الجمعة، 13 يوليو 2018

الأسماك الميتة

كان في الحوض سمكات كثيرة، لا أتذكر عددها بدقة، وكانت تموت بوتيرة متلاحقة .. لم يكن الفرق بين موت سمكة وأخرى يتجاوز أيامًا قليلة .. أحيانًا ثلاثة، وأحيانًا خمسة، وأحيانًا أسبوع كامل في أفضل الأحوال .. كان الأمر محزنًا بالتأكيد؛ فعلى الرغم من بذلنا للجهود الممكنة من أجل رعاية هذه الأسماك والحفاظ عليها، ودون تقصير في الالتزام بالتعليمات والنصائح كافة، إلا أننا ظللنا عاجزين عن إيقاف الموت داخل ذلك الصندوق الزجاجي .. لكن الحزن رغم قوته البديهية لم يمنعنا من اللعب بهذا الموت .. كنا نتراهن على أي سمكة سيأتي الدور على خروجها كجثة ضئيلة ملونة من الحوض كي تُدفن داخل الأصيص الذي أصبح مقبرة طينية مخصصة لذلك فوق سور البلكونة .. كان الدفن دليلًا متوقعًا على احترامنا لهذه الكائنات الصغيرة، وبالطبع على شعورنا بالأسى جرّاء فقدانهم؛ إذ لم نكن من نوعية البشر الذين يلقون بأسماكهم الميتة في بالوعة المرحاض أو سلة القمامة ..  كانت اللعبة مسلية حقًا نظرًا لصعوبتها البالغة؛ فالسمكة التي على وشك الموت لا تبدو عليها أية أعراض مرضية بل على العكس تظهر بصورة طبيعية ونشطة للغاية إلى أن تصيبها فجأة علامات الاحتضار المتسارعة قبل أن ترقد هامدة تمامًا في قاع الحوض، وكان هذا يضاعف استفزازنا، ويعزز متعتنا .. في النهاية تبقت سمكة واحدة .. سمكة واحدة ظلت تعوم وحدها في الحوض وتنظر إلينا .. تنظر إلينا كأنها تعرف .. كان في عينيها المحدقتين ما هو أكثر من توسل لأن نفعل شيئًا استثنائيًا مبهمًا لا يخرجها من الماء ويذهب بها إلى أصيص الطين .. كنا نظن أن اللعبة قد انتهت، ولكننا أدركنا أن ثمة ختامًا آخر لها .. أصبح كل منا يتسلل بعيدًا عن الآخرين كي يقف أمام السمكة ويتأملها وحده .. ذلك الاختلاس الفردي لمراقبة لحظات ما قبل الهلاك كان الجزء الأخير من اللعبة .. بعد موت السمكة ودفنها كان من المنطقي أن نقرر بشكل حاسم عدم التفكير في تربية الأسماك مرة أخرى .. لا شك أنه من المؤلم أن تتمسك طفلتي الحزينة ـ رغم استمرار نفينا القاطع ـ بتصديق احتمال أن ينبت من طين الأصيص زرع تثمر غصونه الأسماك الميتة، بنفس ألوانها، وقد استردت الحياة مرة أخرى، الأمر الذي يستوجب حينئذ انتزاعها فورًا لإعادتها إلى الحوض المهجور .. ربما الأكثر ألمًا أنني وزوجتي منذ موت السمكة الأخيرة نحرص على سقي الطين كل يوم.
موقع "قاب قوسين" ـ 10 يوليو 2018
الصورة لـ Roberto Pireddu

