الاثنين، 24 ديسمبر 2018

سيرة الرواية المحرمة: هل يجب أن نصدّق نجيب محفوظ؟

ما سأتناوله في هذه القراءة لا أعتبره محتوى ينقص كتاب "أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة" لمحمد شعير الصادر عن دار العين، وإنما الفكرة التي كان الاهتمام بمناقشتها سيجعل استمتاعي بالكتاب أكثر عمقًا .. يتعلق الأمر باستفهام لا ينفصل عن الطبيعة التسجيلية للكتاب بما تشتمله من خطوات اقتفاء الأثر لرواية "أولاد حارتنا" عبر الزمن، وتتبع الأحداث والشخصيات، والتنقيب في المصادر والمراجع، والربط بين تفاصيلها، وكذلك التحليلات المقترنة بهذا التوثيق، وإن كان هذا الاستفهام سيساهم في دفع هذا التدوين المجتهد نحو الجدل النقدي غير التقليدي الذي تتطلبه بالنسبة لي كتابة سيرة لرواية كـ "أولاد حارتنا" .. يترصّد هذا الاستفهام بحتمية اقتناعنا بالدفاعات التفسيرية المتعددة لنجيب محفوظ عن "أولاد حارتنا" منذ صدورها وحتى وفاته، وهو بذلك لا يتوقف عن خلق المزيد من التساؤلات التي لا تخص الرواية نفسها فحسب، وإنما تنتمي بالتأكيد إلى الجانب التأريخي لها أيضًا.
ماذا لو أن محفوظ قد أراد حقًا في روايته أن يهدر دم المقدسات التي تم اتهامه بأنه تجرّأ بالتطاول عليها؟ .. لا شيء بوسعه أن يجبر أي قارئ لأولاد حارتنا أن يظل مؤمنًا للأبد بالشروح المتبرّأة لنجيب محفوظ سواء كانت متعلقة بنقد النظام الناصري، أو بالمعالجة الاشتراكية للأزمات الاجتماعية والوجودية، أو بالسعي نحو تفاهم منقذ بين الدين والعلم، خاصة لو كان هذا القارئ واعيًا بقوة المراوغة في الرواية، وتمردها على الأسلوب الفني المألوف في أعمال محفوظ السابقة ـ وهو ما يمكن مقاربته باستفاضة في مجال آخر ـ وخاصة أيضًا لو تم وضع الإيضاحات المختلفة والمتعارضة ـ كما وصفها شعير نفسه في الكتاب ـ لمحفوظ عن "أولاد حارتنا" بجانب ما كان يُسمى بدبلوماسيته الشهيرة، والتي كانت تبدو كقناع متسامح لجوهر ساخر لا يمكن لأحد أن يضبط حدوده، فضلا عن الاستحالة البديهية لكاتب مثله أن يسلّم نفسه بسذاجة قاتلة لأعدائه.
"وهكذا تتواصل تفسيرات محفوظ المتعددة، المتقاطعة أحيانًا، والمتعارضة أحيانًا أخرى على مدى فترات زمنية مختلفة. بعد نجاته من محاولة الاغتيال، كان تفسير محفوظ للرواية سياسيًا بحتًا، على العكس من المرات السابقة، التي كان يراوح فيها بين تفسيرات "دينية" طوال سنوات الستينيات، وبين خليط ما بين الديني والسياسي في السبعينيات والثمانينيات. وهذا التحول لم يكن مقصورًا على محفوظ نفسه، بل امتد أيضًا إلى عدد من النقاد الذين اختلف تفسيرهم النقدي للرواية".
إذا كنا دائمًا ـ وفقًا للتعارضات، والقرائن الغامضة، والاستنتاجات غير المحسومة ـ نتحدث عن احتمالات لا يحتاج إفساد اللعبة أو الدعابة التي تُشكّلها سوى تأويلها كملامح ليقين ثابت؛ فإننا نستطيع التفكير في الاستفهام السابق كاحتمال مغاير .. كتصوّر له مبررات يمكن تأملها وتشريحها ومراقبة إشاراتها المحفّزة .. كأرق فلسفي غير مستقر، أو قبول وارد لحقيقة مؤقتة أو دائمة لدى نجيب محفوظ عند كتابة "أولاد حارتنا" .. لهذا سأصوغ هذا الاحتمال وعلى نحو مختصر في شكل تساؤلات ناجمة عن الاستفهام الأصلي الذي سبق أن أشرت إليه: ماذا لو أن نجيب محفوظ كان يفكر أثناء كتابة الرواية ـ أو لم يستبعد هذا الهاجس ضمن هواجس عديدة ـ في أن هذا التاريخ المحظور منذ بدايته المرجعية، وبكل ما يتضمنه من وقائع مكوّن في الحقيقة من سرديات متصارعة، أو تراكم فادح ومتشابك من مرويات السلطة القابلة لإعادة الكتابة أي للتقويض المستمر .. ماذا لو أن نجيب محفوظ قد استخدم السمات المميزة والأثيرة لعالمه الكتابي في هذا التقويض: الحارة والفتوات والوقف على سبيل المثال، لا