الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016

المشي حول المكتبة

ليس كل موظفي المكتبات يحكمون العالم. فقط الذي سمع منهم ذات يوم صوتًا استثنائيًا ساحرًا، يتمركز داخل أعماقه، وتحديدًا فيما بين ظهره، وفخذيه. صوت قاهر، ينبعث بمنتهى الإيمان والشغف: أنت فاشل في الكتابة.
النبلاء المتجهمون، الذين سجنتهم (هيئة الكتاب) في مستعمرة (السكة الجديدة) ثم قطعت أعضاءهم، وأعطتهم بدلًا منها أقلامًا زرقاء لتوثيق سعادتهم.
يمكن لأحدهم ـ وسيشبه (عبد الناصر) لو تنحّى، وعاد إلى صفوف الشعب فعلا ـ حينما ينتقل ليبيع الكتب بالمعرض، وتعويضًا عن قصته الأولى التي لم يكتبها بعد؛ أن يرشد ولدًًا صغيرًا إلى (الصوت المنفرد) لـ (فرانك أوكونور)، و(القصة القصيرة) لـ (آيان رايد).
موظفو هيئة الكتاب أذكياء، ومتعاطفون. يعرفون كتّاب القصة بمجرد قراءتهم لعناوين الكتب التي يجيئون بها إليهم كي يدفعوا ثمنها. فضلًا عن تنبيه الصغار إلى الكتب المهمة التي لم ينتبهوا إليها، يدلونهم أيضا إلى موعد ندوة أسبوعية بقصر الثقافة ـ خاصة بمنتدى عروس النيل الأدبي مثلًا ـ ستساعدهم على اختراق السماء، والإقامة فيها، حيث يعيش (نجيب محفوظ)، و(يوسف إدريس)، و(تشيكوف)، وبقية الآلهة.
سمع جميع زوّار المعرض موسيقى (ضمير أبلة حكمت) حينما كان موظف الهيئة يودع بعينيه المبتسمتين، المرهقتين بثقل الحكمة وجه الولد الصغير، وهو يخرج من الباب ممسكًا حقيبة الكتب بثقة ممتنة.
موظفو المكتبات الذين أنقذهم الصوت الاستثنائي، الساحر، المتمركز داخل أعماقهم، وتحديدًًا فيما بين ظهورهم، وأفخاذهم حينما يفشلون في الكتابة، ويريدون عملًا إضافيًا يمكن لأحدهم أن يعمل مصححًا للغة في جريدة إقليمية يديرها (مومس إعلانات). يمكنه أيضًا أن يكتشف وقتها أن الولد الذي ساعده في المعرض قد أصبح بعد ثماني سنوات محرر الصفحة الأدبية بالجريدة. موظف هيئة الكتاب لن يعنيه شيئًا سوى معالجة الجروح التي تصيب (العربية) بالأظافر المتسخة لعيال الصحافة الجدد. لكنه بالتأكيد سيجد وقتًا للنظر في صمت لوجوه زملائه، خاصة الولد الذي لم يكتف بأنه صار شابًا، ولا بأنه أصبح قاصًا، وصحفيًا، ولا بأنه نشر ذات يوم قصة في (الأهرام المسائي)، بل وفوق كل هذا دخل المكتب، وفي يده نسخة تناقلتها أيدي الموجودين. موظف هيئة الكتاب حينما يفشل في الكتابة، وحينما يعمل مصححًا للغة، لن تكون هناك حدود لمهمته الكونية. ستحتم عليه المسؤلية بعد أن تصل الجريدة إليه أن يضع تحت إحدى كلمات قصة الشاب خطًا بأحد الأقلام الزرقاء التي أعطتها له الهيئة بدلًا من عضوه المقطوع. ربما انتبه الحاضرون، وأيضًا ربما انتبه هو نفسه مثلما جاء في ذهن الشاب لحظتها أن هذه هي المرة الأولى التي يتكلم فيها موظف هيئة الكتاب معه منذ أن جاء ليعمل مصححًا للغة. أخبره أن الكلمة ليس بها خطأ في الإملاء أو النحو، وإنما رآها فقط (غير مناسبة). كان هذا كافيًا كي يحمي الصمت الذي عاد إليه آمنًا بعدما أعطى الشاب نسخة (الأهرام المسائي) ملصقًا بها قطنة صغيرة تكتم نزيفًا ما في قصته، يجب أن يسرع إلى البيت لإيقافه.
الحياة تكمن هناك. في الثواني القليلة التي تمر خلالها أمام مقهى صغير مختبئ في شارع جانبي، ويجلس عليه موظف هيئة الكتاب الذي لم يعد موظفًا، ولا مصححًا للغة، وبالطبع لم يكتب قصته القصيرة بعد.
الموت أيضًا يكمن هناك. في نفس الثواني القليلة التي ستفكر خلالها في براعة الصدفة الكامنة في وجود المقهى داخل الشارع الخلفي لبيت الشاب. الأورجازم يأتي من هناك إذن. اللذة المتصاعدة التي لا يمكن احتمالها حينما تتمعن في موظف الهيئة الممسك بسيجارة كيلوباترا ـوهو الذي لم يدخن أبدًا من قبل- وفاتحًا رقعة شطرنج على الطاولة أمامه، ومجهزًا الجيشين للعب مع غائب لا يأتي أبدًا. مشهد أصعب من تكوينه كحلم، وأجمل من تصديقه كحقيقة. المتعة التي لن تكتمل إلا بتخيل نفسك تذهب إليه، ثم تضع يدك على كتفه، وتسأله بعتابٍ أخويٍ رقيق كاتمًا ضحكاتك: (لماذا لا تنهض، وتكتب قصتك الآن بأي طريقة؟).
ليس كل موظفي المكتبات يحكمون العالم. فقط الذي يأخذ منهم مكان زميله الميت، ثم يشتري على حسابه لافتة (مغلق للصلاة) ليعلقها على الباب الزجاجي المغلق للهيئة المصرية العامة للكتاب بالسكة الجديدة معظم اليوم هربًا من الذنوب التي تُوجعه فيما بين ظهره وفخذيه كلما باع كتابًا من سلسلة (الجوائز) للشاب الذي لا يزال يكبر.
 موقع (زائد 18) ـ الأحد ديسمبر 25, 2016
Photo by Peter Leponi 