الخميس، 5 يوليو 2018

الشخص الذي ينظر إليك

بدءًا من الغد أريدك أن تستمع إلى الموسيقى منذ الصباح الباكر .. إن لم تكن موسيقى ناعمة فاستمع إلى موسيقى الجاز، وإن لم يكن من ذاكرة اللابتوب فمن إحدى محطات الإنترنت ولتكن Jazz Radio أو Jazz 24 أو 1.FM .. الموسيقى الكلاسيكية ستكون في نهاية الأسبوع، وسيشتمل الوقت المخصص لها على تنويعات مشبعة .. أريدك أن تتناول إفطارك فوق هذا العشب، بين هذه الزهور، وأمام هذا البحر .. بعد أن تنتهي طفلتك من اللعب مع الطيور والفراشات والغيوم؛ أريدك أن تجلس معها، وبرفقة قطتكما الصغيرة تحت هذه الشجرة كي تملأ بالونات الحوار للقصة المصورة التي رسمتها، وجعلتك أنت وهي والقطة تشاركون بطوط والأولاد وعم دهب في مغامرة بحرية تشبه تلك التي كانوا يخوضونها أيام الثمانينيات .. في المساء، وبعد أن تشاهد فيلمًا من الكلاسيكيات الملائكية؛ أريدك أن تستقل مع صديقيك هذه السيارة المماثلة لتلك التي كانت لدى لوريل وهاردي في مسلسلهما الكارتوني، وأن تتوجهوا لمراقبة البيت القديم الذي تعلمون أن أعضاء جماعة سرية يجتمعون فيه، ويمارسون طقوسًا سحرية مخيفة، وأنهم سلالة لأتباع عقيدة غامضة ظهرت منذ قرون، ويستعملون مخطوطات ووثائقًا عتيقة عن عوالم سرية مختبئة تحت بيوت وشوارع المدينة، تقود إلى خارج الزمن .. سيكون هناك مطر، وظلام، وإضاءة خافتة، وسيتمكن راديو السيارة من التقاط الموجات الأثيرية التي يتواصلون من خلالها مع أقرانهم في أماكن أخرى، وستنصتون إلى خططهم وتحركاتهم داخل المدينة، وسيكون لديكم في السيارة ما يُناسب هذه الرحلة من كتب، وأوراق، وصور، وخرائط، ودفاتر ملاحظات، ولابتوب متصل بالإنترنت، وهواتف محمولة، وطعام، وشراب .. أريدك أن تصدّق أن صديقيك لن يفعلا شيئًا يفسد الأمر .. أرجوك .. توقف عن تعريف البيت بأنه مجرد ممر إلى الشرفة .. أنت في الأربعين الآن، ولم يعد هناك وقت .. غادر هذه الشرفة التي قضيت كل حياتك فيها تراقب الناس، وتتقمص شخصياتهم التي تتخيلها، ثم تلوّح بالوداع لوجوههم بعفوية تزيد قوتها أو تنقص بحسب مستوى الألم الذي تتصوّر أنك قادر على استعماله .. سينتهي بك الأمر لأن تكون مثل جارك العجوز الذي يمضي معظم الوقت في الشرفة المقابلة .. لم يعد يراقب، ولم يعد يتقمص، وإنما أصبح يكتفي بتقليد مشي العابرين .. يردد كلماتهم وانفعالاتهم التي تصل إليه، ولكنه مازال يلوّح بالوداع لوجوههم فور وصولهم إلى نهاية الشارع تاركين ألمًا مضاعفًا غير صالح للاستخدام .. أعلم أن الموسيقى أصبحت من أكثر الأشياء التي تثقل يأسك مثلما تفعل الأفلام الملائكية، وأنه لا يوجد عشب أو زهور أو بحر أو طيور أو فراشات أو غيوم أو قطة أو شجرة، وأنك قتلت طفلتك قبل أن تحاول رسم القصة المصورة، وأنه ليس هناك صديقين ولا سيارة ولا جماعة سرية .. لكن ألا ترى؟ .. أصبح الناس هم الذين يراقبون العجوز الذي لم يعد يتذكر عن ابنته التي صارت شبحًا سوى أنها صاحبة اليدين اللتين تنتزعانه من الشرفة نحو الداخل لإنقاذه من ضحكاتهم.
صحيفة "المثقف" العراقية ـ 3 يوليو 2018
اللوحة: مرمم شباك الصيد / لؤي كيالي. 

