الاثنين، 13 يناير 2025

عقدتي الأوديبية / فرانك أوكونور ـ ترجمة: ممدوح رزق

كان أبي في الجيش طوال فترة الحرب العالمية الأولى؛ لهذا لم أره كثيرًا حتى سن الخامسة، ولم يكن ما رأيته منه يثير القلق. أحيانًا كنت أستيقظ وأبصر شخصية مهيبة ترتدي الزي العسكري، وتتطلع إليّ في ضوء الشمعة، وأحيانًا، في الصباح الباكر، كنت أسمع صوت إغلاق الباب الأمامي ثم إيقاع مسامير حذائه على حصى الممر. كانت تلك عتبتي دخول وخروج أبي بالنسبة لي. مثل سانتا كلوز؛ يجيء ويذهب بشكل غامض.

في الواقع كنت أحب أجازاته بالرغم من زمنها الضيق، وكذلك عدم التفاهم بينه وبين أمي. في الصباح الباكر وعندما أستقر بجواره فوق السرير الكبير كان يدخن، وهو ما أكسبه رائحة عفنة ممتعة، كما كان يحلق ذقنه، والتي كنت أراها عملية شيّقة بشكل مذهل. في كل مرة كان يترك وراءه أثرًا من التذكارات. نماذج مصغرة من الدبابات، وسكاكين جورخا بمقابض من الرصاص، وخوذات ألمانية، وشارات قبعات، وعصي، وأزرار، وجميع أنواع المعدات العسكرية. تذكارات مخزنة بعناية داخل صندوق طويل فوق خزانة الملابس في حال كان هناك حاجة لاستخدامها في أي وقت. شيء من الغرابة كان أساسيًا في شخصية أبي؛ إذ كان يتوقع دائمًا أن تكون كل الأشياء مفيدة. عندما يغادر؛ كانت أمي تسمح لي بالصعود فوق الكرسي والتفتيش في كنوزه. لم تكن تبدو متحمسة بقدره تجاهها.  

كانت الحرب أكثر فترة سلمية في حياتي. نافذتي العلوية تواجه الجنوب الشرقي وكانت أمي تغطيها بالستائر، لكن لم يكن لذلك سوى تأثير ضئيل. كنت أستيقظ دائمًا مع أول ضوء، ومع ذوبان جميع مسؤوليات اليوم السابق؛ أشعر بنفسي أشبه بالشمس، مستعدًا للإشراق والفرح. لم تبد الحياة أبدًا بهذا الوضوح والبساطة والامتلاء بالاحتمالات كما كانت آنذاك. كنت أخرج قدميّ من تحت الأغطية ـ السيدة اليسرى والسيدة اليمنى كما كنت أسميهما ـ وأخترع لهما مواقف درامية يتناقشان خلالها حول مشاكل اليوم. على الأقل كانت السيدة اليمنى تفعل ذلك؛ فرغم أنها كانت تعبّر عن نفسها بشكل كبير، لكنها لم تمتلك السيطرة ذاتها التي لدى السيدة اليسرى؛ لذا كانت تكتفي بالإيماء بالموافقة.

تناقشت معهما في ما ينبغي أن نفعله أنا وأمي خلال اليوم، وما يجب أن يقدمه سانتا كلوز لكليهما في عيد الميلاد، وما الخطوات التي يجب اتخاذها لإضفاء البهجة على المنزل. كانت هناك مثلًا تلك المشكلة الصغيرة المتعلقة بالطفل. لم نستطع أنا وأمي الاتفاق حول الأمر. كان منزلنا هو الوحيد في البناية الذي لا يضم طفلًا جديدًا. قالت لي أمي إننا لا نستطيع تحمّل تكلفة شراء طفل حتى يعود أبي من الحرب لأن ثمنه باهظ. ذلك كان دالًا على مدى تباسطها معي. عائلة جيني المجاورة لنا كان لديها طفل جديد، والجميع يعرف أنهم لا يستطيعون دفع مبلغ كبير لشرائه. قلت لنفسي إنه ربما يكون طفلًا رخيصًا. كانت أمي تريد شيئًا جيدًا حقًا، ولكنني شعرت بأنها متطلبة للغاية؛ طفل عائلة جيني كان مناسبًا لنا.

بعد أن حددت خططي لهذا اليوم؛ نهضت ثم وضعت كرسيًا تحت نافذة العُليّة ورفعت الإطار بما يكفي لإخراج رأسي. كانت النافذة تظل على الحدائق الأمامية للتراس خلف منزلنا، ومن ورائها يمتد واد عميق نحو المنازل العالية المبنية بالطوب الأحمر، والمتراصة على الجانب المقابل من التل. كانت تلك المنازل العالية لا تزال غائمة، بينما المنازل الأخرى على جانبي الوادي مضاءة بالكامل، رغم الظلال الغريبة الممشوقة التي جعلتها تبدو بصرامة طلائها على نحو غير مألوف.   

بعد ذلك دخلت غرفة أمي، وتسلقت السرير الكبير، وحين استيقَطت بدأت أخبرها بمخططاتي. في هذه الأثناء، رغم أنني لم ألحظ ذلك، كنت متجمدًا في قميص نومي، ورحت أذوب أثناء حديثي حتى غفوت بجانبها عندما اكتمل ذوبان جليدي. لم أستيقظ ثانية إلا حين سمعت صوتها في الأسفل وهي تعد الإفطار داخل المطبخ.

بعد الإفطار ذهبنا إلى المدينة؛ حضرنا القداس في كنيسة القديس أوغسطين وتشاركنا في صلاة من أجل أبي ثم قمنا بالتسوق. كنا نذهب في نزهة إلى الريف لو كان طقس الظهيرة لطيفًا أو نتوجه لزيارة الصديقة العزيزة لوالدتي الأم القديسة دومينيك في الدير. كانت أمي تجعل الجميع يصلون من أجل أبي، وكل ليلة، قبل النوم، كنت أسأل الله أن يعيده إلينا سالمًا من الحرب. بحق؛ لم أكن أعرف من الذي أصلي من أجله إلا قليلًا.

في صباح أحد الأيدام، دخلت إلى السرير الكبير، وهناك، كما هو متوقع، كان أبي موجودًا بطريقته المعتادة مثل سانتا كلوز، لكنه لاحقًا استبدل الزي العسكري بأفضل بدلة زرقاء لديه، وكانت أمي سعيدة للغاية. لم أجد ما يدعو للسعادة. كان أبي بدون زيه العسكري أقل جاذبية تمامًا. لكن أمي كانت تبتسم وتشرح لنا أن صلواتنا قد استجيبت ثم انطلقنا إلى القداس لنشكر الله على عودة الأب سالمًا إلى المنزل.

للمفارقة! في ذلك اليوم بالذات عندما جاء لتناول العشاء؛ خلع حذاءه وارتدى خُفَّه، وكذلك القبعة القديمة القذرة التي كان يستعملها في البيت ليحمي نفسه من الزكام ثم عقد ساقيه وبدأ يتحدث بجدية إلى أمي التي بدت قلقة. بطبيعة الحال لم أحب مظهرها القلق لأنه كان يدمر جمالها، لذا قاطعته.

“لحظة واحدة، لاري!” قالت برفق.

كان هذا فقط ما اعتادت أن تقوله عندما يكون لدينا زوّار مملون، لذا لم أعط أهمية للأمر وتابعت الحديث.

“كن هادئًا، لاري!” قالت بنفاد صبر … “ألا تسمعني أتحدث مع بابا؟”

كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها تلك الكلمات المشؤومة “أتحدث مع بابا”.

لم أستطع إلا أن أشعر بأنه إذا كانت هذه هي طريقة الله في الاستجابة للدعوات فإنه حتمًا لا يستمع إليها بتركيز كامل.

“لماذا تتحدثين إلى بابا؟” سألت بأقصى ما استطعت إظهاره من اللامبالاة.

“لأن بابا وأنا لدينا أمورًا يجب مناقشتها. الآن، لا تقاطعنا مرة أخرى!”.

في فترة ما بعد الظهر، بناءً على طلب أمي، أخذني أبي في نزهة. هذه المرة ذهبنا إلى المدينة بدلًا من الريف، وتصورت في البداية، بتفاؤلي المعهود، أن ذلك قد يكون تحسّنًا. لم يكن الأمر كذلك. كان لأبي وأنا مفاهيم مختلفة تمامًا عن التنزه في المدينة. لم يكن لديه اهتمامًا حقيقيًا بالترام والسفن والخيول، وكان الشيء الوحيد الذي بدا أنه يسليه هو التحدث مع رفاق في مثل عمره. كلما أردت التوقف كان يستمر في المشي ببساطة ويده تسحبني خلفه، وعندما يريد التوقف لا يكون لدي خيار سوى فعل الشيء نفسه. لاحظت أن اتكاءه على الحائط هو علامة رغبته في التوقف لفترة طويلة. في المرة الثانية التي رأيته يفعل ذلك ثار جنوني. بدا وكأنه يستقر هناك إلى الأبد. جذبته من معطفه وسرواله، لكن أبي، على عكس أمي التي حين كنت أشدها بقوة تقول غاضبة: “لاري، إن لم تكن مهذبًا سأصفعك بقوة”، كان لديه قدرة غير عادية على عدم الاكتراث بشكل لطيف. قمت بتقييمه متساءلًا إن كان بكائي سيكون مجديًا الآن. لكن أبي بدا بعيدًا جدًا عن أن يزعجه ذلك. حقًا، كان الأمر كأني في نزهة على الأقدام مع جبل! إما أن يتجاهل الجذب واللكم تمامًا، أو ينظر إلى الأسفل بابتسامة التلهي من قمته العالية. لم ألتق أبدًا بأحد منغمسًا في نفسه كما بدا أبي. 