الخميس، 22 ديسمبر 2016

"مكان جيد لسلحفاة محنطة".. ممدوح رزق والوجود الافتراضي

1ـ نص المتعة هو الذي يضعك في حالة ضياع، ذلك الذي يُتعب، لأنه يجعل القاعدة التاريخية والثقافية والسيكولوجية ـ للقارئ ـ  تترنح، ويُزعزع كذلك، ثبات أذواقه وقيمه وذكرياته، ويؤزم علاقته باللغة ... رولان بارت ـ لذة النص.
2ـ تعدد الأصوات إن لم يكن تعدداً في الرؤية والخطاب، واقتصر فقط على ترديد ذات الرؤية وذات الخطاب بأصوات سردية مختلفة، لم يكن تعدداً، وإنما صار ترديداً فقط لصوت المؤلف.
* * *
قارئ (ممدوح رزق) سوف يتمتع بجانب قراءته قصصاً تعتمد على ذات فردية، والإبحار في وجودها بالمعنى الوجودي الباحث في كينونته وماهيته في هذه الحياة المهولة، ودروبها العجائبية والغريبة عن الإحاطة، من خلال موقف درامي طازج يحسب للكاتب أنه له وحده، ولا شبيه له في كتاب قصصنا في الوقت المعاصر، سيحصل قارئه على كم من المعرفة، الفلسفية والتاريخية والجغرافية، والسينمائية، والفن التشكيلي أيضاً، إلى جانب مخاطبة قدرته على استيعاب التكنولوجيا الحديثة خاصة ثورة الاتصالات، على الإجمال تقوم قصصه على لعبة (الافتراضية) وكأن الحياة التي يوجد فيها هذا القاريء هي افتراضية محضة، فلا يقين على أنها حياة يمكنك فيها أن تصنع تاريخاً متراكماً، وتدعي الفخر به، كل شيء فيها غير ممسوك في قبضتك لأن الموت يلاحق هذا التاريخ، فلا تركن إلا إلى النسيان في تعاقب فصول هذا التاريخ.
يلف كل ذلك روح ساخرة تمكننا نحن القراء من عدم السقوط في القنوط، ولكنها مع ذلك تبعدنا عن الوهم .. الوهم بأي شيء يمكنه إبعادنا عن تلك النقطة المركزية.
في قصة (فيس بوك) أولى قصص المجموعة تذكرت على الفور نصاً شعرياً لـ (ممدوح رزق) كنت قد قرأته في أحد تلك المواقع التي تقدم نصوصاً قصصية وشعرية، والنص الشعري كان يحكي عن هذه الحياة الوهمية ـ وهي حقيقية في ذات الوقت ـ عبر الهوتميل تجري المحادثة بين أحدهم في مصر، وبين إحداهن في بلد خليجي، وتصبح أكاذيب الاثنين هي الحياة، والكاتب يدلنا على هذه الخدعة عبر كتابة تقول الحقيقة المجردة، وهي أن الفتاة سوف تموت بمرض عضال، وأن الشاب لديه مشاكل اجتماعية، ولكن الكذب يمكن له أن ينشيء حياة طالما كانت الافتراضية هي ما نعيشه، أما قصة (فيس بوك) فهي قائمة على الاستدعاء، فمن الأفلام يستدعي ضمير المتكلم ـ المولع به (ممدوح) فمعظم قصصه بهذا الضمير ـ بعض مشاهد من أفلام معينة يُفترض بالقاريء أن يكون قد شاهدها، المقصود منها التأثير الذي يُحدثه المعادل الموضوعي في كتابات أخرى لكتّاب آخرين، وهذه إحدى التقنيات التي يجيدها كاتبنا ويقيم عالمه من خلالها .. الخيبة تلاحق بطل النص ولا ينفعه تذكره لكل هذه المشاهد السينمائية، وكأنها تزيد هذه الخيبة بحدة التناقض بين المعرفة وبين السلوك.
في قصة (ماريا نكوبولس) تواجهنا هذه الموهبة الطبيعية وعلاقتها بالمنطق البيولوجي والحضاري على حد سواء، والفرضية في النص تتبعها فرضيات أخرى طريفة، أهم ما في النص التزييل بهوامش تزيد من حدة السخرية من موقف الناس تجاه الشيء المخالف للعادي أو المتصالح معه، في هذه النقطة تتحرك نوازع البشر إلى المقاومة، وما المقاومة إلا نوعاً من الحماقة البشرية، ولذلك تتسع الهوة في جوهر الوجود الإنساني ذاته، حيث محاولة تأجيل ما لا يُؤجل في قصة (أشياء الزمن)، ومع ذلك فهذا الوجود دائماً ما يوجد فيه قوة دافعة ذاتية على الاستمرار، وما ظهور الأسنان في فم طفل الراوي إلا استمراراً للحياة بقوانينها، في الخلفية 25 يناير تعبيراً تم اقتناصه لاستمرارية هذا التوالد من رحم العدمية التي تُشكل روح الموقف الوجودي.
يمكننا القول إن القصة عند (ممدوح رزق) هي ساحة تعبيرية عن الهوية، يلجأ دائماً إلى ما يشبه التقرير للبحث النفسي وعبر النوستالجيا والواقع أيضاً، ويتلمس في تقريره بشتى المعارف والقراءات التاريخية والطبية والكشوف الجغرافية والمرضية كل ذلك في إسلوب كتابة لا فصل فيه بينه وبين القاريء، وكأنه يكتب عند نقطة معينة من حديث يدور بينهما، وها هو يكمله، مزيحاً تلك المسافة التقليدية بينه وبين القاريء، ربما في بعض الأحيان تطغى معرفية الكاتب، فهي تقوده دوماً.
في قصة (هومر سيمبسون) نفس المنحى الافتراضي، ولكننا هنا مع اتساع عين الكاميرا واللجوء إلى شخصيات من فرط افتراضيتها تقع في وهم واقعي لوجودها، من نتاج كتّاب سابقين وسيناريستات آخرين، شخصيات كارتونية يستدعيها الراوي وكأنه يدفع نفسه دفعاً لأن يكون افتراضياً، وتسقط كل دعاوي التشبث بفكرة ما في حياة يعتبرها رحلة تشبه الفيلم الكارتوني، وليس من الحكمة أن ننغلق على ثبات الفكرة في وجودنا، فلا شيء يمكن أن يكون أبدياً يُعلق على حائط الحياة ويظل له من الوجاهة والمنطقية حضوراً فاعلاً في الحيوات الأخرى.
يستكمل الكاتب كل ذلك في نصه (ثغرات الخلود) بلا تورية مع هذه المفارقة (غير الفارقة) ولكنها تكمل صورة الفقد أمام سير الحياة وتغيرها وتبدلها وتحولها، وتبدو تلك الحيلة النفسية للاحتفاظ بذكرى شيء ما حالة عبثية كاملة الجوانب.
في قصة (رسم الهواء) يكون أكثر وضوحاً وتجلياً، وما تلك العبارة الأخيرة إلا ضربة على الصدغ (هل فهمت الآن ماذا تعني محاولة استعادة الماضي؟!).
في قصة (المرض) كتابة وجودية بامتياز حيث نرى معنى أن يمرض الجسد، وحالة الاندماج الجسدي والنفسي والعصبي معاً في كتلة واحدة يتمنى الإنسان لحظتها أن يكون نموذجاً لا يصيبه العطب، لحظات الصحة هي المؤامرة الصامتة لانهيار آت، وكأن المرض هو الهزيمة المعلنة بينما الصحة هي الهزيمة الأشد خطراً، وآليات القص هنا لا تخرج عما اعتاده (ممدوح) من اقتناص اللحظة والشغل عليها بطريقته الهادئة التي تعتمد تراكماً يعتمد على الزمن النفسي دون أية مفاجآت خارج حدود اللحظة المكتوب فيها وعنها.
في قصة (تخفيف العمى) الذي يخفف العمى هو العمى نفسه، يقدم الكاتب أو الراوي أو الضمير الذي يكتب به النص مفهموماً آخر يُضاف لما سبق عن التعلق الواهي بأشياء ربما تكون صغيرة ولكنها جوهرية لمن يتعلق بها، إلى جانب تلك المفارقة داخل المفارقة في النهاية فضمير الأنا وربما كان الآخر، وهذه لعبة ـ كما أوضحنا سابقاً ـ يجيدها (ممدوح رزق) بامتياز في كافة نصوص (مكان جيد لسلحفاة محنطة) .. والعنوان أي عنوان المجموعة لم يرد كنص في المجموعة، ولكنه لافت من وجهة نظر النصوص هو تعبير عن نظرة للحياة وعلاقات هذا الكائن الإنساني الذي ينظر إليه على أنه سيد هذا الكون وهو في الحقيقة أضعف مما هو متوقع شبيه بسلحفاة محنطة .. نظرة (ممدوح) نظرة ساخرة ومريرة، ولكنا يمكننا الاقتناع بها، ولا نملك إلا الموافقة.
في قصة (عيد الأم) تمضي تلك النظرة القريبة من العدمية من خلال التفكير المسبق لما سوف تحل عليه الحبيبة بتغير ملامح الجسد وعوامل الزمن ورغم الحب والمعايشة، الهروب من مجرد سماع أغنية فايزة أحمد عن الأم هو قمة تلك النظرة التشاؤمية نحو عاديات الزمن.
في قصة (وردة) تدوير الحياة ـ وممدوح له قصة في نفس المجموعة بذات العنوان ـ تدوير الحياة رغم كل ما بها لمحاولة جعلها مقبولة وميسرة للمضي فيها.
في قصة (لا شيء بعد الموت) رغم صدمة العنوان، والإيحاء بما سوف يأتي بعده، إلا أن (ممدوح رزق) يفاجيء القاريء بشيء آخر هو رحلة الإنسان العجوز عندما يواجه العدم من حوله في مقابل ما تعيه الذاكرة والتي يمكنها أن تمشي على الأرض وتحيا، فتكون رحلة ما بين العجز الآن، والطفل الذي كان، أي أن الحياة تسير في طريق واحدة لا مناص من مسايرتها.
في قصة (حكاية الرجل الذي كتب قصة قصيرة) بساطة وعمق، بساطة التناول من حيث التكنيك الذي شابه الحكاية وطريقتها في الإعلان عن وقائعها ببساطة تمتزج بشيء من السخرية، وعمق الدلالة في هذا المختلف الذي يؤثر الحياة بلا تساؤل أو تأويل ولا مناقشة.
في قصة (نهاية العالم) نهاية العالم الحقيقية تبدأ في نهاية القصة ذلك الفعل المجنون العدمي، غير المبرر ـ من داخل النص ذاته ـ والمبرر مع ذلك بعد رحلة القراءة في نصوص (ممدوح)، نستطيع أن نقول إنه غير معني بالمغامرة اللغوية، ولكنه يسير بشكل واضح إلى المفارقة، مما يجعلنا نعيد النظر في كل ما سبق قراءته، فالكتابة عنده كتابة خادعة، لا يمكنك أن تقبض على الدلالة وترتاح إلى نتائجها من أول مرة.
في قصة (حاسة الانتقام) لاحظ أنه استعمل تعبير حاسة ولم يستعمل تعبير طبع مثلاً، لأن فعلا الانتقام تصوري، لا يتقدم ليكون فعلاً له وجود إلا في داخل الراوي تجاه البنت، ليصبح الفعل خارج الراوي، لأنه الزمن وما يفعله في الإنسان، وليست مؤامرة الراوي إلا نوعاً من التشفي أمام تجليات الزمن.
في قصة (إعادة التدوير) قصة قصيرة جداً، وفي نفس الإطار السابق، لكن هنا الزوجة ترضخ لمؤامرات الزوج طوال حياتهما الزوجية، ثم تكتمل الرؤية في استمرارية هذا الوضع في قابل الأيام عبر الطفلة، وما ضحكتها في نهاية القصة إلا نوعاً من الرضوخ لنفس المصير.
في قصة (جامع القمامة) وهي تحمل كل ما في القصة القصيرة جداً من إشكاليات، فهي تعتمد في العموم على وجود مفارقة تنهي القص، إما أن تكون هذه المفارقة حاملة ـ مع مفاجأتها للقاريء، لابد أن تحمل قوة الامتداد إلى شتى التأويلات والمجازات وتعدد الرؤى، جاءت النهاية بها متوقعة نسجت من نفس نسيج ما سبقها.
إلى هنا نكتفي من 29عنواناً، ويمكننا أن نجمل ما وصل إلينا عبر وعينا بلا أدنى غرور من جانبنا، ولكن علينا أن نستحضر مقولة (بارت) التي بدأت بها، والذي قال عن (ممدوح رزق) وهذه المجموعة أنه يلعب بالمتاهات صحيح القول، ونوافقه عليه، كما أن الموت حاضر بكثرة ومطروحاً في أكثر قصصها، والزمن كمعيار وجود للكائنات بما فيهم الإنسان بالطبع، وأن هناك لعبة تدور من جانب الكاتب بمراوغة مفرحة، ولعل ذلك يجعلنا نفهم لماذا كانت معظم النصوص مكتوبة من خلال فرد، ذات، وحركتها في هذا العالم ومواجهته أحياناً بانكسار ورضوخ، وأحياناً بالثورة عليه ولكنها ثورة لا تُشكل حلاً وإنما تزيد من حدة مواجهة الذات وانسحابها داخلياً، تراكم مشكلاتها، قلنا أن (ممدوح) يتسلح بمعرفة واسعة، ولكنه في بعض الأحيان يقحمها في نصوصه، اللغة لديه لغة حيادية في الغالب، أي أنها لا تلجأ إلى المجازية أو التفاصح، ولكنه يستخدمها استخدام الوسيلة لا الغاية، (ممدوح رزق) يواجهك بتجريبيته، والنظر إلى ما تم إنجازه من كتابات سابقة عليه أو حالية بكسر المعتاد وتلك الروشتة الجاهزة عن الكتابة، مثيراً أسئلة كبيرة عن أصل الوجود، وهي أفكار لا تشغل حيزاً كبيراً في إبداع كتّابنا، (ممدوح رزق) عندما تقرأ نصوصه تصير في حالة شك دائم مما يجري حولك أو مما سبق من معلوم بالضرورة لديك، يُصدر إليك قلقاً، وفي اعتقادي أن هذا النوع من الكتابة هو ابن لعالمنا القائم على العلم والنقد، أو هكذا ينبغي أن يكون ونكون نحن.
 محسن يونس
موقع (الكتابة)
29/11/2014