لكي ينّقي أو يعدّل أو يكتشف حكمة مثالية مهجورة لهذا التاريخ ـ كما يشيع في تفسيراته خارج الرواية، وكما تتجه المناقشات السائدة حول تأثر محفوظ بالموروث الديني، واستثماره للقص القرآني ـ وإنما ليمحوه، ليساعد زيفه المعرفي على أن يبدو ناصعًا حين يُجسّد، وهو ما يمكن النظر إليه كتطور لهذه العلاقة بين محفوظ وذلك الموروث السردي .. ماذا لو أن نجيب محفوظ قد أراد في "أولاد حارتنا" أن يفكك وهم المطلق من أساسه المترفّع، وعبر صوره وتمثلاته المتعاقبة سواء كان هذا المطلق مهيمنًا بالغيب، أو متنكرًا في سيطرة العلم .. ماذا لو أن هناك جذورًا متوارية لما يُسمى بالغضب الفلسفي ـ الذي يتجاوز المُشار إليه في الكتاب بالقلق الفكري ـ عند نجيب محفوظ قد وصلت به إلى ذروةٍ ما بعد يوليو 1952 ـ وهو ما سيظهر بوضوح في الأعمال التالية لأولاد حارتنا ـ الأمر الذي جعله يرصد في الرواية هذا التناسخ الأزلي بتجلياته المختلفة بين فتوات الميتافيزيقا وفتوات الواقع .. ماذا لو أن نجيب محفوظ قد قصد أن يستعمل "أولاد حارتنا" كحيلة روائية محرّضة على التفكير في أن كل "بطل كوني" يمتلك الخصائص الإنسانية مهما كان يستطيع أن يكون نقيضه، أو أنه يحمل هذا النقيض في أعماقه بفضل الأصل الذهني المشترك الذي لا يقدر أن يكون محصّنًا، ولهذا يمكن لأي تقسيم بشري أن ينطوي على دلائل عبثيته، أي الدوافع اللازمة لخلخلته .. لماذا لا تكون "أولاد حارتنا" هي المعادل الروائي للمنظومة التي بلا وزن بحسب جان بودريار؛ حيث الرب الذي يضمن استبدال الرمز بالمعنى يمكن محاكاته، واختزاله في الرموز التي تكوّن العقيدة "الاشتراكية .. الدين .. الثقافة .. القومية .. الأخلاق ... إلخ"، الزيف العملاق الذي يستحيل معه استبدال المنظومة بشيء حقيقي، لأنها تتبدل بنفسها في دائرة محكمة بلا مرجع أو محيط .. لماذا لا نتخيل أن محفوظ قد أراد أن يخدع الجميع، وبعيدًا حتى عن الاستحالة البديهية التي ذكرتها لأن يؤكد غرضه التخريبي للأساطير المتعالية في "أولاد حارتنا" في مواجهة الشيوخ والضباط والكتّاب والنقاد والصحفيين والقراء، وبعيدًا أيضًا عن "دبلوماسيته" المعهودة؛ لماذا لا نعتبر أن الشروح المتبرّأة والمتعارضة كانت تنويعات متغيّرة لهذه الخدعة، أي طريقة للاستمرار في كتابة الرواية تعتمد على المبالغة المتعمّدة أحيانًا في الاختباء وراء توافق ما، أو تبني الاقتراحات التأويلية الأقل إزعاجًا ـ كالحل الموفق بين من اتهموا الرواية بالإلحاد، ومن وصفوها بأنها عمل صوفي، والمقصود به علاقة "أولاد حارتنا" بـ "العودة إلى متوشولح" لبرنارد شو، وهو الحل ذاته الذي يمكن توظيفه لإثبات رؤية مضادة لما كتبه نجيب محفوظ إلى فيليب ستيوارت، أو بالأحرى لطبيعة تأثر محفوظ المحتملة بعمل برنارد شو ـ أو التمسّك بنوع من التوازن الخبيث بين ما يُطلق عليه "الحفاظ على كرامة الإبداع"، وبين عدم التورط في حروب خاسرة تهدد هذا الإبداع، بين أن تكون حرًا في أن تعتقد أو تكفر بشيء، وبين أن تحاول الحصول على ضمان ولو في حدّه الأدنى من الأمان الشخصي داخل هذه الحرية .. لماذا لا نفكر في أن هذه الرغبة في إحداث التوازن عند نجيب محفوظ لا ترجع إلى الخوف ـ وهو شيء لا يمكن إدانته فضلًا عن براهين غيابه، أو على الأقل عدم توّحشه عند محفوظ ـ بقدر ما هو نابع من استمتاع عظيم بتنظيم المفارقات الساخرة خارج الكتابة، أو التي بوسعها أن تحافظ على امتداد غير محكوم لمتن الرواية، تواصل من خلاله إنتاج نفسها كسرٍ مستفز حقق إرادته، ويريد أن يحصل على صك الاعتراف حتى من خصومه، باعتبار أن هذه الخصومة خاطئة في حد ذاتها، لأنها راجعة لسوء فهم تلك النيّة المبيّتة لتمرير الانتهاك الذي سيظل متمنّعًا.
موقع "الكتابة" ـ 23 ديسمبر 2018

