السبت، 21 يناير 2017

اختصارات حول الفانتازيا

لا يؤسس كل تحديد فانتازي لحتمية ما يُسمى بالواقع وحسب فهو فضلاً عن تعيين المنطق الذي تخضع إليه قوانينه، والحدود التي تنتهي عندها سلطته، وطبيعة الانتهاكات المقوّضة لمسلماته يخلق كذلك ركائزاً بديهية لتاريخه .. هو شكل من أشكال إنتاج الحقيقة إذ يؤدي تمييز حقل الفانتازيا إلى عزله عن نظام من الإدراكات الحاسمة لعناصر الوجود: الشروط التكوينية، والأنماط المستقرة والمتغيرة لصراعاتها، وأيضاً الجذور الثابتة في الماضي التي تضمن للتصنيف والبرهنة الحماية من الشك .. فلنتأمل مثلاً القوة الجازمة لتعريف مصطلح (الفانتازيا)   (Fantasy)في معجم المصطلحات الأدبية المعاصر: (عملية تشكيل تخيلات، لا تملك وجوداً فعلياً، ويستحيل تحقيقها) " 1" ، أو لتعريف مصطلح (الفانتازيا الأدبية) في نفس المعجم: (عمل أدبي يتحرر من منطق الواقع والحقيقة في سرده، مبالغاً في افتتان خيال القراء)"2"  .. لنتأمل كذلك توصيف (ميلين كلاين) للفانتازيا في كتاب (أدب الفانتازيا مدخل إلى الواقع) لـ (تي . ي . ابتر) بأنها (القوة الدافعة وراء استبطان الواقع)"3" .. الواقع هنا قد يكون يقيناً ظاهراتياً (حقيقة فينومينولجية) أي يتمركز في بنية حسية تتوفر لتجاربها معطيات مباشرة، وبالضرورة قادرة على أن تخلق خطاباً يمكنه الإجابة عن التساؤلات المطروحة حول ماهيته .. تُعد إذن (الفانتازيا) ارتكاباً مضاداً للمضمون العقلي المثالي للظواهر، فهي كسر لهيمنة العلاقات الممكنة بين الأمور المعقولة.
(ويبدو أن الظواهرية تؤكد بأن إدراكنا للعالم هو إدراك لمعطيات حسية وحسب فالحديث عن الأشياء ليس إلا حديثا عن معطيات حسية عن هذا الشيء نفسه وهكذا تتكون الأطروحة الظواهرية على الشكل التالي : الأشياء الطبيعية ليست سوى بُنى منطقية من المعطيات الحسية إذاً “إن الأشياء إمكانات دائمة للإحساس” كما يقول مِل.
قد يتم توجيه انتقاد إلى المقول السابق “إن الأشياء إمكانات دائمة للإحساس” هو أن الفكرة ذاتها عن الشيء تتضمن أن وجوده ممكن من دون إدراك وبناء على ذلك لا يصح القول إن كل حديث عن أشياء مستقلة عن الحس يمكن اختزاله إلى حديث عن خبرة معتمدة على الحس. ويجيب المفكرون الظواهريون على هذا الاعتراض بأن الأشياء، في رأيهم، يمكن أن توجد غير مدرَكة، وكل الذي يؤكدونه هو جملة فرضية، وهي أنك إذا قلت ’’س’’ موجودة فكأنك قلت إن المعطيات الحسية المناسبة، في ظل الظروف الصحيحة، سوف تحصل. وفي رأيهم فكرة الشيء الذي لا ينتج معطيات حسية أبداً هي فكرة بلا معنى)"4".
بالربط بين (الأشياء الطبيعية) و(البُنى المنطقية) و(الظروف الصحيحة) و(المعنى) سنحصل على العديد من الاعتقادات المتلازمة أهمها تموضع العالم داخل نطاق ذهني مستوعب، وبالتالي فـ (الحدوث) القابل للتبرير هو الخاضع لقرارات ذلك النطاق كما أن تجاوزه (الخيال العجائبي) يعني الخروج مما يمكن أن نُطلق عليه المنطقة الأصلية، أو متن الوجود، أو ما يُسمى بـ (الواقع).
إن تفكيك التصور عن ثنائية (الواقع/ الخيال) وإذابة النقائض المحتملة بينهما سيقودنا نحو اكتشافات متلازمة أيضاً: انزياح الوجود عن ما يُعتقد أنه مركز له، وبالتالي فأي (حدوث) لا يشترط الخضوع لنسق سابق كي يمكن تبريره، ولذلك سيتحول التجاوز إلى ممارسة منطقية غير مصنفة كخروج عن أساس ما ـ حيث لا يوجد أساس بداهةً ـ ولن يُفرض انتماءها إلى هامش إذ أن المتن صار ملغياً، وأصبح العالم امتداداً منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ لا يحظى فيه نوع معين من الظواهر بقيمة مثالية أو أفضلية قياسية أو مكانة معيارية تتخطى نوعاً آخراً من الظواهر .. حينئذ لن يكون بوسعنا تمييز الفانتازيا بل لن نكون في حاجة إلى ذلك.
إذا كان الوعي بالغرابة في مقابل المألوف يمثل استجابة تلقائية لا يمكن تفاديها فعلى تلك الاستجابة أن تكون بداية التعارف وليس نهايته .. أتحدث عن مهمة النقد في الخروج بالعجائبي من الرواية إلى الوجود، أي تعيين غير الممكن ـ بحسب الظن السائد ـ في قلب الممكن المفهوم وليس مجرد الاكتفاء بلذة الوقوف عند ما تم الاعتياد على تسميته بـ (العوالم الموازية) .. أفكاري هنا لا تقصد المقارنة أو الاستبدال أو الإحالة إذ لا يزال كل ذلك خاضعاً لسلطة التنميط والفرز، وإنما أقصد إعطاء الفانتازي ثقل الحتمية، وإلزام المنطق، وسطوة القانون؛ فالغرائبية ـ وهو ما يفترض في تصوري أن يتكفل به جهد جوهري في عمل الناقد ـ يجب الكشف عن كونها ليست انصرافاً عن الواقع بل هدم لما يُعتقد أنها حدود له تحافظ على بقائه كمجرد (واقع) .. إن أشكال السرد الروائي التي تُقدم انحرافات طاغية عن ذاكرة متخمة بأساليب تقليدية وموضوعات مستهلكة ينبغي أن يكون لها نفس السلطة التي تتمتع بها (أشياء الواقع) حينما كان مجرد واقع ولكنه لم يعد كذلك بعدما صار وجوداً مفتوحاً، لا نهائياً، أكثر مراوغة وتوحشاً من أن تحكمه ثنائيات متعارضة .. الخبرة العجائبية إذن لا تؤثر أو تساهم في إنتاج الحقيقة وحسب وإنما تخلق التاريخ أيضاً، فاللحظة الحاضرة شارك في قرار (حدوثها) وفي الكيفية التي حصلت بها أساطير وحكايات شعبية وقصص خيالية، فردية وجماعية مختلفة .. بشكل أكثر تحديداً يمكن القول أنه لا يمكن إرجاع الزمن إلى ذاكرة دون الأخرى أو منح القدرة لتجارب على حساب تجارب مغايرة .. يقول (خوليو كورتاثر): (الفانتازي والملغز ليسا فقط الخيالات العظيمة في السينما والأدب والقصص والروايات. بل حاضر فينا أنفسنا، في تكويننا النفسي، ولا يستطيع العلم ولا الفلسفة أن يقدما لنا إلا تفسيرات بدائية وأولية)"5" .. على النقد أن يتفحص دائماً دور الفانتازيا في تشكيل أجسادنا إذ لم تعد هي الأخرى مجرد (فانتازيا) بعدما فقد ما يُسمى بالواقع أبوابه المغلقة. 
بالعودة إلى فقرة سابقة فالعالم حينما يصبح امتداداً منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ سيتحول حينئذ إلى نص هائل أي يمتلك الخطاب الذي ينظم الأحداث قوة الأحداث نفسها، ويكون للسرد سيطرة اللاسرد ذاتها"6" .. طموح الناقد تجاه ذلك الوجود المفتوح، اللانهائي حسبما أرى هو اللعب بما يمكن اعتباره كافة الاحتمالات المتساوية للرموز .. تشريح المعاني في ضوء المراوغة والتوحش .. الحرص على حرمان اللغة من أي مرجع حيث لا يوجد ما يضمن عدم تمظهر الكينونة في أي صورة أخرى، ولا يوجد ما يقدر على تعطيل عمل الفكر سواء في محاولات التصنيف أو الإيجاد .. أتذكر الآن المقارنة التي عقدتها في قراءتي لـ (نهاية السيد واي) لـ (سكارليت توماس) بين دعابة الفانتازيا في الرواية، وكتاب (مدخل إلى التفكيك) لـ (ميشيل رايان): (مع كل خطوة داخل (الظاهر) أو (الحسي) يسقط رسوخ ما مصحوباً بارتداد للنقطة الأولى .. قدم في يقين، والقدم  الأخرى في أنقاضه .. البقاء للعمى إذن كسلطة مهيمنة على كل نسق فكر أو سياق استنتاج محدد ـ لاحظ أن الذهن لم يعد إذن كياناً مغلقاً، والذكريات توقفت عن أن تكون حصناً سرياً ـ وهو ما تُحركه غريزة (العودة الدائمة للاكتشاف) تحت إلحاح أطر التفسير المنهكة)"7".
أريد الآن أن أطرح تطبيقاً شخصياً: في روايتي (خلق الموتى)"8" يتعلم أبي بعد أن تجاوز السبعين القرصنة الإلكترونية ثم يقوم بالاستيلاء على أحد المنتديات على الانترنت ليروي من خلاله في فصول متتابعة حكايات عن ماضيه ـ لا يهم الآن صدقها أو كذبها ـ مستخدماً توقيع (احتمال مستبعد) .. هذا ما يمكن أن يبدو غريباً .. لكنه الآن بعد (حدوثه الروائي) صار ممكناً، ولم يعد محاصراً داخل (العجائبي) إذ أصبح (المألوف) لا وجود له بل أصبح هناك عالم لا يمكن أن تُجزم معه أن لتحول أبي إلى (هاكر) لقبه (احتمال مستبعد) سلطة على جسدي أضعف من سلطة أي فعل آخر قام به أبي داخل ما سيتم تسميته في المقابل بـ (الواقع) .. فلنلاحظ تعمدي استخدام كلمة (أبي) ليس لأنني أتقمص الآن شخصية الراوي في (خلق الموتى)، ولكن لأنني لازلت أفكر في ذلك العالم منزوع الفواصل ـ أكبر من مجرد واقع وخيال ـ الذي يمكن للرواية ونقدها تحويله إلى نص هائل .. نص ينتقم من الموت اللازمني الطافح من تلك العبارة: (هذا مجرد خيال)، ويحرص كل الحرص على أن يضمن خلود التشوش الذي يستمتع به كل المشغولين بالموثوقية"9".
*شهادة خاصة بالمائدة المستديرة التي عُقدت تحت عنوان (الرواية والفانتازيا) بملتقى القاهرة للرواية العربية 2015
الهوامش
1ـ معجم المصطلحات الأدبية المعاصر، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني / بيروت، سوسبرس الدار البيضاء، ط1، 1985: 170.
2ـ المصدر نفسه: 170.
3ـ أدب الفانتازيا مدخل إلى الواقع، ت . ي . ابتر، ترجمة صبار سعدون السعدون، دار المأمون، بغداد 1989: 236.
4ـ الفينومينولوجية ونظرية المعرفة ـ فراس سراقبي / الأوان 14 نوفمبر 2009.
5ـ الشعور بما هو فانتازي ـ خوليو كورتاثر، ترجمة أحمد عبد اللطيف / أخبار الأدب 18 أكتوبر 2014.
6ـ كتب (جوناثان كلر) في دراسته (القصة والخطاب في تحليل السرد) ترجمة خيري دومة بموقع (أنفاس نت) في 22 نوفمبر 2014: (على المرء لكي يجعل من السرد موضوعًا للدراسة، أن يميز بين السرد واللاسرد، وهذا يتضمن بالضرورة أن السرد ينقل متوالية من الأحداث. وإذا كان السرد يُعرَف بأنه تمثيل لسلسلة من الأحداث، فإن على من يقوم بالتحليل أن يدرك هذه الأحداث، وأنها تقوم بوظيفتها وكأنها أمر لا علاقة له بالخطاب أو بالنص المدروس، كأنها شيء له وجود سابق على عملية التمثيل السردي، ومستقل عنها، وأن عملية السرد قامت بعد ذلك بنقلها).
7ـ دعابة التفكيك أو العلاقة بين نهاية السيد واي واللمبي 8 جيجا ـ ممدوح رزق / دروب 8 نوفمبر 2014.
8ـ رواية خلق الموتى ـ ممدوح رزق / سلسلة إبداع الحرية 2012.
9ـ كتب (تيم باركس) في (بحث في الموثوقية) المنشور بـ (نيويورك ريفيو أوف بوكس) وترجمته أماني لازار بمدونة (الأماني) في 16 فبراير 2015: (بهذه الطريقة أفسر الموثوقية: مهما كانت وسائل الكاتب العديدة التي يعيد تأليف مادته من خلالها، فهي مميزة باعتبارها مادته. قد نقول إنه منصاع/ة للحاجة، أو لمصدر الإلهام، حتى عندما يشرع في عمل من نوع مختلف. بتناولنا لكاتب جديد، قد يكون من الصعب أن نحدد فيما إذا كان العمل موثوقاً أو لا. في هذه الحالة، من الأفضل أن نستمتع بالتشوش الناجم عن عدم معرفتنا الأكيدة بمدى جدية كاتبنا، بوزن الحجج في كلا الجانبين).


