهم حينما أيقنوا أنها ليست دعابة وأنني أريد منهم فعلاً الجلوس فوق عتبة الشقة ووجوههم صوب الرجل مشدداً على عدم تبادل أي كلمات، والامتناع عن تدوين الملاحظات مع خلع الساعات وإخفائها وبالطبع إغلاق الموبايلات .. كان الرجل ينظر إليهم بوجه فارغ من التعبيرات .. وراءه كان المنظر عادياً: حائط بيج فاتح، يكشف ضوء النيون الفاتر، والقادم من زاوية غير مرئية عن بقع رمادية ضئيلة متناثرة فوق سطحه .. مرآة دائرية كبيرة مؤطرة بزخارف طولية سميكة ومضفّرة ذات لون ذهبي، يتضح من خفوته مرور عمر طويل على وجودها فوق الحائط .. دولاب خشبي أسود متوسط الارتفاع، به عدة أدراج عريضة، ولكل درج مقبضين دائريين لونهما نحاسي شاحب، وفي قلب كل مقبض نقوش بارزة تشبه أوراق الورد المتعانقة .. فوق الدولاب فازة زجاجية زرقاء، شفافة، بداخلها زهور بلاستيكية تُبيّن ألوانها الخامدة انتماءها إلى وقت قديم.
)إنه مجرد رجل .. ما الغريب في هذا؟) .. كانوا يمررون الاستفهام إلى بعضهم بأطراف العيون المستغربة، وحواف الابتسامات الساخرة، وأنا واقف وراءهم لا أفعل شيئاً أكثر من المراقبة .. مع مضي الوقت تحوّل هز الأرجل وطرقعة الأصابع وهرش الخدود وقضم الأظافر وتقشير الشفاة وعقد الأذرع وفكها إلى صرخات وضحكات مكتومة: (من هذا الرجل؟ .. هل هو أبوه؟ .. هل اتفق معه خصيصاً ليكون هذا المشهد الممل درساً من دروس الورشة؟ .. لماذا اختار هذا الترتيب العجيب للمشاهدة؟ .. متى ستنتهي الورطة الثقيلة والسمجة التي أوقعنا فيها؟، وما الهدف المهم الذي يمكن أن تحققه في النهاية؟ .. هل يعرف ذلك الذي أحضرنا إلى هنا شيئاً عن القصة القصيرة؟ .. ماذا لو أطلقنا الآن جيصاً جماعياً في وجهه(.
ظل الرجل ينظر إليهم بملامح خالية من الانطباعات .. لكن ضوء العصر انسحب تدريجياً، ولم يعد هناك سوى نور النيون الفاتر في شقة الرجل، والضوء الأصفر للمصباح المعلّق في سقف الردهة الفاصلة بين الشقتين .. ما هذا البيت الذي لم يُسمع أي صوت لسكّانه، ولم يصعد سلالمه أو ينزلها أحد كأنه بناء مهجور عدا شقة الرجل الخمسيني .. حتى ضوضاء الشارع التي كانت تمزج بين أصوات البشر والسيارات، وتأتي من النافذة الكبيرة المفتوحة في جدار السلم اختفت تماماً مع غياب ضوء العصر .. لم يعد هناك أي صوت .. استمر ذهولهم في التصاعد مع مرور زمن طويل لم تتغير خلاله نظرة الرجل حتى أن عبور الهاجس داخل أرواحهم بكونه ميتاً كان فيه شيء من المنطق .. هل كان غياب عنصر الحسم الدقيق للوقت سبباً في شعور متوهم بانقضاء فترة هائلة .. هل كان لغرابة الوضع دوراً في هذا الوهم، أم أن فترة هائلة قد انقضت بالفعل .. في اللحظة التي اكتمل فيها تحوّل الضجر إلى قلق عظيم وصلت رغبتهم ـ عكس المتوقع ـ في الالتزام بعدم التحدث إلى أقصى يقين ممكن رغم ما كان في ذلك من عبء قاس يصعب تحمّله.
فجأة نهض الخمسيني من فوق الكرسي بهدوء ثم بوجهه الفارغ من التعبيرات تقدم نحو الطلاب وهو يمد يده إليهم بغرض المصافحة .. انتفضوا بفزع من أماكنهم وأسرعوا إلى داخل الشقة وهم يتعثرون ببعضهم وبالكراسي التي كانوا يجلسون عليها .. ظل الرجل يتقدم منهم ماداً يده، وهم يحاولون بارتباك مذعور إزاحة الكراسي التي ظل عدد منها في الخارج حتى يتمكنوا من غلق بابي الشقة قبل وصول الخمسيني إليهم .. كان هناك مزيج من الأنفاس المتسارعة والصرخات وخفقات القلوب المرتعشة والعرق والظلام الكامل .. حاولوا العثور على مفاتيح الكهرباء في الشقة بعد نجاحهم في غلقها لكنهم لم يجدوا أياً منها .. حتى الشباك الألوميتال الكبير اختفى، وعلى أضواء الولاعات اكتشفوا أنه لا توجد شبابيك أخرى مثلما اكتشفوا أيضاً أن موبايلاتهم لا تلتقط إشارات .. مجرد جدران صلبة مقفلة .. سمعوا دقات يد الرجل فوق باب الشقة .. دقات متواصلة .. ليست ثقيلة ولا خفيفة .. عادية كأي دقات فوق باب تُطالب من بالداخل بفتحه .. لكنها متواصلة، والرجل لا يتكلم .. بالطبع تأكدوا من عدم وجودي، ومع ذلك ظلوا ينادون عليّ برعب يشتد مع استمرار دقات الخمسيني عسى أن أكون قريباً وأسمعهم .. لكنني كنت بعيداً .. في بداية كتابة قصة قصيرة جديدة.
الصورة من فيلم "The Rewrite" 

