السبت، 14 ديسمبر 2019

هل هو الكشف الأدبي الأهم في العقود الأخيرة؟: الأصل الواقعي لدكتور جيكل ومستر هايد

منذ صدورها عام 1886 نُسبت إلى رواية (الحالة الغريبة للدكتور جيكل ومستر هايد) خلفيات واقعية عديدة، وتحديداً الشخصية الحقيقية التي كانت مصدر إلهام الكاتب روبرت لويس ستيفنسون لتحويلها إلى شخصية دكتور جيكل: ديكون برودي، العضو المحترم في مجلس مدينة إدنبرة، السارق ليلاً، والذي تم القبض عليه وشنقه. يوجين شانتريل المعلم الفرنسي الذي أدين وأعدم بتهمة قتل زوجته بالسم. جون هنتر الجرّاح الاسكتنلدي الذي يُشار إلى منزله أحياناً كالبيت نفسه الذي كان لدكتور جيكل في الرواية.
لكن الدراسة التي قدم الناقد المصري ممدوح رزق عرضاً لها في محاضرة مؤخراً عن دكتور جيكل ومستر هايد تطرح أصلاً واقعياً لا يعتمد على التقارب الجزئي مثل الاحتمالات السابقة، وإنما على التماثل الشامل، أو ما يشبه المطابقة الكلية بين الرواية وقضية مقتل الطبيب جورج باركمان على يد صديقه دكتور جون ويبستر أستاذ الكيمياء بكلية الطب جامعة هارفارد في مدينة بوسطن الأمريكية عام 1849. خلفية حقيقية تتضمن كل شيء: الشخصيات وماضيها وعلاقاتها، وأداءاتها الجسدية، وكذلك الأماكن والأحداث والتصاعد الدرامي والعناصر المادية وطبيعة المجتمع.
تناقش الدراسة أيضاً في هذا الإطار كل ما تم توثيقه حول أحلام ستيفنسون عن الرواية، وعلاقة زوجته الأمريكية بمسودتها، وجميع الملابسات التي أحاطت بكتابتها عام 1885. وإذا كان هذا الاكتشاف من شأنه كما قال الناقد ممدوح رزق أن يقدم إفادات عديدة عن الكيفية التي يستلهم بها الكاتب حدثًا واقعياً لإنتاج عمل خيالي سواء بالنسبة لروبرت لويس ستيفنسون وذاكرته الإبداعية أو بشكل عام، وأيضاً حول الطريقة التي تلقي بها الرؤية الفنية ضوءاً تفسيرياً على جريمة تاريخية، أو استثمارها لتناول موضوع فلسفي أو مسألة وجودية؛ فإنه من المتوقع أن تثير الدراسة عند صدورها نقاشاً كبيراً فضلاً عن الترجمات المتوقعة خاصة أن الأمر يتعلق برواية من أكثر الكلاسيكيات العالمية شهرة.
محمد رمزي
مقال كلاود ـ 11 ديسمبر 2019