الأربعاء، 18 يناير 2017

مختارات «هايكو الحرب» ... فراشة حطَّت على جثث

في كتابه «هايكو الحرب» الصادر حديثاً عن دار «فضاءات» في عمان يقدم آزاد إسكندر ذخيرة مترجمة من قصائد الهايكو لشعراء من جنسيات مختلفة. كتبت الروائية العراقية إنعام كجه جي، افتتاحية للكتاب بعنوان «قصائد ليست عصماء» تناولت خلالها الأصل الياباني لفن الهايكو، واستلهامه للطبيعة، ونزوعه إلى التماهي مع التفاصيل المتبدلة للفصول، من دون ثرثرة أو بلاغة مستهلكة. أشارت كجه جي كذلك إلى انتشار شعر الهايكو في العالم، وإلى ترجماته إلى العربية، سواء من اليابانية أو عبر لغات أخرى، كما عرّفت «هايكو الحرب» بأنه ليس كتاباً عن خراب الأرض بل عن أعطاب الروح.
ويرى المترجم أن هذا الكتاب في أحد وجوهه، هو ثأر شخصي من الحروب ومقترفيها، بعد أن غيَّرت حياته وجرّب النفي مرتين. كتب أيضاً أنه جمع هذه القصائد على مدى عامين، محاولاً أن يضم أقطار الأرض، في حين كان من الطبيعي أن تأتي أكثر القصائد من البلاد التي كان لها نصيب أكبر من ويلات الحروب.
تبدو قصائد الكتاب كأنها قرائن شعرية متباينة على الكينونة الواحدة التي تعطيها الحرب للكائنات والأشياء، فالطيور التي تهرب إلى السماء مع صفارة الإنذار مثلاً في قصيدة ج. كات، كان من بينها ذلك الطير الصغير الذي علَّمه طفل لاجئ الطيران بعد أن سقط من عشه في قصيدة ندى سابادي: «طفل لاجئ/ يعلم الطيران لطير صغير/ سقط من عشه». والطفلان اللذان عثر عليهما ناعومي، وهو يبحث عن قصائد مناهضة للحرب، سيفقد أحدهما يده، وسيحاول عبثاً أن يمسح دموعه بها في قصيدة سيلفا ميزيريت: «يد بتراء/ تحاول عبثاً/ أن تمسح الدموع». أما الجنود الدُمى الذين صفَّهم الصبي لمعركة حاسمة تحت مطر خريفي رتيب في قصيدة ريتشارد رايت فهم الجنود الدمى أنفسهم في قصيدة م. تشيستي، «أسلحة دُمى، جنود دُمى/ دبابات وطائرات وسفن دُمى/ لكن ما من دُمى بهيئة قبور». تمتد هذه الكينونة المشتركة بالضرورة إلى الأداءات المجازية للموجودات، أو العلاقات الرمزية بين كوابيسها.
يمكننا تصور أن الذكرى التي علق بها اللاجئ في قصيدة أندريا تشيكون هي ما كانت تتحدث به مارلينا رينزين إلى الشجرة عبر النافذة عن المطر وعن الحرب، وهي أيضاً ما كان يفكر فيه بيلي ويلسون وهو يضع شمعة مضاءة على كل نافذة مع قرع الطبول، قبل أن تتحوَّل الذكرى إلى طائرة ورقية فوق مخيم اللاجئين والأطفال المُترَبين في قصيدة سيرجي تومي، وإلى الضباب الذي يربط أنقاض جسر في قصيدة نيبوجسا سيمين: «إثر القصف/ أنقاض جسر/ يربطها الضباب». ربما تعني قراءة هذه المجموعة من قصائد الهايكو امتلاك الهوية الجماعية التي يحملها ضحايا الحروب على نحو جمالي. يمكن لكل فرد أن يكون بواسطة الشعر نسخة من المرأة العجوز التي تلعن بقاءها حية، بعد قصف قريتها في قصيدة زيلجكو فوندا، والطفل الذي يركض خلف فراشاته داخل حقل الألغام في قصيدة دوميترود. إيفريم، وأن يكون كذلك الفراشة ذاتها التي حطَّت على جثث في مقبرة جماعية قبل أن يرى جثته بينها في قصيدة سيلفا ميزيريت: «فراشة حطَّت على/ جثث في مقبرة جماعية/ الأرض ما زالت تدور».
يتحول التخييل إلى فعل انتماء لتلك العائلة الكبيرة من المقهورين والموتى، والذين يتبادلون الذكريات عبر الزمن من خلال رسائل مقتضبة، وخزات ولطمات كونية تكفَّل آزاد إسكندر بتجميعها، ليصبح العابر داخل هذا الظلام الأزلي من المفارقات الوحشية، قادراً على تمرير ماضيه إلى أحلامها، ويصير جزءاً من تلك الذاكرة الأبدية. يمثل الهايكو الحضور الشعري الأقرب إلى السكوت. التجسيد اللغوي الأكثر حدة للصرخات المكتومة، والذي قد يعد أقوى أشكال التماثل مع الطبيعة والتقمص لعناصرها. لنجرب على سبيل المثال تأمل قسوة الصمت في قصيدة كارل بالمر، «لا تتذكر/اسم الجندي/ في صورة زفافها». أو الشعور بغُصَّة الحلق في قصيدة بيل باولي، «ابنها ذهب إلى الحرب/ يدان شفيفتان/ في ضوء الشباك»، أو شرود النظرة في قصيدة فيسفينجا ماك ماستر، «نُذُرُ الثلج/ لا أحد ليوقد النار/ قريباً تأتي الذئاب». أو إطراق الرأس في قصيدة جورجا فوكيليتش، «نشرة أخبار المساء/ مقبرة جماعية أخرى/ أحوال الطقس». قصائد «هايكو الحرب» هي المعادل الشعري المضاد لمفردات القتل. الألغام التي يمكن للفقد أن يزرعها في قلب كل مجزرة، وفي تاريخ كل إبادة: الأكياس السوداء التي ترن بداخلها الهواتف النقالة بلا انقطاع في قصيدة ماركوس سولزبرغ، الرجال الذين على عكازات، ويبنون ميتماً جديداً لأطفال بندوب في قصيدة ألان سمرز. الحمامتان على السطح، تعاودان التقبيل بعد وقف إطلاق النار في قصيدة مدحت هينشيتش، كل قصيدة توازي رصاصة بندقية، وقذيفة دبابة، وصاروخ طائرة، في الزمن الضئيل للاندفاع، وفي الأثر الوجودي الذي لا يُمحى.
 جريدة (الحياة) اللندنية ـ الثلاثاء، 17 يناير/ كانون الثاني 2017

