الأحد، 4 أكتوبر 2015

الإرجاء الشعري لبيع الكون

يتقمص (هرمس) في ديوانه (كلاشنكوفي الحبيب) الصادر عن دار (شرقيات) روح شبح خلقه التجرد من المفاهيم .. يتحرك هذا الشبح فيما يشبه التناثر بين ذاكرة المفاهيم المنزوعة، وبين الحالة الشبحية المواجهة ـ المنطوية على استشرافات بداهة ـ والتي تحوّل إليها العالم مع تفحص تلك الروح للمرئيات المتشابكة .. بدت هذه المشاهد المرصودة كاحتمالات طائشة .. مبتورة .. تحاول أن تستجيب لرمزيتها لكنها تدرك أنها لا يجب أن تفعل .. هي تخبو بمجرد ظهورها .. مبكراً ، وربما مبكراً جداً ولكنها حتمية التلاحق الفوري للحضور والغياب التي لا تليق بشبح وحسب، وإنما التي تناسب أيضاً محاولات تأويل الكينونة فيما بعد التخلص من المفاهيم.
 الذين تحولوا لقرود ارتاحوا من خطوة الحضارة
والذين تحولوا لضباع ضحكوا كثيراً
تحول كل منهم لحيوان
كنا يائسين تمامًا من بشريتنا
تحولوا وودعتهم وظللت هنا
أسمع أخبارهم وأشيخ.
إذا كان تحوّل البشر إلى حيوانات ـ وهو خلق مجازي متجذر في الذاكرة ـ ناجماً عن اليأس؛ فإنه سيكون دافعاً قوياً بالتأكيد للاستفهام عن الكائن الذي ودعهم وظل هنا بما يعني انفصاله عن هذا التحوّل .. ما هي الذات التي بقيت لتسمع أخبار الذين تحولوا إلى حيوانات وتشيخ، ولماذا؟ .. هل هو ذلك الكائن الذي لم يصل يأسه إلى (الموت) أي إلى مستوى القهر البالغ، اللازم للخروج من بشريته؟، أم أنه ذلك الذي تجاوز يأسه حتى إمكانية الرهان على الخروج؟ .. ربما كانت المقامرة تتمركز حول ضرورة أخرى تتمثل في تكوين سيرة ما لذلك التحوّل .. ذاكرة مضادة للحالة البشرية، توثّق الطبائع التي أنتجها الوجود ـ ربما بعد الموت ـ في حضورها الحيواني .. لكنها في جميع الأحوال سيرة قائمة على السماع، أي أن تفاصيلها ستظل محكومة بالذاكرة التي تشيخ، أو ربما بشكل أدق تساهم تلك التفاصيل في بناء شيخوختها .. هي إذن احتمالات أكثر من كونها تفاصيل يجب أن تُنحت في بناء صلب .. هواجس تناسب الموتى الذين حلت أرواحهم في حيوانات، أو أولئك الذين تكفلت الذات التي ودعتهم وظلت هنا بتحويلهم وهم لازالوا على قيد الحياة .. عناصر إيحائية تنسج مغامراتها في وعي الكائن الذي ربما لم يكن بشراً أصلاً حتى يتحول مثلهم، أو الذي لم تغادر بشريته نحو الموت ليشاركهم التحوّل .. قد يكون شبحاً يستند إلى عتمة ما بين الحياة والموت ـ يستطيع أن يكون هكذا وهو لا يزال حاضراً في العالم بكامل واقعيته الإنسانية، وكذلك بينما يكون متوارياً كمصير غامض داخل الموت .. الشبح الذي يلعب بطقوس خفية، ويراقب دون حاجة لأن يرى، ويسمع أخبار الظلام الذي قاده ـ بمشيئة شبحية ـ نحو صوغ الأجساد الميتة، أو التي مازالت حية لإعادة تمثيل الألم على نحو ناصع.
في شارع فؤاد المتصالب على الجحيم أو شارع الجلاء
أتناول الإفطار وأتحدث عن التخلي عن المفهمة التقليدية وأحوال الوعي.
أمشي إلى مكتبة مارًا ببولاق أبو العلا،
أتحاشى وأستقبل الأكتاف والعيون.
ما سرق أرواح هؤلاء،
هو بالتأكيد ما أغلق نادي أنس الوجود
هو ما سرق البلح من الوكالة
هو ما يدورني كالدمية بين السقاة.
يضع (هرمس) هنا ألوان اليومي في تضاداتها (التخلي عن المفهمة التقليدية) مقابل (تحاشي واستقبال الأكتاف والعيون) .. (أحوال الوعي) في مقابل (سرقة الأرواح) .. لكنه ليس تنافراً خالصاً بل يمكن القول أنه تجسيد لتناغم مختلف .. نوع من تنظيم الصراع بين الاستبعاد غير المنقذ للأطر، والخضوع الحتمي لمطارادات الشوارع التي قررتها النمطية .. ترتيب خاص بين الانسجام مع التجليات الجمالية الناشئة عن تحرير الذهن من المصائد، والفقد كهيمنة قدرية ترتجل شروطها .. إن هذا التناغم لا ينطوي على براءة كتلك التي تبدو ظاهرياً، بل يمكن الشعور بفكرة التنازل عن إمكانية العثور على ماوراء (التخلي عن المفهمة التقليدية) لصالح الوحشة ـ مهما كان الإحساس بها كفائض قاصر ومبتذل يعادل (الغربة) مثلاً ـ باعتبارها فضاءً عاماً .. يمكن ملامسة طيف لتهكم مستتر، يستبعد الثقة في الأغراض الممكنة لـ (أحوال الوعي) أمام الإيمان بإبادة طاغية، تتولى أسرارها الحفاظ على بقاء الحواس منتمية إلى (دمية تدور بين السقاة).
لو أن رجلاً حوى في قلبه جحيمًا كاملة
ألن يبيع الكون كله لو سنحت له الفرصة؟ يقول.
ثم يتحسس مسدسه ناظراً في عيون من حوله
يراه الجميع لآخر مرة في أمكنة عديدة
تُروى عنه أساطير: سَبَح له السمك في الهواء. كان يخرج من النهر والماء يغلي على جسده الأحمر.
قتل رجلاً بنظرة.
لكنهم لن يقولوا أبدًا أن أمرًا ما كان يأكله عميقا
أنه فقد شيئًا عزيزا. أنه ساقط كالآخرين. أنه احتضر ببطءٍ وحيدًا فوق سطح إحدى بنايات وسط المدينة.

هناك قابلية لاستدعاء علاقة التوتر بين التعارضات عند (دريدا)، والتي تضمنتها نظريته عن (المكمّل) باعتباره نصاً أو عنصراً يضاف إلى آخر أو يعتبر ثانوياً بالنسبة له، ويعتبر الآخر بنية أو نظاماً نصياً أكثر اكتمالاً .. في (نظرية الأدب المعاصر وقراءة الشعر) لـ (ديفيد بشبندر) ـ ترجمة: (عبد المقصود عبد الكريم) سيتم تلخيص الأمر على هذا النحو: (إذا كانت الإضافة إلى البنية ممكنة فلا يمكن أن تكون البنية كاملة، وإذا كانت إضافة المكمّل ممكنة فلا يمكن أن يكون المكمّل ثانوياً تماماً) .. عند (هرمس) وتحديداً في المقطع السابق سنجد مكمّلاً محجوباً لما يبدو أنه تحديد أساسي وهو الأسطورة .. هذا المكمّل هو ما يقترحه النص كحقيقة مقموعة تعارض الإعجاز المعلن .. ما لا يعد ثانوياً إذن هو ذلك الذي يأكل في العمق، فقد العزيز، السقوط، الاحتضار البطيء داخل الوحدة .. لا تنبعث الأسطورة من أوهام متخيلة، توحدها الرغبة الجماعية في امتلاك يقين زائف عن ذات خارقة، بل يروق لي تشريحها كقراءة مسالمة لرغبة مؤجلة في التدمير، تعطي الذات إشارات وجودها طوال الوقت .. إن الأساطير قد تكون تأويلاً هزلياً للجحيم الذي في القلب .. فهماً فكاهياً لبيع الكون .. قد تكون تفسيراً غيبياً سهلاً للمسدس الذي يتم تحسسه أثناء النظر في العيون .. ربما كان الجميع يعرف أن المعجزات المختلقة أكثر قدرة على استحضار الطمأنينة من ذلك الظلام الذي يمنع من التعرف على النية المرجأة في القتل، والتي يختزنها الكائن المحتضر .. لكن الرغبة المؤجلة في التدمير ـ الذي يُمارس شعرياً بصورة تعويضية ـ قد تكون مكمّلاً محتجزاً لمتن غائب ينتظر التخلص من الأسطورة حتى يمكن للذات أن تحضر بما كانت متجردة منه في أبصار الآخرين  .. الانتظار يبدو شاقاً إذن، وهذا لا يفسر تحوّل الذات إلى شبح ـ يستطيع الرماية والفتك باللغة ـ في قصائد الديوان وحسب، بل ربما أيضاً يقودنا للحصول على المنطق الذي شيّد وصف (الكلاشنكوف) بـ (الحبيب).