في وقت الشاي، وحينما بدأ الحديث بين أمي وأبي مرة أخرى، بدا الأمر معقدًا هذه المرة بحقيقة أن أبي لديه صحيفة مسائية، كل بضعة دقائق يضعها جانبًا ليخبر أمي بشيء جديد منها. شعرت أن ذلك لعب غير نزيه.

كنت مستعدًا للتنافس معه “رجل لرجل”في أي وقت على انتباه أمي، لكن عندما يحوذ شيئًا معدًا له من قِبل الآخرين فإن ذلك لا يترك لي أي فرصة. حاولت مرات عدة تغيير الموضوع دون جدوى.

“يجب أن تكون هادئًا بينما بابا يقرأ”… قالت أمي بضيق.

كان من الواضح أنها إما تحب الحديث مع أبي حقًا أكثر مني، أو أن لديه سيطرة رهيبة عليها تجعلها تخشى الاعتراف بالحقيقة.

“ماما” .. قلت تلك الليلة عندما كانت تضعني في السرير، “هل تعتقدين أنه إذا صليت بخشوع فإن الله سيرسل أبي إلى الحرب مرة أخرى؟” …

بدت وكأنها تفكر في ذلك للحظة …

“لا يا عزيزي” .. قالت مبتسمة “لا أعتقد أنه سيفعل”.

“لماذا لن يفعل، ماما؟” …

“لأنه لم يعد هناك حرب، عزيزي” …

“لكن، ماما، ألا يستطيع الله أن يجعل حربًا أخرى تحدث إذا أراد؟”  …

“لن يرغب في ذلك عزيزي. ليس الله من يصنع الحروب، بل الأشرار” …

“أوه” قلت …

كنت محبطًا من ذلك، وبدأت أفكر في أن الله لم يكن كما اعتقدت تمامًا.

صباح اليوم التالي استيقظت في ساعتي المعتادة، شعرت كأني ثمل. وضعت قدميّ على الأرض وابتكرت محادثة طويلة تكلمت فيها السيدة اليمنى عن المشكلات التي واجهتها مع والدها حتى أدخلته دار الرعاية. لم أكن أعرف تمامًا ما هي دار الرعاية، لكن بدا أنها المكان المناسب لأبي. ثم أخرجت كرسيًا وأطللت برأسي من نافذة العُلّية. كانت خيوط الفجر تتسلل بهالة غامضة من الذنب جعلتني أشعر كما لو أنني ضبطتها لحظة ارتكاب فعل سيء. كان رأسي ممتلئًا بالقصص والمخططات، فتسللت عبر الظلام الدامس إلى السرير الكبير. لم يكن هناك مكان يجاور أمي، لذا كان عليّ التحرك إلى ما بينها وأبي. في تلك اللحظة نسيت أمره، ولدقائق عدة جلست منتصبًا، أبحث في ذهني عما يمكنني القيام به تجاهه. كان يأخذ أكثر من حصته العادلة في السرير. لم أستطع أن أكون مرتاحًا، لذا ركلته مرات عدة جعلته ينخر ويتمطى، لكنه أفسح المجال بشكل جيد. استيقظت أمي وأخذت تتطلع نحوي. 

استقررت بشكل مريح في دفء السرير وإبهامي داخل فمي.

“ماما!” همهمت بصوت عال وراض.

“شش! عزيزي” … همست “لا توقظ بابا!” …

كان هذا تطورًا جديدًا، يهدد بحزم أكبر من “التحدث إلى بابا”. الحياة بدون مؤتمراتي الصباحية المبكرة لم تكن محتملة.

“لماذا؟” سألت بجدية …

“لأن بابا المسكين متعب” …

بدا لي ذلك سببًا غير كاف بالتأكيد، كما أصابتني العاطفية في “بابا المسكين” بالاشمئزاز. لم أحب هذا النوع من المبالغات؛ إذ تبدو لي دائمًا كدليل على عدم الصدق.

“أوه!” قلت بخفة، ثم بنبرة ساحرة: “هل تعرفين إلى أين أريد أن أذهب معكِ اليوم، ماما؟” …

“لا، عزيزي”، تنهدت …

“أريد أن أذهب إلى نهر جلين وأصطاد السمك الشوكي بشبكتي الجديدة، ثم أريد أن أذهب إلى ساحة فوكس آند هاوندز، و …” …

“لا توقظ بابا!” همست بغضب، واضعة يدها على فمي.

لكن فات الأوان. كان مستيقظًا أو قريبًا من ذلك. تذمر ومد يده نحو أعواد الثقاب، ثم حدّق بدهشة في ساعته.

“كوب من الشاي، عزيزي؟” سألته أمي بصوت وديع وخافت لم أسمعها تستخدمه من قبل . بدا وكأنها خائفة تقريبًا.

“شاي؟” صرخ بغضب. “هل تعرفين كم الساعة؟” …

“وبعد ذلك أريد أن أذهب إلى طريق راثكوني” قلت بصوت عالٍ، خائفًا من أنسى شيئًا مع كل تلك المقاطعات.

“اذهب إلى النوم فورًا، لاري!” قالت بحدة.

بدأت أذرف الدموع. لم أستطع التركيز أمام الطريقة التي استمر بها ذلك الثنائي في معاملتي، وكان خنق مخططاتي في الصباح الباكر كدفن عائلة من المهد.

لم يقل أبي شيئًا. أشعل غليونه وامتص الدخان وهو ينظر إلى الظلال دون أن يهتم بأمي أو بي. كنت أعلم أنه ساخط للغاية. كلما أبديت ملاحظة، أخرستني أمي بغضب. شعرت بالخوف. كنت أرى أن ذلك ليس عادلًا، وينطوي على شيء شرير. كلما أشرت لأمي إلى الإهدار في تجهيز سريرين بينما يمكننا النوم في سرير واحد؛ كانت تخبرني أن ذلك صحيًا أكثر، والآن ها هو هذا الرجل، هذا الغريب، ينام معها دون أدنى اعتبار لصحتها! استيقظ مبكرًا وأعد الشاي، وبالرغم من أنه أحضر لأمي فنجانًا إلا أنه لم يحضر لي أي شيء.

“ماما” صرخت .. “أريد فنجان شاي أيضًا” …

“نعم، عزيزي” قالت بصبر .. “يمكنك الشرب من فنجان ماما”.

هذا ما حسم الأمر. إما أن يغادر أبي أو أغادر أنا المنزل. لم أكن أرغب في الشرب من فنجان أمي. كنت أريد أن أعامل بمساواة في منزلي. لذا، فقط لأغيظها، شربت الشاي كله، ولم أترك لها شيئًا. تقبلت هي ذلك بهدوء أيضًا.

لكن في تلك الليلة، وبينما كانت تضعني في السرير، قالت بلطف:

“لاري، أريدك أن تعدني بشيء”.

“ما هو؟” سألت …

“ألا تدخل وتزعج والدك المسكين في الصباح، وعد؟” …

“والدي المسكين” مرة أخرى! كنت أشعر بالشك في كل شيء يتعلق بذلك الرجل المستحيل.

“لماذا؟” سألت.

“لأن بابا المسكين قلق ومتعب ولا ينام جيدًا” …

“لماذا لا ينام أمي؟” …

“حسنًا، أنت تعرف، أليس كذلك، بينما كان بابا في الحرب، كانت أمك تحصل على البنسات من مكتب البريد؟” …

“من الآنسة ماكارثي؟” …

“صحيح، لكن الآن، كما ترى، لم تعد الآنسة ماكارثي تملك المزيد من البنسات، لذا يجب على بابا أن يخرج ليجد لنا بعضًا منها. هل تعرف ماذا سيحدث إذا لم يستطع؟” …

“لا” قلت …  

“حسنًا، أعتقد أننا قد نضطر للخروج والتسول مثل تلك العجوز المسكينة في أيام الجمعة. نحن لن نحب ذلك، صحيح؟” …

“لا” وافقت. “لن نحب ذلك” …

“لذا ستعدني ألا تدخل وتوقظه؟” …

“أعدك” …

أعلم أنني كنت جادًا في ذلك. كنت أدرك أن النقود مسألة جوهرية، وكنت ضد الاضطرار إلى الخروج والتسول مثل العجوز في يوم الجمعة. وضعت أمي جميع ألعابي في دائرة كاملة حول السرير بحيث يكون سقوطي حتميًا فوق أي منها مهما كانت الطريقة التي سأحاول الخروج بها من ذلك الحصار.

تذكرت وعدي تمامًا عندما استيقظت. نهضت وجلست على الأرض ولعبت ـ لساعات كما بدا لي ـ ثم أحضرت كرسيًا ونظرت من نافذة العُلّية لساعات أخرى. كنت أتمنى أن يحين وقت استيقاظ أبي، أن يعد لي أحد كوبًا من الشاي. لم أشعر بحرارة الشمس على الإطلاق. كنت أشعر بملل عارم وبرد قارص. أشتاق ببساطة إلى دفء وعمق فراش الريش الكبير.

أخيرًا لم يعد بوسعي التحمّل أكثر من ذلك. دخلت إلى الغرفة المجاورة، وبما أنه لم يكن هناك مكان بجانب أمي فقد تسلقت فوقها. استيقظت من جديد …

“لاري” همست ممسكة ذراعي بشدة “ماذا وعدتني؟” …

“لكنني فعلت، ماما” صرخت عالقًا في المصيدة .. “كنت هادئًا لفترة طويلة جدًا” …

“أوه، عزيزي، أنت متجمد!” قالت بحزن، وهي تتحسسني في كل مكان .. “الآن، إذا سمحت لك  بالبقاء؛ هل ستعدني ألا تتحدث؟” …

“لكنني أريد أن أتكلم، ماما” صرخت باكيًا …

“هذا لا يصح” قالت بحزم غير معتاد بالنسبة لي .. “بابا يريد أن ينام، هل تفهم ذلك؟” … 

فهمت ذلك جيدًا. كنت أرغب في التحدث، وكان هو يريد أن ينام. أي بيت هذا على أي حال؟

“ماما” قلت بحزم مماثل. “أعتقد أنه سيكون أفضل لأبي أن ينام في سريره الخاص”.