الأحد، 15 يناير 2017

مساء الخير يا حميد

ذات ظهيرة في منتصف الثمانينيات، تسلل طفل الابتدائي إلى حجرة أخيه الأكبر .. كانت عيون الـ (Abba)، و(Boney M)، و(Dolly Dots) تراقب حركته الحذرة من داخل البوسترات الكبيرة على الحائط .. امتدت يده لتفتح خزانة شرائط الكاسيت كي يلتقط أحدها ـ كالعادة ـ  ويستمع لأغانيه بصوت واطئ جداً تفادياً لغضب (الكبار)، ولدقائق قليلة قبل رجوع أخيه إلى البيت .. هذه المرة لم تخرج يده من الخزانة بـ (شبابيك)، أو(علموني عنيكي)، أو(بحبك لا)، وإنما وجد فيها شريط (رحيل) .. كانت أول مرة يرى صورتك، ومنعه الفضول من إعادة الشريط إلى مكانه، والتقاط واحد آخر من الشرائط الأخرى التي أحب أغنياتها .. لم يسمح الوقت لأن يستمع لأكثر من (يا بنية خشيتي بالي) لكنها كانت تكفي .. يتذكر الآن ابتسامته حينما فاجئته النشوة الغريبة التي أرسلتها إليه، وانت تكرر (للللللا لللا لالا) .. في هذا اليوم يا حميد بدأت حياة امتزجت فيها البيوت القديمة، والليالي، والشرفات، والحقول النائمة بجوار طرق السفر، والبحار، والأسطح العالية، والسماوات الممتدة أمام البصر، وألوان، وروائح، وبرودة الغروب، والشوارع الخالية، شاحبة الإضاءة .. بدأ السحر يا حميد، الذي ـ حتى الآن ـ يوفر للعذاب ما يحتاجه من اللعب بالحرير.
لم تفارقني طوال فترة التسعينيات الرغبة في التوصّل إلى ما يشبه صوتك .. كنت ـ ولازلت ـ أضحك بيني وبين نفسي كلما سمعتك، أو قرأتك وأنت تؤكد ـ وهو ما صار من أشهر الأقوال المأثورة عند أجيال متعاقبة ـ أنك لست مغنياً، ولا مطرباً وإنما مجرد مؤدٍ .. لازلت استمتع  بسخريتك ـ حتى لو لم تقصدها ـ من كل الذين لم يستطيعوا تحمّل ما ترتكبه .. تأكيداتك هذه التي لم تتعطل خلال عشرات السنوات كانت تعطيني في كل مرة فرصة للاستمتاع برؤية معاني، وتعريفات الطرب، والغناء وهي تتهاوى، ويتناثر غبارها محترقاً في أعمق جحيم متخيل تحت الأرض .. لماذا كنت في احتياج للتوصّل إلى ما يشبه صوتك؟ .. لأنني منذ اللحظة الأولى التي سمعتك فيها يا حميد، وأنا ازداد يقيناً بأن صوتك جعل كافة المغنيين ـ بالنسبة لي ـ يتكدسون في منطقة واحدة، بينما تعيش أنت في منطقة أخرى .. جميع المطربين بكل اختلافاتهم، وتنوعاتهم أصبحوا منذ (يابنية خشيتي بالي) ينتمون إلى عالم خاص، مقفل، تقف وحدك خارجه .. كان عجيباً، وبديهياً في الوقت ذاته أن اقتنع تماماً، وبشكل مباغت بأن صوتك لا يشبه سوى الهمس .. الفعل البسيط، العادي جداً، الذي بوسع أي شخص تأديته حتى وهو صامت أحياناً! .. هل يمكن تصديق أن هذا أساس تميزك، وتفرّدك بالنسبة لي؟! .. نعم يا حميد؛ فصوتك عندي هو إضاءة لكل الاحتمالات الممكنة للخفوت، ليس باعتباره مساراً ينتهي بك إلى مكان وسط أصحاب الحناجر الاستثنائية، وإنما حقق صوتك ما هو أكثر إعجازاً في تصوري .. أنك جعلت من (الدندنة) كأنها تمرير مختلس للأسرار .. تشكيلات متجاوزة، مدهشة التعدد من الارتجال للـ (الهمس) ـ وهو ما ينطبق بدقة على موسيقاك ـ جعلت منها تنغيماً غير متعالٍ، بل قادم من شعور كل كائن لا يمتلك (صوتاً جميلاً) بالمعايير التقليدية، ولكنه يريد أن يغني، أو يحاول أن يغني .. غناؤك يا حميد لا ينوب عن إحساس، أو فكر من يسمعك، ولكنه ينوب عن خفوت صوته حرفياً، لأن الكل قادر على الهمس، والكل لديه أسرار يريد تمريرها لآخرين، وفي الهمس كل الأصوات تصبح صوتاً واحداً، وأنت هذا الصوت الواحد يا حميد ..  حتى (الكحة)! .. الفرق الخارق بينك، وبين أي (مطرب) أنك لم تعرّف البشر بالمتعة التي لا يقوون على إنتاجها، وإنما عرّفتهم بالمتعة التي في استطاعتهم أن يمنحوها لأنفسهم دون وصاية حتى من (الفن) ذاته .. الهمس الذي يعلن بحدة أكثر عن ذاته كلما سعى للإرتفاع بنبرته .. هذا شديد الوضوح في صوتك يا حميد.
بعد ثلاثين سنة، وحينما أحاول ـ وهذا صعب للغاية ـ أن أضع أوصافاً لموسيقاك، ربما أول ما يخطر في بالي أنك الموسيقي الوحيد الذي يبدو أنه جمع كل الألحان التي أعشقها من التاريخ الشرقي، والغربي، ثم كوّن منها ذاكرة أشبه بقبعة الحاوي التي يخرج منها كل ما هو غير متوقع .. لكن ما عندك يا حميد يتخطى ما في قبعة الحاوي ..  أنت تأتي بما يلمس أفق من الإبهار لم يكن مرئياً، بل كان ـ ياللعجب ـ واضحاً، وملموساً دون انتباه .. هذا هو الجوهر الذي يمكن أن أكتب عنه إلى ما لا نهاية .. أن موسيقاك يا حميد تنجز ما يؤديه صوتك؛ فإذا كان صوتك (الدندنة الخافتة للهمس التي تنوب عن صوت من يسمعها)، فإن موسيقاك هي الافتراض المتجسد لنغمات كل شخص توحد مع تلك الموسيقى ، وأراد، أو حاول أن يبتكر موسيقاه الشخصية وفقاً لما يعرفه من تجارب، وخبرات سابقة .. كل شخص متعلّق بأنغامك يحلم بموسيقى متخلصة مما قد يبدو له تعقيداً تراثياً لا يمكن خلقه إلا بأيدي اصحابه، ويستحيل أن يتصدى له (العاديون) .. موسيقاك يا حميد هي موسيقى كل مؤمن بك لو نجح في تحرير هواجسه بواسطة جيتار مثلاً.
أنت لا تعرف يا حميد
هناك من لا يزال يطفئ ضوء غرفته كل ليلة، ويتمدد في سريره ثم يضع سماعتين في أذنيه، ويغمض عينيه، ويسمع (باجيلك من ورا الأحزان)، و(ضلاية شجرتنا)، و(مشينا)، و(مرّات)، و(ليلي طويل)، و(جيت الدنيا)، و(جيت يا شتا)، و(بروي)، و(بعد ما كان الحب)، و(عاتبيني)، و(عودة)، و(وين أيامك وين)، و(رسالة)، و(ياريتني نسمة صبا)، و(يا غالي) .. كل ليلة يا حميد يسمع هذه الأغنيات، ويبكي .. أقسم لك أنه يبكي، ولكنه ليس ذلك النوع من البكاء الذي تنهمر فيه الدموع للخارج .. أنت بالتأكيد تفهمني يا حميد .. أنا لم أعد كما كنت منذ ثلاثين سنة، ولا منذ عشرين، أو عشر سنوات، ولا حتى منذ أمس .. كل ما تدفعني أغنياتك لاستدعائه كل ليلة أصبح ميتاً .. حتى الغيوم الشتوية في العصر، والمساء التي كانت تعوم فوق الحجرات، والمقاهي، وصالات الفنادق، ولم يعد لدي سوى صورها .. حتى الغيوم الشتوية أصبحت ميتة يا حميد. 
موقع (قل) ـ 29 يونيو 2015