مكان جيد لسلحفاة محنطة

ﺻدرت ﻋن ﺳﻠﺳﻠﺔ "ﺣروف" ﺑﺎﻟﮭﯾﺋﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻘﺻور اﻟﺛﻘﺎﻓﺔ ﻓﻰ ﯾﻧﺎﯾر اﻟﻣﺎﺿﻰ ﻟﻠﻛﺎﺗب "ﻣﻣدوح رزق" ﺻﺎﺣب اﻟﻌدﯾد ﻣن اﻟﻛﺗﺎﺑﺎت اﻟرواﺋﯾﺔ واﻟﻘﺻﺻﯾﺔ آﺧرھﺎ ""ﺧﻠق اﻟﻣوﺗﻰ" و "ﻗﺑل اﻟﻘﯾﺎﻣﺔ ﺑﻘﻠﯾل". ﻓﻰ ﻣﺟﻣوﻋﺗﮫ "ﻣﻛﺎن ﺟﯾد ﻟﺳﻠﺣﻔﺎة ﻣﺣﻧطﺔ" اﻟﻛﺛﯾر ﻣن اﻟﻘﺻص أﻓﻛﺎرھﺎ ﻣﻧﺗﻘﺎة ﺑﻌﻧﺎﯾﺔ واﻟﺗﻰ ﺗﺧرج ﻋن أﺣﻛﺎم ﻧﻣطﯾﺔ ﻟﺗﺻﻧﯾﻔﺎت اﻟﻘﺻﺔ اﻟﻘﺻﯾرة. ﻟﻛن ﻛﻣﺎ ُوﺻﻔت اﻟﻣﺟﻣوﻋﺔ ﻓﺈﻧﮭﺎ "ﺗﺣﺎول ﺗﺟﺎوز اﻵﻓﺎق اﻟﻧﺻﯾﺔ" ﻟذﻟك ﻗد ﺗﺿﯾﻊ ﻣﻌﺎﻟم اﻟﺣﻛﻰ داﺧل ﻣﻧظوﻣﺔ اﻟﻘﺻﺔ اﻟواﺣدة - ﺑﺎﻟطﺑﻊ إذا ﻟم ﯾﻛن اﻟﻛﺎﺗب ﯾﻘﺻد ذﻟك - ﻓﺗﺧرج ﻣن اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ اﻟﻘﺻﺻﯾﺔ إﻟﻰ ﻋﺑﺎءة اﻟﻧص اﻟﻣﺟرد.
ﻧﺟد ﻓﻰ اﻟﻣﺟﻣوﻋﺔ ﻗﺻﺻﺎ ﻗﺻﯾرة ﻛﺎﻟطﻠﻘﺎت ﻣﺗﺄﺛرة ﺑﺎﻟروح اﻟﻌﺻرﯾﺔ اﻟﺳرﯾﻌﺔ ﻟﻣواﻗﻊ اﻟﺗواﺻل اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻰ اﻟﺗﻰ ﻻ ﯾﺣﺗﺎج ﻣرﺗﺎدوھﺎ إﻻ ﻟدﻓﻘﺎت ﻗﺻﺻﯾﺔ واﻣﺿﺔ ﻛﻣﺎ ﯾظﮭر أﯾﺿﺎ ذﻟك ﻓﻰ اﺧﺗﯾﺎره ﻟﺑﻌض ﻣواﺿﯾﻊ اﻟﻘﺻص ﻣﺛل: ﻓﯾس ﺑوك، ﻧﮭﺎﯾﺔ اﻟﻌﺎﻟم ، ﺑﺎﻹﺻﺑﻊ اﻟﺻﻐﯾرة ﻟﻘدم أﻋﻣﻰ، اﻟﻣزرﻋﺔ اﻟﺳﻌﯾدة.
اﻟﺧﯾﺎل ﻓﻰ "اﻟﺳﻠﺣﻔﺎة اﻟﻣﺣﻧطﺔ" ﺣﺎﺿر ﺑﻘوة وﺳط اﻟﺗداﺧﻼت اﻟﻧﻔﺳﯾﺔ اﻟﻣﺿطرﺑﺔ ﻧﺟده ﻣﺧﺗﻠطﺎ ﺑﺄﺑطﺎل اﻟﺳﯾﻧﻣﺎ اﻟﻌرﺑﯾﺔ واﻷﺟﻧﺑﯾﺔ وﺳط ﺗﻧوع اﻟﺧطوط داﺧل اﻟﻛﺗﺎب ، ﻓﺗظﮭر روح اﻻﺧﺗﻼق اﻟواﻗﻌﻰ ﺑﺑراﻋﺔ، ﺣﯾن ﯾﺣدﺛك اﻟﻛﺎﺗب ﻓﻰ ﺟدﯾﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻋن ﻗﺻﺔ : ﻣﺎرﯾﺎ ﻧﻛوﺑولوس ﻓﻰ ذﻛرى وﻓﺎﺗﮭﺎ وھﻰ ﻓﺗﺎة ﯾوﻧﺎﻧﯾﺔ ﻧﺎﻟت ﺷﮭرة ﻋﺎﻟﻣﯾﺔ ﺧﺎرﻗﺔ، ﻓﻛﻣﺎ وﺻﻔﺗﮭﺎ اﻟﺻﺣﺎﻓﺔ ھﻰ ﺗﺳﺗطﯾﻊ أن ﺗﺳﯾر ﺑظﮭرھﺎ ﻣﺳﺎﻓﺎت ووﺳط اﻟزﺣﺎم. وﯾﺣﻛﻰ ﻋن ﺳﻔرھﺎ ﻓﻰ ﺟوﻟﺔ ﻋﺎﻟﻣﯾﺔ إﻟﻰ أن اﻟﺗﻘت .اﻟزﻋﯾم ﻋﺑد اﻟﻧﺎﺻر واﻟﺑﺎﺑﺎ ﺷﻧودة.
ﻛﻣﺎ ﺗظﮭر اﻟﺗﻧﺎﻗﺿﯾﺔ اﻟﺣﯾﺎﺗﯾﺔ ﻓﻰ ﻗﺻﺔ "ﺣﻛﺎﯾﺔ اﻟرﺟل اﻟذى ﻛﺗب ﻗﺻﺔ ﻗﺻﯾرة" اﻟﺗﻰ ﺗﺣﻛﻰ ﻋن ﻋﺟوز ﻗرر ﻗﺑل رﺣﯾﻠﮫ ﻋن اﻟدﻧﯾﺎ أن ﯾﻛﺗب ﻗﺻﺔ ﺣﯾﺎﺗﮫ ﻓﻰ أوراق وزﻋﮭﺎ ﺑﻧﻔﺳﮫ ﻋﻠﻰ أھل ﻗرﯾﺗﮫ ﻟﻛﻧﮭم ﻟم ﯾﺟدوا ﻓﻰ اﻟورق ﻏﯾر ﻛﻠﻣﺎت ورﻣوز ﻏﯾر ﻣﻔﮭوﻣﺔ ووﺳط ﻋﺟﺑﮭم اﻟﻣﺳﺗﻣر أﻋزى ﺷﯾﺦ اﻟﻘرﯾﺔ ﻋﻠﯾﮫ ﻛل اﻟﻣﺻﺎﺋب اﻟﺗﻰ أﻟﻣت ﺑﮭم ﻣﻧذ رؤﯾﺗﮫ، ﻓﯾﻘررون اﻟﺗﺧﻠص ﻣﻧﮫ ﺑﺷﻛل ﻓﺎﻧﺗﺎزى رﻏم ﻣﺎ ُﻋرف ﻋﻧﮫ طول ﺣﯾﺎﺗﮫ ﺑﯾﻧﮭم ﺑوداﻋﺗﮫ و ﺣﻛﻣﺗﮫ. أو اﻟﻐراﺋﺑﯾﺔ ﻓﻲ ﻗﺻﺔ "ﺳرﯾر" اﻟﺗﻰ ﻓﯾﮭﺎ ﯾروى ﺳرﯾر ﺻﻧﻊ ﻓﻰ اﻟﺧﻣﺳﯾﻧﺎت ﺳﯾرة ﺣﯾﺎﺗﮫ اﻟﻣﻘﺗﺿﺑﺔ. أو ﺣﺗﻰ ﺗﻧﺎول ﻓﺳﺎد اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﺛﻘﺎﻓﻰ واﻟﻛﺗﺎﺑﻰ ﻓﻰ ﻣﺻر ﻣن ﺧﻼل ﻗﺻﺔ "ﺗﺎرﯾﺦ اﻷدب".... وﻓﻰ اﻟﻧﮭﺎﯾﺔ ﺗﺧﺗﺗم اﻟﻣﺟﻣوﻋﺔ ﺑﻘﺻص ﻗﺻﯾرة ﺟدا ﻣﻔﻌﻣﺔ ﺑﺎﻟوﺣدة واﻟﺣﻧﯾن.
لؤي ياسر
جريدة (المواطن) الإلكترونية
3/4/2014

عمر شهريار عن (مكان جيد لسلحفاة محنطة): (ممدوح رزق) يلعب بالمتاهات

نظّم مختبر السرديات بنادي أدب قصر ثقافة المنصورة الأحد الماضي أمسية إبداعية لمناقشة المجموعة القصصية (مكان جيد لسلحفاة محنطة) للكاتب (ممدوح رزق) .. ناقش المجموعة الناقد (عمر شهريار) الذي تحدث عن أن (ممدوح رزق) قاص مراوغ، يتعامل مع الكتابة بوصفها لعباً، ويمتلك ملامح مميزة جداً لعل أهمها هو تعاطيه القوي، والعميق مع الفلسفة .. ذكر (شهريار) أن في المجموعة حضور لفكرتين رئيسيتين: (الموت)، و(الزمن)، وهما فكرتان فلسفيتان بالأساس تؤكدان تشبّع (ممدوح رزق) بالمشاريع الفلسفية لـ(هيدجر)، و(نيتشه)، و(فوكو)، و(دريدا) الأمر الذي أنتج تلك الحمولات الفلسفية، الساخرة داخل المجموعة. أشار (عمر شهريار) إلى أن الموت سؤال مركزي عند الكاتب حيث يطرح مفاهيم مختلفة، ومتباينة له .. (ما الموت)؛ هذا هو السؤال الذي يتناوله (ممدوح رزق) ويفككه طوال الوقت .. كأن الموت ليس فعل الغياب الجسداني فقط، وإنما موت كل شيء، وكثيراً ما قرأنا عن (موت الانسان)، و(موت النص)، و(موت المؤلف) وهذه أسئلة فلسفية يلعب بها الكاتب معنا، ويلعب بنا منذ المفتتح الرئيسي لـ (سيوران) الذي بدأ به المجموعة (تاريخ العالم هو لاشيء سوى تكرار للكوارث، بانتظار كارثة نهائية) .. سؤال زمني كأن الزمن دائماً يعيد نفسه، وأنه لاشيء جديد فيما يتعلق بالموت بشكله الفلسفي الأعمق، والمرتبط بنهاية العالم. ذكر (شهريار) أنه من أمارات اللعب داخل (مكان جيد لسلحفاة محنطة) قصة (ماريا نكوبولس) عن حياة البنت التي تمشي بظهرها حيث يتقاطع، ويتناقض المتن مع الهامش في مفارقة صادمة للقاريء فلا يعرف ما هو الحقيقي؛ هل هو المتن أم الهامش .. الهامش يتحوّل إلى جزء هام من لعبة السرد عند (ممدوح رزق)؛ فهو يتخطى وظيفته التعريفية، والبحثية إلى نفي، وتفكيك المتن .. ما هو الأصل: المتن أم الهامش .. فخ يجعل سؤالاً يمتد داخل المجموعة: ما هو أصل الوجود .. هل الموت، والغياب هما الأصل أم الحضور .. ما هو الأكثر جدوى: المتن أم الهامش .. تطرح قصة (المتسول) هذا التساؤل بقوة: هل نشاهد الأفلام، ونضحك، أم نناقش الواقع بجدية حيث تتداخل أحداث الفيلم مع أحداث الواقع .. متى يتبادل المتن، والهامش موقعيهما، وكيف يتم كسر غرور المتن، وتضخمه.  تحدث (عمر شهريار) أيضاً عن أن (ممدوح رزق) يلعب بالزمن فلا نعرف أين الماضي، وأين الحاضر .. في قصة (العود الأبدي) مثلاً نجد المخاطب الموجه إليه السرد حاضراً دائماً .. كأن الراوي يسرد على الغائب تحولات الزمان، والمكان من لحظة حاضرة كأنه موجوداً رغم موته .. كأن الغياب ليس مادياً بل يمكن استحضاره عبر نتف، ومنمنمات بسيطة، وذكريات، حتى بالصور التي تم قصقصتها .. كأن هذا الغائب يمتلك حضوراً غير منته. تناول (شهريار) أيضاً قصة (لا شيء بعد الموت) كي يشير إلى الحضور القوي للمتاهة .. لا نعرف هل هناك طفل اصطحب الرجل إلى هذا المكان فعلاً، أم أن الرجل هو الذي اصطحب الطفل .. أيهما موجود، وأيهما ميت .. هل جميعها شخصيات ميتة تتحدث إلينا من العالم الآخر .. ذكر أيضاً أن (ممدوح رزق) ينسج شبكة عنكبوتية سردية موازية لمواقع التواصل الاجتماعي لا تعرف فيها من مع من .. من الموجود، ومن الغائب .. شبكة معقدة تعتمد على فكرة موت الجسد التي ترسخها مواقع التواصل الاجتماعي، وتقوم عليها الأسئلة التي يطرحها الكاتب: ما الموت .. هل هو فعل نهائي .. هل هو فعل نسبي .. هل الحياة حياة بحق أم حياة تكتنف، وتكتنز في داخلها الأموات، واللاحضور، والغياب .. أسئلة ما بعد الحداثة المتأثرة بـ (الوجود والزمن) عند (هيدجر)، و(مفهوم الخطاب) عند (فوكو)، و(شذرات النص) عند (دريدا). تحدث (شهريار) عن أن (ممدوح رزق) يبحث طوال الوقت عن ثغرات العالم، وأن الذات الساردة في كثير من قصصه هجومية .. عنيفة .. ساخرة لكنها لا تنبع من قسوة أخلاقية، وإنما من إدراك عميق لعبثية العالم بوصفه مسخرة لا تحكمها قواعد سببية .. الذات المكرهة على الوجود، والتي تعرف أن كل شيء هو عبث، وبلا روابط منطقية؛ فتحل المتاهة (الخيوط المتشابكة، والمعقدة التي لا تؤدي لبعضها بالضرورة) محل البناء السردي الممنهج .. يسخر الكاتب من المقولات الكبرى، ومن الترتيب المنطقي للعالم؛ فوجه (مجدي وهبة) لحظة قتله في فيلم (حنفي الأبهة) يحيلك إلى وجه (سلفادور دالي) في قصة Facebook .. يطرح (ممدوح رزق) دوال عائمة تحاوطها هالة من الغموض فيعطي لكل قاريء فرصته في التأويل، وفي الربط بين الفقرات حيث الاستراتيجية التي يتبعها هي التفكيك، والهدم، وبناء علاقات غير منطقية .. فقرات تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، ولكن تصل بينها علاقة تفكيكية ساخرة للوجوه، والبشر داخل عالم عبثي لا تحكمه روابط .. في هذه القصة ـ كما ذكر (عمر شهريار) ـ تجاوز لأفكار التشيّوء، والأنسنة، والانمساخ الكافكاوي نحو اعتبار العالم مجرد موجودات تهدم مركزية الإنسان. تناول الناقد كذلك تشكيل المشهدية في المجموعة، وكيفية تحويل تاريخ العلاقات الإنسانية التي كان هناك حرص على تثبيت زمنها إلى قصاصات ممزقة في ألبوم عند (جامع القمامة) الذي يبتسم أثناء تصفح ذلك المتحف، وهي ابتسامة (ممدوح رزق) نفسه الذي يمارس ذلك العبث، واللعب بخلخلة السلطة، والهامش، ويعشق العلاقات غير المنطقية، ويستمتع بالتجريب، وبتدمير مفهوم القصة بمعناها التقليدي، وبتجاوز الكتابة السائدة عن مواقع التواصل الاجتماعي حيث استفاد (ممدوح رزق) من بنية الوعي الجمالي الجديد لتلك المواقع بعيداً عن المحاكاة المعتادة.
جريدة (النهار) الكويتية
23/04/2014