بدت مذهولة من هذه العبارة لأنها لم تقل شيئًا لفترة.

“الآن، مرة واحدة وإلى الأبد” تابعت، “يجب أن تكون هادئًا تمامًا أو تعود إلى سريرك. ماذا ستختار؟” …

أحبطني ذلك الظلم. كان يدينها التناقض وعدم المنطق. لم أحاول حتى الرد. ممتلئًا بالضغينة ركلت أبي. لم ينتبه لذلك لكنه أصدر تأوهًا وفتح عينيه في هلع.

“ما الوقت الآن؟” سأل بصوت مذعور ولم يكن ينظر لأمي وإنما إلى الباب، كما لو كان يرى شخصًا هناك.

“ما زال الوقت مبكرًا” أجابت بهدوء .. “إنه فقط الطفل. عد إلى النوم مرة أخرى، الآن لاري” أضافت، وهي تخرج من السرير “لقد أيقظت بابا وعليك العودة”.

في هذه المرة، ورغم هدوئها، كنت أعلم أنها تعني ما تقوله مثلما أعلم أن حقوقي وامتيازاتي الرئيسية قد ضاعت تقريبًا ما لم أصرّ على التمسك بها وتأكيدها فورًا. عندما رفعتني أمي أطلقت صرخة تكفي لإيقاظ الموتى. أطلق أبي زفرة “ذلك الطفل اللعين! ألا ينام أبدًا؟” …

“إنها مجرد عادة، عزيزي” قالت بهدوء، رغم أنني كنت أبصر اضطرابها …

“حسنًا، حان الوقت ليخرج من هنا” صرخ أبي وبدأ يتقلب في السرير. جمع فجأة كل الأغطية حوله والتفت نحو الحائط ثم نظر إلى الوراء من فوق كتفه، دون أن يظهر منه سوى عينان صغيرتان، خبيثتان، وداكنتان. بدا الرجل شريرًا جدًا.

لكي تفتح باب غرفة النوم كان على أمي أن تتركني. فككت نفسي واندفعت صارخًا نحو الزاوية البعيدة. كان أبي يجلس في السرير منتصبًا.

“إخرس، أيها الجرو الصغير!” قال بصوت مختنق …

كنت مذهولًا لدرجة أنني توقفت عن الصراخ. لم يتحدث إليّ أحد بتلك النبرة من قبل. حدقت إليه بذهول ورأيت وجهه مشوّهًا بالتشنجات. عندئذ فقط أدركت تمامًا كيف أن الله قد أكرمني لدرجة التدليل حين استجاب إلى صلواتي من أجل العودة الآمنة لهذا الوحش.

“إخرس، أنت!” صرخت وأنا في ذروة الغضب …

“ماذا قلت؟” صرخ أبي قافزًا من السرير بعنف …

“ميك، ميك!” صاحت أمي .. “ألا ترى أن الطفل غير معتاد عليك؟” …

“أرى أنه يتغذّى أكثر مما يتعلم” زمجر أبي ملوحًا بذراعيه …

“يحتاج أن تُصفع مؤخرته” …

كان كل صراخه السابق لا شيء مقارنة بهذه الكلمات الفاحشة التي يقصدني بها. جعل دمائي تغلي بحق.

“اضرب نفسك!” صرخت بشكل هستيري” .. “اضرب نفسك! اسكت! اسكت!”…

عندئذ فقد صبره وبدأ يهاجمني. فعل ذلك دون الإقناع المتوقع من رجل تحت بصر الأم المذهولة. انتهى الأمر بضربة خفيفة وحسب، لكن الإهانة البالغة الناجمة عن تعرّضي للضرب بسبب تدخلاتي البريئة من غريب، غريب تمامًا، تسلل إلى سريرنا الكبير؛ هذه الإهانة جعلتني أجن كليًا. صرخت وصرخت، ورحت أرقص حافي القدمين أمامه. كان يبدو محرجًا، وشعره كثيفًا تحت قميص الجيش الرمادي القصير، ويحدّق إليّ كجبل يوشك على السقوط فوقي. أعتقد أنها كانت اللحظة التي أدركت فيها بأنه يشعر بالغيرة أيضًا. كانت أمي واقفة في ثوب نومها، تبدو كما لو أن قلبها محطم بيننا. كنت آمل أن تشعر بما يوحي مظهرها لي. بدت في عينيّ أنها تستحق كل ذلك.

منذ ذلك الصباح أصبحت حياتي جحيمًا. كنت أنا وأبي  عدوين بشكل معلن. نقوم بسلسلة من المناوشات ضد بعضنا حيث كان يحاول سرقة وقتي مع أمي، وأنا أحاول سرقة وقته معها. عندما كانت تجلس في سريري لتروي لي قصة؛ كان يبحث عن زوج من الأحذية القديمة التي زعم أنه تركها في بداية الحرب. أثناء حديثه مع أمي؛ كنت أصدر جلبة وأنا ألهو بألعابي لكي أظهر عدم اهتمامي التام. في إحدى الأمسيات حدث المشهد الأكثر احتدامًا عندما عاد من العمل ووجدني ألعب بشاراته العسكرية، وسكاكين جورخا، وعصي الأزرار؛ نهضت أمي وأخذت الصندوق مني.   

“لا يجب أن تلعب بألعاب والدك إلا إذا سمح لك بذلك، لاري” قالت بصرامة .. “والدك لا يلعب بألعابك” …

لسبب ما نظر أبي إلى أمي كما لو أنها لكمته ثم ابتعد عنا عابسًا …

“تلك ليست ألعابًا” قال بتجهم وهو يتفحص الصندوق ليرى إذا كنت قد أخذت شيئًا .. “بعض التذكارات نادرة جدًا وقيّمة” …

لكن مع مرور الوقت تبينت أكثر كيف تمكن من إبعاد أمي عني، وما زاد الأمر سوءًا هو أنني لم أستطع فهم طريقته أو إدراك ما يجذبه لأمي. كان في كل وسيلة ممكنة يبدو أقل جاذبية مني. لهجته عادية، ويصدر أصواتًا أثناء شرب الشاي. اعتقدت لفترة أن ما يثير اهتمامها هو الصحف، لذا اخترعت بعض الأخبار الخاصة بي لأقرؤها لها. ثم اعتقدت أنه قد يكون التدخين، وهو ما كنت أراه جذابًا بالفعل؛ فأخذت أنابيب التبغ وبدأت أعبث بها في المنزل حتى أمسك بي. لدرجة أنني كنت أصدر أصواتًا أثناء شرب الشاي، لكن أمي حينئذ فقط أخبرتني أنني مقرف. بدا أن كل شيء يدور حول تلك العادة غير الصحية في النوم معًا، لذا قررت أن أذهب إلى غرفة نومهما وأتجسس عليهما كاتمًا أنفاسي حتي لا يعرفا أنني أراقبهما، لكنهما لم يفعلا شيئًا يمكنني رؤيته. في النهاية هزمني. بدا الأمر وكأنه يعتمد على أن تكون بالغًا وتعطي الناس خواتم. أدركت أنه سيتعيّن عليّ الانتظار.

لكنني في الوقت نفسه أردت إفهام أبي أنني أنتظر فحسب، ولم أستسلم في الحرب بيننا. ذات أمسية كان مزعجًا للغاية، يتحدث بإفراط فوق رأسي. قررت حينئذ أن أطلق العنان لنفسي …

“أمي”، قلت، “هل تعرفين ماذا سأفعل عندما أكبر؟”

“لا، عزيزي”، أجابت. “ماذا؟”

“سأتزوجك”، قلت بهدوء

أطلق أبي ضحكة قوية، لكنه لم يأخذ كلامي على محمل الجد. كنت أعلم أن ما قلته لن يؤخذ إلا كدعابة، ورغم ذلك، كانت أمي سعيدة. شعرت بأن ارتياحًا تسلل إليها حين عرفت أنها ذات يوم سوف تتحرر من قبضة أبي.

“ألن يكون ذلك لطيفًا؟” قالت مبتسمة.

“سيكون لطيفًا جدًا” قلت بثقة. “لأننا سننجب الكثير والكثير من الأطفال”.

“هذا صحيح عزيزي” قالت بهدوء. “أعتقد أنه سيكون لدينا واحدًا قريبًا، وعندئذ ستحصل على المزيد من الصحبة”.

كنت سعيدًا لأنها كشفت لي بأن استسلامها لأبي لا يمنعها من أخذ رغباتي بعين الاعتبار. كان من شأن ذلك أيضًا أن يضع عائلة جيني في مكانها المناسب مقارنة بنا.

لكن الأمر لم ينته على هذا النحو المثالي. أصبحت أمي مشغولة جدًا، وبالرغم من أن أبي قد بدأ يمضي المساء خارج البيت إلا أن ذلك لم يمنحني ميزة خاصة. توقفت أمي عن اصطحابي في نزهات، كما أصبحت حساسة للغاية، وتضربني بلا سبب على الإطلاق. تمنيت أحيانًا لو لم أذكر سيرة الطفل اللعين. بدا أن لدي موهبة في جلب الكوارث لنفسي. 

وحلت الكارثة! وصل سوني وسط ضجة مروّعة. ولم أحبه منذ اللحظة الأولى. كان طفلًا صعب المراس بالنسبة لي، ويتطلب الكثير من الانتباه. لم تكن أمي تستوعب بغبائها قدرة هذا الطفل على التظاهر. كان أسوء من أن يكون عديم الفائدة. ينام طوال اليوم، مما يضطرني للتحرك في المنزل على أطراف أصابعي تجنبًا لإيقاظه. لم يعد النهي متعلقًا بإيقاظ أبي، بل أصبح التحذير الآن هو “لا توقظ سوني!”. لم أفهم لماذا لا ينام الطفل في الوقت المناسب. لذا كلما أدارت أمي ظهرها لي وهو نائم كنت أقرصه لإبقائه مستيقظًا. ضبطتني أمي ذات يوم وأنا أفعل ذلك وضربتني بقسوة شديدة.