الخميس، 12 يناير 2017

(ديزي ميلر).. طفلة (هنري جيمس) الغامضة

إلى (آية البحقيري)
ربما تمثل (ديزي ميلر) النموذج الأنثوي الأكثر عدائية للأمان الذكوري. في روايته التي ترجمها (زكي الأسطة)، وصدرت عن دار (الحوار)؛ خلق (هنري جيمس) فتاة متجردة من الهويات الأخلاقية المألوفة، والتي تضمن عادة لخطوات الرجال التحرك نحو ما يُعتقد أنها الاتجاهات الصحيحة للامتلاك. كائن أشبه بطيف بشري يراوغ الرومانتيكية والمجون، ويضيئه خليط مقلق من الرقة واللامبالاة والعفوية والتهكم والتهذيب والعناد والتسامح. لم تقتحم (ديزي ميلر) العوالم الشخصية لأبناء المجتمع الأوروبي المحافظ بتعمّد تخريبي، بل مارست انتهاكًا أعظم. لقد انحازت إلى استقلاليتها عن المبادئ الأرستقراطية المتزمتة التي تتحكم في هذه العوالم، وحتى بلا تفكير في أنها ترتكب هذا التحرر. كان كل ما يعنيها هو إشباع الهوس الطفولي بالمرح، أي تلك الغريزة الأصيلة في تكوينها، والتي ظلت تقودها للاندفاعات غير الحذرة، والمعادية للفضاء العام المشيّد بقوة التسلط الأبوي والأمومي. لم يعطل الارتباك أو الخجل خطوات (ديزي ميلر) نحو تحقيق هذه اللذة، ودون أن يُسيّرها وعي ساذج أو غفلة شعورية، كما أن إدراكها للواقع كان نقيًا من الاستناد إلى عقيدة ثورية أو قيم مضادة للأعراف. كان سلوكها الفطري، المُصنّف بحسم كخصومة مع التقاليد، لا يجب التساهل مع طيشه، ليس أكثر من استجابة بديهية لضرورة أن تعيش فتاة حياتها.
(كانت الآنسة ميلر تبدو في غاية البراءة. كان عدد من الناس قد أخبره، قبل كل شيء، أن الفتيات الأمريكيات كنّ في غاية البراءة، وكان آخرون قد أخبروه، قبل كل شيء، أنهن لم يكنّ كذلك. وكان ميالًا إلى الاعتقاد بأن الآنسة ديزي ميلر كانت فتاة عابثة أمريكية جميلة. لم يكن حتى الآن قد أقام علاقة مع سيدات شابات من هذه الفئة. كان قد عرف، هنا في أوروبا، امرأتين أو ثلاثًا كن أكبر سنًا من الآنسة ديزي ميلر، وقد تزوّدن، كرمى للهيبة والاحترام بأزواج، كنّ على درجة من الغنج والدلال، وكنّ نساء خطيرات مريعات، وكانت علاقة المرء بهن عرضة لاتخاذ منحى خطير).
يمكن للاضطراب المستقر طوال زمن الرواية عند (وينتربورن) أن يذهب بتفكيرنا نحو إلهام يتجاوز الحالة العادية لرجل فشل في فهم فتاة واضحة إلى حد غامض تمامًا. هذه الحيرة الثابتة لـ (وينتربورن) العاجزة عن العثور على خلاص منقذ في علاقته بـ (ديزي ميلر) ربما تجعلنا نتصور أن هذه الفتاة ليست أكثر النماذج المؤرقة للسطوة الذكورية فحسب، بل هي أيضًا أكثر الغوايات الأنثوية الفاضحة للجرح النسوي عند الرجل، والتي تساهم بالتالي في تعزيز آلامه. نحن نشعر كأن عينًا سرية داخل (وينتربورن) تراقب ـ مع عيوننا ـ هذا التحوّل في ذاته. تتفحص الطبائع الأنثوية التي ستبدأ شخصيته في الاتسام بها، والتي كان يتوقع أو ينتظر وجودها في (ديزي ميلر). كأن الحصانة ضد الاضطراب العاطفي تمثل جانبًا جوهريًا في الهوية الذكورية، والتي يبدو تعرضها للتهديد أو الانهيار كأنه يتسبب بشكل أو بآخر في تجريد الرجل من خصائصها باعتبار أن الحيرة الوجدانية -على النقيض- جزء أساسي من الهوية الأنثوية في الوعي الذكوري.
(وظهر طيف سيدة، على مبعدة منهما، باهتًا جدًا في الظلام وهو يتقدم بحركة بطيئة مضطربة.
ولاح أنه توقف فجأة. سألها وينتربورن:
ـ هل أنت متأكدة من أنها أمك؟ هل تستطيعين تمييزها في هذا الغسق الكثيف؟
فصاحت الآنسة ديزي ميلر وهي تطلق ضحكة:
ـ حسنًا. أعتقد أنني أعرف أمي. لاسيما عندما تكون قد خلعت عليها شالي أيضًا! إنها دائمًا ترتدي أشيائي.
وحامت السيدة المعنية، بعد أن توقفت عن التقدم، بغموض حول المكان الذي أوقفت فيه خطواتها.
قال وينتربورن:
ـ أمك لا تراك على ما أخشى.
وأضاف وهو يعتقد أن الدعابة مباحة مع الآنسة ميلر:
ـ أو ربما، ربما تشعر بالذنب بخصوص شالك).
يتميز الحوار عند (هنري جيمس) بالقدرة على إنجاز العديد من الوظائف البنائية، التي تتخطى الأدوار التقليدية لتبادل الأحاديث بين الشخصيات؛ فالحوار في رواية (ديزي ميلر) على سبيل المثال يؤدي مهمة الراصد المتمعن للمكان والزمن، كما أنه يمتد خارج حدودهما ليدمج تاريخ اللحظة بحاضرها، دون استدعاء مباشر للماضي، بل عبر الإشارات الإيحائية المتداولة. يقوم الحوار أيضًا في الرواية بعمل المونولوج عن طريق التحرك بين الظاهر والباطن لدى المتحدث، أي أنه يحقق مساحات مشتركة بين التكلّم والتفكير، وهو ما يجعل حوارات أخرى تدور بين الأرواح أثناء تبادل الحديث بين الألسن. يدفع الحوار كذلك السرد للأمام، ليس بتطوير المعطيات المعرفية للحكي ودعمها فقط، وإنما بواسطة التركيز الحسي الانتقائي أيضًا، والتثبيت السيكولوجي لما تم حكيه على نحو يجعل من التصاعد الدرامي في الرواية مستلهمًا كبصيرة جمالية دون انكشاف.
(وكان وينتربورن في الفترة الفاصلة قد فكر كثيرًا بديزي ميلر وتصرفاتها المحيرة. وذات يوم تحدث مع عمته عنها، وقال إن ضميره كان مثقلًا لأنه ظلمها. قالت السيدة كوستيلو:
ـ أنا على يقين من أنني لا أعرف كيف أثّر ظلمك عليها.
ـ لقد بعثت إليّ برسالة قبل وفاتها لم أفهمها آنذاك، ولكنني فهمتها فيما بعد. إنها تقدّر احترام المرء حق التقدير).
كان يمكن لـ (هنري جيمس) أن يحتفظ بسبب موت (ديزي ميلر) مبهمًا كوسيلة اعتيادية، يحصل القارئ من خلالها على أقوى تحريض ممكن للتفكير في أن فتاة (غريبة) مثلها لم يكن ينبغي أن تعيش في هذا العالم. لكنه جعلها تموت بالحمى ليحاول أن يترك أثرًا أبعد من التعاطف مع طفلة لم ترغب في المقاومة بقدر ما كانت تريد أن تتنفس. أراد (هنري جيمس) أن يتم تأمل هذه الفتاة كبشر، تعيش وتموت لنفس الأسباب المحتملة، وأنها سواء بدت كعدو لا أخلاقي لمجتمع ما أو كطيف بشري استرد ملائكيته الناقصة بالموت فإن لها ـ مثلنا تمامًا ـ زمن محدود قد ينتهي في لحظة ما. هذه اللحظة لن تكون ختامًا لحياة بل ركلا لأحلام لم تتحقق نحو الظلام.
 موقع (زائد 18) ـ الخميس 12 يناير 2017

الثلاثاء، 10 يناير 2017

نصوص متحركة

عندما خرج (الفشل في النوم مع السيدة نون)"1" من الظلام فجأة جاءته رسالة من (قراءة الماضي)"2" لتكشف له عن إحساسها بالتوتر الشديد من وجوده .. أخبرته بأنها لا تعرف لماذا تكتب له هذا: (ربما أردت أن ترى توتري فحسب) .. كان يعلم أنه ينتظرها ـ عند اكتمال عبورها إليه ـ ما هو أكثر قسوة من التوتر، أو أن شعلة القلق ستنطفيء بيُسرٍ متهكم، لن يُصدق .. لم تكن هذه الرسالة هي ما ينتظره (الفشل في النوم مع السيدة نون) من خروجه، أو ـ بصدق أكبر ـ لم تكن أجمل الأحلام التي تمنى أن يحققها وجوده .. لكن (الفشل في النوم مع السيدة نون) شعر باللذة أثناء قراءة الرسالة وكان هذا منطقي جداً .. ليس فقط لأنه اعتبرها هدية غير متوقعة، بل لأنها بدت كإشارة ثمينة على أن الأحلام ستتحقق بالفعل .. شعر كذلك بالضيق، وكان هذا منطقي أيضاً .. ليس فقط لأن توتر (قراءة الماضي) كان يؤلمه ـ ربما ظن للحظات أنه توتر مزيف سيكون رائعاً عدم الوقوع في فخه ـ بل لأنه كان متأكداً من أن أي محاولة من جانبه لتخفيف توترها ـ كتب بالفعل بعض الكلمات الكارثية كطمأنة كاذبة ثم مسحها كمن يفيق من نوبة هذيان ـ سواء نجحت هذه المحاولة أو أخفقت ستكون ـ فضلاً عن إلقاء الهدية غير المتوقعة في صندوق القمامة ـ بمثابة هدم للجسور التي ستمر فوقها الأحلام في طريقها إلى الواقع .. لم يكن أمامه سوى الصمت، وكان هذا هو التصرف الصحيح الوحيد، الذي يستحق أن يُزرع في مكان سري بداخله كوردة تفاخر نادرة يمكنه الرجوع إليها في أي وقت.
بعد شهور قليلة من هذه الرسالة رُدت الهدية غير المتوقعة إلى (قراءة الماضي) .. لم يكن (الفشل في النوم مع السيدة نون) هو من ردها بالطبع، وإنما كان (قراءات)"3" .. أهدى (قراءات) إلى (قراءة الماضي): (أن تتناولك رواية أو هل تراني فعلاً بهذه الطريقة؟)"4" .. ربما لا يزال (الفشل في النوم مع السيدة نون) يفكر: هل كانت هدية (قراءات) متعمدة أم أنها ذهبت إلى (قراءة الماضي) في هذا الوقت تحديداً عن طريق الصدفة ـ بالتأكيد يحب (الفشل في النوم مع السيدة نون) تصوّر أن تدخّل (قراءات) كان مقصوداً .. لكنه بدرجة أكبر كان ممتناً للسعادة التي منحتها (أن تتناولك رواية أو هل تراني فعلاً بهذه الطريقة؟) إلى (قراءة الماضي) إذ لم تكن لتلك السعادة علاقة بأحلامه التي لم تتحقق حتى الآن.
بعد الانتهاء من مائدة مستديرة عن (الرواية والفانتازيا) ـ يا لسخرية القدر ـ تقابل (الفشل في النوم مع السيدة نون) و(قراءات) .. مصافحة سريعة وابتسامة خاطفة ثم اختفاء فوري .. كانت تلك الحدود هي أقصى ما يمكن السماح به للواقع حتى لا تطغى الأجساد الحقيقية على الدعابة.

1ـ رواية لـ (ممدوح رزق) ـ دار الحضارة 2014
2ـ نص لـ (إيمان مرسال) من ديوان (جغرافيا بديلة) ـ دار شرقيات 2006
3ـ مدونة للمترجم (أحمد شافعي).
4ـ مقال لـ (ميشيل هونيفن) ـ ترجمة: (أحمد شافعي). 