أخبار الأدب
3 ـ 10 ـ 2015

الخميس، 1 أكتوبر 2015

السكر المتساقط على الأرض

في واحد من أكثر عروضه الكوميدية إبهاراً قدم الفنان الأميركي (لويس. سي. كي) فقرة عن المواعدة، تهكم خلالها على تلك اللحظة التي تقرر فيها المرأة بداخلها السماح للرجل بمضاجعتها، بينما لا تكون لديه فكرة عن هذا القرار .. فقط يواصل محاولاته المضحكة لإثارة إعجابها، مظهراً حالة من الفوضى غير المتماسكة من انعدام الشخصية (مثل حروف ملاحظات طلب الفدية المقصوصة من مجلات عدة) يخلط خلالها بين أنواع مختلفة من الرجال، يتبادل تقمصهم (بعض ثوان لكل واحد، كقضيب أعمى في الفراغ، يدفع في اتجاهات لامتناهية، ويأمل في إيجاد شيء ثمين بمكان ما) .. يخبرنا (جي دي موباسان) في قصة (ندم) أن هذه اللحظة ليست مجرد تجربة من ضمن تجارب الحياة، أو ذكرى قد تتشابه مع ذكريات أخرى، بل من الممكن أن تكون الكابوس الأعمق الذي يجعل من العمر بأكمله ـ مهما كانت خبراته الأخرى ـ ليس أكثر من خيبة ثقيلة.
يكتشف الأب (سافال) بعد إتمام عامه الثاني والستين أنه أضاع فرصة مضاجعة حبيبته السيدة (ساندرز) في شبابهما أثناء نزهة في إحدى الغابات الصغيرة نتيجة الخوف من رد فعلها ـ رغم كل علامات القبول التي أبدتها له ـ خاصة أنها زوجة صديقه الذي كان مستغرقاً في النوم فوق العشب أثناء ذلك الوقت .. السيدة (ساندرز) تخبر (سافال) بعد أن ذهب إليها كي يضع حداً للشك الذي عذبه طوال حياته بأنها كانت تعرف أنه يحبها، وأنها كانت ستعطيه ما يشاء لو طلب منها ذلك أثناء النزهة القديمة في الغابة .. أدرك (سافال) أنه كان قريباً من السعادة، ولم يُمسك بها .. ذهب في هذه الليلة إلى نفس المكان الذي أضاع فيه تلك الفرصة ليبكي.
أفكر الآن روايتي (الفشل في النوم مع السيدة نون) الصادرة عن دار (الحضارة) 2014:
(فجأة يا دكتور، قبل أن أنام في تلك الليلة، وبينما كنت في ذروة اختناقي من التفكير، واسترجاع ما حدث؛ جاء في ذهني هاجس طيّر عقلي، ودمّر آخر ما تبقى لدي من أعصاب، وسوّد الدنيا في عينيّ أكثر مما كانت سوداء .. فكرت في أن مجيئها لي اليوم بهذا المكياج، وبهذا الميني جيب كان يعني أنها كانت مستعدة لاحتمال أن يحدث شيء بيننا .. بالضبط كما أقول لك يا دكتور .. كانت جاهزة لخوض تجربة أن ننام معاً .. طبعاً حضرتك ممكن تقول بأن هذا ليس شرطاً، وأنه احتمال صعب، إلى آخر كل ذلك الكلام .. سأقول لك أنني أوافقك، ولكنه يظل قائماً .. هل تستطيع يا دكتور أن تعطيني دليلاً دامغاً لا يقبل الشك، أو مبرراً قوياً جداً لا يمكن مجادلته أنها جاءت، ولم يكن في رأسها نهائياً أن مقابلتنا من الممكن أن تنتهي بممارسة الجنس؟ .. أظن أنك لا تملك هذا الدليل، أو المبرر يا دكتور .. حضرتك ممكن تسألني أيضاً ببساطة ما الذي بيننا يجعلها تُفكر في أمر كهذا، بل وتأتي مستعدة لإمكانية حدوثه .. أستطيع الرد عليك، وأسألك: ما الذي بيننا يمنع ذلك أصلاً؟ .. كل كلامنا على الماسنجر، والحوارات التي تبادلناها كانت عادية جداً، ومثلما قلت لحضرتك أن التحدث عبر الانترنت أعطاني فرصة إخفاء طبيعتي المهزوزة، الخجولة، والمرتبكة بقدر كبير للغاية .. منحني الشات حماية ـ لأنها لا تراني، ولا تسمعني ـ من اكتشاف ضعفي الهائل، وتوتري العظيم .. هذا يعني أن صورتي عندها لم تكن من السوء للدرجة التي تستبعد أن يصبح نومنا معاً شيئاً وارداً .. ثانياً يا دكتور ما الذي يجعلها تهتم، وتحرص على الاتصال بي، وطلب مقابلتي حينما نزلت الأجازة لو كان انطباعها عني ليس جيداً؟ .. أظن أنك لست في حاجة لتعرف أنه لو كان في داخلها انطباع ضدي، أو على الأقل ليست لديها الرغبة في ذلك اللقاء لقضت أجازتها، ورجعت، وكان من الممكن ـ ولن يكون صعباً عليها ـ أن تخبرني فيما بعد أنها كانت مشغولة جداً، أو أنها واجهت أموراً طارئة منعتها من الاتصال بي .. لن تعوزها الحجج، والأعذار يا دكتور، أو حتى لم تكن ستهتم من الأساس بتقديمها، أو التفكير في ضرورتها .. ما حدث هو العكس .. اتصلت بي، وطلبت لقائي، وجاءت بمفردها ـ لاحظ هذا جيداً ـ وكانت متأنقة، وتضع كامل مكياجها، وترتدي الميني جيب .. المظهر الذي لم يسبق لي أبداً أن رأيتها به سواء في المرات القليلة السابقة، أو حتى في صورها المنشورة على الانترنت .. ليس هذا فحسب يا دكتور .. تريد الدليل الأقوى الذي لا يحتمل الشك، أو التأويل، ويؤكد صحة الدلائل السابقة؟ .. جملة (هي الناس بتبصلي كده ليه، هو أنا ماشية عريانة) .. لم يكن معناها الاستغراب، ولا كان القصد منها أن تُشعر نفسها بأنها جميلة، ومثيرة مثلما قلت لنفسي وقتها .. لا يا دكتور .. كانت تريد أن تُشعرني أنا أنها جميلة، ومثيرة بلغة صريحة، وواضحة .. لغة تبرز فيها كلمة (عريانة) دون أي ساتر .. كانت تلفت نظري لها، ولما هو مكشوف من جسمها بعدما لم تجد مني استجابة، بل تجاهل غشيم لا نظير له .. رغم كل شيء، لم يكن عندها مانع حتى اللحظة الأخيرة، ونحن نخرج من (الكافيه)، وقبل أن أُوقف لها التاكسي من أن نذهب إلى السرير .. تخيّل .. ولا كأني هنا .. كأنني مسافر داخل بلاهتي، ولا أشعر بشيء سواها .. ضع كل ما قلته بجوار بعضه، ثم أخبرني ماذا يعني يا دكتور .. أنا لا أقول أنها قادمة خصيصاً كي أركبها، أو أنها كانت ترتعش من الهياج، وتتمنى أن آخذها فوقه، ولو أنه يظل احتمالاً .. أنا فقط أقول أنها على الأقل كانت مهيأة للتجاوب مع أي شيء يمكن أن يحدث، ويؤدي لأن ننام معاً .. ثم لابد أن تأخذ في بالك أيضاً أن هذا عادي بالنسبة لها، وليس فيه مشكلة لو حدث .. شاعرة، مثقفة، متفتحة، تعيش في الخارج، والجنس بالنسبة لها ليس أمراً غريباً، أو مخيفاً، أو غير أخلاقي .. بالعكس .. ضرورة، واختبار، وكشف، وهذيان، ومراقبة، واحتياج، وعلاج .. كل الدوافع الجميلة، الممتعة، التي بلا شروط .. ثم بصراحة وجهها كان يقول هذا يا دكتور .. ملامحها كانت مرتخية ـ في البداية، قبل أن يجعّدها الزهق بمرور الوقت ـ وابتسامتها كانت سائبة، وعيناها كانتا ناعستين، كأنها تحلم، أو كأنها تمرر لك بدهاء الطمأنينة التي تلزمك من رد فعلها لو قررت اتخاذ خطوة جريئة .. خطوة جريئة مني أنا يا دكتور؟!!! .. عرفت الآن ماذا ضيّعت من يدي؟ .. عرفت الآن الروعة الاستثنائية، التي لا تتكرر، والتي تفضّلت بهمّة، وثبات بتحطيمها، ونسفها؟).