الأربعاء، 21 ديسمبر 2016

كيف خلقت الموتى (1)


ربما كنت في ذلك الوقت مازلت أقرأ مجلات (ميكي)، و(سمير)، و(ماجد)، و(مجلتي)، و(العربي الصغير)، وقصص (المغامرون الخمسة)، و(المغامرون الثلاثة)، و(الشياطين الـ 13)، ولم أكن قد بدأت بعد في قراءة (روايات مصرية للجيب) .. ربما كنت قد كتبت قصة، أو قصتين، أو ربما لم أكن قد بدأت في الكتابة أصلاً حينما تعوّدت على التمدد في سريري، أو الوقوف في منتصف الصالة وسط حجرات البيت، محدقاً في الفراغ الثقيل، الممتد، والمتجمّد داخل كآبتها بأقصى ما يمكن أن يصل إليه حزن، وخوف طفل .. كنت أقول لنفسي بيقين لا يمكن للشك اختراقه بأن شيئاً كبيراً، وحاسماً سيحدث، ويضع نهاية للأمر، وأنني ذات يوم سأكتب رواية أحكي فيها كل ما جرى لنا .. لم أفكر أبداً في احتمال أن هذا الشيء الكبير، الحاسم قد يكون الموت .. الموت كان بعيداً جداً، أشاهده في التليفزيون ككذبة مسلية، وأسمع عنه كحقيقة مروّضة بأذنين آمنتين .. ربما يدل على ذلك الكليشيه الذي استعرته كإسم للرواية من قاموس العاطفة، والحكمة الذي يحرّك خطواتي الصغيرة: (نبض الأمل) .. الطفل لابد له أن يضع التمسّك بالعدالة الفردوسية للمستقبل، وعدم الاستسلام لليأس كتعريفٍ نقيٍ للعالم مهما كان فائضاً بالآلام، والشرور غير المحتملة .. كنت متأكداً من أن حياة أسرتي لا يجب أن تستمر بتلك الوتيرة البشعة، المتصاعدة من الصراع، والعنف، والخصامات الصلبة، وأن الزمن يدخر الحد اللازم، الذي سيوقف المأساة .. لكنه ليس منقذاً بالضرورة .. حد ضبابي، غامض تماماً، يسبح فيما بين الضوء الشاحب، والعتمة الكاملة، ولا يمكن بالطبع تصنيفه خيراً، أو شراً لكنني كنت واثقاً من حتميته .. كنت أفكر ـ وهو ما نويت شرحه في الرواية التي سأحكي فيها كل ما جرى لنا ـ في أن كل فرد من أسرتي يمتلك تصوره الخاص عن (الأمل)، أي الوصول إلى دنيا أكثر جمالاً، ومثالية، وأن هذا الاختلاف هو المسؤول عن زراعة الضغائن، وإشعال الصدامات، ضد إرادة النوايا الطيبة، التي هي الأساس المخبوء، الكامن في أعماق الجميع .. كنت غائباً للغاية، ومسجوناً برعبٍ متوسّل للقدر داخل الحدة المهينة للصخب المتواصل من الشجارات العامة، ولم أكن منتبهاً على الإطلاق إلى الغرابة الشخصية لوضعي الأسري، الذي لم أعثر ـ حتى الآن ـ على شبيه له .. حينما جئت إلى الحياة كان والديّ في الأربعينيات، ويفصلني عن أكبر إخوتي سبعة عشر عاماً، وعن أقربهم لي خمسة عشر سنة .. كأن أسرة عجوزا قررت أو حصلت دون قصد على شاهدٍ يختزن لحظاتها الأخيرة .. سجل توثيق بشري يجتمع فيه خلاصة تاريخ لم يعش سوى أقل فترة منه، وأصبح الآن على وشك الانتهاء .. كإنني بهذه الكيفية، وعلى نحو أدق لم أجيء إلى الحياة، وإنما إلى الموت .. كأن كل ما كنت أراه، وأسمعه من حولي كان ينتمي إلى بشر لا يخاطبون الحياة بل يمهدون عبورهم إلى الموت .. دائماً أقول أنني شاركت أهلي وداعهم للعالم أكثر مما شاركتهم العالم نفسه .. بالفعل لم يُخذل المنطق، وبدأت أعيش الموت فعلياً قبل أن أُكمل العشرين من العمر .. بالطبع ذلك لم يكن دليلاً كافياً على سلامة التوقع الذي تكفلت أعمار أسرتي بتكوينه؛ إذ أن بشراً كثيرين يشهدون موت أفراد من أسرهم في سنٍ أصغر، إنما ما كان دليلاً حقاً ليس على سلامة التوقع، بل على ألوهيته هو أن الموت لم يتوقف عن التعاقب، السريع بعد المرة الأولى لعمله .. مات أخي الأكبر، وبعده بأربع سنوات ماتت جدتي، وبعدها بسنة واحدة ماتت أمي، وبعدها بثلاث سنوات مات أبي، وبعده بتسع سنوات مات أخي الآخر .. ألوهية المنطق لابد لها أحياناً أن تتسم بشيء من روح الدعابة؛ فالموت لم يأخذ أحداً من أصحاب الأعمار الكبيرة أولاً، وإنما افتتح مسيرته بشاب في الثلاثينيات .. كأنه كان يخبرني بأن الطريق التقليدي الذي سيقطعه داخل البيت الذي وُلدت فيه ينبغي أن يشهد خطوة مفاجئة، حيث لا تذهب تلك الجائزة الهزلية المرعبة إلا لناسٍ مثلنا، يستحقون إثارة إضافية على الفناء .. الوعي المتزايد بذلك الترتيب، وتفاصيله، ونتائجه سيكون لها الأثر الأكبر في تحويل (نبض الأمل) إلى (خلق الموتى).