الأحد، 8 يناير 2017

السيئ في الأمر

عند باب غرفتي:
الأيادي الصغيرة ممتدة؛ كي اهديدها عيديه، وقبلا ً مشحونة بدعاء الفرح، وتهديني في نفس اللحظة ابتسامات من القلب إلى القلب ، غير أنني أقف صامتة، متردده في الإندماج مع هكذا مشهد وأحاول الفرح ..متسائلة: ترى هل يمكنني تقمص السعادة؟ هل سأجرؤ على ارسال همي لمثواه الأخير، أو المؤقت؟ أسرع للداخل، أسحب كرسي وأقربه من دولابي الخشبي، أصعد ببطئ حاملة على عاتق الزمن هم الأسئلة. أسحب حقيبة سفري وألقيها على السرير ومن ثم افتح دولابي أبحث عن أي شيء وكل شيئ لألقيه في الحقيبة، نعم قررت ترك العيد ، آثرت السفر بعيدا حيث لا مجال لاضطهاد نفسي الصامته وجعلها تفرح بالإكراه.
على متن الطائرة:
هنا الوجوه كلها تفتعل الإرهاق والملل، كما أن رائحة القطط والكلاب تملئ المكان ومن حيث لا أدري! يفترض بي تحمل كل هذا والقليل من بكاء الملائكة الصغار..هممم لا بأس قريبا سينام الجميع ..وسأضل أنا حارسة الزمن اعانق صوت المحرك...وأعد المرات التي يدخل فيها الجميع لبيت الراحة!
السيئ في الأمر:
تذكرت ما قد يجعلني أتنفس قليلا ، أسحب حقيبة يدي ، أبحث داخلها عن مجموعة جديدة للكاتب الشاعر المصري (ممدوح رزق)،أرسل لي نسخة خاصه على البريد ، كما أنه أرسل يسألني رأي عن المجموعة ، ووعدته أنني سأقرئها وأرسل رأي في أقرب فرصة ..هو لا يعلم ما سيعلمه بعد قراءة هذه السطور ..لا يعلم أني أخذت مجموعته معي إلى ثلاث دول ممنية نفسي بقرائتها في أقرب فرصة ،و لم أفعل ! ..لكنني في هذه الرحلة فعلت..أخرجتها من حقيبة يدي وقرأتها على متن الطائرة . قرئتها وروحي في صمت وألم مدعق، أتنفس روائح مختلطة، وأبعد عن ذاكرتي عناصر سوداء، قرئتها وفي خاطري شيء من الرفض لهذه الأرض..وكرهه شديد للمعادن والأسمنت...قرئتها وبصيص الفرح قارب على الانتهاء...وحين أتممتها شعرت بأني لست وحدي ..وأن على هذه الأرض هناك من يشعر بالنملة ، ويطبطب على دميته قبل أن ينام، مجموعة الكاتب لا تخلو من الواقع الذي ينكره أغلب المجتمع ويبتسم ويفرح رغم قسوته، ولا تخلو من ذاتية عامة، يجوز للجميع ارتدائها عباءة، والإشارة لها بأنها تشبهه أو تخصه ، وأيضا من تفاصيل خاصة مؤلمة وقد تصل لحد القبح لكنها تصل بأسلوب مهندم يوحي بالصلابة. مليئة بالتفاصيل، والأزمنة، تعج بالشخوص المقربين والغرباء ، وكأنها فيلم من النوع الفني، النوع الذي يحمل نكهة الشارع، وضجة العمر، لا يسعني إلا أن أشكرك على هذا الإهداء، وأهنئك على المجموعة التي لا تقول سوى الحقيقة وحتى إن كانت محبطة أو ربما أصابها الخذل فهي لم تجد الكثير من المنطق أو حتى السعادة لطرحها ، ما يميزها الشجاعه في الطرح، حتى وإن كان على حساب الروح ، وكأن جملك ملابس منشورة على حبال الوقت تتافخر بإنجازات ليست من الخيال..وتقطر على المارة ماء غسيل ساخن.
باريس:
هنا.. أهدرت روحي التي تلازمني منذ زمن، وتركتها تذوب في المطر.. مع ابتسامة سخرية، هنا وجدت روحا جديده لا تشبهني لكنها ترضيني لبعض الوقت...
منال علي بن عمرو ـ مجلة (المرأة اليوم) / 18ـ 12 ـ 2008


السبت، 7 يناير 2017

ممدوح رزق: الاعترافات أو الفضح الذاتي لعب بالأكاذيب والمبالغات

حاورته: منار رشدي
هي الرواية الثالثة للكاتب “ممدوح رزق” بعد “سوبر ماريو” و”خلق الموتى”. تبدو “الفشل في النوم مع السيدة نون” كإعصار سردي من السخرية والجنس واللهو بكوابيس الذاكرة، يقتلع ويحطم كل ما يقابله في جميع الاتجاهات. عن الطبيب والمريض النفسي والسيدة نون كانت هذه المقابلة.  
*رغم وجود أكثر من محاولة للتشكيك إلا أنني قرأت ما جاء على لسان شخصية المريض النفسي كنوع من الاعترافات التطهرية أو السيرة الذاتية الفضائحية؟
ـ ولم لا؟ .. ربما كان الغرض من محاولات زرع الشك هي أن تؤدي ـ كجزء من الدعابة ـ الغرض العكسي، أي تثبيت ما جاء على لسان الشخصية كحقيقة .. ربما كان هدفها أيضاً تمرير احتمال بأن أحد الجوانب الجوهرية لما يسمى بالاعترافات، أوالفضح الذاتي هو اللعب بالأكاذيب، والمبالغات .. كل قراءة قد تخلق إذن ما يمكن أن يُطلق عليه واقع مختلف أو وهم مختلف، أو تخلق التباساً مختلفاً.
*رأيت الرجل الذي ربما يكون طبيباً نفسياً أو أي شخصية أخرى محتملة كما ذكرت في عنوان كل هامش كوجه آخر للمريض النفسي. كأن الرواية تقوم على هذا الفصام، خصوصاً أن تحليلات الطبيب النفسي للتداعي الحر الخاص بالمريض تتناول الأسباب والأعراض المعروفة عن مرض اضطراب الشخصية المتعدد؟
ـ ربما كان هذا صحيحاً، وهو احتمال له مبرراته القوية في الرواية .. لكن (الفشل في النوم مع السيدة نون) لم تخضع لخبرات وتجارب التحليل النفسي بل استخدمتها لخلخلة ما يمكن أن تقدمه هذه الخبرات والتجارب كيقين أو كنتائج محسومة .. هذا ما يقودني بالضرورة للإشارة إلى أن الهاجس الأكثر جدارة في تصوري بالجدل هو أن حالة الفصام هذه ـ لو اعتبرناها كذلك ـ لا تمتد فقط بين المريض والطبيب بل ربما تحوّل كافة الذين ظهروا على مسرح الرواية إلى هويّات متصارعة داخل كل جسد حتى لو كان ظهورهم لم يكن سوى مرور عابر.
*الرواية لا تكتفي بجرأتها الجنسية بل تنتهك صراحة أجساد المحارم خاصة الأم. ما الذي كان يدور في ذهنك عند هذه المناطق من الكتابة تحديداً؟
ـ لا أفكر مطلقاً في شيء اسمه الجرأة، أنا أكتب ما أريده وحسب وليس هناك ما يمنعني من ذلك، هكذا ببساطة .. الأمر لا يتوقف عند حد الانتهاك بل أنني أردت اغتيال قدسية هذه الأجساد ليس لمجرد الرغبة في استعمالها للعب مثل أي شيء آخر بل لأن هذه القدسية ربما كانت صاحبة التأثير الأعنف في التاريخ الجسدي لشخصية المريض النفسي، وهو وصف مخادع طبعاً .. أنا الذي اخترت صورة غلاف الرواية، ولم أكن مطمئناً لما سينتج عن استخدامها، لكنني فوجئت بتصميم الفنان (عبد العزيز السماحي)؛ حيث وضعني أنا وأمي خارج البرواز، وهذا بالضبط ما كنت أقصده؛ الرواية تفكيك لسلطة اللقطة الفوتوغرافية التقليدية القديمة، التي تجمعني في الطفولة مع أمي.
*أريد أن أسألك عن أحد الأشكال المتعددة في لغة الرواية وهي الخاصة بفصول التداعي الحر. كيف قررت لها أن تتخذ هذه الطبيعة الأقرب إلى الكلامية؟
هي الطبيعة التي تناسب التداعي الحر لمريض يجلس في عيادة طبيب نفسي .. التي تتوافق مع حرية تدافع الذكريات دون قمع بقدر الإمكان .. هذا ما جعلني أكتب هذه الفصول بلغة تدمج بين الشفاهي والكتابي، محافظاً على ما تتسم منطقياً به من طيش وارتباك وأخطاء.
*من المؤكد وأنت تعلم هذا أن “الفشل في النوم مع السيدة نون” لا يمكنها أن تحظى بقبول القراء الذين يرفضون ما يعتبرونه بذاءة أو انحرافاً أخلاقياً. ما موقفك تجاه هذا الشكل من النقد؟
ـ استمتع به جداً، حتى أنني اتخيل في بعض الأوقات ما يمكن أن تكتبه هذه النوعية من القراء عن عملي وأضحك لأن هذا التخيل جزء عزيز من لذة الكتابة .. ردود الأفعال المصدومة، والغاضبة، والمرتبكة تُشعرني بالبهجة، وبالاعتزاز بالنفس ربما أكثر مما يُسببه الإعجاب أو الإشادة أحياناً .. قطعاً لا أعد نفسي خاسراً إذا لم أحصل عليها، ولكن هناك رغبة أصيلة عندي في إحداث التأثيرات المؤلمة لمن لديهم أحاسيس أخلاقية ودينية مرهفة.
*في الرواية هجوم عنيف وسخرية من المركزية القاهرية وشلل وسط البلد، وأعتقد أنها ليست المرة الأولى. إلى أي مدى أنت منشغل بهذه القضية؟
ـ ليست قضية، ولم يكن ما كتبته هجوماً .. كل ما في الأمر أنني بين حين وآخر أجد في نفسي رغبة للتسلية بالكتابة عن أعظم وأجمل مدينة على وجه الأرض، وعن النخب الأدبية التي تعيش فيها، وتعاني من الظلم لأنها لم تجد من يرفق بها أو يحنو عليها رغم أنهم أفضل كتّاب العالم .. بجد.
*الفشل في النوم مع السيدة نون” من أكثر الروايات مبيعاً، كما رشحتها دار الحضارة لجائزة البوكر، هل أخبار كهذه تستحوذ على اهتمامك أو تجعلك سعيداً؟
ـ بالتأكيد تسعدني رغم أنها لا تمثل متعتي الأساسية .. ما يشبعني بحق لا علاقة له بنسبة التوزيع أو بالترشح لجائزة .. لكن على جانب آخر حتى لو لم تصل الرواية إلى القائمة الطويلة فيكفيني فعلاً اختيار الناشر المحترم (إلهامي بولس) لها من ضمن الروايات الكثيرة التي أصدرتها الدار، وبالمناسبة أنا أعتز جداً بتجربتي الأولى مع دار الحضارة، وتشرفت بالتعامل مع هذا الإنسان الراقي والمهذب، الذي لا زلت أكرر بأنني لا أصدق أنه ناشر مصري.
*هذا السؤال قد لا يكون “أدبياً” ولكنني عرفت الشخصيتين الحقيقيتين للسيدة نون وللروائي الشاب الذي مات بالسرطان بسهولة. ما الذي وراء إصرارك على أن تكون تفاصيلهما واضحة إلى هذه الدرجة؟
ـ لا أعرف ما هو استنتاجِك، ولا يعنيني صراحة .. لكن عموماً (الشخصيات) تتوقف عن أن تكون (حقيقية) في الكتابة مهما بلغ وضوح ملامحها الحقيقية .. هذه إجابة دبلوماسية طبعاُ لأنني في الواقع فقدت تدريجياً كل شيء، ولم تعد لدي حياة كي أعيشها ـ من قرأ (الفشل في النوم مع السيدة نون) قد يفهم ما أقصده ـ ولهذا منذ زمن طويل ـ ربما عكس ما يقوم به غيري من الكتّاب الذين يحوّلون الحياة إلى كتابة ـ قررت تحويل الكتابة إلى حياة انتقامية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
موقع الكتابة الثقافي ـ 11/9/2014 