لماذا هي ليست مجرد تجربة حينما تخفق يمكن أن تنضم على نحو تلقائي إلى مخزون الهزائم العادية؟ .. هل لأن هذه الرغبة تحديدأ يتم اعتبارها ـ خاصة طوال وقت عدم إشباعها ـ الأساس الجوهري للحياة، الذي تتضاءل بجواره أي أمنيات أخرى، بل ولأنها حينما تتحقق قد يكون لديها القدرة على معالجة الجروح التي لا تنتمي ـ ظاهرياً ـ إليها، أو تجعلها ـ حينما تفشل ـ عاهات أشد مرارة؟ .. لماذا هي ليست مجرد ذكرى قد تتشابه مع ذكريات أخرى؟ .. هل لأن آلامها ـ خاصة مع الوعي باستحالة أن يعطي الزمن احتمالاً لتعويضها ـ تجعلك توقن وأنت على عتبة الموت أنك لم تدخل العالم أصلاً، وبالتالي لم تكن حياتك أكثر من حمولة بائسة من الحرمان؟ .. لننتبه جيداُ إلى قطرات السكر السائل التي كانت تتساقط من أصابع يدي السيدة (ساندرز) وهي تخبر (سافال) بالحقيقة .. لقد فات الأوان أن يلحق بهذا السكر المهدر.
إن ما يبدو عجيباً بشكل مضحك أن عدم رغبة الإنسان في الحصول على تأكيد بأنه أضاع فرصة ثمينة لن تعوّض كتلك قد يجعل من اللقاء بين (سافال) و(ساندرز) حدثاً جيداً لو تم بطريقة عكسية .. لنتخيل مثلاً لو أنها أخبرته ـ على الأقل ـ بأنها لم تكن تحبه، وأنها لم تكن لتسمح له بأن يستمتع بها في تلك النزهة القديمة في الغابة؛ ما الذي كان سيشعر به (سافال)؟ .. ربما كانت ستبقى آلامه كما هي، مستقرة على حالتها قبل هذا اللقاء، دون تطور، بل يمكن أيضاً أن تكون معرفته بعدم حبها له سبباً في منحه نوعاً من التصالح المستسلم مع هذه الآلام .. تعطيه رؤية محكمة اليأس، ومتفهمة إلى الماضي، باعتباره قدراً لم يسمح له بامتلاك ما يمكن خسارته من الأساس .. ربما كان بمقدور (سافال) أن يعثر على شيء من العزاء في تلك الليلة بدلاً من الذهاب للبكاء إلى نفس المكان الذي شهد هزيمته .. ربما كان العزاء حينئذ أكثر رحمة من الندم .. ربما.
ندم
جي دي موباسان
إنـّه يومٌ خريفيٌّ حزين.
حينما نهض سافال من نومه كانت السماء تمطر، وأوراق الأشجار تتساقط كأنها مطراً آخر أكثر غزارة، وأكثر رتابة،
إنـّه يومٌ خريفيٌّ حزين. وسافال، الذي يطلقون عليه في نانت:الأب سافال ليس مرحاً هذا الصباح. وحالما نهض، شرع يتنقل من المدفأة إلى النافذة، ومن النافذة إلى المدفأة
تكتظ الحياة بالأيام الكئيبة. بالنسبة لسافال، من الآن وصاعدا، لن تحتوي الحياة إلا على أيامٍ كئيبة. إذ أنه قد أنهى عامه الثاني والستين، ولا يزال وحيدا, عانسا، دونما أحد من حوله. كم هو محزن أن تموت هكذا وحيداً، بعيداً عن أي إنسان يمكن أن يشعر نحوك بالامتنان!
شرع يفكر في حياته الخاوية. تعود به الذاكرة إلى ماضيه البعيد، إلى طفولته، في المنزل مع أهله، ثم المدرسة والنزهات، وفترة دراسة الحقوق في باريس. ثم مرض أبيه ووفاته.
بعد ذلك، عاد سافل ليعيش مع أمه. عاش الاثنان معاً: الرجل الشاب، والمرأة العجوز في هدوء دونما حاجة لشيء أو شخص آخر. لكن أمه أيضاً ماتت. فمكث هو وحيداً.
كم هي حزينة الحياة! قريباً سيموت بدوره سيفنى هو أيضاً! وسينتهي كل شيء. لن يبقى هناك سافل على سطح الأرض. شيءٌ مرعب! أناس آخرون سيولدون وسيعيشون وسيحبون بعضهم بعضاً. سيضحكون. نعم سيمرحون، بينما هو لن يكون هنا. أليس غريباً أن نستطيع الضحك والمرح، أن نكون سعداء مع إيماننا الراسخ بالموت؟.. لو كان محتملاً فقط هذا الموت. حينها سيكون بمقدورنا أن نأمل .. لكن لا. إنه محتوم محتوم، كقدوم الليل بعد النهار.
لو كانت فقط حياته مليئة؟ لو كان حقق شيئاً ما؟ لو قام ببعض المغامرات؟ لو حصل على بعض المتع والنجاحات؟ فتات مما لذ وطاب. لكن لا، لا شيء. لم يفعل شيئاً لا شيء غير النهوض والأكل والنوم في المواعيد نفسها. هكذا. حتى بلغ الثانية والستين.. حتى أنه لم يتزوج مثل بقية الرجال. لماذا؟ نعم لماذا؟ لم يتزوج كان يمكنه ذلك. فقد كان يملك ثروة لا باس بها . أهي الفرصة التي لم تسنح؟ ربما لكن نحن الذين نخلق الفرص. لقد كان مهملاً. غير مكترث بشيء. هذه الحقيقة. اللامبالاة كانت مرضه الأخطر. نقطة ضعفه. عيبه. كم من الناس يخسرون حياتهم بسبب عدم اكتراثهم من الصعب على بعض الناس أن ينهضوا، أن يتحركوا، أن يتكلموا. من الصعب عليهم أن يبحثوا حتى عن أصغر الأمور .
لم يحبه أحد. أو هكذا تهيأ له. لم تنم امرأة فوق صدره في لحظة حب عميق. لم يعرف متعه القلق في لحظات الانتظار، ولا قشعريرة اليد المضغوطة،  ولا نشوة الوجد المنتصر. أي سعادة سامية تغمر قلبك عندما تلتقي الشفاه للمرة الأولى وتتشابك أربعة سواعد لتصنع مخلوقاً واحداً مغموراً بالسعادة.
كان سافل جالساً وقد وضع قدميه بالقرب من النار ملتحفاً بثوب النوم؛ لقد خسر حياته. نعم أكيد خسرها تماما. ومع ذلك فقد أحبّ حبّا ظل محبوسا مكتوما. أحب بألم وبعدم اكتراث. كما كان يفعل دائما. لقد حبّ صديقته السيدة ساندرز زوجه صاحبه ساندرز. أواه! لو كان عرفها عندما كانت لا تزال فتاة كان بالتأكد سيتزوجها لكنه تعرف عليها بعد فوات الأوان، بعد أن تزوجت. ومع ذلك فقد حبها دون كلل منذ اليوم الأول.  لازال يذكر انفعاله الشديد في كل مرة كان يلتقي بها, وحزنه عندما يفارقها، والليالي التي لم يستطع خلالها النوم لأنه كان يفكر فيها. عندما يستيقظ في الصباح كان ولهه يتناقص دائما لماذا؟ الآن بلغت الثامنة والخمسين. كم كانت جميلة ولطيفة في ذلك العهد كان شعرها الأشقر مجعدا. كانت تحب الضحك. ومع أن ساندرز لم يكن الزوج المناسب لها فقد أصبحت سعيدة ..
آه لو كانت تلك المرأة قد أحبته؟ ومن يدري؟ لماذا لم تكن لتحبه بما أنه كان يحبها؟ ألم تخمن شيئاً؟ ألم تر شيئاً؟ ألم تدرك شيئاً أبداً؟ ماذا يمكن أن تظن لو أنه صارحها؟ ماذا يمكن ردها؟
ظلّ سافل يتساءل عن عددٍ من الأحداث المماثلة في حياته الماضية.. وتوقفت ذاكرته عند السهرات الطويلة التي كان يضيفها في بيت صديقة ساندرز عندما كانت زوجته لا تزال شاب وجذابة. يتذكر أشياء قالتها له، صوتها، ابتسامتها الصامتة الرقيقة والمليئة بالإيحاءات. ويتذكر النزهات التي كان الثلاثة يقومون بها معاً على ضفاف نهر السين، وتناول طعام الغداء فوق العشب في عطلة الأحد، إذ أن ساندرز كان موظفاً في إدارة المأمور…