السبت، 30 يونيو 2018

الرقص كبصيرة نصّية

إذا كان من المفترض التفكير في ماهية الأداءات الراقصة التي تؤديها "باليرينا" نسرين البخشونجي عبر نصوص مجموعتها الجديدة الصادرة عن شمس للنشر والإعلام؛ فإن مقاربة المشاهد الناجمة عن هذه الأداءات لا يفترض أن تبقى عالقة داخل إدراك ثابت بل يجدر بهذه المقاربة الوعي بالاختلاف بين هذه الأداءات، والوصول إلى نوع من الحدس تجاه تعارضاتها المخبوءة.
تبدو حركة الرقص في مجموعة "باليرينا" كأنها حفر مقتضب للكلمات في الفراغ؛ حيث أن ما يشكّل الانفعال والتناغم للإيقاع هو التثبيت المتتابع والمحسوب لمفردات اللغة، وهو ما يساهم بالضرورة في تجاوز صورها المباشرة .. كلمة كـ "النقاء" مثلا التي يعنون بها النص الأول في المجموعة سنجد أن المفردات القليلة التي تمثل الحصيلة اللغوية لهذا النص بمثابة امتداد متجانس لهذه الكلمة، والذي يبدو كتأكيد على فكرة تكوّنها عناصر أساسية "الروح ـ العشق ـ البدر ـ النور ـ الاصطفاء" .. لكنه الأداء الذي يُضمر بشكل عفوي نوعًا من الرجاء في الامتلاك الكامل لهذا "النقاء" .. في محو تمنّعه، وإزالة الضجيج المراوغ الذي يحاصره .. في استبدال مجازه الكامن داخل الحركة الراقصة للباليرينا بحيازته المستحقة، التي تُعادل "الاصطفاء" .. كأنه شكل من الثأر الضمني تجاه العداوات المتراكمة لهذا "النقاء"، والذي يبدو في احتياج إلى التحفيز بواسطة الإيقاعات المنسجمة حتى يكشف عما لا يبدو واضحًا في سياقاته التخيلية؛ أي أن يصير واقعًا حسيًا غير مهدد .. سنلاحظ هنا أن الكتابة تخطط لما يمكن أن نسميه المورفولوجيا الملائكية التي تميّز الشكل التقليدي للباليرينا؛ إذ أن ثمة بنية للأداء الراقص يكوّنها على سبيل المثال: "البياض ـ الشفافية ـ النصوع ـ الخفة" .. في علاقة هذه السمات ببعضها، وفي صلة كل منها بالكل؛ فإنها تسعى لتشكيل أجسام استبصارية لا تتوقف عند توثيق "الملائكية"، بل تستدعي أيضًا هوامشها المحتجبة، وإنتاج رموز لعذاباتها السرية.
يتكوّن نص "باليرينا" من إثني عشر مقطعًا يبدأ كل منها بـ "ذات يوم" .. نحن أمام استشراف إذن يأخذ طبيعة الحلم المتسم بالخفة الوردية للباليرينا التي يشبه فستانها المنفوش زهرة اللوتس .. هذا التمني النبوئي يعادل الرجاء الذي أشرت إليه باعتباره دليلا على (عدم الامتلاك) الذي يكافح لاستبدال المجاز (الأداءات اللغوية الراقصة) بالرقص الفعلي للباليرينا الحقيقية التي تخطو داخل القصيدة نحو حافتها .. هو طموح حينما يستبدل المجاز سيستبدل الواقع بالتالي؛ لذا فهي رغبة لإكساب الخيال وجودًا شاملًا، استنادًا على ما كان في الماضي مجازًا للواقع .. بهذه الطريقة تصبح حركة الرقص أسلوبًا للمقاومة، ليس ضد الحقيقة التي تنتمي إليها الكلمات المستخدمة في بلاغة الإيقاع فحسب، وإنما ضد عدمها أيضًا .. كأن هذه المقاومة هي محاولة لإعطاء تصوّر إيحائي للحقيقة البديلة المنتظرة؛ الأمر الذي يمكن أن يساعدها على التجسّد في الزمن ـ أو خارجه على نحو استثنائي ـ وفقًا للحلم اللغوي لهذه الحقيقة .. الحلم الذي ينسجه التانجو، وقوس قزح، والشمس، والمرآة، والحكايات.