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

صدمة الجسد .. رواية الصدمة

لايزال الحديث حول الجنس، يسبب لنا صدمة أولية بمجرد وروده، وهذا ناتج عن تقاليدنا، وتربيتنا الدينية المحصنة التي لا تتفق مع قضية الإفراط في التعبير الجنسي والغرائزي، ولكن هذا لم يمنع بعض الكتابات الحديثة والفنون الحديثة أن تتعرض لقضايا من هذا النوع، أما في مرحلة ما بعد الحداثة، فقد اتسعت المسألة بشكل غير مسبوق، ومناقشة قضية الجنس بأوسع معانيها، سيكون هدف هذه الرواية، لذلك جعلها الكاتب على هيئة بوح مباشر يتكلم فيه صديقه بطل النص المريض النفسي عن نفسه، أو بوح يطرحه البطل أمام طبيبه النفسي، وعلى الرغم من نزوع النص لتفسير العالم من خلال الجنس بالدرجة الأولى، إلا أننا يمكننا أن نستخلص أهدافاً أخرى عديدة توازى هذا التوجه الأساسي.
وعلى سبيل المثال يطرح هذا النص الروح المصرية، ويتعمد أن يتتبعها من خلال أدق تفاصيلها، وملامحها التي ترتبط بتراث مصر، وبحضارتها، وبتاريخها الثقافي شديد الخصوصية. ومنذ السطر الأول، ندخل إلى البيت المصري التقليدي وبخاصة في المناطق الشعبية القديمة بقيمه وأخلاقياته، وبفكر أبنائه، البيت المصري، بمجموعة خصوصياته وأخلاقياته المشهورة، وأخلاق الناس دائمًا هى شكل من أشكال الوعي الإنساني، ومنظومة القيم والمبادئ التي تحرك الأشخاص يمكن أن تتطور حتى تصبح مرجعية ثقافية للشعب، متضمنة صفات البشر ونزوعاتهم وطباعهم وبرغم من أنها معان باطنية إلا أنها لقوتها تنتشر بين الناس وتصبح عرفًا بقوة أشبه بقوة القوانين، وتمثل نبعاً، يستقي منه الناس أساليب المعاملة ـ وأصول العلاقات التي ترضى الضمير، وتصبح بمثابة بيان للمعايير المثالية لأفكار الشعب، يهتم الناس بمراعاتها ويعطونها كل الاحترام والإعجابَ والتقدير.
علي الرغم من أن هناك توجهات فكرية وأيديولوجية تؤكد علي أن هناك أزمة ضربت المجتمع المصري، وضربت منظومات قيمه الاجتماعية والأخلاقية، بفعل عوامل ومتغيرات عالمية من ناحية، ومحلية من ناحية أخرى، سببت حدوث ما يشبه المحنة، وسببت هذا التراجع الأخلاقي الذي بدأ يتغلغل في الكيان المصري في المرحلة الأخيرة، وبدأت تتفشى صور من الفوضى والعنف والعدوانية، عرفها الشارع المصري طويلاً في الفترة الأخيرة.
ويرسم الكاتب لوحات كاريكاتورية جسدية لأفراد البيت المصري، أو الأسرة المصرية، وهى دقيقة على الرغم من أنها مستخلصة من حديث بطل النص المريض نفسياً، نتعرف على الأم التقليدية مثلاً أو المرأة المصرية التقليدية، في أدق ملامحها الجسدية: «ثديا أمي كانا ثديَي أمٍ تقليدية في أواخر الأربعينيات؛ ضخمين، ومترهلين، بحلمتين كبيرتين، تشبهان نصفَي إصبعين سمينين، ويبرزان بقوة من عينين واسعتين، لونهما بني غامق .. ثديان عريضان، أقرب إلى مستطيلين يتدليان بالطول، ويبدو عليهما جمال الامتلاء المتماسك الذي أصبح ماضياً".
وهناك وصف للأب المصرى في أحد نماذجه التي رسمها قلم الكاتب بجدارة على لسان بطل النص صاحب الحالة النفسية: «أبي كان يحمل المواصفات الجسمانية لمارد إفريقي باستثناء أنه كان قصيرًا .. سمار، وملامح غليظة، ونظرة نارية محتقنة، شرسة، تحوّل من يواجهها إلى فريسة مستسلمة فورًا .. رأس أصلع، وجسد ممتليء، قوي، جلده سميك، وعضلاته متكتلة .. كان أكولاً، عاشقاً لـ«الشعراوي»، و«السادات»، و«الخطيب»، و«الكحلاوي»، و«نعيمة عاكف» و«وردة»، والبيض المسلوق .. لا تفوته ركعة، ولا ينقطع عن المسجد، أو عن قراءة المصحف كل ليلة على كنبة الصالة قبل النوم .. عنيف الملامح، والقول، والطباع .. يتكلم كأداة ضبط أخلاقي، لا تخطيء أبداً ذاكرتها في فتح الصفحة المناسبة من القرآن، والسنة لاستدعاء الاستشهاد الصحيح .. قيل أنه كان يشرب لبن الحمير وهو طفل، وقيل أنه كان يلعب ملاكمة في شبابه، لكن المؤكد أنه كان من أولئك الذين يتعاملون مع الطعام كديانة تشغل ترتيباً متقدماً في قائمة المقدسات، وأنه لم يشرب الدخان، ولا القهوة، والمؤكد أيضًا أن له أصول إفريقية ـ سودانية ربما ـ قادرة على تبرير شهوته الجنسية المشتعلة دائماً، التي أورثها لي: «تعرف يا دكتور.. لما كنت أراه بالفانلة الحمّالات، مع المواصفات التي قلتها لحضرتك بالإضافة إلى شعر صدره الكثيف، الخشن، ويا سلام مع العرق، ورائحته كنت تحس فعلاً أنه واحد من السود ذوي الأعضاء الضخمة".
ويتواصل رسم شخصية الأب المصري، فيشبهه بالممثل «عدلي كاسب» في فيلم «المراهقات» حينما كان جالساً مثل الوحش، بالفانلة الحمّالات على السُفرة، ويأكل، ويسكر، ويزعق، ويقفّش في «عزيزة حلمي»، ثم نهض ليفترس ابنه «جلال عيسى»، ويتركه محطماً، ليعود بعد ذلك متطوحاً، ولاهثاً إلى السفرة ليُكمل طعامه وسكره»، إنها صورة شبيهة بالأب بشكل أو بآخر لكن أبي بطل النص لم يكن يسكر، ولم يكن يقفّش في الأم أمام الأولاد، وكانت له اهتمام آخر هو الحرص الشديد على الصلاة ، فيجبر ابنه – بطل النص – على الصلاة معه جماعة داخل حجرته، ليشبع رغبته القديمة حينما كان يحلم أن يكون إمام جامع، كان يحافظ على السنة، والفرض، والتسبيح، والدعاء بصوته الثقيل، الخانق، الممتزج برائحة قدميه الكريهة والتفتيش الدائم الدقيق على ابنه هل أدى الصلاة أم لم يؤدها؟.
د. أمجد ريان
موقع (الممر)
5 فبراير 2016
جزء من دراسة بعنوان «الجنسانية وحقول المعرفة في الرواية» ـ رواية «الفشل في النوم مع السيدة نون» لـلكاتب ممدوح رزق «نموذجاً» الصادرة عن دار الحضارة ـ وتصدر الدراسة قريبًا.

الانتقام من الطمأنينة

في حوار معه عن رواية (الفشل في النوم مع السيدة نون)، ورداً على سؤال عن ما وراء إصراره على أن تكون تفاصيل (السيدة نون)، و(الروائي الشاب الذي مات بالسرطان) واضحة إلى هذه الدرجة؛ أجاب (ممدوح رزق) بأنه في الواقع فقد تدريجياً كل شيء، ولم تعد لديه حياة كي يعيشها، ولهذا قرر تحويل الكتابة إلى حياة انتقامية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ربما لهذا وجدت نفسي أمام تحدٍ ذاتي كبير حينما قررت الكتابة عن (الفشل فى النوم مع السيدة نون) الصادرة عن الحضارة للنشر. دائماً ما توقفت أمام نصوص (ممدوح رزق) وأعدت قراءتها مراراً لدرجة الضياع في كل شيء: الصراخ، والاحتجاج، والتمرد، وغياب الحدود، والسخرية من التابوهات. ثم كانت هذه الرواية التي يضعنا بلا حذر أمام عنوانها الصادم. الفشل في النوم مع شاعرة معروفة هو تتويج لإخفاقات الماضي التي كانت مخيلته هي مسرحها الحقيقي، وفي داخلها تكونت ما يشبه ملامح لما يسمى (أزمته النفسية) التي حاولت الرواية أن تثبتها، وتتهكم عليها في نفس الوقت.
لا يقتصر (الفشل) على الجانب الجنسي بل يشمل تقدير الذات داخل ما يُطلق عليه (الوسط الثقافي) حيث تبدو الرواية أقرب إلى السيرة الذاتية أو الاعترافات التطهرية، بنيتها الأساسية ترتكز على عالم التحليل النفسي من خلال حوار ممتد بين (مريض) و(طبيب) قد يكون أي شخص آخر يعمل في مهنة أخرى كما أوضحت لنا عناوين الفصول.(منذ عشرة أعوام تقريباً .. مرتان، أو ثلاثة كل سنة؛ أسمع، وأقرأ هذه الكلمات بصيغ مختلفة: "أنت مختلف .. لا أحد يكتب مثلك .. نصوصك تجعل من كتابات الآخرين متشابهة، بينما تقف وحدك في منطقة لا يصل إليها غيرك، الفرق بينك، وبينهم أنهم قريبون دوماً من أماكن التصوير، بل مقيمين فيها، بينما أنت بعيد" .. أسمعها من قرّاء بالصدفة على مقهى، أو في ندوة، أو داخل مكتبة، وأقرأها عبر رسائل البريد الإلكتروني، وبريد "الفيس بوك"، وتعليقات المواقع، والمنتديات التي أنشر بها .. أحياناً تأتيني بنبرة إدانة تصل حد الذهول، والغيظ لكوني "بعيد" .. كل ما أشعر أحياناً أنه ينقصني، وأنني في أشد الاحتياج إليه يختفي، ويضيع تماماً في هاتين المرتين، أو الثلاثة من كل سنة .. كل شيء عدا تلك الكلمات يصير خائباً، ورخيصاً، وتافهاً .. أشكركم كثيراً .. أنا أعرف جيداً أن معكم كل الحق).
(الفشل في النوم مع السيدة نون) رواية إيروتيكية يعتمد سردها على التشبيك المتقن للعوالم المختلفة باستخدام طريقة التداعي الحر الذي يؤرخ للتطور الجنسي للمريض بداية من طفولته المشبعة بالصراعات والهموم الأوديبية ثم مرحلة الاستمناء وصولاً إلى فشله في جذب (السيدة نون) إليه. يشرح المريض كيفية عدم ظهوره بالشكل اللائق أمام الشاعرة التي طلبت لقائه الأمر الذي قتل احتمال أن يقيم علاقة جنسية معها. يتحدث في وصف لقاءهما عن نظراتها التي كانت تشفق عليه، وتستنكر طبيعته، وشخصيته المهزوزة، وخجله المبالغ، وبلاهته الواضحة: "أنا أستحق هذا فعلاً يا دكتور، ولا أستحق غير ذلك. زوجتي أيضاً تستحقه لأنها تزوجتني". الزوجة ـ كان مرورها عابراً وباهتاً ـ لم تضع حداً لأزمته رغم قبولها الزواج به مما يجعلنا نتساءل عن مدى سلطتها في حياة الراوي مقارنة بسلطة الأم مثلاً، وكذلك بسلطة (السيدة نون).
لا تقتصر هوامش الطبيب على تفسير (الحالة المرضية) بل نجد معظمها تأملات فكرية وثقافية متنوعة وتناول للوحات (ادموند بلير ليتون) مع توظيف (للديكاميرون) (لجيوفاني بوكاشيو)، و(دلتا فينوس) (لأناييس نن).
يظهر (ممدوح رزق) في الرواية بصفته ككاتب حيث أشار إليه (المريض) باعتباره صديقاً له، وهذا ما سمح بوجود تساؤلات وشكوك عديدة حول التطابق بين شخصية الكاتب وبين المريض والطبيب حيث ساهمت اليوميات والمقتطفات المتضمنة من كتابات سابقة لـ (ممدوح رزق) داخل الرواية من الإحساس بالالتباس وبأن هناك خدع مترابطة، ينطوي عليها كل ما يحدث.(هذه الرواية محاولة تعويض عن جميع الستاتسات الساخرة، الذكية، الصادمة، المثيرة للإعجاب، التي لم أكتبها خاصة كتعقيب على الأحداث السياسية، والتي التزمت خلال حدوثها بالصمت لأنها حقاً لم تكن تعنيني مهما كانت أهميتها، وخطورتها عند أغلب الناس .. اللحظات التي لم أكن أريد التحدث عنها، وخشيت لو فعلت أن يبدو كلامي ثقيل الدم، سخيفاً، ميئوس من قدرته على مجاراة ما يقوله الآخرون .. كنت ألتزم الصمت ـ ويشهد سقف حجرتي على هذا ـ مراقباً بحسرة كيف يكتسب اللزجون شعبية محمومة، ومتزايدة نتيجة التحليل، والتعليق، والألش على الأحداث .. تخيلوا ـ عليكم اللعنة ـ أن يكون هذا من ضمن أهداف الرواية)!!!.
إن ما يظهر لنا طوال الوقت هو أن الرواية سيرة ذاتية تحاول التخلص من كوابيس متراكمة لعل أبرزها موضوع المركزية القاهرية، الذي ربما تتم مقاومته بواسطة دمج الخيالات بالواقع في سياق هازيء:(في 24 / 8 / 2013 نشر موقع الحوار المتمدن هذا الخبر:
العثور على نص مسرحي داخل اعتصام رابعة يتخيل حكم المسيحيين لمصر
"
كشف المقدم " فريد عبد العزيز " من وحدة مكافحة الشغب، وأحد المشاركين في فض اعتصام رابعة العدوية أن قوات الشرطة عثرت أثناء تمشيط منطقة الاعتصام على كيس بلاستيكي أسود، بداخله مجموعة من الأوراق تبين أنها عبارة عن نص مسرحي يتناول حكم المسيحيين لمصر .. قال المقدم أن المسرحية تتحدث عن مجموعة من القساوسة تأتيهم معونة من أمريكا، واسرائيل يبنون بها حماماً عمومياً مخصصاً للرجال، والنساء من الأقباط فقط، ثم يعيّنون شيخا أزهريا للإشراف على الحمام، وحفظ الأمن به .. كما جاء في النص فإن القساوسة أصدروا أوامرهم للشيخ بأن عمله لا يقتصر على منع دخول المسيحيين من باب المسيحييات، أو العكس، وإنما الحرص أيضاً على عدم اختلاط أصوات قضاء الحاجة الصادرة من الرجال والنساء، وذلك بإصدار أصوات تشويش كالكح، والتصفيق، والزغرطة، ودب الأرض بالقدمين، وهو ما حرص الشيخ الأزهري على تنفيذه .. هذا، ولم يُعرف حتى الآن إذا ما كان هذا النص قد تم تنفيذه فعلا أثناء فترة الاعتصام، أم أنه ظل على الورق فقط".
أنا الذي اخترعت هذا الخبر، وأنا الذي نشرته، وأنا الذي استمتعت بتعليقات، وردود أفعال كل الذين صدّقوه).
يمزج السرد بين العقلانية والتهكم، مع استخدام لغة عفوية تناسب حالة (الفضفضة) ولكنها ذات وعي منتهك، يحرم الأجساد من قدسيتها خاصة تلك التي كانت أدوات تعذيب في الطفولة ثم تحولت في الرواية إلى أدوات للعب الفصامي:" قد تكون أنت غير موجود يادكتور .. ربما تشعر أيضاً أنك تتوهم حضورى .. ليس هناك ترابط يمكن أن يصل بأى منا إلى التأكد من أن الآخر أمامه فى هذة اللحظة".(الفشل في النوم مع السيدة نون) رواية لا تنتقم من الهزائم بل على العكس أراها تحاول الانتقام من الطمأنينة التي تجعلنا نتأرجح مع بطلها بين اليأس والحكمة واللامبالاة. الانتقام من راحة النفس المتوهمة في الأقنعة والحقائق والاحتمالات، وفي تصديق الرغبات سواء تحققت أو لم تتحقق: "أن الامنيات لا تتحقق إلا لحظة خسارتها، خصوصا لو كانت ضد فرديتك، وأن تحويلها إلى لغة هى فخر التصديق وخيبة الأمل، واستخدام الحياة بوصفها سكرتيرة حسناء للخيال، وتجيد اللعب له".
تيــسـير النجــار
أخبار الأدب
31/1/2015