وفجأة عادت إلى ذاكرته وبوضوح نزهة قام بها مع السيد ساندرز وزوجته في إحدى الغابات الصغيرة الواقعة عند ضفة النهر. كانوا قد رحلوا في الصباح حاملين مؤنهم في صدر صغيرة. كان ذلك اليوم الربيعي مشرقاً. يوم من الأيام التي تجعلنا نشعر بالنشوة: كل شيء يفوح بالعطر. كل شيء يبدو سعيدا، الطيور أكثر مرحا ورفرفة أجنحتها أسرع.
في ذلك اليوم، أكل سافال والسيد والسيدة ساندرز فوق العشب. في ظل شجرة صفصاف، بالقرب من بركة ماء غمرتها الشمس بأشعتها. وكان الهواء دافئاً مفعماً بأريج الندى الذي يجعل المرء يشعر بالثمالة عند استنشاقه. كم كان الجو صحواً ذلك اليوم
بعد الغداء، تمدد ساندرز  فوق العشب. ونام “أفضل نوم في حياتي!” قال لهما عندما أيقظاه قبيل الغروب. أما سافال فقد أمسك بذراع السيدة ساندرز وسارا معاً بمحاذاة النهر. وكانت هي تستند به وتضحك قائلة: “إني أشعر بالثمالة، يا صديقي، أني منتشية”. وكان هو ينظر إليها بهلع شديد، فقد امتقع وجهه من شدة خوفه أن تشعر السيدة ساندرز بالحرج من جرأة نظراته إليها. كان يخشى أيضا أن تتبين السيدة ساندرز رعشة يديه، وتكتشف حقيقة مشاعره.
فجأة سألته السيدة ساندرز وقد وضعت فوق رأسها تاجا من العشب وأزهار الزنبق المائية قائلة: “هل تحبني هكذا؟”. وعندما رأته لم يرد عليها لأنه لم يجد شيئاً يقوله لها، أخذت تضحك باستياء، ثم قالت بعنف: “إذن، فلنتحدث على الأقل أيها الأبله!” حينئذ كاد أن يبكي دون أن يجد كلمة واحدة يقولها.
عادت كل هذه الإحداث إلى ذاكرته الآن، بكل تفاصيلها الدقيقة كأنها وقعت اليوم. لماذا قالت لهك إذن فلنتحدث على الأقل أيها الأبله! وتذكر كيف كانت تستند إليه برقة وحنان؟ وفي لحظة مرورها تحت إحدى الأشجار المنحنية حس بأذانها تلامس وجنته، فتراجع هو بسرعة خشية أن تظن أنه قد تعمد هذا الاحتكاك. وعندما قال لها:  ألم يحن الوقت للعودة بعد؟ رمقته بنظرة غريبة. لم يدرك ذلك حينذاك. وهاهو الآن يتذكر كل شيء.  “كما تشاء يا عزيزي أن كنت متعباً فلنعد”. قالتها ببرود. ورد عليها: ليس بسبب التعب، لكن ربما يكون ساندرز قد استيقظ. فقالت وهي تهز أكتافها: “أوه إذا كانت تخشى أن يستيقظ زوجي فهذا شيء آخر! فلنعد”.
في طريق العودة ظلت صامتة، ولم تتكئ على ذراعه. لماذا لم يحاول من قبل أن يجد جوابا لهذا السؤال. أما الآن فيبدو أنه قد وجد شيئاً لم يكتشفه من قبل:
-هل….؟ شعر سافل بالدم يتدفق في شرايينه وأحمر وجهه، فنهض منفعلاً كما لو أنه عاد حقا ثلاثين عاماً إلى الوراء، وكأنه يسمع ساندرز تقول له: أحبك
هل كان هذا ممكناً؟… أخذ الشك يتسلل إلى كيانه، وما أنفك يعذبه. هل يمكن أنه لم ير شيئاً؟ لم يخمن؟ أوه لو هذا كان صحيحاً! لو أنه اقترب من السعادة دون أن يمسك بها! وقال لنفسه: أريد أن أعرف. لن أستطيع أن أعيش مع هذا الشك. أريد أن أعرف. وهرع يضع ملابسه وهو يفكر: عمري اثنتان وستون سنة وعمرها ثمان وخمسون سنة يمكنني أن أسالها عن هذا الأمر دون خجل وحرج.
ويقع منزل ساندرز في الطرف الأخر من الشارع أمام بيته تقريباً. و عندما طرق الباب فتحت له خادمة صغيرة مندهشة لمجيئه مبكراً. قائلة له:
–         أنت؟ في هذه الساعة؟ هل وقع حادث يا سيد سافال؟
–         لا بابنتي. رد عليها وأضاف: اذهبي واخبري سيدتك أنني أريد مقابلتها حالاً.
–         وفي الحقيقية سيدتي في المطبخ تحضر مؤنه الشتاء من مربي الخوخ. وهي لم تلبس بعد لعلك تفهم ذلك.
–         نعم لكن قولي لها أني جئت لأمر مهم جداً.
بعد أن غابت الخادمة شرع سافل يذرع قاعة الاستقبال بخطوات واسعة مضطربة. لن يشعر بالخجل هذه المرة. سيطرح عليها السؤال كما لو كان سيطلب منها وصفة طعام. لا داعي للخجل ما دام عمره قد تجاوز الثانية والستين. انفتح الباب وبرزت السيدة ساندرز. أنها الآن امرأة بدينة وعريضة ومدورة وجنتاها مكورتان وضحكتها رنانة تمشي ويداها بعيدتان عن جسمها، فقد كانتا ملطختين بمعجون السكر.
سألته بقلق: “ماذا جرى لك يا صديقي أنت لست مريضاً؟”
–         لا يا عزيزتي. ورد قائلاً ، لكني أود أن أسالك عن أمر مهم جداً بالنسبة لي، فهو يعذبني ويثقل خاطري هل تعديني بأن تجيبيني بصراحة؟
–         أني دائما صريحة. ردت مبتسمة.
–         لقد أحببتك منذ أول يوم رأيتك فيه.  ألم يساورك شك في ذلك؟
ردت عليه وهي تضحك وفي صوتها شيء من نبرة الماضي: أيها الأبله، لقد أدركت ذلك منذ اليوم الأول.
بدأ سافل يرتعش، وقال هامساً:
–         كنت تعرفين إذن؟ وسكت
 فسألته: أذن ماذا؟
–         إذن؟ ماذا كنت تعتقدين؟ ماذا كنت ستقولين؟
ضحكت مرة أخرى وبصوت مرتفع بينما كانت قطرات السكر السائل تتساقط من أصابع يديها فوق الأرضية الخشبية. ثم قالت؟
-أنا؟ لكنك لم تطلب شيئاً مني؟ ولم يكن من اللائق أن أصارحك بشيء.
عندئذ تقدم سافل نحوها خطوة وقال:
قولي لي؟ اخبريني؟ أتذكرين ذلك اليوم عندما نام ساندرز فوق العشب بعد أن تناولنا الغذاء … وذهبنا نحن الاثنان حتى المنعطف هناك.
وانتظر. كانت هي قد توقفت عن الضحك وأخذت تنظر في عينيه وقالت: “
–         بالتأكد أتذكر كل هذا.
فاستطرد بانفعال: “… حسنا! ذلك اليوم، لو كنت لو كنت جرئيا ماذا كنت ستفعلين؟”
ابتسمت السيدة ساندرز وقد بدت كامرأة سعيدة لم تندم أبدا على شيء. وردّت بصوت صاف يكشف عن الصراحة وقدر من السخرية:
–         كنت سأعطيك ما تشاء يا صديقي
ثم أعطت سافال ظهرها وذهبت إلى مرباها. أما سافال فقد خرج إلى الشارع مرعوباً كما لو أنه قد شاهد كارثة طبيعية. وسار مهرولاً تحت المطر في خط مستقيم باتجاه النهر دون أن يفكر أين هو ذاهب.  وعندما وصل إلى الضفة اتجه إلى اليمين بمحاذاة النهر مشى طويلاً كما لو أنه مدفوع بغريزة ما في ما في داخله. كانت ثيابه تسبح في المياه التي تنهمر من على قبعته المشوهة اللينة كأنها من على سطح أحد البيوت.
وأستمر سافال يسير إلى الأمام حتى لقي نفسه في المكان نفسه الذي تناولوا فيه طعام الغذاء في ذلك اليوم البعيد. لقد قلبت ذاكره كيانه وأخذت تعذبه أكثر وأكثر. وعندئذ جلس تحت الأشجار العارية. وبكى.     