الجمعة، 13 ديسمبر 2019

أحلام اللعنة العائلية

بعد أن مات جميع أفراد أسرته بشكل متلاحق، إما فجأة، أو نتيجة أمراض غريبة، أو كختام لعذابات غير مصدّقة؛ اكتشف في جوف الأريكة القديمة ورقة الطلسم الذي تسبب في كل ما حدث .. الورقة التي كان قد خبّأها بنفسه.
* * *
كتابة بحبر ثقيل أسود ظهرت بصورة مباغتة على الجدار .. كأنها كانت تنتظر أن يصبح البيت خاليًا من الأحياء عدا هو .. وقف يقرأ الكلمات القليلة التي تبدو كأنما كتبها طفل يطارده ضيق الوقت .. كائن يُعرّف نفسه باسم غير مفهوم، مقترنًا بتخطيط بدائي لسمكة كبيرة، ومدوّن بجواره تاريخ قديم مُحدد باليوم والشهر والسنة، ثم يقول أن هذا المكان به خريطة مشيرًا بسهم طويل نحو رسم صغير لعظمة بشرية .. بعد زمن طويل من التطلّع إلى وجهه في المرآة؛ تذكر أن هذا الاسم كان واحدًا من الأسماء الغريبة المرتجلة التي تعوّد في الماضي أن يطلقها على مخلوقات مجهولة ظل يخاطبها في دعاباته السرية حينما يكون وحده داخل البيت، وأن السمكة الكبيرة سبق أن رآها في كابوس تبددت تفاصيله الأخرى كليًا من ذاكرته .. انتبه أيضًا إلى أن هذا التاريخ الملغز يسبق ميلاد أبويه، ولكنه كان متأكدًا تمامًا أن ثمة خريطة بالفعل في المكان الذي تم الترميز إليه بعظمة الإنسان .. القبر .. قبره الخاص الذي فُتح الآن.
* * *
ظل يتنقل بين بيوت أقاربه الذين مازالوا على قيد الحياة بحثًا عن السر .. يخرج مترنحًا من كل بيت، مثقلًا بحكاية جديدة لا تخدش الغموض، بل على النقيض تدعم جموده الأزلي الذي قتل أبويه وأشقائه على نحو لا يمكنه استيعابه .. كل حكاية يحصل عليها تبدو كأنما تخص بشرًا لم يعرفهم من قبل، يسردها الآخرون كذكريات تستحق الحنين والحسرة، لكنها دائمًا ما تنطوي على صمت يتخلل الكلمات دون تفسير .. صمت أشبه بالظلام المتعمّد الذي لا يمكن أن تجادله .. ورغم أن جميع الحكايات كانت تنتمي لماضٍ لم يعشه؛ إلا أن شعورًا بخوف مبهم داخله ظل يتزايد .. كان يدرك أن الصمت الرابض في كل حكاية هو الشيء الوحيد الذي يتعلق به.
* * *
حمل ألبوم الصور الذي توثق لقطاته القديمة حياة شقيقيه الميتين مع أصدقاء اختفوا منذ زمن بعيد، ونساء مجهولات في أماكن مختلفة .. راح يدور في شوارع المدينة بحثًا عن تلك الوجوه، يدخل نفس الأماكن، يسأل عن الأسماء، يُلقي بأطراف الخيوط أحيانًا بشكل لا يبدو مقصودًا نحو سائقي التاكسي الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين داخل الأحاديث العابرة، وأحيانًا يكشف الصور أمام عيون الغرباء .. كان الجميع يؤكدون له دائمًا أنهم لا يعرفون أي شيء .. كل ليلة يعود إلى البيت خائبًا ومنهكًا، وكل ليلة أيضًا يفتح الألبوم ليراقب المحو الغامض والمتزايد للوجوه التي يبحث عنها .. كان يشعر أنه في صراع غير متكافئ ضد الوقت، ليس نتيجة الطمس التدريجي للملامح الذي لا يتوقف استنادًا لفشله في العثور على أصحابها، وإنما لأنه اكتشف بطريقة لا تقبل الشك أن ما بدأ يأخذ موضع الوجوه التي تُمحى داخل الصور كانت ملامحه.
* * *
لم تحضر أي واحدة من صديقات أخته عزائها .. الصديقات اللاتي كن يأتين إلى المنزل منذ أربعين سنة، ويجلسن معها في حجرة الصالون، أو تتجوّل معهن بين المتاجر والفاترينات ثم خرجن من حياتها فجأة .. لا يتذكر عنهن سوى الشعور الطويلة، والمكياج الثقيل، والهمسات التي خبّأت الماضي بإحكام .. الهمسات التي يسمعها الآن وهو جالس وحده في الحجرة ذاتها بعد مغادرة الجميع .. لكنها ليست هي نفسها التي احتفظت بها الجدران، وأرادت أن تعيد تمريرها إلى أذنيه في هذه اللحظة .. كانت همسات جديدة .. بالرغم من أنها لم تكن مفهومة أيضًا بالنسبة له، إلا أنه كان متأكدًا من اختلافها عن الماضي .. كان يستطيع تمييز ضحكات مكتومة داخلها .. ضحكات لا تخص موت أخته، بل ترتبط بالتلصص القديم لأذنيه وراء باب حجرة الصالون .. كانت ضحكات أقرب لوعيد شخصي.
* * *
كان يعرف أن جميع من كانوا أصدقائه لهم دور فيما حدث .. جميعهم بلا استثناء .. لكنه لم يطاردهم، بل على العكس ابتعد عنهم تمامًا .. غير أنه لم يفعل ذلك إلا ليلتقي بهم في المكان والوقت الملائمين له وحده .. ليجمع الذين لا يعرفون بعضهم، والمتناثرين في أزمنة مختلفة، وكل الذين لن يستطيع إيجادهم .. كان يمكنه أن يفعل ذلك بسهولة اعتمادًا على ذاكرته الإلهية، والدفاتر والأوراق القديمة التي دوّن فيها كل ما حرص على حمايته من النسيان .. ذكريات وأسماء وسطور وكلمات متفرقة وصور .. خلق جحيمًا متنقلًا للجميع .. لكنه كلما انتهى من شرب جرعة كبيرة من الدماء استمر الشعور البدائي في تأكيد نفسه .. أن العالم لا يزال في مكانه، والكتابة لا تزال في مكانها .. هكذا يخرج مجددًا رغمًا عنه من البيت ليطارد من كانوا أصدقائه، راجيًا ألا يعثر عليهم.
* * *
اكتشف متأخرًا جدًا أن جميعهم يعرفون بعضهم .. حتى أن الفوات الفادح للأوان جعل من "التأخر" وصفًا سخيفًا وغير محتمل بالنسبة له .. كان يمكن أن تكون الإفاقة على هذا الاكتشاف أقل وحشية لو لم يكن قد أدرك أن هذه المعرفة التي تشمل الآخرين كافة تقوم على تشابك صلب من الحكايات التي كانت حياته الغافلة موضوعها الأساسي .. حياته التي وزّع أشلاءها بنفسه مضطرًا على كل من صادفهم ظنًا منه، ورجاءًا أن يُحسنوا استخدامها .. ألا يمنحوها أرواحًا شريرة من الكوابيس التي تقتلهم يومًا بعد آخر فتتحوّل إلى أشباح تتسلل إليه من الجروح المتلاحمة في جسده .. ألا يتواطؤن حول عمائه كي تتزاوج أشباحهم وتتناسل فيصبح بيته المتهالك مأوى مثاليًا لمرحها الذي لا يقدر على اصطياده .. الآن ليس عليه سوى أن يقضي اللحظات القليلة المتبقية في محاولة استرداد أشلائه .. أن يكشف عن الروح الشريرة الأصلية التي كانت تسكنها قبل أن يقوم بتوزيعها على الآخرين .. أن يجعلهم يفيقون على ذلك الشبح الذي ظل متواريًا كي يضاجع من مخبأه جميع الحكايات التي كان يعلم تمامًا أنها ستتدفق من الجروح المتلاحمة في أجسادهم.
* * *
كأن كل زائر كان يغرس ضحكة سرية جديدة أثناء جلوسه فوق الأريكة القديمة منتهزًا عدم الانتباه له قبل أن يخرج من البيت .. كأن كل الضحكات المختلفة ظلت تتعارف وتتداخل وتوطد أحلامها في جوف الأريكة عبر الزمن دون أن يشعر بها أحد .. كأنها ظلت تنبعث مجددًا إلى الخارج كهواء ملعون، يقتل تباعًا كل الذين يعيشون داخل البيت في ثبات عفوي، وأمان محكم .. حتمًا رأى الجميع النهايات المأساوية المتعاقبة لزياراتهم .. لكن؛ هل سأل أي منهم نفسه ولو مرة واحدة من يكون ذلك الذي تعمّد أن يترك هذا الشق المخبوء في الأريكة القديمة، والذي غرسوا ضحكاتهم من خلاله؟.
* * *
كان اللقاء الأول بيننا .. سألني: هل تخشى الظلام؟ .. كذبت: لا .. سألني: هل تشعر بأن هناك من يتواجد معك حينما تكون بمفردك في البيت؟ .. كذبت: لا .. سألني: هل تشعر برغبة في إلقاء نفسك من الشرفات والنوافذ العالية؟ .. كذبت: لا .. سألني: هل تستيقظ أحيانًا قبل لحظة واحدة من الغرق في بحر أو نهر معتم؟ .. كذبت: لا .. سألني: هل تشعر أن ثمة من دبّر زواج والديك قبل ميلادهما بسنوات طويلة، وأنه لا يزال على قيد الحياة؟ .. كذبت: لا .. هل تشعر أنه يسكن قبرك منذ اللحظة الأولى وحتى الآن؟ .. كذبت: لا .. قال: حسنًا .. هذا ما أنا عليه حقيقة، وكنت أتمنى العثور على أحد يشبهني .. سألته: هل تعرف شيئًا عن الخريطة التي داخل القبر؟ .. ابتسم متهكمًا كما توقعت ثم اختفى فجأة مثلما يفعل كل مرة أيضًا.
* * *
يعرف أنه أطعم السر بامرأة وطفلة صغيرة حينما أصبحتا زوجته وابنته .. أنه جعلهما تُقتلان بأكثر الأساليب غرابة، ودون احتمال للفهم .. سيكملان التاريخ الصامت إذن سواء في وجوده أو بعد فنائه .. لكنه يفكر: لماذا لا تكون المرأة والطفلة الصغيرة جزءًا من الظلام الذي سبق كل شيء؟ .. لماذا لا تكونان هوّتين متحالفتين ضمن تاريخ المصائد المحتجبة، وتكملان الحتمية الغامضة حين أتى زمنهما المؤقت؟ .. يتأمل سكوتهما، نظراتهما المختلسة لبعضهما، ملامحهما التي تتحوّل كثيرًا إلى قناع مشترك .. بالتأكيد تعرف زوجته وابنته شيئًا .. ماذا يكون غير تفسير الحكاية القديمة التي لم يتمكن أبدًا من حل لغزها.
* * *
ربما كان واحد من القتلى هو من فعل ذلك .. أحد المعذبين في العائلة هو الذي كتب ورسم  كل شيء قبل نهايته .. ربما أرادها مذبحة جماعية تشمل انتحاره، أو دعابة مخترعة لم يكن يعرف أنها ستنفجر في أجسادنا بشكل متواصل، أو أنه كان يجرّب دون حدس بالجحيم المنتظر أن ينقل على الحائط ما أبصره صدفة في كتاب ما، كأنما امتلك طريقة ممتعة لإراحة الذهن .. لكن أي كتاب؟ .. ربما كانت رواية لشيطان مجهول، أنهى كتابتها في التاريخ القديم المدوّن باليوم والشهر والسنة .. ربما كانت تحكي كل ما سيحدث لنا كنبوءة لا سبيل لإبطالها، ودون أن تسمح لذلك القارئ الجالس وحده في حجرة الصالون أن يدرك بأن مصيره مع أسرته يتراءى أمام عينيه في تلك اللحظة .. ربما كانت هي الرواية التي أتذكرها أحيانًا.
* * *
في مصادفات متباعدة؛ يقابلني واحد منهم .. يسألني: أين أنت، لماذا لم نعد نراك، هل أنت بخير؟ .. أرد: أنا دائمًا في البيت، مشغول بالدوران بين الحوائط والبكاء، أو الجلوس محدقًا إلى الحسرة، وهذا ما يجعلني في أفضل حال .. يقول هذا الذي كان صديقًا: حسنًا، نحن نعرف ذلك جيدًا؛ فنحن نلتقي كل ليلة في منزل أحدنا، ثم نتجمّع داخل شرفته لننظر إلى السماء فنراك بوضوح ساطع .. هل هذا يعني أن موتي ليس انعزاليًا بما فيه الكفاية؟ .. بالتأكيد .. لماذا تكذبون إذن في اللقاءات النادرة التي بلا موعد، وتسألونني دائمًا عن موضع خطواتي، وسر اختفائي، وإذا كنت على ما يرام أم لا؟ .. لأننا ببساطة منذورون لخداعك .. ومع ذلك فإن ثمة ما لا تعرفونه عني .. "يبدأ هذا الواحد منهم في الابتعاد" .. أنتم لا تشاهدون ما يحدث لي كل ليلة عند النظر إلى السماء، بل إن عيونكم هي التي تفعل كل شيء .. "يبتعد أكثر فأتحرك وراءه لتمعن المسافة بيننا في التمدد" .. كلما استمررتم في النظر إلى السماء كل ليلة .. "أضطر للصراخ كي يسمعني بعدما أدركت أنني لن ألحق به" .. كلما استمر الدوران والبكاء والتحديق إلى الحسرة.
* * *
في ورشة القصة القصيرة يصمت فجأة .. يتملّى في وجوه طلابه .. ما الذي فعله؟ .. كان يشرح شيئًا ما يتعلق بالتحريفات الصادمة للنسق القصصي، وحينما أراد استدعاء تطبيقًا له؛ ذكر جزءًا مما حدث لعائلته .. قام بذلك كأنما قاطع حديثه سعال مفاجئ، احتفظ بعاديته للحظة واحدة قبل أن تسيل الدماء من فمه .. انتبه وهو يتنقل بين عيونهم المفتوحة عن آخرها باتجاه صمته إلى أن ما تفوّه به الآن، رغم اقتضابه، سيمنحهم ذاكرته كلها .. أن كل ما سيكتبونه، حتى لو بدا منفصلًا عن ماضيه سيمتلك وجودًا داخل دفاتره وأوراقه القديمة .. أن ملامحهم التي تحاصر وجومه سوف تجد أماكنًا لها في صور الماضي، حتى لو لم تتخذ طبيعة ظاهرة .. أدرك أن ما يسيل من فمه الآن هي دمائهم وقد اختلطت بدماء الجميع.
* * *
ربما كانت هذه بيوتهم التي أمشي فوق سطوحها الصامتة مع الغياب الوشيك لزرقة السماء .. أتنقل من سطح لآخر بخطوات انسيابية، كأنما تتوالى مربعات رصيف هائلة تحت قدميّ داخل السكون النقي .. بيوت الذين يعرفون بعضهم .. الصمت الذي يمتد بلا نهاية حول حكاياتهم المخبوءة عن حياتي .. زرقة السماء الموشكة على الغياب تبدو كلون نزهة طفولية مختلسة، أرادت إنقاذي من الأرواح الشريرة .. لم يكن طيرانًا، وإنما سيرًا حقيقيًا أعلى الشوارع الضيقة التي يغطيها الظلام تدريجيًا .. السكون أشبه باسترداد اللحظات الأولى في العالم .. مازلت أعمى، ولكن يمكنني الآن أن أسترق النظر إلى الكوابيس دون أن تشعر بي .. أستطيع الآن التجوّل داخل الجروح القديمة للأشباح .. أمشي فوق السطوح الصامتة للبيوت التي لا يشعر الموتى داخلها بخطواتي .. لا أرجو في هذا الوقت سوى أن تتجمّد تلك الزرقة السماوية الناعسة.. أن تتوقف عن الاختفاء التدريجي قبل أن تنفتح السطوح فجأة تحت قدميّ، أو تنفلت خطواتي عبر الحواف غير الآمنة فأتهاوى إلى الشوارع التي لا يمر منها أحد.
من المتوالية القصصية "أحلام اللعنة العائلية" ـ تصدر قريبًا.
مجلة "عالم الكتاب" ـ ديسمبر 2019