الاثنين، 29 فبراير 2016

استخدام الحياة (نقد المراقبة والعقاب)

ربما يمكن تحليل البلاغ الذي تقدّم به أحد القرّاء المصريين ضد الكاتب (أحمد ناجي) بسبب فصل من روايته (استخدام الحياة)، نُشر في جريدة (أخبار الأدب) وأدى ـ بحسب البلاغ ـ إلى إصابة هذا القارىء بهبوط في الدورة الدموية بسبب الألفاظ الجنسية وخدش الحياء في هذا الفصل من الرواية، مما ترتّب عليه إحالة الكاتب إلى المحاكمة الجنائية بعد أن رأت النيابة أن (أحمد ناجي) (سخّر أنامله ونفث فيها شهوة فانية ولذة زائلة، وأجّر عقله وقلمه لتوجّه خبيث حمل انتهاكًا لحرمة الآداب العامة وحسن الأخلاق، والإغراء بالعهر، ونشر سموم قلمه برواية أو مقال في صفراء بالية)، الأمر الذي تسبب في النهاية بالحكم على (ناجي) بالحبس عامين، ربما يمكن تحليل هذا البلاغ من خلال دور المقدّس الديني في تكوين الميكانيزمات الدفاعية اللاشعورية داخل الوعي القرائي عند القارىء العربي، وأثر حيّل وآليات المقاومة هذه في علاقة هذا القارئ بـ (قمع الكتابة الانتهاكية) وبـ (شبق التماسك الحكائي) وبـ (المعنى الأدبي كلذة تطهيرية للجسد).. إن طريقة تناول مقدّم البلاغ لـ (عمل أدبي)، والتي دفعته لتقديم بلاغ يحمل هذه الصيغة ضد كاتبه هي نوع من الإستراتيجيات التأويلية التي تستعمل النص الأدبي كفضاء سوسيولوجي مضمون للتخلص من الإثم الذاتي، وكتعويض سهل عن خسائر الضمير. هذا الاستخدام ليس رد فعل أخلاقي ينطلق بشكل أساسي من عقيدة شخصية، بل رغبة لا واعية في إعادة إنتاج ثقافي لما يمكن تسميته بـ (المفاهيم السائدة للفضيلة).
في هذا النمط المهيمن من المقاربات يوظف القارىء جسده شبقياَ كمستثمر سادي يستغل الضعف الاجتماعي للنص ـ أي لا أخلاقيته المعادية لما ينظر إليه كنظام محسوم من القيم البديهية العامة ـ هذا الاستغلال يتولى تثبيت جسد القارىء كعنصر ممارس ينتمي إلى التقاليد التي تكوّن ما يتم اعتباره السلطة الأخلاقية للمجتمع، وليس مجرد تابع أو خاضع لها (عقاب الكاتب بواسطة التعذيب اللفظي كجزاء منطقي يتلائم مع انحرافه السلوكي في الكتابة.. تقويمه وضبط أفعاله بما يتوافق مع “المبادىء السائدة” عن طريق دمج التعذيب اللفظي بمحاولة إجباره على كتابة راضخة لهذه “الأسس الأخلاقية”.. التحريض ضده أي تحذير القراء الآخرين من قراءة أعماله، وتوسيع مجال العقاب ليشمل القراء والنقاد المحتفين بكتاباته، وقد يصل الأمر إلى الملاحقة القانونية.. مراقبته أي تتبع وجود نصوصه داخل الأماكن التي يمكن من خلالها توجيه العقاب والضبط والتحريض ضده على شبكة الإنترنت مثلاً، وتحديدا مواقع القراءة، وصفحات التواصل الاجتماعي).. هذا التوظيف السادي هو بكيفية أكثر جذرية توطيد مازوخي لعلاقة جسد القارىء (الذي فاز بكبت جديد عندما تصدى ليقمع كتابة انتهاكية) مع ما يعد بالنسبة له السلطة الأخلاقية للمجتمع، بعد أن ساهم في حمايتها بتقديم جسده قربانا مروضا لهذه السلطة (أي متخلص من دنس قرائي، ومُكفِّر عن خطاياه السابقة بمحاربة خطيئة لم يرتكبها).. قد يفسر هذا بشكل ما الطغيان التاريخي لما يمكن تسميته بـ (السرديات الآمنة) في الكتابة الأدبية العربية، بما اشترطته كأحكام منظّمة للتلقي مثل: (الموضوع.. المعنى.. الرسالة.. الهدف.. المغزى الدلالي.. الاستفادة.. المتعة الجمالية)، والتي لم تكن هيمنتها راجعة إلى الإجراءات الصارمة للتنميط والفرز والإقصاء (القانون فوق الرسمي)، بل كانت على نحو جوهري ناجمة عن استسلام الكتابة الأدبية الغالب، واللازمني، لأنساق القراءة التي رسخها المقدس الديني.
(ورقة أوليّة ضمن مخطوط “نقد استجابة القارىء العربي” / مشروع قيد الكتابة).
يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع “زائد 18، ومدى مصر، وقل،وزحمةللتضامن مع الروائي أحمد ناجي.