الأحد، 20 سبتمبر 2015

القصور التي لم تكتمل

ربما كان (روديارد كبلنج) يدرك أن العاطفة لا ينبغي أن يكون لها الصوت الأعلى في قصة (حكاية محمد دين)، وأن على السرد أن يبقى محتفظاً بالهدوء الصلب لنبرته حتى عند الوصول إلى موت طفل كان يبني من الزهور والأغصان الذابلة وقطع الزجاج المكسورة والريش قصوراً عظيمة وبنايات فخمة .. لم تكن هناك ثغرة للانفعال؛ إذ أن الاستسلام لهذا الإغراء السهل كان من الممكن أن يتجه بالقصة نحو منطقة الشفقة، وهذا ما كان (كبلنج) حريصاً على تجنبه .. إن الراوي لا يصف علاقته بـ (محمد دين) الابن الصغير للخادم، الذي تمنى الحصول على كرة البولو، وقضى أيامه في التقافز واللعب بين شجيرات الحديقة، معتزلاً الناس دون صاحب أو رفيق .. الراوي يتحدث طوال الوقت عن علاقته بذاته المتمثلة في هذا الطفل السمين .. صورته التي ربما غادرها منذ وقت طويل ولم يتمكن من العودة إليها، أو التي ربما لم يستطع أن يعيشها، ولن يسمح له الزمن بدخولها.
إذا كان وصف الطفل بالانعزال فيه شيء من الغرابة، أو على الأقل من عدم الشيوع فإنه لن يكون كذلك لو تصورنا أن (كبلنج) أراد لـ (محمد دين) أن يكون هو نفسه الراوي على نحو تام .. يمكنني تخيل المشاهد الواقعية المحتملة للصداقة التي ربما تكون قد نشأت بين (كبلنج) والطفل الهندي التي وثقتها القصة .. لكنني أميل إلى عدم استبعاد فرضية أن (محمد دين) الحقيقي كان له أصدقاء بالفعل، وأن (كبلنج) تعمد محو هؤلاء الأصدقاء في القصة ليخلق توحده مع الطفل .. أراد أن يعطي (محمد دين) انعزاله .. لكن أي عزلة؟ .. هل هي عزلة (كبلنج) الطفل، أم عزلة (كبلنج) السيد الأوروبي، أم العزلة الممتدة كحياة كاملة؟.
لنراقب جيداً طبيعتين متمازجتين داخل القصة: طبيعة الاستعماري، الذي حينما يكون كاتباً لا يتجاهل سرده التأكيد على كونه المالك، صاحب الأمر والنهي، الذي يعامله الخدم باحترام فائق، ويفرحون بكرمه، ويستعطفونه طمعاً في المغفرة عند ارتكاب الأخطاء .. أما الطبيعة الأخرى فهي تلك التي جعلت هذا السيد يعطى صدفة البحر، منقطة الألوان الزاهية التي عثر عليها إلى الطفل ليصنع بها شيئاً جميلاً خارقاً للعادة، وهو ما بدأه (محمد دين) فعلاً حينما قام بالتخطيط فوق التراب لقصر عظيم طوله ياردتان وعرضه ياردة واحدة .. ربما كانت بين هاتين الطبيعتين علاقة صراع أو تعايش، لكنهما في جميع الأحوال تجسدان حقيقة ممكنة أبعد من مجرد رجل قوي يحتضن طفلاً ضعيفاً بروح لديها حدود شعورية صارمة تقف عندها كي لا تخسر الهيبة .. الطبيعتان تصوران حالة رجل وحيد يريد التسلل خارج تاريخه.
لننتبه أيضاً إلى هذا الدال: ظل (محمد دين) يلعب، ويبني القصور والبنايات، ولكن حينما أعطاه الراوي صدفة البحر ليصنع بها شيئاً جميلاً أصيب الطفل بالحمى ثم مات قبل أن يُكمل القصر الذي كان سيستخدم الصدفة في بنائه .. كأن صورة الراوي ـ حينما أراد التدخل لضمان انتمائها لذاته ـ كان ينبغي أن تتمزق .. كان يجب عليها الضياع عند محاولته العودة إليها أو دخولها للمرة الأولى .. لم يكن الراوي هو من أعطى (محمد دين) صدفة البحر بل الطفل المقموع أو الغائب لدى الراوى هو الذي أعطى له هذه الصدفة، لا لكي يلعب (محمد دين) بها بدلاً منه بعدما تحتم عليه عدم القدرة على ممارسة ذلك بنفسه، بل ليحاول ذلك الطفل المقموع أو الغائب لدى الراوي أن يبني القصر فعلاً ولكن باستخدام اليدين الصغيرتين لـ (محمد دين) .. هنا كان يجب على تاريخ الراوي أن يطفىء تلك الأمنية التي أضاءت بخفوت داخل ظلامه الخاص، وكان على الراوي أن يلتزم في مواجهة هذا الألم بالاستمرار في كتم صوت العاطفة، والتمسّك بالهدوء الصلب الذي هيمن على نبرة السرد، ليس لأن ذلك جانب جوهري من طبيعة السيد الأوروبي، الذي يجب عليه الاكتفاء بكلمات باردة كـ (الانزعاج)، و(حدث ما كنت أخشاه) للتعبير عن مشاعره تجاه مرض طفل وموته، بل لأن اليأس الذي شعر به الراوي تجاه نفسه ـ فضلاً عن ضرورة إخفائه ـ أكثر عنفاً من أن يُكشف كانفعال معلن.
إن قصة (حكاية محمد دين) قد تبدأ بالفعل بعد موت الطفل، وتخيل مشهد لم تتضمنه القصة، ربما راهن (كبلنج) على قوة التساؤل الذي من الوارد أن ينجم عنه : الراوي يقف أمام مخطط القصر فوق التراب الذي مات (محمد دين) قبل أن يتمكن من بنائه مستخدماً صدفة البحر المنقطة ذات الألوان الزاهية التي أعطاها له .. ما الذي سيفكر فيه الراوي في تلك اللحظة؟.

حكاية محمد دين
روديارد كبلنج
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

كانت كرة لعبة البولو العتيقة مَبْعُوجة ومقطعة ومشققة، وكانت موضوعة في رف المدفئة مع عدد من غليوناتي التي كان خادمي الشخصي (إمام دين) يقوم بتنظيفها لي.
سألني الخادم باحترام فائق: " هل سعادتكم – طال عمركم - بحاجة إلي الكرة هذه؟"
لم تكن لكرة البولو تلك أي أهمية خاصة يمكن أن يدركها الخادم!
"لا أريد الكرة لنفسي – طال عمركم- بل أريدها لابني الصغير. لقد رأى هذه الكرة وتمنى أن يلعب بها".
لم يكن بحاجة ليذكر لي أنه لا يريد تلك الكرة لنفسه، فهل من عاقل سيتهم ذلك العجوز السمين بأنه سيلعب البولو!
حمل تلك الكرة القديمة المقطعة إلى الفرندا... وسرعان ما سمعت صيحات فرح مجلجلة وأصوات أقدام صغيرة تقفز علي الأرض. تلت ذلك أصوات خبطات سريعة بالكرة. لا ريب أن الابن الصغير كان ينتظر بالخارج لحين يظفر والده بذلك الكنز الثمين. بيد أن السؤال الذي حيرني فعلا هو: كيف تمكن ذلك الطفل من رؤية كرة البولو تلك؟
في اليوم التالي وعلى غير العادة عدت من المكتب لمنزلي باكرا بنحو نصف ساعة ففوجئت بطفل صغير سمين عليه قميص أصغر منه مقاسا لا يكاد يغطي نصف بطنه. كان يجوس في الغرفة وأصبعه في فمه وهو يتفحص مجموعة من الصور. لا شك أنه ابن خادمي (إمام دين).
لم يكن له الحق – بالطبع- في أن يكون في غرفتي، لكنه كان مستغرقا جدا في تفحصه لما في الغرفة واكتشاف أسرارهالدرجة أنه لم يلحظ وجودي في مدخلها. خطوت داخل الغرفة وصفقت بيدي مفزعا إياه لدرجة كادت تصيبه بالصرع. تهاوى علي الأرض وهو يلهث. فتح عينيه ثم فغر فمه واسعا. كنت أعلم ما سيحدث... أطلق ساقيه للريح وهو يصرخ صرخة داوية سمعها جميع من كان في جناح الخدم. ناديت بأسرع من أي نداء سبق أن استدعيت به خدمي من جناحهم. في نحو عشر ثوان كان (إمام دين) يقف أمامي في غرفة الطعام. تلى ذلك سماعي لأصوات ضراعة ونحيب مكتوم، ووجدت إمام دين يوبخ المذنب الصغير الذي كان يستخدم قميصه الصغير كمنديل يجفف به دمعه المنهمر.
قال (إمام دين) وهو يلبس لبوس الحكيم: "هذا الصبي شقي فاسد الشخصية. سينتهي به المطاف حتما يوما ما في "الجيل خانة" (السجن) لطبعه السيئ وخلقه الرديء". تلى ذلك سيل من الصرخات في وجه الصغير وسيل آخر من الاعتذارات الحارة لي.
قلت له مطمئنا: "ليتك تخبر الصبي أن "الصاحب" * ليس بغاضب، وتذهب به بعيدا".
نقل (إمام دين) رسالة الغفران تلك إلى المذنب الصغير، والذي كان قد بدأ في جمع ولف كامل قميصه الصغير حول رقبته. توقف الصبي عن النحيب واتجه مع أبيه نحو الباب. وفي طريقه للخارج قال لي (إمام دين) إن اسم ابنه (وكأن اسمه جزء من الجريمة) هو محمد دين وهو "بدماش "**. أمن الصبي من العقوبة فلملم أطراف شجاعته والتف حول ذراعي أبيه وقال في نغمة حزينة: "صحيح أن اسمي محمد دين أيها التاحب (بطريقة نطق الأطفال لكلمة الصاحب) بيد أني لست بدماش. أنا رجل".
بدأت من ذلك اليوم معرفتي بمحمد دين. لم يأت أبدا مرة أخرى لغرفة طعامي، لكني كنت أراه علي "أرض محايدة" في الحديقة ونتبادل التحايا من شاكلة: "تلام تاحب" (أي سلام صاحب)"، و"سلام محمد دين". كنت يوميا عند عودتي للبيت من المكتب أرى ذلك الطفل السمين في قميصه الأبيض الصغير يقفز من بين الشجيرات التي كان يختبئ بينها، والتي كان حصاني يقف تحت ظلالها، ويحييني الصبي بتحيته المعتادة وأرد عليها بمثلها.
لم يك لمحمد دين من أصحاب. كان يتقافز في أرجاء البيت الكبير ويدخل ويخرج بين شجيرات الخروع وحيدا، ثم يختفي في غموض. اكتشفت بالصدفة ذات يوم بعض ما كان يفعله ذلك الصبي. كان قد حفر حفرة صغيرة لكرة البولو وغرس حولها في شكل دائرة ستة من الأزهار الذابلة. وحول تلك الدائرة رسم مربعا ووضع عليه بقايا طوب أحمر ووضع بين كل طوبة وأخرى قطعة من الصيني المكسور وأحاط كل ذلك بسور طيني. سألت العامل المسئول عن ري الحديقة عن الذي يفعله المهندس المعماري الصغير بحديقتي، فأجاب بأنه "لعب أطفال ليس إلا" ونفي أن يكون لذلك البناء الصغير تأثير مشوه علي حديقتي.
يعلم الله وحده أنه لم تكن لي أدنى رغبة في ذلك الوقت أو بعده في أن أمس ما بناه الصبي، بيد أنني قمت بجولة في الحديقة ذات مساء لأجد أن كل ما بناه الصبي قد أزيل. في صباح اليوم التالي وجدت محمد دين ينتحب بصوت خافت فوق أطلال ما بناه. كان أحدهم قد قال له في قسوة أن "الصاحب" غاضب عليه جدا لإفساده الحديقة وقام بتحطيم كل ما بناه. عملالصبي لنحو ساعة وهو يحاول إصلاح ما أفسده وليزيل أي معلم لجريمته. عند عودتي للبيت من المكتب حياني بوجه حزين ونبرة كسيفة مرددا: " تلام تاحب". قمت بتحريات سريعة، كان نتاجها أن أخبر (إمام دين) ابنه بأن "الصاحب" قد سمح له باللعب في الحديقة متى وكيف شاء. فرح الصبي أيما فرح وبدأ من فوره في اللعب مجددا و التخطيط علي أرضالحديقة لمعالم تفوق ما سبق أن بناه حول كرة البولو تلك.
ظل الصبي الممتلئ الجسم ولشهور عديدة مستغرقا في لعبه بالتراب وبين شجيرات الخروع، مصمما لقصور عظيمة وبنايات فخمة من الزهور والأغصان الذابلة التي يقذف بها العامل الذي يعتني بالحديقة، ومن قطع الزجاج المكسورة، ومن الريش الذي أتخيل أنه نتفه من دجاجي... كان دوما معتزلا للناس يعيش دونما صاحب أو رفيق.
عثرت يوما علي صدفة بحر منقطة بألوان عديدة زاهية. قلت في نفسي أن محمد دين لا شك صانع بها شيئا جميلا خارقاللعادة. لم يخذلني الصبي. فكر مليا لساعة أو نحوها ثم طفق يشدو بأغنية مرحة. بدأ في التخطيط فوق التراب لقصر عظيم طوله ياردتان وعرضه ياردة واحدة. لم يكتمل ذلك القصر أبدا.
في اليوم التالي لم أجد لمحمد دين أثرا. لم أسمع "تلام تاحب" عند عودتي بعد انتهاء الدوام، وكنت قد اعتدت عليها لدرجة أن غيابها أزعجني جدا. أخبرني (إمام دين) أن الطفل قد أصيب بحمي احتاج معها لدواء (كونين) ***. تم عرضه على طبيب إنجليزي وأعطي الدواء.
قال الطبيب بعد أن فحصه: "هؤلاء الأطفال الأشقياء ليست لهم مقاومة أو طاقة".
بعد أسبوع حدث ما كنت أخشاه. قابلت في الطريق لمدافن المسلمين (إمام دين) برفقه صديق له وهو يحمل بين ذراعيه في كفن أبيض كل ما تبقى من محمد دين الصغير.