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

حكاية صغيرة عن "جرثومة بو" ومملكة العجائب

أثناء كتابتي لنوفيلا "جرثومة بو" طلب مني أحد الأصدقاء، وكان قد تحدث مع ناشر سوري عن موضوعها أن يُطلع هذا الناشر على جزء مما كُتب منها بناءً على رغبته .. تواصل الناشر السوري معي مباشرة بعد قراءة الجزء الذي أرسلته لصديقي، وأبدى رغبة قوية في نشر النوفيلا .. لكنه في نفس الوقت طلب مني استبدال اسم الدولة التي جاء في سياق النوفيلا أن شابًا مصريًا تم اعتقاله وتعذيبه بوحشية في أحد سجونها، وهي قضية صحفية اشتغلت عليها بالفعل في أواخر التسعينيات؛ طلب الناشر السوري استبدال اسم الدولة بـ "المملكة" فقط .. قال لي أن عدم تحديد البلد المقصود سيكون أنسب الحلول لتفادي العواقب السيئة الأكيدة؛ حيث يمكن أن تكون هذه الدولة هي المملكة الأردنية أو المغربية أو البحرين أو السعودية .. قلت له: أو "مملكة العجائب"؛ فضحك الناشر متوقعًا موافقتي على اقتراحه لكنني رفضت .. كان لدي تفهّم تام لحرص هذا الناشر على استثماراته في هذه الدولة، ولكن رغبتي في وجود تفاصيل القضية داخل النوفيلا كما كانت، وكما عشتها تمامًا لم تسمح لي بمجرد التفكير في القيام بهذا التنازل .. هذه الرغبة تتضمن كل شيء: ألا يُنسى هذا الشاب، وما حدث له دون إخفاء أية معلومات .. أن يكون هناك ما يُذكّر دائمًا بمصيره الغامض .. أن أنهي ما بدأته قبل عشرين عامًا من أجل قضيته .. على هذا اعتذرت للناشر السوري، شاكرًا له اهتمامه، ورغبته التي أكدها لي مرارًا في نشر النوفيلا .. ونظرًا لعدم استعدادي لخوض هذا النقاش ثانية مع أي دار نشر عربية أخرى، وكي لا أتسبب في أي حرج لأصدقائي من الناشرين المصريين فقد قررت نشر النوفيلا إلكترونيًا عن دار عرب التي يملكها صديقي العزيز شوقي عثمان وفقًا لطلبه .. بعد أن نشرت الغلاف في صفحتي على فيسبوك مع إعلان موعد نشرها بعد أسبوع؛ طلب مني العديد من الأصدقاء تأجيل النشر حتى يكون هناك إمكانية لإصدارها ورقيًا .. في نفس اليوم وصلتني رسالة كريمة من صديقي المبدع العزيز د. لؤي حمزة عباس يخبرني خلالها برغبته في أن يحاول نشرها في العراق .. بكل التقدير أرسلت له النوفيلا، وأعلنت على فيسبوك أنني سأؤجل نشرها إلكترونيًا بالفعل انتظارًا لهذه المحاولة، ولكن بعد فترة جاء الرد المتوقع .. قال لي د. لؤي بأنهم أخبروه في دار النشر التي عُرضت النوفيلا عليها أن نشرها كفيل بمنع إصداراتهم من دخول معارض الخليج، وهم بالطبع على حق .. لكن خلال فترة الانتظار هذه استمعت لكثير من نصائح الأصدقاء المبدعين والقانونيين الذين تحدثت معهم عنها، وأجمعوا على ضرورة إجراء هذا التعديل ـ ليس خوفًا من المناشير J ـ وإنما لتفادي ردود الفعل العدائية المحتملة للغاية في مصر من أي "مواطن شريف" أو "محامي غيور" أو "إعلامي وطني" .. في عام 1998 نشرت قصة هذا الشاب بوضوح كامل ولغة كانت صادمة للجميع حينئذ، في الوقت الذي لم تجرؤ خلاله أكثر الصحف "شجاعة" على نشر ما يتجاوز "استغاثات مقتضبة" عن الموضوع .. كان هذا جزءًا حتميًا مما كنت أعتبره واجبًا ومسئولية أثناء عملي في الصحافة .. لكنني الآن ـ ومثلما حدثني الأصدقاء ـ لست في حاجة لمواجهة تهديد قائم دون ضرورة .. أعترف أنني أجريت هذا التعديل بشعور سيئ، ولكنني أعترف أيضًا بقوة مبرره أو بالأحرى بداهته التي كانت علاقتي القديمة بقضية هذا الشاب تقف بيني وبين الإنصات له .. هذه الدولة لا تعنيني، وأبسط ما ينتمي إلى حياتي الخاصة يجرّد حكّامها من أي أهمية، كما أن النوفيلا ليست مشغولة بالمكان الذي تم اعتقال وتعذيب هذا الشاب المصري فيه بما يتجاوز البُعد التوثيقي الذي ذكرته، وإنما بالتوظيف الخيالي لتفاصيل هذه القضية، ولهذا فإنني ـ بالطبع ـ لا أريد أن أدفع ثمنًا أكثر قيمة مما يُسمى بـ "الوطن العربي" بأكمله مقابل شيء ليس محل اعتبار عندي أصلًا .
ورغم هذا التعديل فإنني أصررت على نشر النوفيلا إلكترونيًا، وذلك لثلاثة أسباب: كي لا يتم تصنيف هذا التعديل كرضوخ لرغبة دار نشر أيًا كانت .. مرور وقت طويل على الانتهاء منها، ورغبتي في عدم تأجيل نشرها أكثر من ذلك .. صدور مجموعتي القصصية "المطر في كارمينا بورانا" ورقيًا في بداية العام الجديد، وهو ما يعني الحاجة بشكل ما إلى ترك مسافة مناسبة بينها وبين كتاب جديد آخر.
أختم هذه الحكاية الصغيرة بالتأكيد على ثقتي في وعي أصدقائي الأعزاء في هذه "المملكة" من الكتّاب والنقاد الذين تربطني بهم صداقات قديمة منذ ما قبل الفيسبوك، ويعلمون جيدًا محبتي واحترامي لهم.
تحميل النوفيلا
موقع "الكتابة" ـ 9 ديسمبر 2018

الأحد، 9 ديسمبر 2018

ورشة فن كتابة القصة القصيرة (بالمنصورة)