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2019

سيرة الاختباء (4)

في 2017 كتبت قصة قصيرة لم أنشرها حتى الآن، ولم يقرؤها سوى طلاب ورشتي القصصية كنموذج تطبيقي لأحد التمرينات التي أقوم بتدريسها .. تستند هذه القصة إلى صدفة واقعية لطيفة حدثت لي مع واحد من أصدقائي بالمقهى الذي تعوّدنا ارتياده .. لكنني متأكد تمامًا من أن القصة لن تكون شيئًا لطيفًا على الإطلاق إذا ما اطّلع صديقي عليها، وهو ما أجبرني على تأجيل نشرها إلى هذه اللحظة .. أعرف أن الأمر سوف يتسبب في إنهاء صداقتنا، وبالرغم من أنني أريد ذلك بالفعل إلا أنني لا أفضّل أن يكون بتلك الطريقة .. أريد للنهاية أن تحدث بالكيفية التي تعوّدت استخدامها في قطع علاقاتي بالجميع : انقطاع مفاجئ، ودائم عن أشكال التواصل كافة، دون سبب واضح .. تدفعني هذه القصة طوال الوقت إلى التفكير في أنني كنت أتمنى لو لم تكن هذه الصداقة قد بدأت من الأساس .. في حريتي اللامبالية المعهودة، الغائبة على نحو مؤقت تجاه هذا النص تحديدًا .. في رجائي لو كنت أثناء هذه الصدفة الواقعية شخصًا آخر، غريبًا عن الصديقين اللذين يجلسان على طاولة مجاورة له في المقهى، ويراقب المشهد، ويتأمل أحداثه حتى نهايتها، متوحدًا بكل تفاصيله،  ثم يعود إلى بيته ويكتب قصته القصيرة قبل أن ينشرها بصورة عفوية دونما انشغال بأثر سيئ سينجم عنها .. تدفعني هذه القصة طوال الوقت إلى التفكير في أنني كنت أتمنى لو أن الحياة كلها كانت تحدث بهذا الشكل.
في لوحة "صقور الليل" لإدوارد هوبر لا يُعد الرجل الجالس بمفرده داخل المطعم مرئيًا .. هو حاضر فقط بالنسبة لهوبر ولمُشاهد اللوحة، ولكنه غائب بالنسبة للرجل والمرأة الجالسين معًا، وكذلك للنادل .. اختفاء الرجل هو برهان وجود الشخصيات الأخرى في هذه اللحظة داخل هذا المكان .. تلصصه غير المكشوف على ما يحدث هو سر غيابه .. شخص غير متورط في رفقة، ولا يُظهر دليلًا على اهتمام بما يدور حوله، حتى أن إدوارد هوبر قد أخفى وجهه كأنما يمنحه هوية مخبر سري، تمنع المُشاهد من التيقن حول أي انطباع يخصه، وكأن هذا المُشاهد لو عدّل وضعيته وتبادل مكانه مع الرجل الآخر والمرأة أو النادل سيكتشف حينئذ أن هذا الرجل ليس مُشاركًا في الظهور داخل المشهد، ولهذا فهو الذي قام بتكوينه .. هو الذي خلق عناصره وعلاقاته بواسطة التأكيد المعلن والماكر على انفصاله عن الواقع في هذا الحيز الصغير،  أي بواسطة اختفائه .. الاختفاء الذي لا يتيح له أن يشكّل ذخيرته فحسب، بل أن يحصّنها أيضًا من انتباه الآخرين.
أتذكر الآن كلمات "جيمس فري" حول عدم اهتمامه ككاتب بآراء الناس، وبأرقام المبيعات، وبعدد الحضور في أمسياته، وبسعيه فقط لـ (كتابة ما يزحزح العالم ويضع الناس في الفوضى) .. كلمات يمكن أن يكتبها كتّاب كثيرون، ولكنني حينما أفكر فيها لن يمكنني التغاضي عما يسبق "عدم الاهتمام" .. أتحدث عن المسافة الفاصلة بين النص / الكتاب، والقارئ .. الطريق الذي يتحتم أن تقطعه تلك الكتابة التي "تزحزح العالم" .. التي لن ترسم "الفوضى" فقط ملامح ما سيتعيّن عليها مجابهته .. الاهتمام الذي ستُجبر عليه إذا أردت لما كتبته أن يعبر بطريقة عادية مما تعتبره مخبأً طفوليًا إلى حيث يتواجد "الناس" .. الطريق الممتلئ بالمحررين والناشرين؛ إذ أن الكتابة في حد ذاتها لن تمثّل إلا جانبًا من صفقة تتداخل فيها كل العوامل "غير النصّية" التي لا يصدّق البعض مدى تأثيرها، أو مجرد وجودها في تلك المسافة الفاصلة .. لا يتعلق الأمر بلجلجتك التي سيسمعها الآخر عبر الهاتف، أو بارتباكك الذي سيبدو عاريًا تمامًا حينما يلتقيك وحسب، بل كذلك بالحد الأدنى من هذه الضرورة، وهي اضطرارك إلى تمرير كتابتك إلى ممثلين لفضاء "ثقافي" لا تعتبر نفسك واحدًا من أبنائه .. إلى وكلاء نموذجيين لـ "وضع أدبي" معاصر أنجبتهم مراكمة تاريخية لطالما كانت محل سخريتك .. هذا ما يجعل امتنانك لكل ما هو استثنائي، منفلت من هذه الطبيعة المتجذرة، يندرج في نطاق الاضطراب الشخصي، غير المفهوم، الذي تصافح به الجميع حينما تتحرك خطوات نادرة خارج مخبأك.
موقع "الكتابة" ـ 8 ديسمبر 2019