الكتابة في غرفة المرايا

لا أظنه من السهل عليّ الآن، أو سيكون سهلاً على آخرين غيري، الكتابة عن رواية ممدوح رزق، الفشل في النوم مع السيدة نون، والصادرة مؤخراً عن الحضارة للنشر، ليس فقط لأن أرض السرد هنا وعرة أحياناً وزلقة للغاية أحياناً أخرى، وليس فقط لأنها كتابة تكشف نفسها بنفسها، ليس لديها أسرار أو شفرات أو دلالات تتنظر في خفر كالعذارى أن يتم فضها وتأويلها وإعادة تأويلها، وربما أيضاً لمقدار السخرية والتهكم الذي خصّ به الروائي كل محاولة مفترضة في المستقبل للكتابة عن الرواية مستبقاً الأحداث والنوايا والاجتهادات بشجاعةٍ ورعونة تميزت بهما الرواية من البداية للنهاية
إننا أمام ضفيرة سردية من خيطين متواترين، يشغلان حيز السرد بالتناوب فيما بينهما، أولهما فصول مرقّمة من 1 وحتى 15، وفيه نستمع إلى اعترافات حميمة وفضفضة مطلقة العنان من مريض نفسي، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى على الأقل، موجهة إلى طبيبه النفسي، في حالة من التداعي شبه الحر، والمقيّد أيضاً بموضوع أساسي واحد وهو التطوّر الجنسي لهذا الشخص منذ أن كان طفلاً يلعب مع ابنتي خاله في البلكونة وحتى لحظة ممارسته الاستمناء للمرة الأولى، بالتوازي مع هوسه بسيدة شاعرة، هي السيدة نون بالطبع، ورغبته في النوم معها وعدم توفيقه في ذلك على طول الخط، لأسباب معقدة تجمع بين عناصر نفسية واجتماعية وثقافية مختلفة. الخيط الثاني في هذه الجديلة السردية والذي يبدأ مباشرةً من بعد الفصل الأول هو هوامش الطبيب النفسي، الذي ربما يكون أي شيء آخر – حسب عناوين تلك الهوامش – سوى أن يكون مجرد طبيب، فقد يكون طفلا يلعب أو صائغاً من البصرة أو صاحب مقهى باريسي في الثلاثينيات إلى آخر جملة الاحتمالات العجائبية التي لا يبخل بها العمل. وفي تلك الهوامش لا نرقب فقط – كما هو متوقّع – تعليقات وآراء الخاصة حول حالته تلك وحول ما يفضي به هذا المهووس المصاب بالتوتر والهلع والقلق، بقدر ما نجد أنفسنا أيضاً أمام خليط من التأملات الفكرية والثقافية، حول العديد من الأشياء والمنتجات الفنية، وخصوصاً لوحات التصوير الزيتي التي تنتمي للعصور الوسطى، ولهذا سبب خاص ستكشف عنه الرواية مع صفحاتها الأخيرة
فإذا كان السرد ينشط في الفصول المرقمة نابشاً في وعي ولا وعي بطلنا، متتبعاً محطات وعيه الجنسي الذي تباطأ طويلاً وتخبّط كثيراً، ومتتبعاً كذلك حكايته العبثية تماماً مع السيدة نون، رمز النجاح والتحقق الأدبي بالنسبة له، ولعلّ للنوم معها علاقة بهذا التحقق، تلك الحكاية التي يدور أغلبها في ذهن صاحبنا ولا يقع منها فعلياً إلا مشاهد معدودة لا تؤهل لكل تلك الحمولة النفسية التي ألقى بها عليها صاحبنا المشوّش الذهن. ثم تأتي الهوامش من جانبها لتهيم في تأملات عابثة، تبدو أحياناً على درجة هائلة من العمق والرصانة والمعقولية، وأحياناً أخرى تميل للتهكم والخفة واللعب والسخرية من كل شيء
ممدوح رزق الكاتب والروائي حاضر في العمل، باسمه وببعض عناوين أعماله السابقة ومقتطفات من كتاباته، بما يوحي أحياناً أنه هو نفسه صاحبنا من تتحدث عنه الرواية، وأحياناً كأنه الأذن الكبيرة – أذن طبيب نفسي أو روائي من مواليد 1977 ربما – التي تنصت للفيض الخاص بصاحبنا، وسرعان ما يظهر في الفصل الأخير بوصفه صديق البطل القاص الذي يلخّص له حكايته مع السيدة نون وصاحبها المتوفى بالسرطان في باريس، كاتباً إياها في حكاية مستمدة من مصدرين معاً، هما إحدى حكايات الديكاميرون وقصة المدرسة الداخلية لأناييس نن
بالطبع ثمّة إيحاء بكتابة ذاتية، على طريقة زمن التسعينيات الجميل، الكاتب يلهو بنفسه، يهرش قروحه ودمامله حتى يفقعها متلذذاً. ولكن هناك أيضاً سخرية عارمة وتفكيك منظّم الأداء لهذا الاتجاه في الكتابة، لا يقتصر فقط على تمويه الحكاية في غرفة المرايا التي أشرنا إليها سابقاً ( من يكتب مَن؟ ) ولكن أيضاً من خلال التكسير النظري لأوهام الذات والتاريخ والذكريات، ولعلّ الفكرة الأوضح في هذا الإطار هي تناول الرواي لفكرة الجمال، ما النموذج الخاص بكلٍ منا للجمال؟ وكيف يتشكل ومتى؟ ومن أي عناصر أولية؟ "الجمال هواجس متغيّرة يا دكتور؛ قد تضطرك أحياناً لتصديقها كيقينيات ثابتة حتى تحصل على أدوات مناسبة لهدم أوهامها، ومبالغاتها..." ثم في نهاية الفقرة ذاتها: "لا وجود لشيء اسمه الجمال يا دكتور."
بدرجةٍ ما قد نشعر أننا أمام محاكاة ساخرة لفكرة الكتابة الذاتية أو النفسية التي تعتمد أدوات التحليل النفسي والاستبطان والتداعي الحر آليات عمل أساسية لها، حتى ولو أبدلت هذه المحاكاة قناعها الضاحك فجأة في غفلةٍ منا لتضع قناعها الباكي بسرعة، منزلقة دون تمهيد إلى حالة عاطفية من الرثاء للذات والتأسّي، بل النوستالجيا أحياناً، رغم العمل المخلص على تفكيك ذلك كله ونزع أغطيته وأوهامه. كل ذلك لا ينفي نبرة العدمية الواضحة التي تلف الكتابة ككل، وعدم الاستعداد للتسليم إلى شيء أو مقولة واحدة منتهية يمكن الانطلاق منها أو البناء عليها. كل شيء خفيف وهش مثل سحابات صيف عابرة أو غزل البنات، كل شيء مادة صالحة للتهكم والضحك ولو كان هذا ما اعتدنا على تسميته بمشكلاتنا النفسية. "صرتُ كفيفاً منذ اللحظة التي أيقنتُ فيها بأنه لا يوجد فهم، ولا حل ناجح... تحت السماء ليس هناك فرق بين عماء وعماء آخر، وليس هناك من يصل أبداً في الوقت المناسب."
من كلامنا هنا ربما يبدو العمل أقرب إلى بوفيه مفتوح فيه كل ما لذّ وطاب من عناصر سردية وفكرية، ولعلّ هذا مكمن آخر من مكامن صعوبة التحدّث أو الكتابة عن رواية مشحونة بأبعاد ثقافية وإحالات أدبية وفنية، رواية تتأمل ذاتها وعناصرها بينما تتقدّم في سرد حكايتها، هذا السرد الذي لم تقل متعته وطرافته حتى الصفحات الأخيرة. وبينما تمضي في تأمل ذاتها تقر الرواية بفشل مسبق لأي محاولة من جانبنا في التعرّف على أي عمل أدبي أو فني، وربما أيضاً في التعرّف على الإنسان، أي إنسان، من خلال اللغة والحكي والبوح، رغم أنف أوهام التحليل النفسي بمدارسه. فكأن كل معرفة تظل ابنة الماضي، وبالتالي هي معرفة ميتة، تاريخ مجمّد بين غلافين، يدحضها نهر الزمن الذي يتغيّر ويتحوّل كل لحظة بلا ثبات
في حرصها على حالة البوح والفضفضة استعانت الرواية بلغة سهلة تجمع في شجاعة بين صيغ الفصحى والعامية وتخلطهما في كل جملة وعبارة دون اعتبار كبير لقواعد، ولا أدري إن كان عدم الاعتناء بحالة اللغة عموماً في الرواية – من حيث الإملاء والقواعد وخلافه – أمراً مقصوداً لذاته أم مجرد أخطاء من التي تملأ أغلب الكتب في الوقت الراهن. ومع ذلك نستطيع أن نلمس حرصاً جميلاً على نحت بلاغة خاصة بالرواية، فالممارسات الجنسية على سبيل المثال لا تظهر كموضوع خارجي يتم تناوله من خلال تجربة صاحبنا ذلك، بقدر ما يتم الاستعانة بها كرافد من روافد اللغة والبلاغة الخاصة بالنص "تلميذان في إعدادي يمسكان صورة سكس داخل مخزن قطارات، ويسيران داخله، ونظرتهما لا تنزاح عنها .. يبدو لي في هذه اللحظة أن مخزن القطارات قد تحوّل – خاصة عند النظر إليه من فوق – إلى قضيب هائل، وأنني، وزميلي قطرتي سائل منوي متواريتين، تذهبان وتعودان بداخله بفرح وخوف وارتباك...."
هل الكتابة مجرد فعل استمناء؟ هل الفشل في النوم مع السيدة نون هو مجرد وجه من وجوه الفشل في التحقق من خلال فعل الكتابة وممارسة الفن على العموم؟ هل مازال ذلك الحائط قائماً ما بين العيش على الورق والحياة الفكرية من جانب والتورّط في معمعمة الواقع من جانب آخر؟ تلك مجرد عينة على أسئلة أخرى عديدة تستطيع قراءة هذه الرواية أن تستثيرها وتلعب معها وتراوغها، دون أن تفقد حكايتها لذتها وخفة روحها.
محمد عبد النبي
جريدة (مسرحنا)
العدد 371
 1/9/2014 