تعلن مؤسسة Motivation للتدريب و التطوير بالمنصورة عن فتح باب قبول الدفعة الثانية من ورشة (فن كتابة القصة القصيرة).
المطلوب للدفعة 10 متدربين فقط.. مدة الدراسة شهران، بواقع محاضرتين أسبوعيا.. مدة المحاضرة 3 ساعات، فيما يساوي 48 ساعة تدريبية.
يشرف على الورشة الكاتب و الناقد الكبير/ ممدوح رزق..
تتضافر الدراسة النظرية (من خلال دراسة أهم نماذج القصة القصيرة في العالم، و دراسة تقنيات الكتابة القصصية) مع الدراسة العملية (من خلال تمارين الكتابة المتنوعة، و التدرب على تقنيات القص عمليًا) لتضع المتدرب في بيئة مثالية للتعلم و تطوير مهاراته و أدواته الأدبية.
يتم إصدار كتاب إلكتروني – بالتزامن مع حفل التخرج – يتضمن القصص التي كتبها المتدربون خلال فترة الورشة، و يُنشَر هذا الكتاب على كبرى المواقع الإلكترونية المعنية بالكتابة الإبداعية.
_________________
المحتوى:
ـ قراءة القصة القصيرة وتحليل عناصرها وجمالياتها عبر نماذج متعددة من التاريخ.
ـ رصد الأفكار، وتشريحها، وتحويلها إلى نص قصصي.
ـ خلق الشخصيات والأحداث والمشاهد، وكيفية تحويل القصة الأصلية إلى قصص أخرى مختلفة.
ـ اكتشاف الموضوع القصصي من خلال أسئلة الذاكرة والخيال وتدوين الواقع.
ـ بناء الخدعة القصصية: تكوين الفراغات، واللعب بالزمن والانتقاء اللغوي، وتدبير المفارقات بواسطة الرموز، وتركيب الكولاج عبر الصور المتباينة.
__________________
عن المشرف:
-
ممدوح رزق
-
كاتب وناقد مصري.
-
صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية..
-
كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة.
-
حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي.
-
تُرجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
-
أشرف على ورشة "أركادا" للقصة القصيرة.
-
شارك في تحكيم العديد من جوائز القصة القصيرة.
-
يكتب مقالاته النقدية في جريدتي "أخبار الأدب" و"الحياة" اللندنية، ومجلة "عالم الكتاب"، وموقع الكتابة الثقافي.
___________________
قيمة الورشة: 500 جنيه ..
خصم خاص 40% بمناسبة افتتاح المؤسسة، لتصبح قيمة الورشة: 300 جنيه.
للحجز يُرجى الاتصال على الأرقام التالية:
01030001670
050 - 2386506
أو عن طرق المكان:
ش الجلاء الرئيسي، أمام حمام سباحة التربية و التعليم و مدرسة شجرة الدر، أعلى صيدلية د. فكري صديق، الدور التاسع، مؤسسة Motivation للتطوير و التدريب.
____________________
آراء بعض متدربي الدفعة الأولى:
لا أعتقد أنني استطعت أن أجمع داخل جٌعبتي كُل الخبرات، ولكن الورشة كانت نافذة مُختلفة لكتابة وقراءة القصة القصيرة، مساحة لتلقي رؤية جديدة، تبادل خبرات وتجارب مُتنوعة، مساحة للابداع والتحرر من الشكل التقليدي للقصة القصيرة. فكلمة كُل الخبرات بكُل تأكيد – وأنا مُرتاحة- أقول أنّها تحتاج وقت أطول.” _ الكاتبة/ سارة طوبار.
إذا أردت الحديث عن الورشة، فلن أجد أفضل من تلك اللحظة التي انفجرت فيها فكرة ما في رأسي، ومضيت أكتبها بكل سهولة، لأنطلق منها وبسببها. ومنذ بدأت الكِتابة في سن صغيرة، لم أكتب ولو مرة واحدة بنفس السهولة التي شهدتها في الورشة، دومًا كنت خائفة أو مُرهقة أو تائهة. وعلى مدار الورشة لم تصبني أي من كُل هذا إلا بنسب لا تّذكر مقارنة بالماضي. الفضل يعود للأستاذ ممدوح الذي كان يعمل على إزالة الحدود والحواجز لننطلق، يضع بين أيدينا المساعدات ويشدد على عدم خوفنا.
أذكر مثلاً في إحدى المرات، طلب منا إعادة كِتابة قصة لكاتب كبير، برؤيتنا الخاصة. عُدت للمنزل وفكرت في الأمر، امتلاك القدرة على إعادة تشكيل ما لا يعجبني، وإخضاعه لرؤيتي أنا، فهذا أمر غريب، ولكنني مضيت أكتب، وبما يُناسبني ويناسب عالمي الخاص. استطاع الأستاذ ممدوح أن يفتح لي بابًا لم أتجرأ على الاقتراب منه. هذا ما فعله معنا –ومعي تحديدًا- أنّه نزع عني الخوف.
أذكر في حفل التخرج، ويوم الختام، أخبرته بأنني لن أسمح مجددًا بأن يُخبرني أي أحد مهما كان بأنني لا أستطيع الكِتابة، لحظتها تغيرت ملامحه للجدية التامة مشوبة ببعض الاستنكار، وطلب مني ألا أسمح بهذا. نظرته تلك هي تلخيص للورشة. هو آمن بنا جميعًا، حتى في أقل لحظات إبداعنا، فجعلنا نؤمن بأنفسنا.” _ القاصة و المترجمة/ نداء الحلوجي.
لما احتضنت القلم لأول مرة في ورشة القصة، أدركت أنني لن أشعر بالوحدة والعجز مرة أخرى.” _ نورهان البدوي.
______________________
روابط هامة:
-
لتحميل كتاب تخرج الدفعة الأولى (ست وعشرون عينًا على الجسر).
https://tinyurl.com/ybye75yk
-
لمشاهدة صور حفل تخرج الدفعة الأولى:
https://tinyurl.com/yawcboyy
-
بعض ما كُتب عن الورشة:
https://tinyurl.com/ydholq7f