الجمعة، 6 ديسمبر 2019

لتكن استفادتكم كاملة

تسعدني الاستفادة الواضحة من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي" في مقالات ودراسات عديدة منذ نشره أولًا كحلقات أسبوعية على موقع الكتابة الثقافي، وبعد صدروه إلكترونيًا في إبريل الماضي، خصوصًا فيما يتعلّق بالسلطة الأبوية للقارئ، وأنماط التأويل المتعسّفة، ومراقبة الكاتب وعقابه، والانتهاز القيمي لجودريدز، ومرجعية الكتابة الآمنة .. الاستفادة التي تتجاوز الأفكار والتحليلات إلى التعبيرات اللغوية نفسها، حتى بالرغم من عدم الإشارة ـ المنطقية ـ إلى الكتاب؛ فما يعنيني أنه على الأقل ثمة اهتمام وكتابة وربما نقاش حول الأمر .. لكن للأسف معظم هذه المقالات والدراسات لم تتحرر مما تحاول مقاومته في مكان آخر .. لا تنطلق إدانتها لسلطة القارئ إلا من حسرة على تجريد الناقد من هذه السلطة .. الأب "الحقيقي" المُهان، مالك المعرفة، الذي اُغتُصبت مكانته ممن لا يستحقها، أي الأبناء الضالين الذين يجب أن يعودوا إلى صمتهم .. كأن الناقد، الذي على استعداد للاعتراف أحيانًا بأن عزلته "العلمية" المتعالية قد أعطت الفرصة لمعاول القراء المتطورة والطائشة أن تهدم الأبراج العاجية القديمة للنقد الأدبي؛ كأن هذا الناقد بكامل رصانته المعرفية المتمنّعة لم يتوقف من قبل في خطابه النقدي عن إثبات أنه لا فرق بينه وبين أي قارئ آخر يستمتع بمحاكمة الكتّاب بناءًا على ذائقته الخاصة.
أعيد الآن نشر فصل من كتابي "نقد استجابة القارئ العربي" بعنوان "الكوميديا النقدية .. القرّاء كأبناء شرعيين"؛ فربما لا اضطر لاستخدام "للأسف" حين أتحدث عن مقالات ودراسات قادمة لكم .. لتكن استفادتكم كاملة.
الكوميديا النقدية .. القرّاء كأبناء شرعيين
هناك الكثير من النقاد العرب ـ ربما يتجاوزون بالفعل الحدود الكمّية التي يُمكن تخيلها ـ لا يتوقفون عن تصدير الانطباع بأنهم مقيمون داخل الجحيم .. يوزعون صرخاتهم ولعناتهم طوال الوقت عبر الصحف، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، والندوات، والمؤتمرات، والمقاهي تجاه "الرداءة"، و"الابتذال"، و"الفوضى" التي تسود الكتابة الأدبية العربية .. يتركون شعورًا مُلحًّا بأنهم يتعذبون بشكل حقيقي، ولسبب يمكن تلخيصه في أن كل ما هو مضاد ومناقض في عقيدتهم لـ "جمال وعمق الكتابة" يرونه مهيمنًا وطاغيًا ومتمتعًا بتقدير غير مستحق، واحتفاء لا يمكن تبريره .. تكاد الحسرة في أعنف مستوياتها، والكامنة بين سطور مقالاتهم ومنشوراتهم أن تفيض بوضوح تام، وهم يتأكدون يومًا بعد آخر أن "علمهم الأكاديمي" عاجز عن إنهاء المهزلة الأدبية الهائلة التي يُسمح فيها لكل من هب ودب أن يكتب ما يشاء، أو أن "وعيهم الجمالي" غير قادر على إنقاذ الحياة الثقافية من الخراء الكثيف الذي يحكمها.
لو أخذنا عينة من أسماء هؤلاء النقاد وتتبعنا تاريخ كل منها؛ هل سنعثر على ثوابت متشابهة، قد تصل إلى درجة التطابق فيما بينهم؟ .. هل سنلاحظ ـ مثلا ـ تركيزهم الدائم على انتقاد الأخطاء النحوية في النصوص التي يقومون بتناولها، أو اهتمامهم بمدى التزام الكاتب بالقيم المثالية في عمله، أو حرصهم على تصويب تشاؤمه، ومعالجة انغماسه في التشوهات الأخلاقية، والرذائل، والفكر العدمي، وتصحيح رؤيته السوداوية التي تجرّد الحياة من كل معنى أو غاية أو أمل؟ .. هل سنكتشف عدم تسامحهم فيما يتعلق بالتماسك البنائي، أو وضوح الدلالة، أو انسجام العناصر السردية؟ .. هل يمكن أن تبدو قراءاتهم النقدية كأنها إعادة نسخ مستمرة لبعضها البعض، ولا أقصد اللغة، وإنما أسلوب التأويل، وطريقة تحليل العمل الأدبي وفك شفراته؟.
لكن صرخات ولعنات هؤلاء النقاد لا تستهدف الكتّاب "السيئين" فقط، وإنما تصب غضبها ونقمتها على قرّاء هؤلاء الكتّاب أيضًا .. الجمهور الذي يُقبل على أعمالهم، ويروّج لها، ويمجّدها بوعي سطحي، وذائقة فاسدة، الأمر الذي يتماشى منطقيًا في تصورهم مع الانهيار الشامل والتدني العام في كل شي: الثقافة .. الأخلاق .. البديهيات الإنسانية التي لا ترتبط بمكان وزمان.
لعل الاتهام الأبرز الذي يوجهه هؤلاء النقاد إلى جموع القراء المساهمين وفقًا لاعتقادهم بدور أصيل في هذه المأساة العظيمة هو عدم الإنصات لهم .. الانفصال عن المعرفة الأدبية التي قامت بتأسيسها وثتبيتها مشروعاتهم النظرية والتطبيقية المتعددة .. يؤمن هؤلاء النقاد أن ابتعاد القراء عن كل هذه الأرصدة التوجيهية، والمرجعيات الإرشادية قد حرم بصائرهم من الاختيارات السليمة، والإدراك المتيقظ، والانحياز الجمالي الحصيف .. يؤمنون أيضًا أن المأساة تزداد فداحة مع تحوّل القراء إلى كتّاب مراجعات، تُنشر، وتنتشر، وتفسر، وتشرح، وتعطي آراءًا وتقييمات، وتقترح، وتفاضل، وتصدر أحكامًا يتوافق معها ويتبناها الكثيرون؛ أي أنهم باختصار يعطون لأنفسهم بكثير من العبث والمجانية والاستسهال الحق في أن يقوموا بما ليس جديرًا بأحد في العالم أن يفعله سوى الناقد فحسب.
لكن، هل يوجد بالفعل هذا التنافر بين النقاد والقراء؟ .. هل يمضي كل من الناقد الغاضب والقارئ اللامبالي في طريقه المعارض للآخر؟ .. هل يختلف حقًا ما يكتبه هؤلاء النقاد العرب في دراساتهم عما يكتبه القراء العرب في الريفيوهات؟.
 (لكن أعتب عليه بشدة طريقته فى وصف أمه عندما علمت بسقوط أبيه مغشيًا عليه فى ورشته «كان ثدياها الكبيران اللامعان بماء الغسيل يهتزان بإيقاع متناغم مع هزة فردتى ردفيها» فلا يمكن للصبى أن يتحدث عن أمه بهذه الطريقة، ولو كنت من أبيه وقرأت هذا الوصف لأعدت كىّ أصابعه بحرص هذه المرة كى يتأدب).
هذه السطور لم يكتبها أحد القراء في مراجعة له على موقع جودريدز، وإنما كتبها (الناقد الكبير الدكتور) صلاح فضل في مقاله عن رواية (الحريم) لحمدي الجزار في جريدة (المصري اليوم)، وتحديدًا في 18 أغسطس 2014. لكنها بالفعل تبدو سطورًا يمكن أن يكتبها أي قارئ. أي قارئ (أبوي) لا ينظر إلى الجنس سوى بعين الاختزال التقليدي، وبصرف النظر عن أن هذا الاختزال في حد ذاته لا ينبغي تحريمه أو تجريمه فإن علينا الانتباه إلى هذا الوعي العام بجذوره الثقافية الصلبة، والذي لا يُفرّق بين الشخص الذي يتم اعتباره ـ بحسب التصنيف السائد ـ قارئًا عاديًا، وبين الناقد الأكاديمي القدير، أو عالِم اللغة المخضرم.
(هناك كتابة أدبية يضاف لمنجزاتها قدرتها على فضح الوهم الفاصل بين "الناقد"، ومن يسمى بـ "القارئ العادي" .. بين رسول كليات الآداب، المنتفخ بفاشية قيم وأخلاق "السيد أبو العلا البشري"، والمكلف بإخضاع البشرية للثوابت التي لا صحيح غيرها للسمو والجمال، وبين الشاب الذي يعتبر نفسه "قارئًا عاديًا"، ولم يخطر في باله وهو يكتب ريفيوهات للكتب على "جودريدز" أو "أبجد" أن يسمي نفسه "ناقدًا"، رغم أنه يبحث أيضًا في كل رواية عن "الحكاية"، وعن "المغزى النبيل"، ويرفض "البذاءة").