الجمعة، 6 يناير 2017

الكراهية المطلقة

الساعة الثالثة عصرًا .. الآن أصبحت وحدي كالعادة .. أغلق باب البيت بالمفتاح .. أذهب إلى حجرة النوم وأقفل بابها ورائي .. أتمدد فوق السرير بملابسي الثقيلة .. أختار اليوم أغنيةun peu d’esperance) ) من خزانة الهاتف .. ألتحف بالبطانيتين محكمًا تغطية رأسي بالكامل مع ترك شق مناسب لعينيّ وأنفي .. لا أفهم الكلمات الفرنسية التي تغنيها (Mireille Mathieu) ولكنني أريد صوتها .. أحتاج إلى تباين الانفعالات لنبراتها المنغمة .. أتأمل الزرقة البيضاء للنهار البارد المنبعثة من وراء ستارة الشباك الزجاجي، والمنسدلة على ضلفتيه المغلقتين .. لا أفكر فقط في الانعكاس الناعم للضوء فوق الدولاب والكومودينو والأباجورة الصغيرة .. أفكر أيضًا في أنني وحدي الآن، وراء باب مغلق، وأرتدي ملابس ثقيلة، وملتحف ببطانيتين، وأن صوت (Mireille Mathieu) ملائم لهذا .. أنني بعيد ومنعزل ليس مكانيًا فحسب وإنما على مستوى الزمن كذلك داخل اللحظات الأكثر جمالا في الشتاء .. الدقائق القليلة التي تدفعني ـ وعلى نحو أقوى من أي وقت آخر ـ للتمعن في أنني طوال أربعين عامًا لم أفعل شيئًا بشكل صحيح .. لم أتكلم بشكل صحيح .. لم أكتب بشكل صحيح .. أهدرت كل شيء .. لم أكسب أي شيء .. ماتت عائلتي .. انتُزعت مني كل القطط التي حاولت أن أُبقيها معي ..  قطعت علاقتي بجميع أصدقائي .. لم أعد أغادر البيت .. لدي زوجة وإبنة كنت أريدهما ألا تجيئا إلى الحياة .. أتمنى لو أمتلك القدرة على الهروب منهما، وأن أسافر بعيدًا لأقضي ما تبقى من عمري في بلد لا أعرف أحدًا فيها .. كنت مسخًا مضحكًا، وسأموت كأنني لم أمر في العالم.
أغمض عينيّ وأتذكر أن كل الأشياء التي كانت ستبدو صحيحة في زمن ما، ربما ستكون خاطئة في زمن آخر .. أتعهد لنفسي مجددًا بعدم نسيان هذا الهاجس كي أظل مطمئنًا إلى أنني أمضيت أربعين عامًا بشكل مثالي .. لكنني متأكد جدًا من أنني سأنسى وسأتغافل عن أن كراهيتي المطلقة مشيدة على أسس بديهية من غياب الصواب والخطأ .. سأحرم الندم من أن يكون ممتنًا .. سيظل ندمًا فقط .. كراهية مطلقة فحسب كانت جديرة بتحويلي إلى سفاح، ولكنها جعلتني منتحرًا مكرهًا على الحياة، لا يفطن أحد للطريقة التي يقتل بها نفسه.
أصعد مع زوجتي سلالم محطة قطار .. سلالم رخامية ذات لون طوبي لامع، يمكن الجلوس فوقها والبكاء طوال اليوم دون أدنى شعور بعدم الاستقرار .. مدينة غريبة، ولكن ليس على نحو عدائي .. الوقت ظهرًا، أو اقترب كثيرًا من العصر .. سلالم المحطة ليست عالية، وتطل على ميدان واسع ومزدحم ولكنه هادىء، كما أن هناك مساحة واسعة من الفراغ الصامت تمامًا تفصل بين الميدان والمحطة .. لكن بعد تجاوز عتبة المبنى تقابلنا مباشرة سلالم أخرى لأسفل، تقود إلى قصر ثقافة الطفل .. سلالم غير مرتفعة، وليست محفوفة بجدارين، وإنما تنزل في الفراغ نحو حديقة القصر .. لا ننظر أمامنا، حيث نعرف أن الواجهة الكبيرة للمسرح تحجب فناءً صغيرًا بلا سقف، يفصل هذا المسرح عن حجرة الفن التشكيلي المطلة على النيل والمجاورة لشجرة توت كثيفة، لم تتوقف أوراقها عن التساقط بغزارة فوق البلاط الأبيض للفناء .. نتوجه فورًا نحو اليمين لندخل من باب المكتبة الملاصقة لقاعة الفيديو .. نجد حجرة صغيرة خالية إلا من شباك التذاكر القائم على اليسار، وبالقرب من السقف نوافذ عالية ومفتوحة، يدخل ضوء الشمس من أطرها الواسعة .. أترك زوجتي لتقطع تذكرتين من الرجل الجالس وراء الشباك دون أن أكتشف ملامحه، ودون أن أعرف ما هي المدينة التي سنسافر إليها .. أنظر إلى النوافذ الكبيرة المرتفعة فيتملكني شعور بأننا الآن في بلد يقع على البحر، وأن أهلها يعيشون من أجل الذهاب إلى البحر، وأنني لو استطعت رؤية ما يحدث في الخارج عبر هذه النوافذ لأمكنني مشاهدة البشر الذين يمشون في تلك الظهيرة الصيفية نحو الشاطئ أو عائدين منه، بينما رائحة الأمواج المختلطة بذرات الرمال عالقة بكلماتهم وضحكاتهم ونظراتهم الملونة بزرقة السماء .. لكان بإمكاني أيضًا الإنصات إلى تلك الأغنيات السعيدة المتناثرة التي لا تنبعث إلا في مدينة تطل على البحر، ولا يستمع إليها في هذا الوقت إلا المقيمين فيها أو الذين يسكنونها بشكل مؤقت من أجل الذهاب والعودة من الشاطئ .. أنتبه إلى زوجتي وهي تتحدث بطريقة غير لائقة مع الرجل الجالس وراء شباك التذاكر، والذي لم أكتشف ملامحه .. أراها تضحك معه أيضًا على نحو يثير غيرة رجل مثلي، ترك زوجته تقطع تذكرتين، وقرر أن يقف على بُعد خطوات منها ليتأمل النوافذ العالية .. الغيرة التي أغرتني بكتمان الغضب للاستمتاع به أطول وقت ممكن .. رغم ذلك أسألها ونحن نغادر الحجرة عن السبب الذي جعلها تتصرف بهذه الطريقة .. تلتفت إليّ بملامح جامدة، وعينين متحديتين، وبنصف ابتسامة ثم تقول كلمات قليلة، مقتضبة ـ على غير عادتها ـ تؤكد عدم الاعتراف بالخطأ، وعدم اهتمامها لاعتباري ما حدث أنه خطأ فأشعر بلذتي المخبوءة تتضاعف .. خارج المكتبة نجد الظهيرة الصيفية قد تحولت إلى ليل شتائي صاخب .. حديقة قصر ثقافة الطفل أصبحت مساحة شاسعة ممتدة بلا نهاية أمامي تحت سماء سوداء .. طريق مهيب، يبدو كحقل هائل لم يُزرع منذ زمن طويل، تحجرت الثقوب والنتوءات والتعاريج الطينية الكبيرة في أرضه .. لا أنظر إلى الخلف لأنني بشكل ما أعرف أن هذا الطريق مقفل بالبيوت ورائي، وأنني أقف عند هذه البداية المغلقة، وعينيّ تتجهان إلى لانهائيته، أما وراء هذه البيوت فربما توجد حافة كونية تُطل على ظلام أبدي .. لا ألمح سيارة واحدة ضمن الحشد العظيم من الناس فأفسر هذا بعدم صلاحية الأرض لمرور السيارات .. جميع البيوت قديمة، متفاوتة الإرتفاع، وذات تصميمات مختلفة، وتعلو الدكاكين والأكشاك الكثيرة والمتلاحمة على الجانبين بينما تنتشر الإضاءة البيضاء والصفراء بكثافة من المصابيح النيون والتنجستين العتيقة الساطعة .. أفكر في أن هذا الطريق يبدو كخيال قادم من ذاكرة (فيلليني) .. شيء ما يجعلني مرتفعًا بصورة واضحة عن المشهد .. لم يكن الحيز الضئيل من الأرض التي أقف فوقها في بداية الطريق أعلى من المساحة الشاسعة الممتدة أمامي، كما لم يحصل جسدي على طول إضافي فجأة .. مع ذلك أنظر إلى الطريق كأنه أسفل بصري بطريقة ما، وبالكيفية التي تسمح لي برؤية الأفق البعيد للسماء السوداء المنبسطة ورائه، حتى أنه يتهيأ لي أنني ألمح خيالات ضبابية لأجساد هائلة تلعب خلف الغيوم الرمادية والنجوم الغزيرة بدرجات لمعانها المتفاوتة .. أنتبه إلى غياب زوجتي بعد أن تبددت من رأسي كل الأفكار التي تخص محطة القطار، والمدينة التي تطل على البحر، وقصر ثقافة الطفل .. أصبح وحدي أمام هذا الحشد غير المنتبه لوجودي ثم أدرك على نحو مباغت أن زوجتي قد ذهبت إلى حيث توجد ابنتنا في مكان ما لأنها لا يجب أن تتأخر عنها أكثر من ذلك .. أقرر أيضًا أن لدي موعد في مقهى يقع على الصف الأيمن من هذا الطريق، ويبعد عن نقطة وقوفي مسافة بسيطة، وأنني سأعود بعد انتهائه إلى زوجتي وابنتي اللتين تنتظراني في المكان الذي لابد أنني أعرفه .. أبدأ في المشي وسط الزحام ملتزمًا بجهة اليمين دون إحساس بالمعاناة نتيجة التكدس البشري أو الضوضاء بل على العكس تشعر خطواتي بذلك النوع من الخفة المنتشية الذي ينجم عن السير داخل نطاق مألوف، وحميمي .. لا أرى الناس من حولي رغم تأكدي من أنني أشاهدهم جيدًا، مثلما لا أرى البيوت والأضواء التي أنظر إليها بشغف، ولا أسمع الأصوات الصاخبة التي أحس باندفاعها المتواصل في أذنيّ .. كل شيء مُطمْئِن كأنما أُعيدت ولادتي بأمان كامل .. لكن هاجس مُقلق ينبعث في نفسي مع اقترابي من المقهى، ويتصاعد تدريجيًا بشأن هذا الموعد .. أعرف أنني سأقابل أشخاصًا قليلين، تربطني بهم صلة قديمة، وأننا لم نلتق منذ وقت طويل، كما يتعيّن علينا أن نحسم في هذا اللقاء أمرًا شاقًا.