الاثنين، 3 ديسمبر 2018

جزء من نوفيلا "جرثومة بو" ... تُنشر قريبًا

دكتور محمد الحسيني سيد خاطر .. العيادة ممتلئة عدا كرسي واحد، كأنه المخصص من أجلي، ولن يجلس عليه أي شخص آخر .. أدفع ثمن الكشف بارتياح لكفاية ما معي من نقود .. أجلس حريصًا على عدم حدوث مواجهة بين عينيّ وعيون الآخرين .. لكنني لا أستطيع الحفاظ على هذا الحذر .. أرفع بصري بتردد نحوهم .. لا أحد ينظر لي .. لا أحد ينظر إلى الآخر .. لكل عينين نقطة في الفراغ تحدقان فيها .. لكل نظرة ممر تعبر منه خارج هذا الفراغ .. رجال ونساء بأعمار متفاوتة تغطي رحلة الإنسان منذ المراهقة حتى نهاية منتصف العمر .. رجال ونساء صامتون .. لا يمكن تحديد أي منهم بمفرده، ومن منهم برفقة آخر .. لكنني أعرفهم جميعًا .. لا يوجد بينهم من لم أقابل وجهه بمكان ما في هذه المدينة .. في شارع، حديقة، مقهى، صالة فندق، داخل محل، فوق كوبري، على رصيف محطة القطار .. لكنهم لم يكونوا هكذا .. كانوا حينئذ بشرًا عاديين، يظهرون بسلوكيات نمطية تخلو من الغرابة، أي لا يبدو عليهم الاستعداد للمجيء إلى هنا، أو ربما كان ذلك المظهر الطبيعي هو دليل اقترابهم من هذه الكراسي .. حينما يُفتح هذا الباب المُقبض ليخرج شخص ما ثم تُشير الممرضة لأحد الجالسين بالدخول؛ أعرف أنهم ليسوا جميعًا فرادى .. هناك زوج وزوجة .. أم وابنها .. أب وابنته .. رجل وأخ أو ربما صديق أو قريب له .. لكنهم كانوا يبدون كأنما جاءوا إلى هنا بعد أن طردتهم اللغة خارجها .. لم يتكلم أي منهم كلمة واحدة مع الآخر فتحوّلت حجرة الاستقبال إلى ما يشبه سرادق عزاء ينقصه التوصل إلى معرفة هوية الميت .. ربما يستطيع هذا الإله الجالس في الداخل بملامحه المجهولة لي، والذي يتعاقب على الامتثال بين يديه كل هؤلاء المنبوذين من فكرة الألوهة؛ ربما يستطيع أن يعيد الحياة إلى ذلك الشيء المبهم الذي لا يستوعبون كينونته، وهو ما قد يعني إعادة تدوير المزيد من الكلمات المؤقتة .. أنا أريد هذا .. أتمنى ألا يتعدى الأمر بالنسبة لي سوى الاحتياج إلى تلك الرحمة الزائفة من اللغة .. التي سأستمتع بتفتيتها مع علب السجائر، وزجاجات الستلا، وأطباق الفول سوداني داخل "مارشال المحطة" في كل مرة أستطيع خلالها أن أسرق شيئًا ثمينًا مخبوءً لن يمكن ملاحظة اختفائه من مقتنيات أسرتي ثم بيعه للمخنثين من تجّار المسروقات برخص التراب .. أتوسل إليك يا من تمثل الدناءة الغامضة في ذاتها أن تجعل هذا الطبيب يخبرني بأن التنميل والخذلان في أطرافي ليس بداية ضمور النخاع الشوكي، وأنني في حاجة فقط ـ مثلما يخبرني أطباء آخر الليل في المستشفيات ـ لـ "راحة الأعصاب".
* * *
في صباح اليوم التالي يخرج من منصور من بيته .. يمشي ببطء مبتهج، خفيفًا كطفل يخطو خطواته الأولى .. مشي أقرب إلى طيران متمهل، ثملًا بنقائه الخالص في بداية معجزة تتحقق .. يسير داخل المسارات التي تعوّد طوال الأربعين سنة الماضية أن يدور بينها كأنما صارت هذه الشوارع اختزالا جامدًا لهويته المكانية في تاريخ المدينة .. يتأمل الوجوه باحثًا عن الغنائم الملائمة بالنسبة إليه كي يبدأ بها في دفع العالم نحو أسطورته الأخيرة .. الملامح التي يعرفها منصور تمامًا بوصفها نسخًا متوارية من ملامحه، والتي سيستعملها لتنفيذ المهمة التي كتبت زيارة الغراب له أمس نقطة انطلاقها .. لم يكن منصور يبحث عن الوجوه المألوفة التي لن يستبعدها من الضحايا المشردين، والمعدمين، والصعاليك التقليديين، والمنبوذين، والخائفين، والمقامرين، والمعطّلين، والفائضين عن الحاجة، والذين يجلسون في المقاهي الصغيرة المنزوية في الوقت الذي يجب أن يكونوا خلاله داخل بيوتهم .. بل كان يفتش أولًا عن ملامح أخرى، أقل عمومية وأكثر دقة من أبناء سفاح المدينة .. عن الذين يشبهونه في كيفية التخطي لأحلام وكوابيس الحياة والموت نحو الحقيقة الصافية للعالم التي ستمحو أية صور أو احتمالات أخرى له .. الحقيقة التي ستولد وتنمو وتتطور وتتعاظم وتطغى وتبتلع كل شيء لتكتب النهاية بنفسها.
موقع "قاب قوسين" ـ 1 ديسمبر 2018