أما هذه السطور فمن مقال سابق لي بعنوان "الناقد المخصي" نشره موقع "الكتابة" الثقافي في 31 أكتوبر 2014، وكان بمثابة نوع من المراقبة الهازئة لأحد النقاد الأكاديميين، الذي تحوّل إلى "حارس أمن هزلي، بائس لبوابة الكتابة": أنت تعبر .. أنت لا تعبر.
أستطيع أن أمتد بهذا الخط على استقامته الآن كي أفكر في هذا الخطاب النقدي المهيمن عبر التاريخ، والذي تقوده (أسماء) لم تمتلك (السلطة) إلا بفضل الأنساق المعرفية (المؤسسية) التي تكوّنت وتراكمت تدريجيًا من خلال آليات الفرز والتنميط والإقصاء، ولم يعد لزمنها الخاص تعريفًا إلا بواسطة لامركزيتها، أي التناسل العشوائي لعلاقات القوة المتشابكة داخل أنظمتها المحكومة بالمفاهيم. تُشكّل هذه الأنساق إذن منهجًا من القواعد التي تُخضع القراء بصورة عفوية لـ (بداهتها المطلقة)؛ حيث كل إدانة، أو كل إقرار للصواب أو الخطأ يمارسه القارئ سيستمد (شرعيته الجمالية) من هذا الوجود المعرفي الذي يمتد طغيانه كغرائز توجيهية وإرشادية تمثل (الحقيقة). لماذا لا أفكر في أن هذا العمل الأدبي (سيئ) لأن الكاتب (لم يفعل) كذا أو كذا؟. لماذا لا أكتب أن هذا العمل الأدبي (رديء) لأن الكاتب (أخطأ) في هذا أو ذاك؟. لماذا لا أصدق أن هذه الاستجابة التلقائية في مقاربة الأعمال الأدبية حتمية، وصحيحة، ولا تحتمل الشك؟ .. أليس النقاد الذين يدرّسون في الجامعات، ويصدرون الكتب، وينشرون أبحاثهم ومقالاتهم في الصحف والمجلات يقومون بذلك؟ .. أليس أولئك الذين يمتلكون (العلم) الذي لم نحصل عليه يتحدثون بهذه الطريقة؟. كيف يمكن للنقد أن يتجنب إصدار الأحكام كما حلم "ميشيل فوكو"؛ أليس هناك إله وشيطان، طيب وشرير، جنة ونار؟. هذا هو الصوت المشترك بين الناقد والقارئ، أو بالأحرى الهوية الموحدة لهما، التي تم تشكيل وعيهما ـ التربوي ـ داخلها.
لكن الممارسات التطبيقية ـ بوصفها الأقرب ربما والأكثر تداخلا مع وعي القراء وتدويناتهم ـ ليست وحدها ميدان "الأبوة النقدية" بل تنشط هستيريا هذه السلطة أمام ظواهر وأحداث تمثل تهديدًا أو مجابهة لمرجعياتهم.
كان حصول "بوب ديلان" مثلا على جائزة نوبل للآداب عام 2016 من أكثر اللحظات قسوة على هؤلاء النقاد، ومن أكثر المواقف الكاشفة للجذور الثقافية الصلبة التي تحدثت عنها سابقًا باعتبارها محرّكًا ثابتًا لهوس الهيمنة المعرفية لديهم؛ فلم يكن من الصعب أن يتم رصد ذلك الناقد الذي بُنيت سمعته أو قام رصيده في الحياة النقدية على الإدانة، وتوزيع الصواب والخطأ، أو على إعادة تدوير عقيمة لتراث جسيم من التناسخات الهامدة، وقد تحوّل إلى نفس "القارئ العادي" الذي طالما هاجم ذائقته، وشجب انحيازاته، ليدخل في سباق هزلي مع نقاد و"مثقفين" آخرين لاسترداد "القيمة المهدرة" عبر السخرية "اللزجة" من فوز "مغني" بجائزة نوبل .. كانت فرصة أيضًا هناك من أراد استغلالها، حتى لو لم يسبق له قراءة بوب ديلان من أجل الحصول على هذه "القيمة" التي يؤمن تمامًا أنها تنقصه، في حين أن إيمانه بها هو ما يجبره على محاولة تعويضها بهذه الصورة التعيسة .. ليس النص وحده هو الذي يفضح إذن الوهم الفاصل بين الناقد، ومن يُسمى بـ "القارئ العادي" بل يمكن لحدث معين أن يجعل ناقدًا ما يعتبر نفسه أكثر "ثقافة"، و"علمًا" من شخص آخر أن يتصرف تمامًا، ودون أدنى مغايرة مثلما يتصرف هذا الشخص الآخر .. أن يُعري هذا الحدث ادعاءاته بكونه مختلفًا .. يمكن لموقف ما أن يسوق أحد النقاد، وأن يُجبر استجابته على التجسّد بالضبط كأنما يقول: "لن أقدر أن أراجع، أو أفكر في الانحياز النخبوي الذي يسيطر على أحكامي. لا أستطيع أن أجادل المبادئ الرجعية، أو أتحدى التصنيفات والتراتبيات الثقافية والأدبية والفنية الصدئة التي شكّلت ذاكرتي، وحددت وعيي .. لا يمكنني أن أقبل أو أستوعب التحولات التي قوّضت الأنظمة الطبقية القديمة، المحتقرة لما تم الاعتياد على تسميته بـ "التفضيلات الجماهيرية" .. المتغيرات التي خلخلت المعايير القيمية المتعسفة، والتي تتعمّد إقصاء ما يُطلق عليه "الذوق الشعبي" .. ليس بوسعي أن أتجاوز طغيان المفاهيم لصالح التجاور والتعدد والتشابك وتذويب الحدود الأزلية المصطنعة .. أريد أن أكون كما أنا، وأن أدافع عن هذا الإيمان، وأن أظل أحارب من أجله .. أريد أن أستمر في محاولة جعل الآخرين مثلي، وأن أعاقب من يرفض أن يكون كذلك بأي شكل ممكن .. لا يعنيني أن بوب ديلان شاعر، وأنه مُنح جائزة نوبل لقصائده .. هو مُغَنٍ فقط .. مجرد مُغَنٍ".
هناك قرّاء عُرف عنهم حبهم لأشعار بوب ديلان؛ إذ كانوا دائمي الإشارة لسيرته الإبداعية، ونشر الاقتباسات من قصائده على صفحات التواصل الاجتماعي .. هؤلاء أنفسهم لم يستوعبوا أن بوب ديلان قد فاز بجائزة نوبل .. لم يفهموا لماذا فاز بهذه الجائزة التي لا تعنيني الآن في حد ذاتها .. لم يتقبلوا فكرة أن يفوز بوب ديلان بنوبل في مقابل أسماء أخرى ـ أكثر أهمية ـ يتم ترشيحها كل عام ولا تحصل عليها .. إن ما حدد (الأهمية) لدى هؤلاء القراء ـ ومنهم من ساهم في فقرات السخرية ضد فوز بوب ديلان ـ هو نفسه ما كرّس للانحياز النخبوي عند هؤلاء النقاد .. أن تحب بوب ديلان شيء، وأن يفوز بجائزة كان يستحقها "هاروكي موراكامي" أمر آخر .. يمكن لكل هؤلاء النقاد والقراء أن يستخدموا في هذا الصدد كلمات شائعة أقرب إلى اللافتات التحذيرية الضخمة سهلة الاستدعاء: المعنى ـ الثقافة ـ العمق، لكن الأمر لا يتعلق بهذه المفردات التقليدية المائعة بل بالأسباب المتراكمة التي جعلت كلمة مثل (المعنى) تفقد أهميتها أو تكتسب منزلة أقل حينما نتحدث عن أشعار بوب ديلان .. بالدوافع المتكاثرة التي أعطت لكلمة "الثقافة" حقيقة حاسمة قررت ـ كإجراء منطقي ـ وضع بوب ديلان في مكانة أدنى من كاتب آخر .. بالبديهيات المكدسة التي منحت كلمة (العمق) وظيفة عنصرية، جعلت قصائد "بوب ديلان" بالضرورة في مستوى أقرب للسطح من أعمال كاتب آخر. .. الأمر يتعلق بمحاكمة ما يسبق الهيمنة، بتشريح ما قبل (المعرفة)، وتفكيك المسارات التي تكفلت بإنتاج وترسيخ هذه (الأبوة).
هناك زيف هائل ومسيطر وراء ما يُسمى بالفجوة بين الناقد والقارئ .. أتحدث عن الناقد الغاضب، المروّض، المقدِس لليقينيات الثقافية والأخلاقية والجمالية، والقارئ اللامبالي، المدجّن، المقدِس لنفس اليقينيات، ودائم التطلع من وراء لامبالاته نحو هؤلاء النقاد كي يجدد ثقته دائمًا في كونه على صواب مثلهم.

الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

اسم الميت

لا أحد يعرف عني شيئًا .. أنا الصبي البدين ذو العينان الساكنتان، والملامح اللامبالية التي أصبح جمودها بعد زمن طويل من التجوّل في المدينة مألوفًا لكم .. لا أبدو مشردًا تمامًا، كأن لدي عائلة، أسكن معها في بيت ما، لكنني دائمًا ما أكون بمفردي في الشوارع، أمشي بخطوات بطيئة، وفم مطبق، ومجرّدًا من أي علامة يمكنها أن تحدد هوية لي .. لم أطلب عطاءًا من أحد على الإطلاق .. كأنني امتلك كفاية مخبوءة من الطعام والشراب والملابس .. أنتم الذين تريدون مني أشياءً كثيرة .. أن تتبدّل مثلًا تلك النظرة الفارغة من المعنى في عينيّ، والتي بطريقة غامضة تمنحكم انطباعًا بأنني أتجوّل في المدينة منذ زمن أكبر مما تتصورون .. أن أضحك أو ابتسم أو أتجهم أو أبكي أو تبدو على وجهي الدهشة ولو لمرة واحدة .. أن أقول أي شيء يثبت أن ثمة ذاكرة مفهومة لوجودي ..  لكنني أفعل هذا حقًا .. ألست أنا الذي كلما رأى سرادق عزاء، يدخل إليه ثم يسأل المعزّين عن اسم الميت، وحينما يخبرونه يضحك بقوة حتى تدمع عيناه فيسرعون بطرده خارج السرادق؟ .. ألست أنا من يفعل هذا كأنما أتذكر في كل مرة شيئًا ما قبل أن أعود إلى التجوّل في صمت؟.