* * *

* الصاحب هو لقب كان يطلقه الهنود علي الأوربيين
** بدماش هو الشخص سئ الخلق
*** كونين هو دواء مر الطعم يعالج الملاريا ، عرف في السودان بالـ (كينا)


الخميس، 17 سبتمبر 2015

الاستعباد .. أو تاريخ البلاغة

ظل (تشيكوف) حيا لأن (جوليا فاسيليفنا) لم تمت .. لأن التساؤل المشدوه لوالد الأطفال لم يخسر خلوده: (أيعقل ذلك ؟! .. أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام .. لماذا لم تعترضي؟! .. لم كل ذلك الصمت الرهيب؟! .. أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب؟! .. إنسان في سذاجتك وخضوعك؟!).
لم تكن مربية الأطفال تعرف أن تعذيبها كان مجرد مقلب أراد أبوهم أن يعطيها درساً من خلاله .. لكن شكرها له على غشه ونهبه مالها كان هو الدرس فعلا.
 أعطت (جوليا فاسيليفنا) الأب الحكمة الأزلية حينما ردت على سؤاله عن سبب الشكر بأنه في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لها شيئا البتة .. في قصة (الساذجة) من المستبعد في تصوري الشعور بعدم التصديق تجاه أي من الشخصيتين: المربية المسكينة التي كانت أضعف من أن تتصدى للظلم وتدافع عن حقها، وصاحب العمل البرجوازي الذي ظل يقطّع بمنتهى القسوة من لحم المربية بإعصار بارد من الخصومات الظالمة ليجعل راتبها في النهاية 11 روبل بعد أن كانت مستحقاتها 80 روبل  ..حتى الإحساس الذي قد يتملكنا بالمبالغة أظن أنه لن يصمد طويلا أمام التفكير في ثبات الاستغلال الطبقي مقابل الاختلافات البديهية لصوره وتجلياته المتطورة عبر الزمن .. الاختلاف الذي يحفّز طوال الوقت دوافعنا للتساؤل حول العلاقة بين المعرفة والسلطة والإرادة الفردية والوعي الجماعي .. كأن للتاريخ حتمية ما ذات وجود متغير تحافظ دائما على توجيه السلطة للمعرفة الانتقائية ـ التعتيمية بالضرورة ـ وصياغتها على مستوى اللغة كرموز مقدسة  ..هذا ما جعل والد الأطفال في القصة (رب) عمل بالمعنى الإلهي أي يحق له أن يفعل ما يشاء دون حساب، وجعل كذلك من مربية الأطفال (خادمة) بالمعنى العبودي التي عليها طاعته، ولا يحق لها مناقشة مشيئته .. التعتيم هنا لا يتعلق بالحقوق والواجبات كما قد يُستنتج للوهلة الأولى ـ وهو اليقين السطحي السائد الذي تبدأ منه الخطوات عادة نحو تحقيق العدالة دون النظر إلى الأساس الوهمي الذي يُرسخ هذا اليقين .. التعتيم قبل أن يتعلق بالمساواة يجب أن يبدأ أولاُ من معيار القيمة وتراتبية العمل .. من لديه الحق في فرض نظام أو قانون، أو في منح امتيازات لعمل ما ونزعها من آخر، أو في وضع مهنة ما بمكانة تفوق مكانة مهنة أخرى؟ .. يحاول خطاب السلطة دائما ـ ربما أكثر مما تؤديه الممارسات غير الخطابية ـ أن يخلق واقعا مفروغا منه، يجب تصديقه والاستسلام لأحكامه .. طبيعة مجازية  قائمة على مسلمات تجمع بين التقاليد والأعراف الاستهلاكية، وبين الاحتمالات المتناقضة، الملتبسة لها، والتي يسهل عليها انتاج حالات متباينة وطاغية من الجدل الضبابي والصراعات المشوشة .. هناك إرادة ما وقفت وراء تشكيل الذات التي تحملها (جوليا فاسيليفنا) .. حصار متجذر من الزيف البلاغي ـ وهو ما كان موضوعا أساسيا لـ (تشيكوف) في أعماله التي تناول خلالها بتهكم فاضح خضوع البشر لأنماط وقوالب كلامية مدمرة لإنسانيتهم ـ وكذلك من الطقوس المتعددة للقهر النفسي والجسدي .. لم يكن غريبا إذن أن تتسم (جوليا) بكل هذا القدر من الخنوع الذي أجبرها أن تقبل بمهانة أخذ ما سمح به (سيدها).
 هذه الذات كتوثيق لمشهد جمعي تحرضنا على اقتفاء أثر الهيمنة التي تحرك الوعي العام، وتلزمه بالإنخراط فيما هو مقدر ومفروض ومرضي عنه .. ليس الإنخراط فحسب، وإنما بشكل أعمق التعايش معه لدرجة التوحد، والشغف برتابة تفاصيله وأحداثه، والتمسك بعلاقاته، والخوف من الانفلات خارج أطره التقليدية، والدفاع عن استمراره .. التحرر هنا يبدو حلما عسيرا أو معجزة غير قابلة للتحقق، وهذا ما جعل (جوليا) تأخذ الظرف الذي يحوي راتبها كاملا وهي غير مصدقة أن حديث والد الأطفال كان مجرد خدعة .. هذا ما جعلها تتلعثم وهي تكرر الشكر، بينما سيتردد طويلاً  ـ ربما أطول مما يمكن أن نظن ـ صدى المقولة الأخيرة  لراوي القصة: (حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم).
الساذجة
أنطون تشيخوف

طلبت – قبل بضعة أيام – من مربية أولادي ( جوليا فاسيليفنا ) موافاتي بغرفة المكتب.
-
تفضلي بالجلوس ( جوليا فاسيليفنا ) – قلت لها – كيما نسوي مستحقاتك .
ويبدو أنك تلبسين رداء الرسمية والتعفف إذ أنك لم تطلبيها رسميا مني رغم حاجتك الماسة للمال … حسنا … كنا إذا قد اتفقنا على مبلغ ثلاثين روبلا في الشهر
-
بل أربعين قالت باستحياء.