في إحدى الأمسيات عاد أبي من العمل وكنت ألعب بالقطارات في الحديقة الأمامية. تظاهرت بأنني لم ألحظ قدومه ثم ادعيت بأنني أتحدث إلى نفسي وقلت بصوت عال: “إذا جاء طفل آخر إلى هذا المنزل سوف أرحل”.

توقف أبي فجأة ونظر لي من فوق كتفه.

“ماذا قلت؟” سألني بصرامة.

“كنت أتحدث إلى نفسي فقط” رددت، محاولًا إخفاء ذعري. “إنه حديث خاص”.

استدار ودخل المنزل دون أن ينطق بكلمة. قصدت أن يكون ذلك تحذيرًا جادًا لكن تأثيره كان مختلفًا تمامًا. أصبح أبي لطيفًا جدًا معي. كنت أستوعب سر ذلك بالطبع. أفرطت أمي في الاهتمام بسونى، حتى في أوقات الوجبات كانت تنهض وتنظر إليه في المهد بابتسامة حمقاء، وتطلب من أبي أن يفعل الشيء نفسه. كان مهذبًا على الدوام حيال ذلك، لكنه أيضَا يبدو مرتبكًا للغاية وكأنك تستطيع أن ترى عجزه عن إدراك ما تتحدث عنه أمي. اشتكى من بكاء سوني في الليل، لكنها كانت تستاء فقط، وتقول إن سوني لا يبكي إلا عندما يكون هناك شيء خاطئ. كانت تلك كذبة مفضوحة، لأن سوني لم يكن لديه أي شيء، وكان يبكي لجذب الانتباه وحسب. كان مؤلمًا حقًا رؤية مدى سذاجتها، وبالرغم من أن أبي لم يكن جذابًا إلا أنه كان يتميز بذكاء عظيم. كان يرى ما يخفيه سوني، والآن عرف أنني أرى أيضًا ما يخفيه هو.

في إحدى الليالي استيقظت فجأة. كان ثمة شخص بجانبي في السرير. للحظة جامحة شعرت أنها أمي بالتأكيد وقد استعادت رشدها وقررت ترك أبي إلى الأبد. لكنني سمعت سونى يبكي متشنجًا في الغرفة المجاورة، وأمي تردد: “اهدأ حبيبي! اهدأ حبيبي! اهدأ حبيبي!” فعرفت أن هذا الشخص ليس هي. كان أبي مستلقيًا بجانبي، مستيقظًا تمامًا، يتنفس بصعوبة، ويبدو غاضبًا جدًا.

بعد لحظات عرفت سر نقمته. أتى عليه الدور الآن. بعد أن طردني من السرير الكبير تم طرده هو أيضًا. لم تعد أمي تأخذ أحدًا بعين الاعتبار سوى ذلك الجرو السام سوني. لم أستطع إنكار شعوري بالأسف تجاه أبي. لقد مررت بكل ذلك، وحتى في ذلك العمر كنت طيب القلب. بدأت أربت عليه وأقول: “اهدأ حبيبي! اهدأ حبيبي!”. لم يرد.

“ألن تنام أيضًا؟” قال بخشونة.
“آه هيا ضع ذراعك حولي. هل تستطيع؟” قلت، وقد فعل، بنوع من الحذر، أعتقد أن ذلك هو الوصف الأنسب. كان نحيفًا جدًا لكنه أفضل من لا شيء.

في عيد الميلاد، بذل قصارى جهده ليشتري لي نموذجًا رائعًا للسكك الحديدية. 

موقع "الكتابة" الثقافي

28 ديسمبر 2024

تحميل كتاب "زهرة لنفسي"


الوقت فقط

عرفت بعد موتك أنك لم تدخل شقتك التي كان ينبغي أن تتزوج فيها .. اصطحبك والداك إلى البناية ولكن لم يكن بمقدورك صعود السلم الطويل المؤدي إليها مهما توفرت الأيدي التي ستحاول مساعدتك .. ربما لم يكن بوسع كرامتك أيضًا تحمّل أن تصعد مشلولًا لمعاينة “عش زواجك” الذي أصبح أكثر ارتفاعًا مما يبدو في الواقع .. ظللت جالسًا في الأسفل بينما صعد والداك لتفقد الشقة قبل أن يعودا إليك بأوصافها التي لن تراها مجسّدة أبدًا .. كأنها لم تكن مخصصة إلا لخلوة عابرة بين أبيك وأمك وكان بوسع دماغك الفاجر أن يتخيل أكثر السيناريوهات بذاءة لها وأنت جالس وحدك أسفل العمارة في انتظارهما، وبكل ما يملأ مرضك من غل متهكم وحسرة ذاهلة ورغبة جحيمية في انتقام لا يستثني أحدًا .. كأنها نبؤة لما حدث بعد تلك اللحظة بوقت قصير: زوجتك التي لم تدخل بها تمتنع عن الخروج من حجرتها لاستقبالك حين تزورها بينما تخبرك أمها بأن كل شيء نصيب لتعود باكيًا إلى البيت وأنت تحمل علبة “شبكة” لم تتزين بها الناجية من ورطة مرضك إلا شهورًا قليلة قبل أن تتفاقم أعراض علتك وترقد تمامًا ثم تباع الشقة التي لم تمتلكها إلا بتوقيعك المرتجف على عقدها المؤقت .. ربما تخيلت أيضًا وأنت جالس أسفل البناية انتظارًا لوالديك كل ما بقي حلمًا وحسب: شفاء من المرض .. حفل زفاف .. شهر عسل .. أطفال .. حياة أسرية سعيدة .. عمر طويل .. طمأنينة عند الموت .. كل ما تحوّل في الواقع إلى فراش من البول والخراء وأعقاب السجائر وصوت إذاعة القرٱن الكريم من راديو ترانزستور صغير بجوار مصحف ومسبحة وصرخات متواصلة تتدافع من وراء باب مغلق لتدوي في أرجاء البيت، وسباب بالجنس والملة يستهدف الجميع ويجتاح فضاء الشارع أسفل شباك حجرة الصالون التي أصبحت مغارة لشيطانك المحتضر، المأسور في ظلامها المقبض .. ما الفرق بين حلمك وما صار إليه في الواقع؟ .. إنه الوقت فقط .. مساحة الزمن لا أكثر .. هذا شيء آخر لم أعرفه إلا بعد موتك.

اللوحة:  André Derain

جزء من رواية “نصفي حجر” ـ قيد الكتابة. 

السبت، 21 ديسمبر 2024

الحبكة المحتالة: انتقام شرلوك هولمز للطبيب آرثر كونان دويل


 رسم توضيحي لويليام هايد في مجلة هاربر ويكلي (12 أغسطس 1893)

ما الذي يجعل رجلًا كالسيد بلسينجتون، ذا “قلب معتل”، أن يختار طبيبًا متخصصًا في مرض “جمود العضلات” لكي يموّل عمله ويستأجر له منزلًا ويشتري أثاثه، ويدفع كذلك تكاليفه الشخصية كافة كل أسبوع ثم يعيش معه لأنه يحتاج أن يكون دائمًا “قرب طبيب”؟ .. هل الجوائز التي حصل عليها الطبيب في مجال “الدماغ” تعد مبررًا كافيًا لأن يقدم السيد بلسينجتون له ذلك العرض بالغ السخاء، في حين أنه كان بوسعه أن يستثمر أمواله في مجال آخر لا يتعلق بـ “مرض نادر”، فضلًا عن تقديم هذا العرض لطبيب متخصص في العلة التي يعاني منها السيد بلسينجتون بالفعل؟ .. لماذا زار الروسيان المنزل في البداية أثناء وجود الطبيب وهما يعلمان بغياب السيد بلسينجتون عنه في ذلك الوقت بوصفهما ابنًا شابًا يرافق أباه العجوز المريض بجمود العضلات، في حين اتضح بعد ذلك أن لديهما القدرة على التسلل إلى المنزل في غفلة من الطبيب لقتل السيد بلسينجتون اعتمادًا على مساعدة أحد الخدم كما جاء في تفسير شرلوك هولمز؟

نحن أمام حزمة من المعلومات غير المعقولة أدى التحايل في خلق ترابط بينها إلى تكوين “حبكة محتالة” وذلك لغرض محدد .. لص يعيش باسم مستعار، سبق له الاشتراك مع ثلاثة آخرين “الروسيان بيدل وهايوود وأيضًا رجل آخر تم شنقه” في جريمتي سرقة أحد البنوك وقتل حارس ليلي، ثم قرر هذا اللص مساعدة الشرطة وتقديم البراهين إلى المحكمة التي تدين رفاقه .. يعرض هذا اللص أن يُغيّر حياة طبيب متخصص في “جمود العضلات” وأن يسكن معه بدعوى أن “قلبه مريض” .. الروسيان “بيدل وهايوود” يقرران الانتقام من اللص الذى وشى بهما وبالآخر الذي تم شنقه فيذهبان أولًا إلى الطبيب في غياب هذا اللص كمريضين ثم يتسللا إلى غرفته وبعد ذلك يعودان إلى حجرة الطبيب متحججين بحالة التشوّش التي تملكت الأب العجوز وعدم إدراك الابن لها .. يعود الروسيان لقتل اللص بمساعدة الخادم.