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

سيرة الاختباء (3)

في طريق عودتي إلى الفندق بعد انتهاء مناقشة روايتي "إثر حادث أليم" كان ابتهاجي نابعًا من كل شيء حدث خلال الساعتين الماضيتين: اللقاء برفقة عزيزة، أكن احترامًا لشخصياتها: أ. سيد الوكيل، د. حمدي النورج.، د. رضا عطية، أ. وائل سعيد، أ. مصطفى رزق .. الكلمات التي قيلت عني وعن الرواية  .. الجلسة الودودة في المقهى بعد الخروج من المركز الدولي للكتاب .. حتى الطقس الغادر الذي أجبرنا على إنهاء هذا اللقاء لم يكن سيئًا تمامًا، بل ربما وقتئذ كان له حميمية خاصة .. كل شيء عدا اللحظات التي تحدثت فيها الرواية .. اللحظات التي اضطررت للإجابة فيها عن تساؤلات بشأن كتابتها .. قد لا يشعر من حولك بهذا، بل على النقيض ربما ينظرون إلى الأمر كأداء كاشف، ملهم، حدث بطريقة جيدة، ولكنه لم يكن بالنسبة لي أقل من خيانة للنص باستخدام الجسد والصوت والشفاهة، أي الأطراف الصناعية المرتعشة للواقع، التي كلما زاد وقت استخدامها كلما كان ذلك تماديًا في انتهاك الكتابة .. كان منطقيًا أن أفكر مجددًا بينما أجلس بمفردي داخل شرفة الفندق في أن عدم وجود الكاتب شرط مثالي متعذّر لمناقشة عمله الأدبي.
لم أكن أعرف أنه بعد هذه الليلة بعام ونصف تقريبًا ستناقش مجموعتي القصصية "مكان جيد لسلحفاة محنطة" في مكتبة إسحاق الثقافية بفرع ثقافة المنيا دون حضوري، بل وحتى دون علم لي بذلك؛ إذ لم أعرف بانعقاد هذه المناقشة إلا في اليوم التالي من خلال الصحافة وفيسبوك .. ما أسعدني إلى جانب الإشادة الرائعة بتميّز المجموعة في التغطية الخبرية للمناقشة هو عدم وجودي في الصور التي نُشرت معها، مثل المرفقة بهذا المقال .. لم يكن حاضرًا أداة الإخماد الخيالي أو تخريب التوقعات أو تشتيت الرؤى بعيدًا عن متن صامت، نحو ما هو واضح وقاصر وأقل كلفة .. لهذا كانت سعادتي مختلفة، غير مسبوقة، تليق بحدث لم أجرّبه من قبل .. لكنني فكرت أيضًا: ماذا لو تضمنت مناقشة عمل أدبي، في عدم وجود كاتبه، محاولة جماعية لتشريح الدوافع ـ إذا كانت معلنة بالفعل ـ التي تقف وراء نظرة هذا الكاتب لحضوره الجسدي في المناقشة باعتباره تضليلًا؟.
أفكر الآن، وبصورة عفوية تمامًا في رواية "الفشل في النوم مع السيدة نون"، وكيف أن السطور السابقة يمكنها أن تفسّر لماذا لم أحرص على عقد مناقشة لها منذ صدورها عام 2014 وحتى الآن .. كيف أن النميمة المضحكة حول "واقعيتها"، والتي ما زالت تصلني عنها تدعم هذا القرار .. لكن الأمر بالطبع يتعلق بالكاتب نفسه، وليس بضرورة شاملة، يتمثل الصواب في اتباعها، والخطأ في الخروج عنها .. قد يجد كاتب ما أنه من "المفيد" أن يتحدث عن عمله أمام قراء، حتى لو أجبر على شرح أو تفسير أو كشف التباس ما، وربما يظن أن بوسعه التحكم في تلك اللحظات إذا ما تعمّد أن يطرح إجابات مراوغة، أو بالرفض القاطع للرد على استفهامات معينة، ولكن في الوقت نفسه ثمة من يعتقد أن النظرة في عيني هذا الكاتب، وملامح وجهه، وحركة يديه عندئذ كافية تمامًا لإفقاد النص شيء من الغموض الذي لا يمكن تعويضه بما هو مغاير له .. أتحدث عن التأويل النفسي لجسد الكاتب كنوع من المقاربة الأساسية أحيانًا للعمل الأدبي .. الأقكار العدائية المحتملة التي لا يمكن لدهاء الكاتب أو صمته أن يضمنها إذا ما أصبح مرئيًا بجوار النص .. لذا، وقبل كل مناقشة لكتاب لي، امتلك يقينًا بأن جرحًا روتينيًا سأضطر لحفره بنفسي داخل الذكرى الجميلة التي سأعود بها.
موقع "الكتابة" ـ 1 ديسمبر 2019