-
كلا .. اتفاقنا كان على ثلاثين ، دونت ملاحظة بذلك . أدفع إلى المربيات ثلاثين روبلا عادة . لقد عملت هنا مدة شهرين لذا ..
-
شهران وأيام خمسة قالت مصححة - بل عملت لمدة شهرين بالتمام والكمال – قلت بإصرار – لقد دونت ملاحظة بذلك ، وهذا يعني أنك تستحقين ستين روبلا يخصم منها أجر تسعة أيام تعرفين تماما أنك لم تعملي شيئا لـ ( كوليا ) أيام الأحد وكنت تكتفين بالخروج به للنزهة … هناك أيضا ثلاث إجازات و
ولم تعقب .. اكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة .. مانبست ببنت شفه
-
ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثنى عشر روبلا … كما وأن ( كوليا ) قد مرض فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس … شغلت إبان ذلك بـ ( تانيا ) فقط ، هناك أيضا أيام ثلاثة شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة اعفتك زوجتي خلالها من العمل بعد الظهر … اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر ، واطرحي ذلك فيتبقى بعد ذلك … آ … واحد وأربعون روبلا … أصبح ذلك
واحمرت العين اليسرى ( لجوليا فاسيليفنا ) ثم … غرقت بالدمع ، فيما تشنج ذقنها وارتعش … وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها … إلا أنها … لم تنبس بحرف
- ”
قبيل ليلة رأس السنه كسرت كوب شاي وصحنه ، يخصم من ذلك روبلان رغم أن تكلفة الكوب هي في الواقع أكثر من ذلك إذ إنه كان ضمن تركة قيمة … لا يهم ليست تلك هي أولى مامنيت به من خسائر … بعد ذلك ونتيجة لإهمالك صعد ( كوليا ) شجرة فتمزق معطفه ، يخصم من المجموع عشرة روبلات … كما وأن الخادمه قد سرقت – بسبب لامبالاتك حذاء ( فانيا ) ينبغي أن تفتحي عينيك جيدا … أن تتوخي الحذر والحيطة
فنحن ندفع لك ثمن ذلك … حسنا نطرح من كل ذلك خمسة روبلات وإني قد أعطيتك عشرة روبلات يوم العاشر من يناير
-
لم يحدث ذلك ّ همست ( جوليا فاسيليفنا )
-
بلى دونت ملاحظة بذلك قلت بإصرار
-
حسنا وإذا أجابت بنبرات كسيرة .
-
فإذا ما خصمنا سبعة وعشرين من واحد وأربعين فسيتبقى لك أربعة عشر روبلا
وغرقت بالدموع حينها كلتا عينيها فيما ظهر العرق على أنفها الصغير الجميل … ياللبنية المسكينة
لم أحصل على مال سوى مرة واحدة قالت صوت راعش متهدج النبرات – وكان ذلك من زوجتك . ماتجاوز ما استلمته ثلاث روبلات … لا أكثر سيدي.
-
حقا أرأيت لم أدون ملاحظة بذلك – سأخصم من الأربعة عشر روبلا ثلاثة فيتبقى لك أحد عشر روبلا
ودفع إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها .
شكرا قالت هامسة .
-
ولماذا هذه الـ ( شكرا ً) سألتها
-
للمبلغ الذي دفعته لي .
لكنك تعرفين أني قد غششتك … أني قد سرقتك ونهبت مالك فلماذا شكرتني
-
في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لي شيئا البتة
-
لم يمنحوك على الإطلاق شيئا زال العجب إذا لقد دبرت هذا المقلب كي ألقنك درسا في المحافظة على حقوقك ، سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة … ثمانون روبلا … لقد وضعتها في هذا الظرف مسبقا … لكن – تساءلت مشدوها – أيعقل ذلك أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام لماذا لم تعترضي لم كل ذلك الصمت الرهيب … أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب إنسان في سذاجتك وخضوعك
وابتسمت في ذل وانكسار فقرأت في ملامحها ” ذاك ممكن “
واعتذرت منها مجددا عما سببته لها من ألم وإحراج ، إذ إن الدرس كان قاسيا حقا قبل أن أسلمها الظرف الذي يحوي أجرها … ثمانون روبلا تناولتها بين مكذبة ومصدقة … وتلعثمت وهي تكرر الشكر … المرة تلو المرة ثم غادرت المكان وأنا أتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب في أرجاء غابة الظلم يندح في أوردتي وهمست لنفسي :
- "
حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم "

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

أشباح الكتابة

لا أعتقد أن أهمية طرح الأسئلة حول الكتابة تكمن في الوصول إلى إجابات راسخة بقدر اكتشاف وتأمل كيف يمكن لهذه الإجابات أن تتحول في أي لحظة إلى مبررات صلبة للارتباك، ولمضاعفة الألم .. إن الأمر يبدو ملهماً حقاً خاصة عند التفكير في إلى أي مدى تتسم استفهامات وهواجس العملية الإبداعية بالاستقرار على صيغ ثابتة، وإلى أي مدى تتسم كذلك بالإصرار على التفجر داخل حياة الكاتب بصرف النظر عن امتلاء الماضي بصفقات المصالحة بينهما .. لا تحتاج الأسئلة إلى منطق واضح يفسر أسباب تخليها الدائم عن التراجع أو الاختباء، ومعاودة الإلحاح ـ بثقل المزاج العنيف للمرة الأولى ـ للحصول على يقينيات مرضية .. يمكن لكافة الإجابات التي ادُخرت للتصدي إلى تلك المآزق الذهنية أن تبدو غير قادرة على منح الطمأنينة المتوقعة، حتى داخل أقوى حالات الإيمان بكونها حقائق حاسمة .. على سبيل المثال قد يقضي كاتب ما عمره ممتناً للثقة التي أعطتها له قائمة (جورج أورويل) المنشورة سنة 1946 بـ (أربعة دوافع عظيمة للكتابة):
(1ـ الأنانية المطلقة: أن يتم التحدث عنك، أن يتم تذكرك بعد الوفاة، أن تنتقم من الكبار في طفولتك، إلخ.
2ـ الحماسة الجمالية: مسرة تأثير وقع صوت على آخر، في انضباط النثر الجيد، أو إيقاع القصة الجيدة.
3ـ الدافع التاريخي: الرغبة برؤية الأشياء كما هي، بالعثور على الوقائع الحقيقية وحفظها من أجل الأجيال القادمة.
4ـ الغرض السياسي: الرأي بأن الفن يجب ألا يتعلق بالسياسة هو بذاته موقف سياسي).
 لكن هذه الثقة ربما تصبح ـ دون احتياج لأي نوع من التأثيرات الحادة ـ إلى شكل من أشكال الخبرة المخزية، التي تثبت أن استطاعتها مواجهة المسوخ الخرافية في وقت سابق لا تعني بالضرورة القدرة على هزيمتها حين تستأنف نفس المسوخ اعتدائها مرة أخرى .. تبدو الكتابة كأنها تمتلك خطاباً سرياً، غير خاضع لركائز يمكن استخدامها لجعله نسقاً متماسكاً .. هذا الخطاب يتم الاشتباك معه بأساليب غير منضبطة مع كل خطوة جديدة داخل تجربة الكتابة حتى لو بدت متشابهة أو حتى متطابقة مع خطوات أخرى؛ حيث تبدو العقائد أحياناً كذخائر فاشلة، لديها فقط إمكانية الإيهام بسد الثغرات، لكنها لا تقوم بأكثر من تخفيف الإضاءة أو إظلام وحشيتها المتسعة ..  بطريقة أو بأخرى قد تعرف بواسطة الاشتباك مع هذا الخطاب السري للكتابة أن ثمة إجابة صحيحة، مجهولة، توجد في مكان آخر خارج كافة الأطر التي يمكن الاحتماء بها .. ربما هذا ما يُسمى بالسحر بالغامض للكتابة، والذي لديه من الجبروت الخاص ما يجعل من الإجابة الصحيحة ـ ونتيجة لكونها مجهولة ـ غير موجوة في أي مكان أصلاً، أو يجعلها ـ في نفس الوقت ـ كامنة في جميع اليقينيات التي تخيلتها رصيداً فاسداً؛ فيعيد إليك الثقة في صلاحيتها، فضلاً بالطبع عن منحك إجابات جديدة.
الأمر ذاته ينطبق على ما قالته (ميغ واليتزر): (أنت لا تستطيع السيطرة على الآخرين، على علاقاتك، أو على أطفالك، ولكن في الكتابة تستطيع أن تحصل على فترات متصلة تكون فيها المسيطر تماماً).        
إن الإيمان بكون الكتابة ملاذاً تعويضياً لغياب القدرة على التحكم في الحياة والبشر قد يتحول إلى إيمان مضاد، وعلى نحو مفاجىء بأن الكتابة لا يمكن أن تكون تعويضاً عن هذا الإخفاق، وأن هناك في الواقع أدلة ـ ربما ليس بوسعك ملامستها ـ تؤكد لك، وبصور حتمية استحالة العثور على بديل آمن لفوضاه التي تمضغك ببطء .. حتى لو تحدد اليقين في نطاق متعة الكتابة عن الفشل في السيطرة؛ ستظل هذه العقيدة مهددة بالحضور الممكن للحظة التي تتفحص خلالها المعرفة الناصعة بأن العجز عن التحكم لا يقتصر على الحياة بل ممتد إلى الكتابة أيضاً .. ربما هذا ما يُسمى بالمأساة.
في كتاب (لماذا نكتب؟) ـ تحرير: (ميريدث ماران)، ترجمة (مجموعة من المترجمين العرب)، ومراجعة وتحقيق (بثينة العيسى)، الصادر عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) يجيب عشرون من الكتاب الناجحين على أسئلة الكتابة .. لنقرأ مثلاً (إيزابيل الليندي) متحدثة عن أسلوبها:
(هناك سحر مؤكد فيما هو عفوي. أريد للقارىء أن يشعر بأني أحكي له القصة شخصياً. عندما تحكي قصة في المطبخ لصديق، فهي مليئة بالأخطاء والتكرار. أحاول أن أتجنب ذلك في الأدب، ولكنني مازلت أريدها حواراً، كما هو قص القصص عادة. إنها ليست بمحاضرة).
أيضاً (ديفيد بالدتشي) يقول:
("أكتب لقرائك" هو تعبير ملطف لـ "اكتب ما تعتقد أن الناس ستقوم بشرائه". لا تقع في هذا الخطأ! أكتب للشخص الذي تعرفه جيداً، اكتب لنفسك).
أما (كاثرين هاريسون) فتتحدث عن تجربتها الأفضل والأسوأ، الأكثر إثارة والأكثر فظاعة:
(لو كانت "القبلة" مكتوبة من قبل رجل، لو أن أبي ـ لنقل ـ هو الذي كتب عنا، فقد لا يهاجم كما هوجمت، لأنني كنت صادقة بشأن أمور معيبة. لقد خرجت من تجربة "القبلة" محطمة، ولكنه كان أمراً جيداً في الإجمال، فقد أدركت أنه لا يمكنني فعل أي شيء بعد ذلك لأجعل الآخرين يقولون ما هو أشنع مما قيل عني الآن، كانت تجربة محرّرة).
إنني أتفق تماماً مع المحررة في مقولتها بأن أحد أهم عناصر القوة في فرضية الكتاب هي أن الاختلافات بين حالات الكتّاب أقل أهمية بكثير من أوجه الشبه بينهم .. هذا ما يجعل من النماذج السابقة التي اخترتها تبدو كحلول ثمينة لأرق شائع: ارتباك الحكي .. رفض القراء .. الاغتيال الشخصي من النقاد .. لكنها في حقيقة الأمر مشكلات أكثر تعقيداً من أن تنهيها حكمة زملاء المهنة .. إن القيمة الجوهرية لتلك الخلاصات تنبع من كونها احتمالات داعمة للمواساة الضرورية أحياناً .. عزاء يستند إلى قرائن دامغة للتشارك في تفاصيل دقيقة من هموم عامة .. لكن المواساة في أنجح الأحوال لا تمحو الألم، وإنما يمكنها المساعدة على التحرر من حصاره اللحظي .. لا يوفر العزاء تحصيناً ضد الأذى، ولكنه يفتح باباً مغلقاً لتنظر من خلاله إلى سماء أبعد حيث تحلق سكينة ما .. لذا على الرغم من تلك الأصوات المتعددة التي تخبرك طوال الوقت بأنك لست وحدك في هذه الورطة، فإن الشعور بالاختناق ربما يظل محتفظاً ببداهته العمياء، التي لا تخفت حتى مع مرور الزمن عند رصد الاضطراب السردي في عملك (الأخطاء والتكرار)، وعدم قبول قارىء ما لكتابتك (جحيمك الذي لا يُمتع الآخرين)، ومحاولات النقاد لقتلك (كيف تجروء على الكتابة هكذا؟!) .. مزيج الندم والغضب والسأم الذي يغرقك كل مرة كأنه جرحك الأول، ربما لأن كل كتابة ستبقى في الواقع كأنها كتابة أولى تختبر الإجابات، وتستجوب الحقائق، وتراوغ اليقينيات، وتحاكم العقائد، وتنقب في العالم عن الاحتمالات المنقذة.
أخبار الأدب
5/9/2015