لو تأملنا قصة “لغز المريض المقيم” جيدًا سنجد أن المعلومات كلها تعتمد على ثقة شخصين فقط “الطبيب” و”شرلوك هولمز” .. الطبيب يضع بداية القصة وشرلوك هولمز يضع نهايتها التفسيرية .. لا أحد غيرهما يمتلك أي إثبات موضوعي مستقل لكل ما يقدمانه كـ “حقائق مؤكدة” .. ماذا كانت النتيجة؟:

“لم يعاقب أحد لموت بلسينجتون. فقد غرق بيدل وهايوود في وقت قصير بعدئذ حين غرقت باخرة تدعى نوراه كراينا بعيدًا عن ساحل البرتغال. لم يكن هناك برهان كاف ضد خادم دكتور ترفيليان، لذلك لم يُتهم أبدًا، ولم تُقدّم قصة لغز شارع بروك كاملة إلى الجمهور حتى الآن”.

كأن آرثر كونان دويل قد دبر في هذه القصة تواطؤًا بين الطبيب وشرلوك هولمز على خلق هذه الحبكة ثم أخفى كل ما يمكنه كشف احتيالها .. دويل الذي وضع سيجارات في المدفأة لكي يكتشف هولمز أن بلسينجتون قد قُتل ولم يشنق، وجعل هولمز أيضًا يستخدم صورة بلسينجتون في التوصل إلى حقيقته ومن ثمّ إلى صلته بجريمتي سرقة بنك ومقتل حارس ليلي وبالتالي إلى هوية قاتليه، كما جعله يتوصل إلى تورط الخادم في مساعدة هذين القاتلين من دون اهتمام بعرض الأدلة التي قادته إلى ذلك؛ مع كل هذا اختار أن يموت الروسيان لا أن يُقبض عليهما ويعترفا بجريمتهما، وأن يستبعد أي برهان كاف لإدانة الخادم بالرغم من يقين شرلوك هولمز بتورطه في الجريمة .. كان بوسع آرثر كونان دويل أن يقدم تأكيدًا في النهاية لكل المعلومات التي وردت في هذا اللغز ولكنه مع ذلك أبقاها دون حسم، كأنه يستجيب إلى ما يمكن أن يعد جانبًا لاوعيًا من ذاته يعرف تمامًا أن الأمر يحكمه التلفيق.

إننا لو صدقنا ـ بشيء من المسايرة المقصودة ـ الظروف التي شكّلت علاقة الطبيب بالسيد بليسنجتون في البداية فإننا وفقًا للسياق المنطقي الذي قد ينجم عن هذه الملابسات سنجد أن الطبيب نفسه هو المستفيد من قتل السيد بلينجستون .. طبيب أصبح ناجحًا بفضل مساعدة السيد بلينجستون، ولكن في المقابل فإنه لا يحصل سوى على ربع ما يكسبه من مال ويأخذ السيد بلينجستون الثلاثة أرباع وهو ما ساهم في زيادة ثراءه .. لو اختفى السيد بلينجستون من الوجود ـ بسبب حادثة سرقة بنك قديمة وما نجم عنها من عواقب ـ فإن الطبيب سيحصل على ما يجنيه من عيادته كاملًا ودون أي نقص.

إن القصة حين نجردها من أحداثها الظاهرية ستبقينا أمام مواجهة مباشرة بين طبيب يلخص معاناته في الفقرة التالية:

 “لكن، أيها السادة، ليس لدي مال. الرجل الذي يريد أن يصبح متخصصًا يجب أن يعيش في المنطقة الغالية حول ساحة كافندش ـ هناك فقط حوالي اثنى عشر شارعًا محتملًا، والإيجارات عالية إلى حد مفرط! وعلى الإنسان أيضًا أن يستأجر حصانًا وعربة ويشتري أثاثًا لمنزله. كنت سأحتاج إلى عشر سنين لأكون قادرًا على توفير المال الضروري”.

… وبين رجل ثري أعطى الطبيب ما يحتاجه في مقابل الجزء الأكبر من دخله.

هذا ما يجعل التواطؤ الذي دبره آرثر كونان دويل بين الطبيب وشرلوك هولمز لا يتعلق بشخصيتي الطبيب والسيد بليسنجتون وإنما باحتياج العلم إلى المال وبرغبة صاحب العلم في التخلص من الملكية الانتهازية لصاحب المال؛ فلو كان الطبيب يمتلك كفايته الذاتية ما احتاج إلى تمويل السيد بليسنجتون لعمله، ومن ثمّ ما كان مجبرًا على التخلي عن ثلاثة أرباع عائد جهده إلى ذلك الرجل .. هنا لا يتم النظر إلى المعادلة السهلة التي تعيّن هذا التخلي ثمنًا منطقيًا مقابل ما منحه السيد بليسنجتون للطبيب باعتبار هذه المعادلة هي القول الفصل، ولكن المعيار الأساسي الذي له أولوية الاهتمام في هذه المسألة عند آرثر كونان دويل كطبيب عانى من الفقر والتبعية والفشل المهني هو الاستقلالية عن سلطة الآخر “الثري” .. المعيار الأساسي هو التحرر “العادل” الذي يوفر للطبيب ما يحتاجه من أجل عمله، دون اضطراره أن يقتطع النصيب الأكبر من دخله في مقابل ذلك .. لا يتعلق الأمر بالأخذ والدفع وإنما بالحصول على ما تعتبره حقًا أصيلًا لك دون شروط سوف ستحرمك من هذا الحق إذا لم تقبلها.    

من كتاب “الحبكة المحتالة” ـ قيد الكتابة


أيامي الأخيرة

 ادخلوا سريعًا أرجوكم. لا أعرف كيف حدث ذلك. نعم، من هذا الاتجاه. حجرة النوم في نهاية الردهة. أشعر بأني على وشك الإغماء.

احذروا من فضلكم؛ ما ستشاهدونه لن يكون محتملًا أبدًا. إنه أفظع مشهد يمكن أن تبصرونه في حياتكم على الإطلاق. زوجتي وابنتي الصغيرة! ماذا سأفعل الآن؟

انظروا! حدث كل شيء بسرعة مباغتة لا يمكنني استيعابها. كما ترون؛ كنا نجلس ممددين على السرير لنتناول العشاء ونشاهد التليفزيون. كل شيء كان طبيعيًا وروتينيًا للغاية. ابنتي كانت تجلس في المنتصف كالعادة؛ وجدتها فجأة …

يا إلهي، كيف يمكنني وصف بشاعة الأمر! وجدت ابنتي تمد يدها وتسحب من فوق صينية الطعام هذا السكين الذي تستعمله زوجتي لتقطيع الخبز ثم … لا أصدق أنها فعلت ذلك! غرزته بكل قوتها في صدر أمها. هكذا بلا مقدمات، ودون أن تنطق بأي كلمة. هل يمكنكم تخيل هذا! طفلة في الحادية عشرة من عمرها تقتل أمها بمنتهى العفوية واللامبالاة أثناء تناول العشاء!

كنت على وشك أن أقضم لقمة من ساندويتش الجبن الذي أحمله في يدي عندما رأيت هذا المنظر المروّع. تجمدت الدماء في عروقي، وتصلّب كامل جسدي، ومزقت الصرخة العاتية لزوجتي كل ذرة في داخلي. حتمًا سمعتموها جميعكم بوضوح. كان غريبًا للغاية، وداعمًا لقسوة الفجيعة أيضًا أن هذه الصرخة تطابق تمامًا تلك التي طالما تخيلتها تعيش وتنمو خفية في أعماق زوجتي طوال عمرنا معًا. الصرخة التي ربما منعت نفسها مرارًا من إطلاقها وهي تراقب الطيور من الشرفة كل غروب. اغفروا لي اضطرابي؛ فأنا أكثر الكائنات تجسيدًا للشقاء في هذه اللحظة!  

لم أكن أعرف أن هذا الكابوس الوحشي غير المتوقع الذي سيلازمني بقية حياتي لم ينته بعد. رأيت زوجتي أثناء احتضارها ترفع يدها وتنزع السكين من صدرها ثم بآخر ما لديها من حياة تغرزه في صدر ابنتي قبل أن يهمد جسدها تمامًا. لم تصرخ الطفلة كأمها. انفرج فمها المثقل ببقايا الطعام عن تأوه شاحب فحسب، يشبه ذلك الذي كان يمكن أن يصدر منها عند تعثر بسيط أثناء ركضها في حديقة ما وقت المطر. تأوه شاحب مقترن برعشة خاطفة. مجرد ارتجاف ضئيل غادرت معه الأنفاس الأخيرة جسد ابنتي الذي ارتمى فورًا على جانبه ليلتصق دون حركة بجسد زوجتي.

هل يمكنكم تصوّر ذلك!

يجلس أحدكم أمام التليفزيون لتناول العشاء مع أسرته ثم خلال ثلاث ثوان فقط يتحوّل سريره إلى مسلخ صغير، تشاركه فيه دماء جثتين كانتا أقرب البشر إليه وهو عاجز عن فعل أي شيء.

أخبروني أرجوكم؛ كيف يمكنني أن أعيش بعد الآن؟!

لم تكن بينهما أية مشاعر سيئة. هل يمكن أن تكون هناك ضغينة مخبوءة بين أم وطفلتها تؤدي بلا تمهيد إلى هذه النهاية الفادحة؟ إنه أمر لا يمكن لأكثر الأذهان جموحًا أن يستوعبه. كانت علاقتهما في منتهى الوئام والترابط، ولم يكن بالطبع لتلك الجدالات البسيطة أحيانًا أن تقود إلى هذه الكارثة بالغة الفظاعة التي تتمدد أمام عيونكم الآن. أتتم تعرفون بالطبع ما الذي يكون عليه الحال بين أم عصبية قليلًا وابنة صغيرة مدللة تميل في بعض الأوقات للعناد والتطلّب. لا يوجد تفسير مهما كان يقدر على الصمود أمام هذه المأساة الجسيمة دون حد، التي حوّلت حياتي في غمضة عين من الطمأنينة إلى العذاب. هو حتمًا مس شيطاني مجهول أصابهما معًا في لحظة واحدة. لعنة غامضة من الجحيم أفقدتهما الإدراك بشكل مفاجئ وامتلكت إرادتهما كليًا، ومن ثمّ ساقت كلًا منهما لقتل الأخرى. لم أكن أؤمن بمثل هذه الأشياء الغيبية، بل إنني كنت دائم السخرية من أولئك الذين يصدقونها. لكني بعد أن رأيت ما جرى هذه الليلة فإنني على استعداد لقبول كل ما كان يعد خرافة بالنسبة لي. نعم، أي هراء مناف للعقل ومهما كان متماديًا في عبثيته أصبح منطقيًا الآن أمام هذه المجزرة التي ستظل حية وتكرر نفسها في باطني على نحو متواصل حتى اللحظة الأخيرة من عمري.