السبت، 30 نوفمبر 2019

أن تتعطّر بقليل من البارود: التنفس مقابل الحواس

ثمة كلمات تبدو أساسية في ديوان "أن تتعطّر بقليل من البارود" للشاعر عماد الدين موسى الصادر عن دار مخطوطات: (الحب)، (الحرب)، (الحرية) .. لكن هذه الكلمات لا يتم استخدامها كأشياء ذات معانٍ محددة بل كاستعمالات لغوية، بالأحرى محاولات للإبصار من خلال تجريب مفردات بعينها، أو لنقل بوصفها تجارب تتبادل متونها، وتمر من خلال بعضها البعض.
بين (الحب)، و(الحرب) تحديدًا يخلق عماد الدين موسى نوعًا من التمازج .. التداخل الذي يتيح لنا أن نتساءل عن أي (حرب)، وعن أي (حب) نتحدث؟ .. لهذا فذلك التمازج يظل غائمًا كبنية شاملة، بينما تبدو (الحرية) كخطوة مخذولة خارجها .. ربما يرجع هذا إلى أن التداخل بينهما ليس دالًا على فكرة أو مبدأ، كما أنه لا يعتمد على حيلة التناقض التقليدية في إثبات حقيقة سبق استيعابها، بل هو أقرب إلى اختبار الكيفية التي يُحتمل أن يكمن بواسطتها كل منهما داخل الآخر، بحيث يظهر كجزء جوهري من تكوينه .. كبديل للمعنى الغائب الذي يفسره.
"تتمدد الأيام تحت سريري
كأفاعٍ أليفة..
تتكاثر كالنمل
وكالعشب تختفي".
بدءًا من العنوان نفسه، حيث رمزية "البارود" لا تتعلق بوصف تجربة قتالية يتم إثباتها من خلال مجاز "العطر"، بل بتحقق التجربة نفسها داخل كل ما يُفترض أن يكون "رومانسيًا" منفصلًا عنها .. بهذا يكون العنوان واقعيًا، مباشرًا، أكثر منه مستندًا إلى البلاغة، وهو ما يفسره فكرة الامتزاج بين الحب والحرب التي أشرت إليها من قبل .. لو أردنا استدعاء صورة للمنطق وفقًا للعنوان لاعتبرنا أننا نتجمّل بما هو أداة هلاكنا، التي لا تمنحها الكوابيس العادية إلينا فحسب، بل ما نقر بجماله أيضًا.
"تستطيع أن تتعطّر بقليل من البارود
قبل أن تذهب إلى موعدك،
تستطيع أن تُهدي لمن تحب
بضع رصاصات طائشة،
تستطيع أن تقول:
"الحب رداء، وها أنا أرتديه كما ينبغي".
"كجندي منشق للتو، وبفردة حذاء واحدة" هي عبارة أشبه بالخلاصة التشبيهية لموضوع "الاستعمال اللغوي" المضاد لـ "المعنى"؛ فهذا الاستعمال هو برهان الانشقاق عن يقين عام، الأمر الذي أنتج انعزالًا، دليله المجسّد قدم عارية، أي مجرّدة من حماية قديمة، وقدم أخرى تتشبث بفرديتها، أو بالمصير الغامض الذي يمكن أن يفضي إليه السير دون رفقة.
"وما من شفق يلوح
كراية باهتة الألوان
فوق بناء مهجور،
أقف على الناصية
مسبل القلب واليدين
لكن السماء
ـ المنخفضة أكثر مما ينبغي ـ
زرقاء .. كطائر".
أفكر في الخطوات التي ينبغي أن يقطعها هذا الجندي المنشق بوصفها محاولات لاستبدال الأيام / الأفاعي الأليفة، أي التي لا تُنجز مهام القتل مبكرًا، بزمن لا يختفي ـ بعدائيته الماكرة المعتادة ـ كالعشب تحت السرير / علامة المرض، حيث الأرق، أو العجز عن الحركة، أو ما يمكن تسميته بالإغماءة الواعية التي تراقب من داخل سكونها الأجنحة المقطوعة كافة.
"فالحياة أشبه بعجلة
دراجتك الأمامية،
الحياة
التي
ككرة ثلج ..
تنتظر ـ بشغف ـ لحظة زوالها".
إذا تخيلنا مكوّنًا كالظل نابعًا من الذات، يقف مراقبًا "الموعد"؛ فإنه سيرصد بالضرورة كيف يمكن للقاء أن يكشف عن وجه مشترك بين ملامح الحرب والحب .. هذا الظل هو الاحتمال غير المتحقق، وغير المفهوم للحرية .. هو يتأمل القناع / المعنى الغائب فحسب لكل من الحب والحرب، ولا يمكنه أن يفسّر بدايات هذه اللحظة، أو يتنبأ بنهايتها .. إذن يبدو الأمر كأنه يقع داخل نطاق اللغة نفسها، وقد تخلصت من الحدود التي من شأنها تعطيل التوهمات باعتبارها "إبصارًا".
يحيلنا الخطاب الشعري إلى الحرب كمسألة تسبق الحياة .. الجحيم ليس ما نراه من تعاقب زمني بل الفناء المبهم الذي تقدّم على إمكانية الوجود .. الحرية إذن ليست مناقضة لشيء يطلق عليه (السجن) مثلًا، ذلك لأن السجن نفسه يمكن أن يكون الاحتفاظ بفكرة الحب .. بامتلاك تصوّر عن ماهية هذه الكلمة .. الحرية هي الشيء الذي دائمًا هناك إرادة للعثور عليه خارج الانتحار والقتل العشوائي والحتمي، أي قبل أن يُخلق الموت ذاته.
تسعى البصيرة لتشكيل حريتها الخاصة، ربما كتسلل من أشلاء الحرب، وربما كهروب من أنقاض الحب نفسه، وإذا تم استخدام (الطائر) كمرادف لهذه الحرية فهو لا يتوقف هنا عند الرمز المتداول بل يشير إلى التحرر خارج كل ما يتم تجميعه كذخيرة لهذا الطائر، مهما بدت مختلفة عن الماضي .. كل ما يمتلكه الطائر هو كرات ثلج، وثمة عينان تراقبان هذه اللعنة.
يتكرر حضور الطائر عبر القصائد، الأمر الذي قد يجعلنا نشعر بأن شيئًا يُراد تثبيته كأمل أخير في (الحقيقة) .. الطائر هو الرجاء المتبقي من الواقع، أي ليس فقط على مستوى وظيفته الرمزية بل على مستوى قابليته كجسد للتحوّل إلى إجابة فعلية.
هل تمثل هذه (الحقيقة) حدًا فاصلًا تتوقف عنده الموجودات عن التحوّل من احتمالات لفردوس ما إلى قرائن للموت؟ .. من وعود للنجاة إلى مرايا معدّة فقط لتأمل النهاية الوشيكة؟ .. قد يتولّد إحساس ولو على نحو خافت بأن القصائد تتسم بطبيعة صامتة أشبه بالسكون المتواطئ .. هذا الصمت يتلازم مع تكرار آخر وهو التنفس .. التنفس كمقابل للحواس كلها .. التنفس كطائر يريد اختراق الصمت الذي تتلاشى عنده الرجاءات .. لذا فالأمل الأخير هو التنفس حتى النهاية بدلًا من الفهم المتعذّر، أو بلوغ الحد الفاصل للحقيقة.
"الأطفال ما عادوا إلى بيوتهم
الغجر فقدوا عاداتهم الجميلة
أما أنا
ـ عكس العادة ـ
خرجت لأشتم رائحة الموت".
يضع عماد الدين موسى قلب كل كائن على المستوى الظاهري كتعويض عن الفقد .. هذا التعويض يأتي بعد رسم التوحد بين الطبيعة والبشر حيث تبدو الطبيعة مكانًا أثيرًا لدى الشاعر .. القلب باعتباره ذاكرة .. لكن هل يفعل ذلك باعتبار أن الثقة المفترضة تجاه هذه الذاكرة تقتصر على الشعور بكل ما ينطوي عليه من تخيلات، أم على ارتقاء وجودي، أو نوع من الخلاص قائم على هذا التوحد مع الطبيعة الحسية؟ .. بالفعل كان من المنطقي أن يُترك هذا الاستفهام دون إجابة؛ ذلك لأنه لا أحد يعلم كيف يمكن استرداد الأصوات الضائعة، وهل كانت هناك أصوات بالفعل أم لا سواء كان هذا الصوت يخص إنسانًا أو غيمة على سبيل المثال .. لذلك فإنني بشكل تلقائي أستطيع أن أضع الحنين كمسمّى للقلب المعوِّض عن الفقد .. الحنين وليس الذاكرة .. ذلك لأن الذاكرة ستجبرك على استرجاع أغنيات محددة: أشجار .. مرافئ .. مطر .. أغصان .. قوارب .. زهور .. قبلات .. بحار .. أما الحنين فهو يخاطب دومًا ما وراء تلك الأغنيات، أي ذلك الغياب الذي سبق كل هذه الجروح.
جريدة "أخبار الأدب" ـ 1 ديسمبر 2019