"ذات يوم...
سأبدو كقديسة
بهالة بيضاء فوق الرأس
وسأطفو فوق
الظلام
كريشة".
بهذا لا يتم تثبيت الماضي بواسطة الإيقاع الراقص لكلمات الباليرينا فقط، وإنما يقوم كذلك بالتفاوض مع غموضه .. استنطاق هذا الماضي .. إعادة ترتيبه .. تعديله دون حسم ليتلاءم مع المقاومة .. كي لا يكون المصير الحتمي هو النسيان حقًا بعد انكسار الذات كطاحونة هواء ظلت تمنح فصولًا من روحها للعابرين .. لإعطاء الروح المتعبة التي تحمل صليبها أينما تذهب فضاءًا من الاحتمالات الملتبسة التي يمكنها أن تتحالف دون استبعاد أي منها .. الاحتمالات التي تقفز بين الكواكب، وتنتظر قدوم الظلام، وتصنع فقاعات ملونة .. التي تتواطأ في تمردها على نفسها لصالح إبهام يحلّق فوق الندم الذي أيقن أنها لا سبيل للعودة، ولا مجال للالتفات.
"بعد مائة عام
ستجدونني
ربما حرفًا بقصيدة منسية
أو ركنًا بعيدًا على وشك الانهيار...
وستجدونني
تاريخًا مكتوبًا،
بركن صورة ضوئية...
لم ولن تُطبع".
حينما نفكر في هذا التاريخ المكتوب بركن صورة ضوئية لم ولن تُطبع فنحن نواجه تساؤلًا جعلته الباليرينا عن طريق هذا الأداء الراقص ملغّمًا سلفًا؛ أي يكشف عن سعيه لمعالجة ثغراته بواسطة الرقص الذي تمارسه الكلمات المقتضبة .. عن محاولاته لتخطي المعرفة التي تجهّز خرافاتها المنطقية من أجله .. لذا فالتاريخ يشير إلى الأسباب الاستفهامية لطمسه عبر استرسال الباليرينا في حركتها اللغوية: مشانق الحزن .. السكين المكسور الذي يمسح الدموع .. اللعنة السيزيفية التي نقرأها هنا:
"تكبلني الأعشاب،
تسحبني لأعمق نقطة في قاع الحزن...
أطفو...
ألتقط نفسًا عميقًا...
أشاهد زرقة السماء
وأنا أنزلق مجددًا...
نحو الظلام.
أبعث من جديد،
كفرع نبات
جافًا هشًا.
أتنفس من جديد،
وأعاود الكرّة".
تطرح نسرين البخشونجي في هذه المجموعة ما يشبه إيتيقيا للأمل الذي تحمله الباليرينا؛ أي أنها تقدم إطارًا للمجاهدة التي تقوم بها هذه الباليرينا من خلال إيقاعاتها (كسلوك تخييلي)، لتشييد رجائها الأخلاقي الخاص عن السعادة .. الرجاء القائم على الفعل الشخصي الذي يجابه الأخلاقيات الاستباقية .. تفكير هذه الباليرينا في إمكانياتها، في ما تستطيع أن تقوم به مقابل الضرورات التي على استعداد دائم لقمعها .. في الاستجابة الأخلاقية الموازية للقدر، التي ربما تنبعث من وراء الجحيم.
جريدة (أخبار الأدب) ـ 1 يونيو 2018