الأحد، 18 ديسمبر 2016

قطعة اليوسفي

دخلت إليه فضبطته في لحظة الضعف القصوى .. كان منحنيًا ليستعيد قطعة اليوسفي التي سقطت من يده على الأرض .. اعتدل ثم نظر في عينيها .. آخر ما كان يريده الآن هو أن يضع القطعة في فمه .. لكنه كان مجبرًا على هذا .. لم يكن يرغب في أن تظل قطعة اليوسفي مرئية لها، وهذا ما منعه أيضًا من إلقاءها في سلة القمامة .. اضطر بأصابع مقهورة لإخفاءها بين شفتيه .. كانت القطعة الأخيرة وهو ما جعل المشهد أكثر سوءً .. هناك أمر بائس ومهين في سقوط قطعة على الأرض من شيء كنت تأكله لاسيما لو كانت الأخيرة .. دون حتى أن يراك أحد، ودون أن تنحني لاستعادتها .. حتى لو مازلت تمتلك تلالا من اليوسفي، وتستطيع ببساطة أن تمد يدك لتتناول واحدة أخرى للتغطية على ما حدث .. الأمر لن ينجح .. سيظل سقوط القطعة الأخيرة هو الجرح الذي لن يمكن إغلاقه .. اكتشف حينها أنه مجبر كذلك على مضع قطعة اليوسفي وابتلاعها .. كان وجودها في فمه سيبقيها واضحة .. انتقل القهر إلى خده الأيسر وهو يتأمل مراقبتها لحركة المضغ على سطح وجهه قبل أن يبتلع القطعة بإحساس أنها تعبر إلى جوفه كاملة تمامًا .. أنه كان يمضغ الفراغ .. سألها غاضبًا:
ـ هل هناك مشكلة؟
ـ كلا ولكنني أريد أن أحضر طبقًا.
ـ ولماذا تقفين هكذا إذن؟
ـ لأنك تمنعني من الوصول إلى خزانة الأطباق.
ـ ولماذا لم تطلبي مني الابتعاد قليلا عن طريقك؟
ـ لأنك ظللت تنظر لي كأنما تريد أن تقول شيئًا.
ـ أم أنه كان هناك شيء يستحق الفرجة جعلك تنتظرين؟
ـ أي شيء؟
ـ إسألي نفسك.
ـ ماذا بك؟
كان لسؤالها نبرة عصبية مفاجئة .. هكذا تبدأ شجاراتهم العنيفة منذ خمسة عشر عامًا .. كان يفكر في هذا .. لكنه لاحظ أيضًا للمرة الأولى وهو ينظر في عينيها كأن غضبه غير المفهوم يثير شهوتها .. ظل صامتًا .. ترك الانطباع العدائي فوق ملامحه ليحاول من ورائه التأكد .. مجرد ثوان قليلة، يعرف أنها تبدو غريبة ومستفزة بالنسبة لها، لكنه أدرك في نهايتها أنه محق .. ربما لو أخبرها بأن دخولها المطبخ في هذه اللحظة، ورؤيته وهو يلتقط قطعة اليوسفي الأخيرة التي سقطت على الأرض فإن مسحة الشبق التي تكسو وجهها ستتبدد فورًا .. تساءل بداخله: هل كان بوسعه أن يجنبهما فصولا كثيرة من جحيم الماضي لو احتفظ بغضبه مبهمًا؟ .. كان يمكن للحسرة الخافتة التي نشبت في استفهامه المكتوم أن تتصاعد لولا أنه قرر بعفوية عاجلة أن ذلك كان مستحيلا .. تحرك إلى الجهة الأخرى من المطبخ مبعدًا عينيه عن وجهها وهي تتقدم نحو خزانة الأطباق بخطوات حادة .. كانت ماتزال تنظر إليه .. ارتاح لفكرة أن يخرج من المطبخ دون كلمة أزيد .. ليس لديه ما يقدر أن يقوله لها، أما هي فستفسر عدم إجابته بأنه يختبر حالة مألوفة من الاضطراب المزاجي، ليست قابلة الآن لتطور معتاد .. أضاء في ذهنه فور خروجه إلى الردهة تصوّر بأنه لو كان كان ناجحًا في التمسّك بالغموض فإن هذا ربما كان سيمنحهما بالضرورة لقاءات أفضل في السرير أو في أي بقعة أخرى داخل البيت .. عادت الحسرة إلى قلبه أكثر ثقلا وإرباكا .. خطر في نفسه أيضًا أنها لم تقرر أخذ الطبق من الخزانة إلا عندما شاهدته منحنيًا لاستعادة قطعة اليوسفي التي سقطت من يده على الأرض .. ربما كانت تريد أن تخبره بشيء ما حينما دخلت المطبخ ولكنها لم تفعل بعد أن رأته في تلك الصورة .. فجأة سمع نغمة استقبال هاتفه لرسالة .. توجه إلى الصالة وفتحها:
(الرب قريب لمن يدعو له
ابعت رسالة ل 8937
ب 30 قرش واعرف عظات الكتاب المقدس).
حسنًا .. لن تفوّت شركة المحمول انفجار الكنيسة البطرسية أمس، والجنازة الجماعية اليوم دون أن تأخذ نصيبها .. فكر في أن الانتحاري الذي نشروا صورته اليوم أو أيًا يكن من قتل المسيحيات ربما يكون له علاقة ما بشركة المحمول .. ربما لكل شركة جيش سري من الانتحاريين وزارعي القنابل ومفخخي السيارات .. أعاد الهاتف إلى الطاولة في اللحظة التي خرجت خلالها زوجته من المطبخ وهي تحمل الطبق بين يديها .. كان طبقًا خاليًا، وكانت تحمله بحرص شديد كأنما يوجد في داخله شيء ثمين غير مرئي .. وضعته ببطء فوق الطاولة وجلست أمامه .. راحت تنظر إليه في سكوت تام وبملامح جامدة .. دقق النظر في الطبق .. تأكد من أنه فارغ كليًا، ومع ذلك أرجع عجزه عن رؤية ما يحتويه لمشكلة أزلية في بصره لم يتمكن أبدًا من فهمها .. ماذا لو أن زوجته تنتظر ظهور شيء مجهول داخل الطبق؟ .. تحجر الاحتمال في رأسه دون أثر خارجي .. بدا أنها لن ترد على أي استفسار .. لم تكن لديه الجرأة لأن يسألها .. كانت طفلتهما تجلس أمام التليفزيون ممسكة بكراستها وبجانبها علبة الألوان، تحاول أن ترسم قردًا مبتسمًا يلعب بكرة .. كان التليفزيون يعرض فيلمًا وثائقيًا .. جلس بجوار الطفلة .. كانت قد انتهت تقريبًا من رسم قرد صغير، وعلى وشك أن تبدأ في رسم الكرة .. كان صوت التليفزيون مكتومًا، وهذا كان أفضل حالاً بالنسبة له .. شيء ما جعله يتخلى عن الرغبة في سماع الكلمات والموسيقى المصاحبة للفيلم .. انتهت الطفلة من رسم الكرة بينما ظهر على الشاشة عجائز كثيرون يجلسون عند ضفتي نهر ممتد وواسع في الليل، وتحت أضواء شاحبة يقصون أظافرهم لتسقط في الماء .. أخرجت الطفلة القلم البني وبدأت في تلوين القرد .. تظهر أعداد هائلة من أولاد وبنات في العاشرة من العمر أو أزيد قليلا، يندفعون بمرح نحو العجائز الجالسين عند ضفتي النهر .. سمع الطفلة تسأله عن اللون المناسب لتلوين الكرة .. شاهد الأولاد والبنات يغرزون أظافرهم الطويلة في عيون العجائز من الخلف بقوة وهم يضحكون .. نظر إلى القرد المرسوم .. كان قد أصبح بنيًا تمامًا، أما الكرة فقد كانت ما تزال مجرد دائرة خالية، مرفوعة في الهواء .. التفت مجددًا إلى الشاشة .. كانت الدماء تسيل من عيون العجائز التي ظلت مفتوحة، مع استمرارهم في الجلوس ومواصلة تقليم أظافرهم بملامح تقاوم الألم بتجهم صامت .. كأن أظافرهم تنمو سريعًا فور تقليمها، وكأن الأظافر المقصوصة التي تسقط في النهر تنتقل بطريقة ما إلى أصابع الأولاد والبنات الواقفين خلفهم فتزيد من أطوال أظافرهم الأصلية بشكل متتابع وهم يغرزونها في العيون المفتوحة .. كانت الكرة في صفحة الرسم ما تزال مجرد دائرة فارغة، تشبه الطبق الذي لم تتوقف زوجته عن التحديق بداخله حتى هذه اللحظة .. كان يبدو أن ضحكات الأولاد والبنات تزداد ابتهاجًا وهم يتبادلون الوقوف وراء العجائز وغرز أظافرهم في العيون التي كثرت الدماء المتدفقة منها .. شعر أنه مشهد بلا نهاية .. نهض من جوار الطفلة .. سألته ثانية عن لون الكرة؟ .. كان سؤالا صعبًا للغاية بالنسبة له .. لم يتكلم، ولكنه شعر بأنه يعرف جيدًا ما يفعله .. لم يكن يدرك اللون المناسب للكرة، ولكنه في نفس الوقت كان يعلم أنه بهذا الانعدام لمعرفة اللون يؤدي واجبًا رومانسيًا تجاه حياته .. أنه يعطي دون تعمد النبرة الأكثر تسامحًا لمرور الزمن في وعيه .. وقف أمام الطبق المستقر على الطاولة .. تمنى لو كانت طفلتهما نائمة الآن ليتمكن من مضاجعة زوجته .. لكنه كان يحس على نحو مشوّش بأن جسديهما عاريين، ومتلاحمين بالفعل في هذه اللحظة من خلال الطبق الثابت أمام عينيها .. شعر بأن شيئًا ثقيلا يندفع من جوفه نحو فمه .. تقيأ قطعة اليوسفي فوق الطبق .. خرجت كاملة من بين شفتيه .. كان جسمه يرتعش، والطفلة ـ رغم ذلك ـ تلح بدلع نافذ الصبر:
(سيغضب القرد إن لم ألوّن كرته).
تحولت شاشة التليفزيون إلى ستار أسود تمامًا .. ربما كان الفيلم لا يزال مستمرًا ورائه .. التقط قطعة اليوسفي وأعاد ابتلاعها كاملة بينما نهضت زوجته نحو المطبخ بنفس السكوت التام والملامح الجامدة لتغسل الطبق وتعيده إلى الخزانة.
اللوحة لـ (بابلو بيكاسو).