أصل إلى مقهى شعبي، واسع، غير مزدحم، مضاء بنور أبيض قوي لمصابيح نيون نظيفة، منتشرة فوق الحوائط البيضاء أيضًا .. يوجد تليفزيون كبير فوق رفٍ عالٍ بعد المدخل، ولا أستوعب ما يدور على شاشته في تلك اللحظة رغم الصوت الواضح، ولكن ربما لدي حدس بأن السماء الليلية، والطريق الشاسع المزدحم بالبشر، والأضواء الصفراء والبيضاء في الخارج، وأشكال البيوت التي مررت بينها كانت علامات تؤكد أن ما يعرضه التليفزيون الآن حلقة من مسلسل قديم .. هناك بعض المرايا الكبيرة المثبتة بالجدران، التي يمكنك بواسطتها أن تتفاجأ بنفسك، أو تتعرف على حقيقة لوجهك لم تحصل عليها من مرايا سابقة .. لا أنظر إلى أي منها، مثلما لا أتطلع إلى الساعة التي لا أراها، ولكنني أعرف أنها معلقة هي الأخرى فوق حائط ما .. أدرك أن الوقت الآن فيما بين السادسة والثانية عشر مساءً .. أتوجه إلى نهاية المقهى حيث طاولتين متجاورتين وكراسي خشبية تستند إلى الحائط المقابل للمدخل وللتليفزيون الذي لا أحرّك رأسي إليه كي أتأكد من وجود المسلسل .. كانوا يجلسون هناك في انتظاري .. ثلاثة أصدقاء تقريبًا (كما ينبغي أن أسميهم) ينتمون إلى مراحل مختلفة من حياتي، ويُفترض أن كلًا منهم يجهل الآخر، ولكنهم اتفقوا بشكل مبهم على أن يتقابلوا في هذا المقهى، وأن يتحدثوا معي .. أجلس بينهم مثلما كان يحدث دائمًا، ونبدأ في الكلام والضحك والصمت، بينما يتناوب القهوجي على المجيء إلى طاولتنا لتبديل الأكواب والزجاجات، وتغيير مطفأة السجائر، وجمرات الشيشة .. كانوا يعرفون بالأمر الذي جئت من أجله إليهم، دون أن أفهمه، ودون أن أتحدث عنه كما يجب ـ كالعادة ـ ولهذا لم نحسم شيئًا .. يبدو لي كأن العابرين في الخارج يشاركوننا ما نتكلم فيه لمجرد أنهم تحت هذه السماء الليلية الممتلئة بالمطر، ويسيرون وسط هذه الأضواء الصفراء والبيضاء، وأمام هذه البيوت القديمة ذات الشرفات الخشبية، وفوق هذه الأرض الطينية المتحجرة .. كان من الحتمي أن نتفق على لقاء آخر في نفس المكان وفي مثل هذا الوقت ونحن ندرك جيدًا أنه سيلاقي نفس المصير، أما أنا فأشعر بالخسارة نتيجة عدم حدوث شيئ مختلف .. أحس بإهانة تقليدية أصابتني عبر وجوههم، وتلميحاتهم المتبادلة، وفراغات كلماتهم .. ننتبه إلى خبر عاجل تعلنه مذيعة جميلة فوق شاشة التليفزيون .. حدث خطير مفاجئ يجعلنا ننظر إلى الشاشة، وننصت إلى تفاصيل الأزمة الطارئة التي ربما تكون تمهيدًا متسارعًا لكارثة .. لا نشاهد ولا نستمع، ولكنني أعرف كل هذا مع الجالسين، وبقية زبائن المقهى، وبعض المارين الذين انحرفت خطواتهم مؤقتًا عن الشارع نحو المدخل لتبين الخبر .. أشعر بالسعادة لأن الحدث الخطير المفاجئ يبعد كثيرًا عن المدينة التي أوجد فيها الآن، ولكنه يستطيع الاقتراب منها إلى حدٍ آمن، وهو ما يجعل من مراقبته عبر شاشة التليفزيون ومن خلال وجوه المحيطين، وثرثرتهم تسلية شيقة .. أفكر في أن الأزمة الطارئة رغم كونها بعيدة فإنها متصلة بهذا المقهى وبالشارع الذي يقع خارجه، وبالأضواء، والليل الشتائي، والشرفات الخشبية للبيوت القديمة التي تنتظرني زوجتي وطفلتي في أحدها .. أدرك أنهما موجودتان الآن مع أمي وأبي وإخوتي وجدتي في بيت داخل هذا الشارع، وأنه قريب جدًا من المقهى، ربما على بُعد سبع خطوات فحسب على اليمين أيضًا، لدرجة أن بإمكاني رؤية المدخل الذي يقع التليفزيون وراء عتبته لو نظرت من شرفة هذا البيت الذي سأصعد إليه الآن .. أقرر أنني سأعود إلى عائلتي بذلك الإحساس بالإهانة التقليدية الناجمة عن لقاء أصدقائي، والذي لم نحسم خلاله الأمر الشاق .. سأتابع مع أولئك الذين ينتظرونني التطورات المثيرة للخبر العاجل في تليفزيون آخر، وسأتمنى أن تمطر السماء في هذا الليل، وأن يزداد البرد قوة، مع سخاء من البرق والرعد، وأن يقترب الخطر البعيد للدرجة التي تقودني للوقوف داخل الشرفة الخشبية للبيت القديم في وقت متأخر، وتأمل الشارع والسماء مع اشتداد المطر.
أفتح عينيّ .. لازالت الثالثة عصرًا .. أوقف صوت .. (Mireille Mathieu) أزيح البطانيتين .. أنهض بملابسي الثقيلة .. أفتح الباب المغلق .. أجلس أمام اللاب لأحاول كتابة شيء ما ـ ولو لمرة واحدة ـ بشكل صحيح .. أعرف أنك لن تمر على آلامي كأنك تمر على أمر استثنائي .. أنا واثق من هذا .. سيكون لديك يقين لن ترى ـ بكل أسف ـ مبررًا لمحاولة التأكد من صوابه بأن كل هذا عادي ومكرر، ويشبه ـ وربما على نحو أقل سحرًا ـ وثائق البؤس الأخرى التي يفيض بها التاريخ البشري .. هذا ليس غريبًا .. كل كائن يضفي طابعًا متفردًا لحياته التعيسة سواء نجح هذا الإيمان في العبور والاستقرار داخل ذاكرة الآخرين أم لا .. لكنني أدرك أن آلامي استثنائية حقًا، دون أن يكون لهذا ارتباط بتلك الضرورة التي قد تكون حتمية .. أعرف أن فشلي في تحقيق أحلامي، وفي عجزي عن امتلاك كل شيء، وعن السيطرة على جميع البشر والمدن والأزمنة، وعن الانتقام من كافة أعدائي، وفي البقاء منكمشًا وضعيفًا، وعاجزًا عن الحركة منذ لحظة ميلادي وحتى الآن مهلكًا روحي في جبهات حرب عديدة وتافهة، لا أريد من الانتصار فيها سوى تمرير حسرتي بأدنى طريقة ممكنة، وتثبيت يأسي ليظل أبديًا حتى لا يكون مصير الحكايات القديمة ولحظات ومشاهد الماضي التي تلعب في رأسي وأنا نائم هو الاندثار والنسيان؛ أعرف أن كل هذه الآلام استثنائية بالفعل .. ربما لا لشيء سوى لأنني أكتب وأدوّن مسبقًا فيما يشبه التنبيه بأنه سيكون لديك يقين لن ترى ـ بكل أسف ـ مبررًا لمحاولة التأكد من صوابه بأن كل هذا عادي ومكرر، وربما لأنني لا أعرف من ذلك الذي أتحدث إليه بضمير المخاطب في هذه اللحظة، ولماذا ..  ربما لأنني أوثّق شعوري بأنني كتبت مجددًا الآن بطريقة خاطئة، وهذا أمر يجب أن يسبب لي السعادة.
موقع (أنتلجنسيا) ـ 3 يناير 2017
اللوحة لـ Jaeyeol Han