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

القضيب الأبوي


تذكرت بينما أتصنت عليه هو وصديقه من وراء باب حجرة الصالون أنني بلا أصدقاء .. عندي شخص واحد أقول أنه صديقي في حين أنني أفرض صداقتي عليه في حقيقة الأمر .. ابني العاطل لديه أصدقاء كثيرون، وكان هذا سببًا وجيهًا للانتقام منه .. أقصد معاقبته .. تهذيبه وإصلاحه بمعنى أصح .. عمومًا لم أكن أحتاج لبذل جهد كبير .. كان يكفي حينما أراه سائرًا في الشارع مع أصدقائه أو واقفًا معهم تحت البلكونة أو يجلس بصحبتهم في حجرة الصالون أو يكلّم أحدهم في التليفون؛ كان يكفي أن أقول له بعد ذلك كلمة واحدة : (انت دلدول) .. خمسة حروف سحرية كافية لإحراقه تمامًا وإبقائه مشتعلًا مهما حاول إطفاء نفسه .. ربنا عرفوه بالعقل: كيف يمكن لشخص أن يكون لديه كل هذا الكم من الأصدقاء ويأخذون أغلب وقته هكذا دون أن تضيع شخصيته بينهم؟ .. دون أن يأتمر بأمرهم ويسير على هواهم؟ .. أولًا هو واحد وهم كثرة، ثانيًا كلما نادى عليه أحد من تحت ينزل ليقف معه .. كلما اتصل به أحد يرد عليه .. كلما جاءه أحد يستقبله .. لا يقول (لا) أبدًا فكيف لا يكون (دلدولًا)؟ .. كان لقب (الذيل) كبيرًا عليه لذا فهو لم يستحق سوى هذه الصفة التصغيرية، مع العلم أنني أتحدث فقط عن الشكل الخارجي لعلاقته بأصدقائه، ومدى خضوعه لهم، والله أعلم بالتأكيد في أي شيء يطيعهم أكثر من ذلك .. متعة كبيرة أن ترى وجهه بعد أن يسمعها مني: (انت دلدول) .. إحساس رائع باللذة وأنت تتأمله وهو يكتم غيظه بصعوبة مانعًا نفسه من القيام برد فعل يعيد رتق كرامته التي مزقتها وبعثرتها بسهولة كلمة واحدة .. متعة كبيرة وإحساس رائع باللذة لك أو لأي أحد آخر وليس بالنسبة لي .. لا شيء يمكنه أن ينقذني .. لا يوجد في العالم ما يمكنه معالجة أن يتهرب منك صديق ويرسل لك وأنت واقف على بابه من يكذب عليك ويخبرك بأنه غير موجود في حين أنك كنت تسمع صوته بوضوح تام قبل أن ترن الجرس .. لا شيء يقدر على تخفيف مرارة أن تظل تذهب كل يوم إلى صديقك الذي يتهرب منك حتى يرضى أن يقابلك في النهاية فتبتسم في وجهه بسعادة وامتنان وتستفسر بود كبير عن أحواله دون أن ترغب حتى في سؤاله عن السبب الذي يجعله ينكر وجوده كلما جئت إليه حتى لا يتضايق أو يغضب منك .. متعة كبيرة وإحساس رائع باللذة لك أو لأي أحد آخر وليس بالنسبة لي .. مهانة ابني العاطل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفرحني.
https://drive.google.com/file/d/0B5D3ftm9yo4AWUQ0ZmxJRDBaLWc/view