السبت، 17 ديسمبر 2016

جزء من رواية (إثر حادث أليم)

بعد هذه الليلة بأيام قليلة كرر أبي نفس التهديد ـ كأن اللعبة أعجبته ـ ولكن هذه المرة في حجرته، وعلى سريره، وأمام البلكونة المفتوحة، وتحت المصباح الكبير الساطع داخل طبق الإضاءة الأحمر في السقف .. كنت أشاهد فيلم (الوزير جاي) في الصالة حينما سمعت ارتفاع نبرة الفزع في نداء أمي له، فأسرعت إلى حجرتهما بنفس الرعب الذي لم يكن قد تحول إلى ماضٍ بعد .. ظللت أنادي على أبي كأنني أقف على حافة هوة غامضة أراقب سقوطه وضياعه في ظلامها بينما كانت أمي تحاول إفاقته بالربت على خديه .. فتح أبي عينيه بتثاقل أقل إجادة من  المرة الأولى، وربما هذا ما جعلني أغادر الحجرة على الفور، وأعود للجلوس أمام التليفزيون ومتابعة الفيلم .. كان (لطفي عبد الحميد) أمامي على الشاشة يقول لـ (وحيد سيف): (دي موهبة قديمة عندي قوي يا فندم، ظهرت أعراضها عليا من وأنا طفل، تأثرًا بوالدي الله يرحمه) .. رغم قوة الشك في أن أبي قد توصّل إلى حيلة جديدة لتعذيبنا بادعاء الموت إلا أن تعبير (والدي الله يرحمه) أصبح بديلاً لدقات قلبي .. لم يعد ما أراه مجرد تمثيل، بل حوّله الخوف اليائس في روحي إلى علامة دامغة لحقيقة صارت قريبة جدًا فجأة .. ظللت أتأمل بدموع مكتومة وجه (لطفي عبد الحميد) محاولاً اكتشاف كيف يصبح الإنسان بعد أن يموت والده .. كأنني أعاين الشخص الذي أوشك أن أكونه، متخيلاً المرارة الفادحة لتلك الكلمات في فمي حين يأتي موعد التفوّه بها، وكيف يمكنني التعوّد على مذاقها بمرور الزمن حتى أصل إلى مثل هذه اللحظة التي أكون قادرًا خلالها على نطقها مبتسمًا بهذه الصورة العفوية، التي تجعلها مشابهة لأي كلمات أخرى: (والدي الله يرحمه).

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

محمود الورداني يكتب عن (بعد كل إغماءة ناقصة): الموت إذن لا يدعو للخوف

لا أظن ان هذه الفورة التي يشهدها الانتاج الأدبي في مصر الآن مفاجئة, أو انها نبتت وأينعت واثمرت فجأة ونحن نيام مثلا, بل هي ثمرة عدة سنوات, ربما منذ بدايات الألفية الجديدة وإذا كنت لا أميل ولا أصدق ان هناك جيلا أدبيا من الممكن ان يظهر كل عشر سنوات, حسب التقسيم الشائع وغير العلمي, الا انني اود ان اؤكد ان الدماء الجديدة التي تتدفق الآن في عروق الانتاج الأدبي لشباب الكتاب ينبغي قراءتها جيدا والتعريف بها وآثارة النقاش حولها.
والسطور التالية تتخذ من كتاب “بعد كل اغماءة ناقصة” لممدوح رزق والتي صدرت اخيرا عن دار المحروسة نموذجا لمحاولة فهم او حتي الاقتراب من انتاج الكتاب الجدد, غني عن الذكر انني لست مؤهلا كناقد, وكل ما أكتبه مجرد محاولة للفهم, أو مشاركة لكاتب, لا تنظير اذن وليس هذا إقلالا من شأن التنظير بل احتراما للتنظير في حقيقة الأمر.
وقد أتيح لي قبل قراءة نصوص ممدوح رزق المشار اليها ان اقرأ بعض الأعمال التي فاتني ان اقرأها من قبل علي الرغم من انها صدرت في العام الماضي مثل “بجوار رجل أعرفه” لمحمد فتحي المجموعة القصصية الصادرة عن دار ميريت ورواية إنسان ماقبل الديمقراطية الصادرة عن دار ملامح لإسلام محمود ورواية “كيريا لسون” الصادرة عن الدار لهاني عبدالمريد ورواية “أني احدثك لتري” لمني برنس والصادرة عن ميريت وبعد أن يخرج الأمير للصيد وهي متتالية قصصية لمحمد عبد النبي صادرة عن دار ميريت ايضا, وغيرها من الأعمال القصصية والروائية, الا أن ما ذكرته من عناوين ليس عشوائيا تماما فأغلبها اعمال تخطف الروح حقا, وتشير إلي ان الدماء الجديدة التي تتدفق في عروق الأدب المصري سوف تؤدي إلي ازدهار لن نلبث ان نراه متجسدا في أعمال جديدة, خصوصا ان قصيدة النثر العامية والفصحي بل وبعض المدونات يشكل بعضها قفزات نوعية ان كل هذا لا يمكن ان يكون ظواهر عارضة انما إرهاصات لكتابة جديدة ذات ملامح تنتظر ان يتناولها النقاد الغائبون.
علي أي حال لا تنتمي نصوص ممدوح رزق في كتابة بعد كل اغماءة ناقصة لجنس أدبي محدد, فهي نصوص مفتوحة تتحلى بأكبر قدر ممكن من الجنون, ولا يقتصر تمردها علي السائد من التقاليد الكتابية والأخلاقية, بل يتجاوز ذلك إلى التمرد علي “الأشكال” المستقرة.
غير ان رزق لا يهمه ان يحطم الشكل السائد فقط, انما يهمه ايضا ان يؤكد ان تلك الأشكال (اي قصة او رواية او متتالية. الخ) ليست اصناما علينا ان نسبح بحمدها!
وفي الوقت نفسه تستفيد هذه النصوص المفتوحة من كل الأجناس والأهم انها قادرة أيضا علي الاستفادة من الفنون غير الكتابية مثل السينما والفن التشكيلي.
من المهم ان اؤكد ان تلك النصوص ليست “خواطر” او تهويمات في سديم غامض, وهي ليست ايضا كتابة عبر نوعية, انها كتابة مفتوحة علي كل الاحتمالات وعن أهمية الانفجار تسعي للقطيعة مع ما سبق, وتحتفظ مع ذلك بوشائج مع أفضل التقاليد الكتابية المصرية, اي مع ذلك النهر المتدفق من الكتابة المكتشفة والمتمردة دوما.
يلقي الموت بظلاله علي أغلب النصوص علي سبيل المثال لكن الموت لديه لا يدعو للأسي ولا يستوجب الصراخ, بل يجري تأمله علي نحو بارد يحتفظ بمسافة كافية بين الراوي وبين الموت, ففي نص “دروع بشرية لحراسة الغيب”.
يقوم الراوي بسرد حياة كاملة للأم والأب علي مدي خمسة وعشرين عاما تنتهي بزهايمر يأخذ الأب إلي القبر, وانسداد في الامعاء يأخذ الأم إلي قبر مجاور بينما يظل الابن هو الكارثة الكبري في حياتهما لانه كان متكاسلا عن الصلاة والمذاكرة ولم يقل لهما قولا كريما.
لاصراخ ولا أسي, بل عداء واضح واستبعاد لأي قدر من العاطفية او الغنائية, وهو ما أدي في الوقت نفسه إلي استبعاد البلاغة التقليدية والتوشية والانسياق وراء الاعيب اللغة الفارغة, انه يسرد حياة كاملة تخلو من اي دفء لأسرة مصرية لا تملك القدرة علي السعادة ولا يحتاج من اجل ذلك الا الي عدد محدود جدا من السطور.
وفي النص الذي افتتح به كتابه “آدم وحواء” ينهيه قائلا: أعرف رجلا وامرأة سيموتان بالتأكيد قبل أن يتوقفا ذات يوم فجأةعن كل شيء ويخرجان معا من بيتهما لينظرا في عيون العابرين بالشوارع لأسباب وراثية ايضا ويقولان لهم: (العالم محزن جدا) ثم يصمتان ولا يخبرانهم بشيء ابدا مهما سألوهما عن السبب أعرف رجلا وامرأة سيموتان بالتأكيد.
الموت إذن لا يدعو للخوف, بل ينبغي احتقاره ببرود علي الرغم من ان (العالم محزن جدا) وعلي الرغم ايضا من ان الحياة ذاتها ميتة, والجنس يتم ممارسته علي نحو شبه آلي في نص “بقدرة أعمي يكفي فقط ان أذكر عناوين بعض النصوص ما لا يلزم الحفار في مهمته (حفار القبور) اكثر من طريق إلي مدافن الأسرة, صديقتنا الميتة (الحياة) لكل ميت رومانسيته ما يمكن ان يأخذه الموت في الاعتبار, وهكذا نجد الموت هاجسا مخيما وملقيا بظلاله علي أغلب النصوص.
وفي النهاية, القارئ امام نصوص مقتحمة جريئة تحتفل بالجنون والتمرد, لكنها لا تسقط في ماوي العدمية. وتسهم مع نصوص اخري يكتبها شباب الكتاب في صياغة بلاغة جديدة, بلاغة المشهد وزاوية الالتقاط والخيال المختلف. 
الأهرام المسائى 
19 / 10 / 2009