الخميس، 5 يناير 2017

«صيّاد القصص» لإدواردو غاليانو ... التعب والمواساة

في مجموعته القصصية الأخيرة «صيَّاد القصص»، والتي أنهاها قبل وفاته عام 2015 بشهور قليلة، قام إدواردو غاليانو برحلة ختامية في تاريخ العالم عبر ذاكرته الشخصية. كأن الكاتب المولود في مونتيفيديو - الأوروغــواي عام 1940، كان يـعبِّد سردياً لخطواته القليلة المتبقية نحو الموت بما يشبه الاستعادة الكلية للماضي. أُضيفت إلى هذه المجموعة الصادرة أخيراً عن دار «ورق» في دبي، بترجمة صالح علماني، ووفق الناشر الإسباني كارلوس ي. دياث، نحو عشرين قصة من كتاب آخر لم يكمله غاليانو، وأراد له اسم «خربشات» بعد اكتشاف الكثير من التشاركات بين هذا المشروع و «صيَّاد القصص».
في القسم الأول من الكتاب المعنون بـ «طواحين الزمن»، يسافر إدواردو غاليانو إلى جذور الشغف. يجوب الأصول المتناثرة للحكايات داخل التاريخ ليقبض بتنقلات مكثفة على الخامات الكونية التي شكَّلت الروح السردية لعالمه الخاص.
يتأمل غاليانو ذخيرته القصصية التي راكَمَتها مشاهد الحب والألم والحـــروب والمجـــازر والثــــورات والإضرابات، وأقدار الوعَّاظ والفلاحين والمسوخ والعمال والعبيد والمؤرخين والفنانين والموتى الأحياء والقتلة ورجال العصابات، وأحلام الشعوب والإمبراطوريات والأعراق البشرية والحضارات القديمة، وإلهامات القصائد والأغنيات ومبارايات كرة القدم ومقاهي العالم والشوارع والكتب والرقصات والبيوت والأقنعة والصحف والأفلام والمقابر والنكات، وكذلك الآثار السحرية للمطر والريح والنهار والشمس والليل والنجوم والقمر والطيور والحيوانات والأشجار والحقول والزهور والأنهار والغابات.
كأن إدواردو غاليانو يجد في كل تلك الغنائم المحتشدة داخل ذاته «النَفَس الضائع»: «قبل الماقبل، حين لم يكن الزمان زماناً بعد، والعالم لم يكن عالماً بعد، كنا جميعنا آلهة. براهما، الإله الهندوسي، لم يستطع تحمّل المنافسة: فسرق منا النَفَس الإلهي وخبأه في مكان سري. منذ ذلك الحين، نعيش باحثيـن عـن النَـفَـس الضائع. نبحث عنه في أعماق البحر وفي أعلى قمم الجبال. بينما براهما يبتسم من مكانه البعيد».
لم تتّسم قصص المجموعة بالطبائع المألوفة للقصة القصيرة، بل كانت أقرب إلى ما يُطلق عليه في شكل اعتيادي الخواطر التأملية والاقتباسات التوثيقية التي تدمج بين التخييلي والواقعي والميثولوجي. لكنها قصص قصيرة بالكيفية المتحررة من الأنماط الشائعة لفن القصة، والتي يتخذ السرد خلالها حالات غير تقليدية. يمرر غاليانو عبر قصص المجموعة إغراءً حميمياً لاكتشاف أنه وراء ما يبدو أحياناً غياباً للقص، يمكننا العثور على وفرة متوالدة من القصص التي تحرّض على خلقها، كما يمكننا رصد النبرة الشفاهية التي تليق بذلك المشّاء الباحث عن الحكايات، والذي تعلم فن القص في مقاهي مونتيفيديو القديمة على يد «الكذابين المعتبرين»، كما وصفهم. ربما هذا ما يجعل قصص غاليانو تقوم على نوع من المفارقات الكاشفة أو المصادفات التي تُشيّد بحدة الدعابة أساطير سردية في مواجهة الأعاجيب القدرية للحياة والموت.
في القسم الثاني من الكتاب، يتحدث غاليانو عن البدايات وعن القصص الغريبة لكتبه مثل «كرة القدم في الشمس والظل»، كما في «أفواه الزمن» حيث الرسالة في القارورة التي أعادت الحياة إلى «خورخي بيريث»، و «أيام وليالي الحب والحرب» الذي افتتحه غاليانو بالجملة التي نسي ماركس أن يكتبها في «رأس المال»، و «شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة» والرجل الذي اخترقته رصاصة قُتل بها رجل عصابات في معركة تشالاتيانغو.
بعض من ذكريات الأحلام التي حاول بواسطتها صاحب «مرايا»، و «ذاكرة النار»، و «أبناء الأيام»، و «كلمات متجولة»، أن يصطاد الفناء. وتنتهي القصة بالقول: «والآن، بعد مرور السنوات، وبعد أن خلَّف الطفل طفولته وراءه منذ زمن طويل، يشعر بالأسى من أن يموت ويترك ظله وحيداً». إحدى القارئات، تُدعى دايدي دونيلي، كتبت إليَّ تطلب مني ألا أقلق: فالظل لن يبقى وحيداً، لأن ظل الظل سيــتــولى مرافقته.
في القسم الثالث، وعنوانه «موجز»، يقدم إدواردو غاليانو ملخصاً لسيرته الذاتية، مقترناً بإشارات مختصرة عن الكتابة حيث قادته سهولة اقتراف الأخطاء في الصغر إلى إثبات أنه سيخلف أثر مروره في العالم. كان غاليانو يعرف أن الكتابة تُتعِب، لكنها تواسي، وهذا ما جعله يواصل ممارسة «الشغف غير المجدي» بتعبير سارتر، محاولاً أن يكون أقوى من الخوف أو من الخطأ أو من العقاب.
في القسم الرابع الذي يحمل اسم «أردت، أريد، أتمنى»، يترك غاليانو ما يشبه كلمات الوداع، وهي - كما ذكر في النهاية - من «نشيد الليل» لدى شعب (ناباخو): «أن أمشي في جمال. أن يكون هناك جمال أمامي وجمال خلفي وتحتي وفوقي، وأن يكون كل ما حولي جمالاً، وجمال عــلى امتــداد طريـقي، وأن أنتهي بجمال».
جريدة (الحياة) اللندنية ـ الثلاثاء، 3 يناير/ كانون الثاني 2017

الأحد، 1 يناير 2017

الخطايا الكاملة للشاعر الرجيم

تُعتبر الأعمال الشعرية الكاملة لـ (شارل بودلير) بترجمة رفعت سلام والتي أُعيد نشرها في طبعة شعبية عن مكتبة الأسرة من أهم إصدارات عام 2016.. يُفتتح الكتاب بمقدمة المترجم عن الحياة البائسة لـ (بودلير) في القرن التاسع عشر، وعن مكانة أعماله مثل "أزهار الشر"، و"سأم باريس" في الحركة الرومانتيكية الفرنسية،وكذلك صراعاته ومعاركه الشخصية مع أمه وزوجها الجنرال اللامع، ومع معاصريه من النقاد والصحفيين الذين كانوا يرونه "ولدًا خبيثًا" أو شخصاً "غريب الأطوار".
يعرض الكتاب سيرة ذاتية لـ (بودلير)، متبوعة بقراءة (بول فاليري) لـ (أزهار الشر) والمعنونة بـ (مكانة بودلير):
(لكن المجد الأعظم الأعظم لبودلير، علي نحو ما أوضحت في البداية، يكمن في أنه ألهم ـ بلا شك ـ شعراء عظامًا كثيرين، فلا فيرلين، ولا مالارميه، ولا رامبو كان لهم أن يكونوا ما كانوه لو لم يقرأوا "أزهار الشر" في السِّن الفاصل).
في (الحب والجمجمة) وهي إحدي قصائد (أزهار الشر)1861 نتعرّف علي الصورة المرعبة للحب عند (بودلير).. كأن هذه العاطفة هي السبيل الأبدي نحو أشد حالات التعذيب شراسة بفعل إرادة عابثة، تتلذذ بتحويل الرأس إلي أشلاء:
(هذه اللعبة الوحشية البلهاء،
متي ستنتهي؟
لأن ما ينثره في الهواء
فمك القاسي
أيها الوحش القاتل، هو مخي،
ودمي ولحمي!).
يمكننا العثور علي هذا الحس المأساوي، أو الوعي بالألم في قصيدة (الصوت) من (البقايا) 1866 حيث تأمل ما يشبه اللعنة التي تدفع بالروح نحو الظلام الماورائي للعالم..الخوف الجاذب للروح خارج حدود المألوف المزيف بالبريق العقلاني.. ينتمي (بودلير) إلي ذلك السواد الخبيث الكامن خلف الوجود، والذي يبقيه مكرسًا لإفساد التناغم بين الحياة والمعرفة:
(ومنذ ذلك الحين، وأنا، كالأنبياء،
أحب برقة الصحراء والبحر؛
وأنا أضحك في الجنازات وأبكي في الحفلات،
وأجد متعة عذبة في الخمر المرير؛
وكثيرًا ما أعتبر الحقائق أكاذيب،
وأهوي، فيما العينان شاخصتان في السماء، وفي الحُفر.
لكن الصوت يعزيني ويقول: "فلتحتفظ بأحلامك؛
فالحكماء لا يملكون أحلامًا بجمال أحلام المجانين!"
في واحدة من أكثر قصائد (شارل بودلير) شهرة وجمالًا، نختبر هذا الدافع للتفكير والتساؤل حول العلاقة بين الرعب والغيوم.. إنها قصيدة (الغريب) من (سأم باريس) التي تتحوّل فيها الغيوم إلي وطن أو مأوي دائم لذلك المعذّب بالاغتراب.. المرايا السماوية البعيدة التي يحركها الخيال اليائس، وتتجمع في زمنها الخاص الأحلام والكوابيس والملامح المتراكمة للفقد.. يعرف (بودلير) أن الغيوم هي الوعود المتحررة من الأسر العائلي ومن المتاهات الجائعة للصداقة:
(ـ إيه!، فما الذي تحب إذن، أيها الغريب العجيب؟
ـ أحب الغيوم.. الغيوم التي تمضي.. هناك.. هناك.. الغيوم الرائعة!).
الغيوم التي تبدو طفوليتها القصوي لدي (بودلير) كأنها الممر الغامض والمتحسّر للذاكرة نحو الموت.. التجسيد الرومانسي للفناء، الذي ينقذ الماضي دون بتر أشباحه.. ربما هذا ما يجعلني دائمًا أضع هذه (الغيوم الرائعة) التي لم يذكرها (بودلير) في قصيدة (الرحلة) داخل السماء الحاضرة في هذا المشهد:
(أيها الموت، أيها القبطان العجوز، هو الوقت! فلترفع المرساة!
هذه البلاد تُضجرنا، أيها الموت! فلتُبحر!
فإذا ما كانت السماء والبحر سوداوين كالحِبر،
فقلوبنا التي تعرفها مليئة بالأشعة!).
قرأت أشعار (شارل بودلير) بترجمات مختلفة، ولكنني لم أحصل علي متعة تفوق قراءتهابترجمة رفعت سلام، وهذا ينطبق أيضًا علي أشعار (يانيس ريتسوس)، و(قسطنطين كفافيس)، و(آرثر رامبو)، ولاشك أن هذا الكتاب يعد واحدة من أعظم الهدايا التي يمكن أن يحصل عليها المغرمون مثلي بأشعار (بودلير).
(أخبار الأدب) ـ 12/31/2016