الأحد، 24 يونيو 2018

متى تعلن عن شبحيتك؟

Cairo, March 2012. Credit: Bieke Depoorter/Magnum Photos
حدث بالفعل أنني استوقفت تاكسيًا ذات يوم، ونظرًا لوجود صبي صغير في المقعد الأمامي تبين لي فيما بعد أنه ابن السائق فإنني جلست في الكنبة الخلفية .. بعد لحظات من التحرّك سألني السائق عن الاتجاه الصحيح المؤدي للمكان الذي أرغب في الذهاب إليه متعللًا بجهله للتغيرات التي طرأت على المسارات القديمة للشوارع حيث أنه عائد منذ وقت بسيط من سفر غيّبه عن المدينة سنوات طويلة .. هنأته على سلامة العودة ثم طمأنته على صواب الاتجاه الذي قصده، وقبل الانعطاف نحو شارع جانبي؛ ابتسم السائق موجّهًا حديثه إلى الصبي لينبهه إلى اقتراب عبورنا أمام الاستوديو الذي سبق أن التُقطت لهما فيه صورة مع أمه حين كان طفلًا .. تبددت الابتسامة من وجه السائق وهو يمر بنا أمام مساحة ترابية فارغة إلا من بعض مخلفات الهدم المتناثرة، وحينما استفهم الصبي عن مكان الاستوديو أشار إلى هذه البقعة مجيبًا بخيبة أمل بأنه كان موجودًا هنا، ولكن من الواضح أنه تم هدمه .. بعد تجاوز هذه القطعة من الخلاء المُحبط سأل الأب ابنه إذا كان لا يزال يحتفظ بهذه الصورة فرد عليه الصبي بالإيجاب ثم طلب منه أبوه أن يحرص عليها جيدًا كي لا تضيع، وبعد أن هز الصبي رأسه بالموافقة وصل بي التاكسي إلى حيث أريد فغادرته وظللت واقفًا أراقبه حتى اختفى.
هذا يعني أن كل ما سبق العبارة الأخيرة في قصة "ثغرات الخلود" من مجموعتي "مكان جيد لسلحفاة محنطة" قد تم في الواقع حقًا: "مشيت ويدي المرتعشة تتحسس جيبي لتتأكد من وجود الصورة في مكانها".
لنتخيل كتابة أخرى لهذه القصة يكشف فيها السارد عن تماثله مع الصبي الصغير في اللحظة التي يتحدث خلالها السائق عن الصورة القديمة التي تجمعهما مع الأم .. أن يفكر السارد في وجود صورة اُلتُقطت له أيضًا مع أبويه في أحد الاستديوهات حينما كان طفلًا .. هذا الكشف المبكر عن التماثل بين السارد والصبي سوف يحتجز القصة داخل حدود واقعيتها حتى مع الإعلان عن وجود الصورة في جيب السارد في نهاية القصة .. سيظل السائق وابنه والسارد شخصيات فعلية مستقلة عن بعضها، كما أن الصورة ستظل صورة حقًا بدرجة ما رغم الغرابة المحتملة لوجودها في جيب السارد في تلك اللحظة، وهو ما سيمكن تفسيره بالإحكام القهري للحرص عليها من الضياع .. لكن عدم كشف السارد عن نفسه إلا في نهاية القصة، والإعلان عن أنه كان حاضرًا في حكاية اللقطة الفوتوغرافية، والاستوديو الذي تم هدمه، وضرورة الحفاظ على هذه الصورة سيجعل القصة تتجاوز التماثل بين الصبي والسارد إلى تطابقهما .. سيكون الصبي والسارد شخصية واحدة، كأن السارد يشاهد نفسه أثناء جلوسه في الكنبة الخلفية للتاكسي وهو يتحدث مع أبيه حينما كان صبيًا صغيرًا .. السارد لا يقول هنا: (هذا الصبي يشبهني، وهذا السائق يشبه أبي، والصورة التي يتحدثان عنها لدي مثلها)، بل يقول بواسطة الصمت الذي تتم إضاءته في نهاية القصة: (هذا الصبي أنا، وهذا السائق أبي، والصورة التي يتحدثان عنها صورتي) .. حينئذ سيتوقف السائق عن أن يكون أبًا فقط، والصبي ابنًا له، والسارد شخصية مشابهة للصبي، والصورة مجرد لقطة فوتوغرافية قديمة يمتلك الأطفال الذين تقدّم بهم الزمن خطوات كبيرة نحو الموت نسخًا مختلفة لها؛ بل سيكون السائق هو فكرة الأبوة نفسها، مثلما سيجسّد الصبي والسارد في تطابقهما فكرة البنوة التي في سبيلها لأن تكون أبوة أيضًا، كما ستصبح الصورة هي الماضي الذي لا يمكن مفارقته .. تتحوّل القصة إلى حلم عن "الخلود" الذي يمكن السخرية من استحالته باعتبار أن الحفاظ على الصور التي خلّفها الفناء ـ كأنقاض الهدم ـ هو مجرد ثغرة من ضمن ثغراته.
إذا كان من الممكن توقع أن يكون السارد الذي أخفى ارتباطه بحكاية السائق وابنه هو نفسه الصبي؛ فإن هذا التوقع سيكون منفصلًا عن وجود الصورة في جيب السارد .. كان يمكن للسارد بدلًا من أن يتحسس جيبه كي يطمئن على الصورة أن يفكر في وجودها داخل مكان آخر يخصه ويتسم بالأمان مثلًا .. ولكن الصورة أشبه بسراب غامض، يحتل الذات؛ وهذا ما يُسبب رعشة اليد عند ملامسته.
إن الكشف عن وجود الصورة في جيب السارد يعني أن هذا السارد لم يكن حاضرًا فحسب عند التقاط الصورة بين الصبي الصغير وأبويه، بل كان موجودًا من قبل، وسيمتد هذا الوجود بعد هذه اللحظة التي تحسس فيها هذا السارد جيبه ليتأكد من وجود الصورة؛ أي أنه يكمن كشبح في جميع الحكايات الأبدية للفقدان بين الآباء والأبناء .. الحكايات التي لا تعني حمايتها من الضياع أن يتحوّل الحنين إلى مجرد بديل تهكمي للخلود؛ بل الإبقاء على احتمالات أن تُفهم .. أن تُعالج .. أن يُعاد بعث هذه الحكايات على نحو مبهم دون ثغرات .. أن تُنقذ عبر تحويلها إلى لعبة قصصية كأنها خلاصها الوحيد.
يرتبط سؤال "متى تعلن عن شبحيتك؟" بسؤال الكيفية؛ أي الطريقة التي تعلن بواسطتها عن هذا الوجود الشبحي .. الأسلوب الذي تحدده اللحظة الكاشفة عن أنك كنت حاضرًا طوال الوقت من وراء صمتك الظاهري .. فكر في الحكاية الواقعية التي عثرت خلالها على نفسك داخل شخصية أخرى .. حاول أن تجعل القصة التي ستستثمر هذه الحكاية أقرب إلى الحلم المنحاز لاستفهامات الوجود والزمن، التي لا تتوقف عند الخطوط الواقعية التقليدية، وذلك عن طريق اختيار اللحظة المناسبة التي تعلن فيها عن طبيعتك كشبح مخبوء داخلها .. اجعل القصة في نهايتها بواسطة هذا الاختيار مفارقة للتوقع مهما اقتربت التكهنات من سرها.