الجمعة، 30 نوفمبر 2018

التراث الشعبي ونقد القصة القصيرة

مدخل نظري
كثيرة هي الدراسات التي تناولت أثر التراث الشعبي في القصة القصيرة المصرية، ولكن هل تقتصر حاجتنا على الاستمرار في تكديس المقاربات التي لا تتجاوز تحليلاتها التوظيفات المباشرة للحكايات الشعبية ـ التي تعنيني بشكل خاص ضمن هذا التراث ـ في المشاريع القصصية المختلفة؟ .. بما أن التراث حصيلة دائمة الاستزادة والتغيّر، فإنني لا أفكر في مجرد الخروج عن القوالب المنهجية في تشريح طرق الاستلهام المتعددة للتراث الشعبي في القصة القصيرة المصرية، وإنما في إعادة تعيين التراث نفسه، وذلك لا يعني سوى التحرر من التنميط الشائع للفولكلور كحاضن للخرافة والموروث الحكائي والثقافة الشفاهية، أي من الأفكار واليقينيات السائدة التي تحتكر هذا التراث داخل سياقات محددة من الرموز والتقاليد.
يزخر الواقع المصري بالأحداث الغرائبية الجديرة بخلق واكتشاف العلاقات بين تراكماتها المتنوعة، وما نعتبره مندرجًا في نطاق الحكايات الشعبية .. لنتخيل مثًلا المواويل الريفية التي كان يغنيها القتلة في القصص القديمة، أو كلمات القراصنة المغتصبين وهم ينهبون المدن ويحكمونها، أو مشاهد الغيلان التي تأكل البشر والحيوانات ليس فقط داخل الجرائم الراهنة التي توصف أحيانًا بالأعاجيب الصادمة المتخطية للخيال ـ كتعذيب واغتصاب وقتل الأطفال مثلًا ـ والتي تواجه بالاستنكار وعدم التصديق رغم استمرارها المتزايد فحسب؛ وإنما كذلك داخل ما لا يبدو على المستوى الظاهري شرًا، أو مصدرًا للعنف، أو صورة للانتهاك .. هذا التخيل ينبغي أن يكون دافعًا للانشغال النقدي بالاحتمالات المعرفية والجمالية التي يمكن أن تنشأ عن الجدل بين هذه الأحداث، والقصص القصيرة المصرية التي حملت أشكالًا من التناص مع التراث الشعبي .. لا أتحدث هنا عن المقارنات المألوفة أو المزج التقليدي بين متن سردي سابق، ومتن واقعي مماثل، بل عن رصد التأثيرات الناجمة عن خلخلة وتقويض ما هو طبيعي ومنطقي ومسالم بل ومقدس إذا ما تم إقحام ما يبدو متنافرًا ومتخاصمًا معه داخل البنية التي تكوّنه ..  سيؤدي هذا إلى إعادة تأويل وإنتاج القصة والشخصيات والأحداث، وبالضرورة إلى إعادة تأويل الموال، والقرصنة، والوحشية الخارقة .. هذه الاستراتيجية لا تعتمد فقط على التقابل بين المتشابهات سواء بين القصص التي تستخدم الموروث الشعبي وبعضها، أو بين هذه القصص والوقائع السياسية والاجتماعية، كما لا تستهدف الوصول إلى صيغ أخرى منسجمة من معطيات الفكر، بل تسعى أيضًا إلى استلهام القصص الممكنة ـ خاصة غير المتناغمة مع الدلالات الأصلية ـ والمحتجبة داخل كل سردية معلنة .. إنها مساعدة الخطاب على أن يفرز تمثلاته غير المنضبطة، أي التي لا تخضع لنظامه اللغوي الأساسي، ومن هنا لا يبقى المعنى مرهونًا للتحوّل فحسب، بل يتغيّر تاريخه أيضًا.
يتحالف نقد القصة القصيرة على هذا النحو مع إرادته النصية؛ أي يستجيب لرغبته في أن يكون قصة أخرى، لا تتوازى مع النص موضوع العمل فقط، بل تتخذ كذلك مسارًا مغايرًا له، ينفتح على إمكانيات سردية دائمة .. يكون النقد جزءًا من المخيلة الشعبية التي يفككها ويتجاوزها صانعًا أساطير مضادة للثوابت والمسلّمات التي تقوم عليها .. تجابه هذه الأساطير المضادة الحقائق المضمونة، والعلاقات الحاسمة التي تناقلت وتجذرت عبر المشافهة والتدوين الحكائي .. تتحوّل قصص النداهة والكائنات الخرافية والجان والسحر والآبار الملعونة والمستنقعات والأشباح والحوريات والمخلوقات العملاقة والصفقات مع الشيطان ونبش المقابر والتهام الجثث إلى دوافع نقدية مقاومة لنفسها، أي للدلالات المهيمنة المقترنة بها، والتي امتلكت بداهة مطلقة عبر الزمن.
إن قراءة القصص التي استوحت "الظاهر بيبرس"، أو "سيف بن ذي يزن"، أو "علي الزيبق" على سبيل المثال يمكنها ألا تتوقف عند حد إعادة التأكيد على نفس الغايات المثالية القديمة التي يتعاقب النقّاد على تمريرها بكيفية روتينية نظرًا لكونها تمثل القيم السهلة، الحاضرة في متناول الذهن على الدوام، ولا تثير بعفويتها المروّضة شعورًا بالرفض بل على العكس تُلبي احتياج القرّاء إلى لغة مُطمئِنة، ذات غنائية مخادعة، غير مستفزة، ولا تُفنى مهما تم استهلاكها.
نموذج تطبيقي
لنقرأ هذه القصة القصيرة التي كتبتها منذ وقت بسيط:
النفق
"يجلس عامل النظافة العجوز على الأرض بجوار مقشته القديمة داخل نفق المحطة حيث تصل القطارات وتغادر فوق رأسه .. يرتشف من كوب الشاي الذي في يده ويردد مع "فاطمة عيد" التي ينبعث صوتها من المسجّل الصغير في يده الأخرى: "ع الزراعية أنا رحت أقابل حبيبي" .. يعبر المسافرون أمامه وينظرون إليه فيبعد عينيه عن عيونهم .. عدا رجل واحد فقط .. رجل في منتصف العمر حينما مر أمامه ونظر إليه لم يحرّك وجهه إلى الناحية الأخرى .. كان في ملامح هذا الرجل شيئًا ما جعل عامل النظافة العجوز يريده أن يرى تلك الدموع الخافتة في عينيه، التي ترتجف دائمًا مع دوي القطارات".