الاثنين، 31 أغسطس 2015

فضيلة الزمن الشخصي

في قصة (ديمتريو) لـ (خوليو رامون ريبيرو)، ترجمة (نادية جمال الدين) يتحدث (ماريوس كارلن) عن صديقه الروائي (ديمتريو فان فاجن) الذي ترك يوميات تُنسب للسنوات الثماني التالية لموته .. قال (ماريوس) أن (ديمتريو) توفى بطريقة غامضة في حانة، وأنه تتبع التواريخ المستقبلية المُدونة بدقة في المذكرات للتأكد من صحة أحداثها وفقاُ لـ (ديمتريو) فاكتشف أنه لم يخطىء أبداً...
(عند ذلك ازدادت حيرتي، كما أن النتائج التي أمكنني استخلاصها كانت قليلة. فواضح أن ديميتريو قد توفى في 2 يناير عام 1945 ولكن المؤكد أيضا أنه في عام 1948 حضر مراسم دفن ارنستو بانكلوس وأنه في عام 1949 كان بالمتحف الوطني بأوسلو، وفي عام 1951 تعرف على ماريون في فريمان ورزق منها بطفل. لقد تم التحقق من كل ذلك بالفعل).
ثم نقرأ تفسير (ماريوس كارلن) للنتائج التي أسفرت عنها تحرياته:
(إن دوامنا الداخلي لا يمكن تعريفه ولا قياسه ولا تأجيله. فمن السهل أن نعيش أياما في دقائق والعكس، دقائق في أسابيع. فكما هو معلوم أن حالات ظواهر التنويم المغناطيسي كثيرة أو حالات شدة الإثارة أو النشوة التي يسببها الحب أو الخوف أو الموسيقي أو الحمى أو المخدر أو التدين الشديد، ولكن ما لا أستطيع إدراكه هو كيف ينتقل هذا الدوام الداخلي إلي حيز الفعل، وكيف يتوافق زمن كل فرد منا مع الزمن الشمسي؟ إن التفكير في أكثر من شيء خلال الثانية الواحدة أمر معتاد ولكن الأكثر تعقيدا هو القيام بذلك في المدة نفسها.
والمؤكد أن ديمتريو فان فاجن قد قام بأشياء كثيرة خلال زمنه الشخصي، وهي أشياء لم تتم في الزمن الحقيقي إلا فيما بعد. كما أن هناك أشياء كثيرة فعلها وما زالت لم تتحقق بعد. فنجده مثلا يصف في العام 1954 رحلة إلى الهيمالايا يفقد خلالها أذنه اليسرى نتيجة التجمد. أو دون أن نبتعد كثيرا، يشير إلى اليوم وهو العاشر من نوفمبر من عام 1953 إلى قيامه بزيارة لبيتي. وهو ما لم يحدث بالطبع لا في زمني ولا في الزمن الشمسي. ولكن اليوم لم ينته بعد وكل شيء محتمل الحدوث. فهو لم يحدد في يومياته الساعة، كما أنها لم تشر بعد إلى الثانية عشرة ليلا. أو لعله قد أجل الزيارة دون تدوين هذا في يومياته.
مازالت هناك دقيقة باقية. أقر بالشعور بنفاذ صبري بعض الشيء حتى أن ربع الساعة الشمسي الذي استغرقته كتابة هذه الصفحات قد بدا لي طويلا بلا حدود. ولكن لا يمكنني بالطبع أن أخطىء، فأحد ما يصعد الدرج. خطوات تقترب. ساعتي تشير إلى الثانية عشرة ليلا. طرق على الباب. إنه ديميتريو، هنا).
إن ما يحكم القصة في اعتقادي ليست علاقة الروائي الميت بيومياته مثلما يبدو للوهلة الأولي بل ما تمثله تلك اليوميات لصديق الراوي الذي يحاول تفسيرها .. كأن (ماريوس كارلن) يستخدم المذكرات المستقبلية التي تركها صديقه (ديمتريو فان فاجن) للإشارة إلى أرق ذاتي بتغييب الموت .. إن اليوميات تضمن للراوي البقاء حياً على الأقل حتى زيارة الروائي الميت إلى بيته، وبذلك فإن القصة يتركز همها الأساسي على هاجس الخلود عند الصديق، أو سعادة الحصول على تأكيد ـ حتي لو كان قائماً على أدلة غامضة ـ لاستمرار وجوده في العالم إلى وقت معلوم .. في ضوء ما سبق سيتحوّل اللقاء في نهاية القصة بين (ماريوس كارلن) و(ديمتريو فان فاجن) إلى معجزة خلاص حقيقية تضع حداً للموت، فهي لا تثبت فقط وضعيتك ككائن على قيد الحياة في تلك اللحظة بل تجعل من إمكانية مواصلة الحياة ـ فعلياً ـ بعد وفاتك شيئاً عادياً يمكن تحقيقه .. لكن على جانب آخر فإن محاولة صديق الروائي تفسير صحة المذكرات المستقبلية، وإرجاعها إلى سهولة أن نعيش أياماً في دقائق، ودقائق في أسابيع، وأن (ديمتريو) قد قام بأشياء كثيرة في الزمن الشخصي لم تتم في الزمن الحقيقي إلا فيما بعد بكيفية مجهولة؛ في محاولة التفسير هذه إلهام يتجاوز الروائي الميت وصديقه، واليوميات .. إنها تحريض على التمعّن في الوجهين النمطيين للحياة والموت بصورة عكسية .. ما يبدو أنه كان ـ ظاهرياً ـ الحياة هو في الواقع لم يكن سوى الموت، أما (الخيال) فهو الجزء الحي الوحيد في هذا الموت .. الجزء الخالد، الذي ـ ربما كنوع من التحرر ـ يتحوّل إلى واقع أبدي حين ينقلب الموت إلى حياة غائبة عن العالم .. لقاء (ديمتريو) هو إذن وصول أمنية (ماريوس) في التعرّف على الحياة الحقيقية إلى حيز التنفيذ.

نُشرت هذه القصة ضمن مجموعة (يوم مثالي لمشاهدة الكنجارو) الصادرة عن سلسلة (كتاب العربي)، وهي مجموعة مميزة أنصح بقراءتها.
تحميل المجموعة