لن يمكنني بلا شك البقاء في هذه الشقة. ينبغي أن أسرع ببيعها، وأتمنى ألا يعطل ذلك ما شهدته جدرانها في هذه الليلة السوداء. سوف أشتري شقة جديدة، وسيكون من الأفضل حتمًا أن تكون خارج المدينة.

لن أتحمّل بالتأكيد العيش وحدي مع ذكرى هذه المذبحة، ولذلك سأعاود الاتصال بإحدى طالباتي في ورشة القصة القصيرة. الفتاة التي كانت “تقتلني بنعومة” كما غنّى صديقي فرانك سيناترا، والذي استخدمت أغنيته في إخبارها بذلك ذات يوم بصورة غير مباشرة. صحيح أنها تصغرني بعشرين عامًا، وأننا لم نتحدث بأي شكل منذ انتهاء الورشة قبل خمس سنوات، فضلًا عن أنها تزوجت وأنجبت طفلًا قبل عام تقريبًا؛ لكن كل ذلك لن يكون بالأهمية التي يبدو عليها بالنسبة لهذه البنت حين تعرف بالمصيبة التي حدثت لي. أعتقد أنها ستتخلى عن كل شيء من أجلي، ولن تمنعها قيود العالم، مهما كانت، من تحقيق رغبتها في أن تعيش معي أيامي الأخيرة. ستكون هذه الأيام فرصة مناسبة بالضرورة لأن أواصل تدريبها على كتابة القصة القصيرة بالكيفية التي لم يسمح بها زمن الورشة القديمة.

لماذا تنظرون لي هكذا؟!

الصورة لـ joel peter witkin

الجمعة، 6 ديسمبر 2024

من نسق "الفقر" إلى فقر "النسق" / قراءة تفكيكية في المجموعة القصصية "حواديت محلية الصنع" لعلاء أحمد"

الملخص:

بقدر ما رأى النقد الأدبي في القصة القصيرة عبر التاريخ مجالًا لغويًا مفتوحًا للتحليل والتنظير حول موضوعات "القهر الاجتماعي" و"التفاوت الطبقي" و"التمييز الثقافي"، ومثلما استعمل في تلك المقاربات والاستقراءات المفاهيمية أعمالًا قصصية من الأدب العربي والعالمي، تحوّلت إلى نماذج متأصلة، تُستدعى ويشار إليها على المستوى البحثي والتداولي؛ بقدر ما تبنى نقد القصة القصيرة أيضًا العديد من التجارب التأويلية التي استندت إلى الرؤى التفكيكية لهذه الموضوعات بالاشتباك مع الطبيعة الوجودية لـ "السلطة"؛ أي الأسس الإدراكية المترفعة التي تجسد فرضياتها الصور اليومية المباشرة لـ "القهر" و"التفاوت" و"التمييز". اعتمدت هذه الرؤى على تقويض الدعائم الغيبية لـ "التسلط" التي تحدد "الحقيقة" وفقُا لشروطها المطلقة، وتجعل من "المعنى الاستعبادي" غاية استباقية للظواهر الواقعية المتغيّرة، تشكّل أبعادها وممارساتها السياسية والاقتصادية والعقائدية المختلفة كـ "فكر" يمتلك صفة البداهة، متقدم على "الفعل" الخاضع لحكمه المتحيّز، احتياجًا إلى ما يسمى "الإيمان". احتياجًا إلى كبت الرغبة التدميرية تجاه الذات التي تحتاج إلى "الإيمان".

"لقد بدأت التفكيكية مع جاك دريدا كمشروع إعادة نظر في الفلسفة الغربية وقد تشكّل هذا المشروع على أرضية معرفية تأسست تاريخيًا من مراجعات الفكر الغربي، التي تمت على ما يزيد من قرن من الزمان، بدءً بما قدمه نيتشه من رفض لما أقره الفلاسفة حول الحقيقة والجوهر، ومرورًا بما قدمه مارتن هايدغر من إعادة النظر بمفاهيم الميتافيزيقا وإصراره على أن مبحث الكينونة في الفلسفة الغربية إنما هو بحث في الكائن لا الكينونة، وكان تجاوز الميتافيزيقا والتفكير الميتافيزيقي هو محور محاولاته المتكررة، وبما قدمه ميشيل فوكو من طرح مشابه فيما جسّده من فكرة انحلال الأشياء في الكلمات، والنظام في الخطاب، وتمثل المعطى الجوهري الذي صدرت عنه طريقته، في نظرته إلى أن الحقيقة قد تقررت تاريخيًا على أنها نتاج ممارسة خطابية، حتى إن الذات هي نتاج "للممارسات الخطابية"، وانتهاءً عند دريدا فيما اختزله بهدم الثنائيات التي شيدت التكوينات المعرفية للفلسفة الغربية مثل: "الداخل / الخارج .. العقل / الجسد .. الحرفي / المجازي .. الكلام / الكتابة .. الحضور / الغياب .. الطبيعة / الثقافة .. الشكل / المعنى" ومن ثمّ انسحب ذلك على ثنائيات النقد الأدبي مثل: الدال / المدلول .. المؤلف / القارئ .. الكتابة / القراءة .. النص / الخطاب" ... "1".

الكلمات المفتاحية: التفكيك، القصة، السلطة، النسق، الفقر.

1ـ مقدمة:

منذ الكلمات الأولى في مجموعة "حواديت محلية الصنع" أو المفتتح المعنوّن بـ "تعريف لابد منه" تحدد مشاهد / مقولات "الفقر" سياقًا خطابيًا يمهد لاكتشافه كهوية دامغة لقصصها، ليس فقط باعتبار المفتتح إشهارًا للمحتوى الدلالي لقصص المجموعة، ولكن لأن تفاصيله الحسية أيضًا تمتلك حضورًا طيفيًا ثابتًا داخل هذه القصص. قراءة "حواديت محلية الصنع" تعني إدراكًا بأن فضاءات قصصها تنطوي طوال الوقت على "كوب شاي ماسخ"، و"نداءات باعة جائلين"، و"تلميذ ينادى على اسمه في طابور الصباح لأنه لم يسدد المصروفات"، و"فرحة طفل بعلبة "الهريسة"، و"أطفال يلعبون "الغميضة" في المقابر"، و"محاولات لتفادي بصقات وصفعات مجذوب"، و"شخص يجمع أجرة "ميكروباص"، و"ولد يهرب من المدرسة قفزًا من فوق أسوارها العالية ذات الأسلاك الشائكة". في خفاء القصص يوجد هذا "النقصان المكتمل" بأشيائه الملموسة رغم احتجابها، التي تكوّن كليّة الحيوات المعلنة للمجموعة.

(لم أنشأ بين الكتب، ولم يحو بيتَنا مكتبة كما يتباهى الكتّاب، ذلك أن أبي الفقير لم تكن ضمن أولوياته الكتب والمكتبات. إنجازه أن يمر اليوم بالكفاف في العيش، حلونا كان كوب الشاي "الماسخ") ... "2".

"جماليات الفقر" تقدم نفسها في هذا المفتتح بديلًا لـ "المتن الأدبي العالمي" المتعذّر، كما يشير الكاتب، لكن هذه الجماليات كان عليها أن تتحوّل بدورها إلى متن شخصي، يوثّق سردية "الكفاف" التي لم تُقرأ في كتب وإنما ظلت "معاشًا". كان على هذه الجماليات بينما توثق "الحيوات الكادحة" أن تتأمل ذاتها، ليس فقط عبر مرايا "البؤس" في "الأدب العالمي"، كما نجد في قصص مثل "المعطف" لجوجول، أو "وفاة موظف" و"المغفلة" لتشيكوف، أو "الخبز" لبورشرت، ولكن أيضًا عبر التشريح الضمني للغة التي تستعملها هذه الحيوات في وصف نفسها. لكي يستجوب هذا التوثيق ولو على نحو مستتر تلك العلامات التقليدية التي يستخدمها "نسق الفقر" في تثبيت يقينه. ذلك لأن إعادة كتابة الذخيرة السردية لـ "حنايا الحواري" على سبيل المثال تضمر في جوهرها رغبة مبهمة في تحريف "النموذج البلاغي"، أي تعديله بما يجعله قابلًا للبوح بـ "فقره"؛ احتياجه الدائم لسد ثغراته، لإخفاء تناقضاته، أي عجزه عن ضمان الاتساق مع نفسه. يجعله قابلًا  للنطق بما لم يفصح عنه من قبل. تجريده من عموميته، أو سماته الشائعة والمستقرة، ألا يكون مجرد استنساخًا لمعرفة متعسفة، تكوّنت وفقًا لمشيئة "سابقة"، تتسم بالمراوغة والانفصال عن "ملامح النموذج الزائلة". هو بحث "الكفاف" حين يصبح نصًا مكتوبًا عن استقلاله المضاد عن "المصدر المتعالي" للسلطة أو الخطاب الشمولي "المنعزل" الذي ينتج مواصفات القيم عبر التاريخ، وبالتالي يؤسس ويضمن الهيمنة بواسطة الانتساب اللغوي المتجذر إلى مرجع أو "لاهوت أنطولوجي" يستحوذ كليًا على الحقيقة. يعمل النقد على كشف هذا الانتهاك المتواري الذي تمارسه القصة القصيرة تجاه خطابها الظاهري. على حل الالتزام المدعي بين الكلمات والإطار الطاغي الذي يضمن معانيها ويسيطر على إحالاتها. هكذا تكون "عني" التي يبدأ بها مفتتح المجموعة "تعريف لابد منه"، إيماءة سرية إلى "اللاتعريف".