ربما ينظر الناقد التقليدي إلى هذه القصة باعتبارها تجسّد حالة حنين مؤلمة، تحفزها إحدى أيقونات الفن الشعبي "أغنية فاطمة عيد" المقترنة بدوي القطارات حيث ذاكرة الرحيل الفادح وشوق الرجوع المتمنّع: إلى القرية التي غادرها عامل النظافة العجوز منذ زمن طويل ولم تعد كما كانت .. إلى حبيبته التي افترق عنها .. إلى أحلامه المبكرة التي لم تتحقق .. قد يفكر هذا الناقد في أن الرجل الوحيد الذي أراده العجوز أن يرى دموعه ربما يكون وجهه مشابهًا لأحد وجوه قريته ومن ثمّ أراد أن يحصل منه على عزاء ما، أو أنه اكتشف نفس الفقدان المعذّب في هذا الوجه فيحاول أن يستمد من خلاله نوعًا من التكاتف، أو أنه يحمل نفس ملامحه حين كان في منتصف العمر فيرسل إليه ما يشبه التحذير التائه، المتلازم بشكل من التماهي مع صورته القديمة التي لم يعد عليها، والرغبة في أن تتخذ حياته مسارًا مغايرًا، تتبدل معه بالتالي حياة العجوز ومصيره بطريقة مبهمة .. قد يلصق هذا الناقد برموز القصة ذخيرة التفسيرات المتكررة الأقرب إلى المحفوظات المدرسية: مصر هي الحبيبة التي تغني في صوت فاطمة عيد، وباعدت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينها وبين حبيبها الذي أصبح عجوزًا مكسور القلب .. المقشة هي علامة القهر الطبقي الذي تسبب في هذه الغربة بين عامل مسكين، وقريته التي شهدت متغيرات مدنية عنيفة كرّست لانفصال أبنائها عنها، وتركتهم عالقين في نفق لا يستطيعون اجتيازه؛ فأصبح لا فرق بين العجوز وبين ما يكنسه بهذه المقشة .. الرجل العابر الذي لم يُبعد العجوز عينيه عنه هو المخلّص المنتظر الذي يحلم العجوز أن ينقذه ـ حينما يرى دموعه ـ أي أن يعيد إليه حبيبته "مصر" كما كانت.
لكن بالنسبة لي فإن العجوز هنا ليس مجرد شخص يشعر بالحنين تجاه ذكريات معينة، ويجابه مأساته الخاصة، المترتبة على وجوده في لحظة محددة من التاريخ، في مكان كمصر، بل هو ذات تخوض مواجهة متحسّرة مع كل ما آمنت به وصدّقته .. مع الوعد الذي كان يمثله صوت فاطمة عيد في الماضي، ليس بتحقيق أحلامه تجاه القرية والحبيبة والوطن، بل بأنه سوف يكتشف ذات يوم ما هو مستتر في الأحلام نفسها، الأمر الذي لم يتحقق أبدًا .. أغنية فاطمة عيد تذكّر العجوز بالعماء الذي كان كامنًا في طموحه البدائي، ولا يزال غير قادر على الإفاقة منه، بعد أن تحوّل تدريجيًا، ومع مواصلة الإيمان والتصديق إلى ظلام كامل .. لذا يحاول العجوز عبر هذه الأغنية أن يستعيد البداية محاولًا فهمها، استنطاق ما كانت تخبئه حين سمعها للمرة الأولى، تذكيرها بالشيء الذي كان ينبغي أن تفعله رغم كون هذا الشيء لا يزال محتفظًا بغموضه ومراوغته .. الأغنية ليست مجرد حمولة عاطفية مثيرة للشجن بل ممرًا كان يجب أن ينتقل العجوز بواسطته من خيال مدرك إلى واقع ملغّز، ولكن هذا الممر المفترض تحوّل إلى نفق مقبض .. كأن العجوز يحاكم تحت وطأة المحبة المخذولة هذا المجهول الذي أصبح خبثًا متواريًا في تلك الأغنية المسالِمة .. المجهول الذي أصبح تجهيزًا ودعمًا للفقد .. وبالمثل تصبح المقشة القديمة كأنها العكاز المخاتل الذي لا يساعد العجوز كي يعبر النفق .. العكاز الذي يمثل تجاربه وخبراته كافة، ويقينياته تجاه المبادئ المطلقة تحديدًا .. أما النفق فلا يجب أن يكون أقل من الوجود نفسه، وليس ما أصبحت عليه "مصر" .. الزمن الذي يبدأ وينتهي دون إمكانية للتحرر منه، أي حيازة سفر استثنائي مستحيل يحفر دوي القطارات في جرحه الغائر .. كأن دموع عامل النظافة العجوز هي دليل عجزه عن فهم لماذا لم يحصل على الحماية من كل ما تصوّره هذه الأغنية وما يشابهها .. أي شيء في داخله أجبره على اعتناق هذا الذي يقدم نفسه كحقيقة غير قابلة للشك .. لماذا يتحتم على المرء ألا يمتلك سبيلا آخر، أو فرصة للنجاة خارج هذا الحصار، أو على الأقل أن يستوعب ما حدث .. ولن يكون غريبًا أن يكون هذا العجز هو الدافع الأكثر قوة للاستمرار في الاستماع إلى هذه الأغنية .. للتمسّك بها .. ليس بوصفها تذكيرًا بالغفلة السحرية القديمة فقط، وإنما كتوسّل لها، لجمالها الذي اعتقده العجوز منذ زمن طويل إشارة للأمان الذي لا يمكن تهديده .. أما الرجل العابر فهو الاحتمالات المرآوية لهذه الذات التي يمثلها عامل النظافة العجوز، ملامحه المختلفة عبر الزمن، الوجه المغاير الذي لا يخصه، ولكنه يعطي إيحاءات باتخاذه نفس المسار عبر الحياة والموت .. لذا فرغبة عامل النظافة العجوز لأن يرى هذا العابر تحديدًا دموعه تنطوي على الأمنية اللائقة بكل احتمال: المواساة .. التضامن .. التنبيه .. المحو .. ربما رأي عامل النظافة العجوز في ملامح هذا الرجل الذي في منتصف العمر مشابهة لما يثقل قلبه المنهك، جعلته يشعر بأن هذا الرجل يمكنه توثيق حياته القادر على تخيلها عبر هذه الدموع،أ أن يكتب حكايته، أي يُعيد خلق آلامه بالكلمات فينقذه على نحو آخر، ليس بوسعه تحديده، ولو بمجرد هذه المقاومة اليائسة للنسيان .. لكنها ليست الأمنيات المنكمشة داخل الأطر المباشرة التي سبق وتحدثت عنها، ولكنها الأمنيات التي تتعلق بالعجوز كفرد وحيد، خارج الهويات المتعسّفة، يجمع فقط القمامة التي يخلّفها لعب الزمن بالقطارات، وهي تتوهم أنها تنتقل من مكان لآخر.
صحيفة "المثقف" العراقية ـ 29 نوفمبر 2018