(لا يشرح التفكيك النصوص بالمعنى التقليدي الذي يحاول الإمساك بوحدة المحتوى أو التيمة، وإنما يبحث في كيفية اشتغال التعارضات الميتافيزيقية وتفنيدها، كما يبحث في الطرق التي تُنتج بها المجازات النصية والعلاقات في النص منطقًا مزدوجًا ومتناقضًا)... "3".

2 ـ الصوت كتفاوض مع الزمن:

صوت الطفل في قصة "عملات أبي" يكافح لخلق مستويين من الزمن: الوقت الشخصي، الكرونولوجي أو المتتابع كما يمر بحسب عقارب الساعة مكتسبًا سرعة قصوى، والذي يفترض أن يصل به إلى لحظة الحصول على الدراجة، والزمن الوجودي الذي يتجاوز الوقت، أي الذي لا يرتبط خلاله العالم كليًا بعقارب الساعة. هذان المستويان من الزمن ينسجمان ويتصارعان معًا؛ فالسرعة القصوى بالنسبة للطفل هي إلغاء للوقت الشخصي، وهو ما يرادف الزمن خارج عقارب الساعة، أي في عدمه، وكأن "الدراجة" وسيلة مستقبلية ممكنة لتحقيق ذلك التخطي. لكن سر هذا الانتفاء الغامض والمستحيل للزمن هو ما يمنع الوقت من الإلغاء. هو الذي يبقي العالم عالقًا في الوقت. يعرَّف الخيال الطفولي هنا بكونه وسيطًا تفاوضيًا بين الوقت وما وراء الزمن. تودد "الوقت المستعمل" إلى السلطة الغيبية التي يختفي عندها الزمن. التي تُبقي العالم خاضعًا للزمن. الوقت المستعمل تكوّنه كل الأشياء المستعملة في حياة الطفل وأسرته، وكأن التلصص على عقارب الساعة كمجابهة لهذا الوقت هو ما يشيّد الزمن الداخلي "الشبحي" للطفل، أو الوقت المنفلت من "الاستعمال"، غير المرهون بعقارب الساعة، ومن ثمّ فإن هذا الزمن الداخلي يضع الطفل على حافة الاختفاء الزمني. أي على عتبة المواجهة مع السلطة المجهولة التي تمتلك الزمن. صوت الطفل ينطوي على استجواب لوجود يمكن تلخيصه في "سوق الجمعة" أي حيث يشتري الفقراء ما يتاح لهم من قمامة الأغنياء. الدراجة المستعملة استفهام "العدل" الذي يتعدى الأطر الاجتماعية نحو "الأصل الكوني" المحتمل للقهر. نحو الإرادة المحتجبة التي جعلت العالم نقيضًا للمطلق ومن ثمّ يحكمه التفاوت والتمييز. الطفل لا يستحق دراجة فحسب سواء كانت جديدة أو مستعملة، ولكنه يستحق أن يكون محصنًا من الحاجة بشكل شامل. أن يكون محميًا من ألم النقص. ألا تستعمله مفردات الظلم الطبقي المروّضة للتعتيم على جوهر معاناته، حيث "المساواة" ـ كرجاء طوباوي ملغز ـ ليست بين كائن وآخر وحسب، وإنما في محو التضاد بين الكائن وكينونته الإلهية بالمقام الأول. في تفتيت "الحكمة" المتسلطة التي تضلل وعيه بالمأساة، وتقمع بالضرورة تمرده الانتقامي على زيفها.

"أفرح برؤية السيارات الكهربائية التي كنت أراها فقط في الأفلام مع أبناء تجار المخدرات وأثرياء القوم، لا أعبأ بأجزائها الناقصة وخروقات جسدها من تعدّي أبناء الذوات التي أنقذتها من أياديهم العابثة دون اكتراث؛ لتكون جديدًا لآخر يعاملها برقة كحلم غال تحقق" ... "4".

تتطلب قراءة قصة "عملات أبي" مقاومة استبداد المعنى الذي يصوغ عبارات مثل "دائمًا أمانينا أغلى مما في جيوبنا، ودائمًا الثمن حائلنا الأكبر". المقاومة التي تفكك "الأمنية" و"الثمن". الأمنية التي يكشف تحققها ـ على الأخص ـ عطبًا كامنًا في أغوارها، تصدعًا جذريًا يعيد تشكيل هويتها، ذلك ما يجعل الثمن "مطاردة" لما لا يتم امتلاكه أبدًا. وكأن رحلة الولد وأبيه إلى السوق لشراء دراجة مستعملة هي تمثيل مختزل للانتقال بين فجوة وأخرى تتنكر في أحلام "محلية الصنع" عبر هامش شائخ من الفقد الأزلي، سيمتد بعفوية الحياة والموت إلى ما بعد حصول الولد على الدراجة؛ حيث تظل كل الحيوات "مستعملة". هذه الفجوات ليست "أمنيات" فحسب، وإنما هي أيضًا الإيهام الذي يفصل الراوي عن الماضي الذي يتذكره، وما يفصل الطفل عن ذاته التي تجرّب هذا الماضي حين كان حاضرًا. الفجوات التي تتحوّل لحظة الكتابة إلى تلويحات ثأرية تجاه متن غائب.  

3 ـ صيرورة التغييب والانبعاث:

شخصية الراوي في قصة "السبنسة" تحاول فض الاشتباك بين صيرورة روحية وأخرى جسدية؛ فالطالب فوق عتبة السبنسة يضع جسده في مقامرة حركية للاتساق مع شوق معاند لروحه. يريد الفوز برهانه كمغامر غير خبير وسط جماعة من المتمرسين على خطر "السبنسة"، لكن توقه الروحي في السعي لمسايرة هذه الرغبة يقيده الرفض الأساسي لهذا الاضطرار. رفض الأسباب والعوامل ـ غير النزيهة ـ التي سمحت لهذا المشهد بالوجود. هذا ما يجعل الصيرورة الروحية مجاهدة لتعطيل صيرورة الجسد بينما تقوم ظاهريًا بتحفيزها. الروح تحاول إخفاء الجسد كخطوة أولى ـ لا تحدث ـ لإعادة بعثه خارج عتبة السبنسة. خارج "موضوع" السبنسة". كأن هذا الانبعاث المناقض للجسد سيمحو رمزية "السبنسة" ذاتها، أي ما تأسسس عليه "تاريخيًا" هذا التشبث بالباب الحديدي للعربة الأخيرة من القطار .. لكن ما هو ذلك الجسد الذي تحاول الروح تغييبه؟ وأي انبعاث تسعى إليه؟ ...

إن الجسد غير مكوّن فحسب من ذلك الوعي باللامساواة، وما يفرّق حياة "القادرين" عن حياة "العاجزين". وما يفرّق "ركاب المكيّف" عن "المتعلقين في الذيل"، وإنما يشكّله أيضًا ذلك التضليل الغريزي الشامل الناتج عن تراكم الكبت الذي يمارسه هذا الوعي باعتبار أن تلك "اللامساواة" تبدأ وتنتهي داخل الحدود البشرية، وليست شانًا غيبيًا، أو على الأقل يحتفظ ذلك الغيب بسرّها التبريري. يشكّل هذا الجسد معارضة دفينة لا شعورية، ليس نحو تلك الفروق المعيشية فحسب، وإنما أيضًا تجاه ذلك السر الذي نجمت عنه هذه الفروق ويتجاوز الحدود البشرية، حيث التبرير ـ المحتجب في الملكوت الأبوي ـ ما هو إلا توطيد للشر المطلق.

"القطار في طريقه غير عابئ، أعيننا ترمق من خلف زجاج العربة الأخيرة خيالات من ركاب المكيّف الذي نستقله، ولكن شتّان أن تتساوى الرؤوس وإن توحّد القطار!"... "5".

هنا لا يصبح القطار مركزًا بين "الداخل" و"الخارج" فقط، وإنما كذلك بين الأنا والتفسير المادي "المشوِّش" لمعاناتها. بين الأنا والتفسير "الكوني" المرجأ لمتاهاتها. يتحوّل القطار إلى قناع مبتذل، يوهم بالصلابة والحياد، ليواري وجهًا مفتتًا لمرجع "قيمي" كاذب. هنا يأتي دور التأمل النقدي في نزع هذا القناع عن الإطار المعرفي المحطم أو سراب اليقين الذي يتبدى كموطن حاسم للإجابات القاطعة والتفسيرات البديهية والمبررات المؤجلة. مع هذا النزع النقدي للقناع اللغوي عن "المعنى" يُعاد انبعاث جسد الطالب كطيف خارج المدلول "الجمعي". تتحوّل أجساد ركاب القطار والمتشبثين بمؤخرته ـ بالتالي ـ إلى مرايا طيفية، مجردة من "الخطاب الطبقي" ـ دون أن تتوقف عن الإشارة إليه ـ حيث لا "يبصر" كل جسد "تشيؤه" السابق في مرآة الآخر، وإنما "يستبصر" ذلك "المطلق" الذي حُرم منه كـ "مخلوق"، ليصبح منذ لحظته الأولى دمية عابرة من الدوال المكرَّسة، تتصارع مع الدُمى الأخرى، فقط من أجل التأكيد على قداسة المفهوم. التحرر هنا ليس إلا محاولة تخيّل ذكرى مطموسة، لا دليل على حدوثها، وإنما يقين بافتقادها. الهوية التي أراد رولان بارت التجرد منها: "أنا، من أكون؟ استعصاء على التحديد، روغان لانهائي، وانتهاك لكل التخوم والحدود. لست موضوعًا للاستهلاك بل ساحة للإنتاج، أنا إشارة حرة، ودال عائم بلا مدلول" ... "6".

4 ـ مجاز الكمال وخيوطه المقطوعة:

في قصة "الغريب" يراقب الراوي عامل المقهى الصعيدي في سعيه للوصول إلى الحد الغائم لغربته. إلى حيث يمكن ـ بمعجزة ما ـ أن تتحوّل هذه الغربة إلى "خرافة". أن تحدث مفاجأة خارقة "منقذة" عبر التحديق المتمنع إلى ما وراء تخوم هذه الغربة التي تبدو لانهائية. كأن الراوي بهذه المراقبة يجاهد للوصول إلى حدود غربته الخاصة، التي جعلتها اليد المحترقة لعامل المقهى أكثر رسوخًا وبطشًا. في هذه القصة تقدم محاولات عامل المقهى العسيرة للتكيّف وإثبات الجدارة قبل صراخه الأخير؛ تقدم معادلًا حركيًا لأداءات التكنيك القصصي نفسه: التفحص، التورط، المسايرة، الجرح، إخفاء الألم، الصدمة المشهدية، العراء الختامي الذي تتسع وحشيته لكل الاحتمالات. كأن عامل المقهى يكتب قصته القصيرة جسديًا بينما الراوي يحوّل هذه الأداءات الجسدية إلى تقنية سردية لا توثق هذه القصة فحسب وإنما تشمل المجموعة كافة وفقًا لخصوصية كل قصة.

"ظل الحال كذلك حتى استدعاه من آخر الصالة مناد بصوت أجش ليرفع له الولعة التي تساقطت على الأرض، فإذا به يهرول، خاصة أن الواقعة بجوار مكتب عرش المعلم، ليلتقط تلك الجمرات المتوهجة بيده بحركات سريعة، نظر بعدها رافعًا رأسه بابتسامة نصر للمعلم" ... "7".

القصة القصيرة إذن هي وسيلة الكفاح للوصول إلى الخط المعتم الذي يمكن أن تنتهى عنده الغربة، لكن هذه الحافة تظل مجازًا، أسطورة ملتبسة للواقع حين يكون مسكونًا بتدابير أخرى. إن الانتقال الذي يتوسله البائس من العوز ومهاناته إلى الكفاية ووقايتها يظل انتقالًا لغويًا؛ فالاستغناء مشروط بغياب الحياة نفسها، ومن ثمّ فإن الوقاية الخالصة مرهونة بالوجود خارج الزمن. القصة القصيرة تناوش هذه المفارقة الكونية بينما تستغرق كليًا في رصد "الغريب" أو عامل المقهى البائس الذي تحوّل من "ريّس صالة" إلى "شياشجي". قراءة ما بين السطور أو ما تصمت عنه الكلمات تكشف هذه المفارقة؛ فتدابير "النقصان" وإن اختلفت من مكان لآخر، تظل هي ما يباعد بين السماء والأرض. بين مجاز الكمال وخيوطه المقطوعة.  

5 ـ المكان بوصفه قرارًا استباقيًا للفناء:

في قصة "سكن" نحن أمام فتات مكانية. فتاتة يسكنها الرجل المسن أو "العشة"، فتاتة يرجوها أو "حجرة لها سقف يحميه من المطر"، الفتات كفكرة عبثية أو "العالم كما يراه الراوي من خلال حكاية المسن ونهايتها". عشة المسن ليست "فضلات" مكان حقيقي؛ وإنما هي "ما تكسر وتساقط" من "اللامكان" أي حيث يغيب "المكان" كفضاء شامل، مطلق، لا يقع شيء خارجه. ذلك ما ينطبق أيضًا على "الحجرة ذات السقف" التي لم يحصل عليها المسن لتحميه من المطر، ومن هنا تتحوّل المقابر التي عرض أصحابها إيواء المسن بعد موته إلى تعريف لهذا "اللامكان" الذي "تكسرت وتساقطت منه الفتات كافة". تتسع المقابر إلى مدى لانهائي، لتصبح تمثيلًا لفكرة العالم في خفاء البنية التأملية للراوي التي تعيّن المقابر سكنًا، كان المسن يحتاج منها إلى واحدة فقط كي لا يموت. يصبح العالم تمثيلًا للفناء بتنويعات "مساكنه" أو بالإفرازات المخاتلة لـ "اللامكان" الذي "تكسرت وتساقطت منه الحكايات" لأنه في ذاته ليس "حكاية" وإنما يحضر فقط بحدس "الحكايات المفتتة" حين تستعرض أشلاءها أو تواريها عبر أنماط متعددة من التماسك الشكلي. يُستدعى "اللامكان" حين تحدث تلك الخلخلة القصصية لمسمّى "المكان" بوصفه قرارًا استباقيًا للفناء، تتوزع ماهيته في موجودات "مبتورة" عن الشخصية الرئيسية التي لا يؤديها أي "ساكن".

6 ـ المعنى الفاصل بين المخلوق اللغوي وسلطة اللغة:

تتداخل "الحبكة" القصصية المفترضة مع انتهاكها السري لنفسها؛ حيث يبطن نظام القصة تدميرًا ذاتيًا لمعماره اللغوي يمكن اكتشافه بواسطة الجدل مع فعل "النبش" في قصة "أن تكون كلبًا"؛ فالمقابلة التي يتم طمسها أو تحاشيها امتثالًا للحكم البلاغي بين ما هو "حي" وما هو "منزّه" تُستبدل بالمقابلة المداهِنة والاسترضائية بين من ينبش القمامة ليأكل، ومن يأكل دون نبش. تعتمد سلطة اللغة على تحديد معنى قاصر، مقيد، محكوم، ومروّض للنبش، معنى لا يتجاوز الحدود التي تحمي المجاز حيث يختبي ما ليس لغويًا، وما لا يجب المساس به، باعتباره مالكًا للمجاز، ومن ثمّ لديه القدرة على الوفاء بالعهود التي لم يفصح عنها المجاز نفسه، أي في كمالها الأنقى. ذلك ما ينطبق على المقارنة بين "نابش القمامة"، والكلب الذي سيصير إليه ليتمكن من الحصول على "الرفق والطعام" مثل كلاب الذين يأكلون دون نبش.  التشبيه الشهير يعيد استهلاك نفسه في هذه القصة لكي تنبئ بتفكك ماهيتها دون تبرؤ مما تستند عليه كفكرة عامة أي "الإذلال"؛ ولكن التقويض هنا يتعلق بما يتخطى المنظور القريب والمباشر لهذا "الإذلال". المعنى المؤطر الذي يقف حاجزًا بين المخلوق اللغوي، وسلطة اللغة ذاتها كمصدر لتعيين المفاهيم، وتحديدها، وإخراس أشباحها الهادمة. تمثل إعادة تدوير هذا التشبيه التقليدي خضوعًا لـ "المقولة" أو كليشيه الظلم الاجتماعي، اتقاءً للمجازفة ـ المضمرة بالفعل ـ بأن تعرض القصة اجتياحًا لغرض الوجود نفسه طالما أنه ـ على الأقل ـ يسمح بذلك النوع من الشقاء في الوقت الذي "يتعايش" خلاله الموجود مع هذا الشقاء بالتقرب إلى الأبوة الكونية عبر قرابين البلاغة المتعبّدة. كأن المثال المطلق ـ بتنويعاته الخرافية ـ ليس إلا رحلة اللغة في تكوينها "العمائي" لتاريخ الوجود.

خاتمة

بهذه المقاربة لمجموعة "حواديت محلية الصنع"، وبالتمعن في ما كشفت عنه حول علاقة الصوت بالزمن، والاشتباك بين صيرورة الروح وصيرورة الجسد، والحركة الاغترابية كمعادل لأداءات التكنيك القصصي، والعالم باعتباره تمثيلًا للفناء، وانتهاك الحبكة لنفسها؛ يمكن استبصار دافعًا لتساؤل ـ ربما لا ينكر انحيازه ـ حول القصة التي كان يمكن أن يكتبها علاء أحمد وتتضمن الجزئيات المحددة الواردة في مفتتح المجموعة "تعريف لابد منه" ممتزجة بتفاصيل أي من قصص المجموعة التي تعرض حيوات الفقراء، استثمارًا للميتا سرد في تشكيل هذا التقاطع والتشذر. لنتخيل هذا الدمج بين التعريف الافتتاحي وقصص مثل  "حواديت محلية الصنع" أو "في قلبي خروف" أو "نظرة" مثلًا. إن في ذلك التوظيف وشاية أكثر حدة بثورية الإلهام التي يكتمها قانون "الحواديت" المتوارث، خاصة تلك التي تتسم بالنهايات "السعيدة".

الهوامش:

1 ـ التفكيكية وقراءة الأدب العربي القديم "عبد الفتاح كيليطو" نموذجًا / سامي محمد عبابنة ـ دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 42، ملحق 1، 2015

2 ـ حواديت محلية الصنع، علاء أحمد ـ السراج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2024. ص7.

3 ـ مدخل إلى التفكيك / جوناثان كلر (عن التفكيك) ـ تحرير وترجمة: حسام نايل / الهيئة العامة لقصور الثقافة (سلسلة آفاق عالمية "69") 2008 .

4 ـ حواديت محلية الصنع، علاء أحمد ـ السراج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2024. ص13.

5 ـ السابق، ص34.

6 ـ أقنعة بارت، جوناثان كلر. ترجمة السيد إمام ـ سلسلة آفاق عالمية / الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014.

7 ـ حواديت محلية الصنع، علاء أحمد ـ السراج للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2024. ص45.

أخبار الأدب

2 ديسمبر 2024