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

ممدوح رزق: تذكر الماضي ليس الماضي نفسه

"ممدوح رزق"، انتبه له جيدًا، إذا كُنت في تجمع ما، وبدأت في سرد حكاية، أو موقف مُختلف، أو أمر مغاير غير عادي قد مررت به، فستجده يُدير كُرسيه، ويلتفت إليك كُليًا، الحكاية استحوذته، وبالتالي يُوجه دفة عقله وتفكيره ناحيتك، وعند هذه اللحظة، عليك أن تعرف معرفة مؤكدة أنّه عمل على تفعيل المُخبر السري داخله، ليلتقط من حديثك ما شرد، يُخبيء ما أفضيت به، يسألك عن أدق التفاصيل، عن شكل المكان، الزمان، الأشخاص، يعمل على تجميع أرشيف لك أنت شخصيًا، بالطريقة التي تتحدث بها، باللكنة والتأكيد على بعض مخارج الحُروف، كانسًا كُل ذلك ومُحتويه داخل طبقات ذاكرته ليستخدمها في وقت ما، بل عليك التيقين من أنّه سيستغلها داخل أي نصالحياة بالنسبة له هي الحكاية، ومن الحكاوي المدفونة والمُتكونة عبر التقاطعات الزمانية ينشأ سرده.
قام العمود الفقري للنص عبر الإتكاء على عنصر الذاكرة، وكيفية تكونّها خلال شريحة الزمن. فما هو تعريفك الشخصي للذاكرة؟
أفكر في الذاكرة باعتبار أن تذكر الماضي ليس الماضي نفسه، وأن تدوينه يحوّل التذكّر إلى خسارة للتذكّر، أي أنها هزائم مضاعفة مهما كانت قوة الثقة لمشاعرنا أو لقراراتنا اللغوية تجاه الذكريات
.
 ميت حدر منطقة الطفل داخل النص،هي نفس المنطقة التي سكنتها في طفولتك. فهل يحكي الطفل التقاطعات الزمانية والمكانية بينه وبين الطفل ممدوح رزق؟
نعم، يحاول طفل الرواية أن يحكي ما يعتقد أنه التاريخ الواقعي لطفل الثمانينيات داخل هذا المكان، وهذا ما قد يجعل الرواية متطابقة مع ما حدث فعلًا، أو مختلفة ـ كخيال صادق ومجسّد ـ عن ماضي الطفل المسرود عنه.
اتجه بعض القُراء إلى اعتبار: فراش المدرسة، المعلمات، الخبّاز، بائع المخدرات، وغيرهم، إلى كونهم أشخاص موجودين  بالعفل وحتى الآن. هل هذا صحيح؟
جميع شخصيات الرواية حقيقية، ومعظمهم لا يزال على قيد الحياة.
إذَا، هذا قد يدفع البعض إلى التفكير في إشكالية شهيرة، وهي عدم أخلاقية الكِتابة عن أحدهم ولايزال على قيد الحياة؟
الرواية من ضمن ما تقوم عليه هو التوثيق الحرفي التام لكل ما يتم تذكره، أو ما يبدو أن هناك نجاحًا في استرجاعه ـ وسرده مهما كان، وليس هناك أي محظور أخلاقي يمكنه أن يعطل استجابتي العفوية لما تتطلبه وتقتضيه الكتابة.
انتهي كُل فصل بتجميعة كبيرة تضم تذكير بـ: إعلانات، أغاني، صور، كُتب، مجلات، حكاوي وغيره عن طفولة فترة الثمانينات. هل يُمكن القول بأنّ هذا كان بمثابة الموسيقى التصويرية للرواية؟
هذا تعبير واع وملائم بالفعل .. هي ظلال لروح الطفل أو هويته الباطنية التي تضيء طبيعة وجوده داخل كل فصل، وأيضًا رسائل توثيقية إلى الذين تنتمي طفولتهم لحقبة الثمانينيات، كما تمثل كذلك شفرات لـ "الحادث الأليم" في الفصل الأخير من الرواية.
يذكر الناقد روبرت همفري أن تيار الوعي يعمل على إبراز الجوانب الذهنية للشخصية، أما المنولوج الداخلي المباشر فيه استرسال وعدم اهتمام المؤلف بالقاريء. و"إثر حادث أليم" تقف في منقطة وسطى  وفاصلة بين هذا وذاك.
نعم، الرواية يقودها هذا الصوت الجوّاني، بتمثيلاته السردية المختلفة، حيث ينعكس وعيه المتعدد بالذكريات، وعواطفه تجاه ما يستدعيه، وطريقة تدوينه للماضي على طبيعة هذا الصوت .. حرصت بشكل كامل على توثيق ما أردت له أن يظل موجودًا في العالم بواسطتي، أو أن يبقى من خلال أثر سأتركه .. تعمدت أن أنقل طفولتي أو جزءًا منها بكل الأوصاف والسمات والخصائص التي كانت لشخصياتها وأحداثها وأشيائها من الخفاء إلى الوضوح الساطع، وبدقة متناهية خصوصًا كل ما يبدو صغيرًا وبسيطًا وعابرًا وهامشيًا أو لا يمثل ظاهريًا أكثر من نفسه.
يذكر البطل قُرب النهاية أنّه يكتب كمحاولة لعدم التذكر، أو على حد تعبيره" لعدم ترويض الذاكرة". فكيف يٌمكن ذلك؟ وهل هو أمر من المستطاع تحقيقه؟
الماضي يُذكّر كاتب المذكرات في كل لحظة أن كلماته لا تمثّل الحقيقة كما كانت تمامًا، وهذا ما يدفعه أحيانًا للاعتقاد بأن إصراره على التذكر والكتابة هو نوع من محو الذاكرة طالما أن كل ما يرتكبه يساهم في إبعاده عن نقائها الخالص، وبالتالي وكما جاء في الرواية، يبدو كل استرجاع كأنه فقدان للماضي كما كان حقًا، ولأن الكتابة معادية للتذكر القاصر والمخذول أصلاً، فهي تضمن أن يبقى الماضي مُغيّبا، غير خاضع لسلطة الحاضر، أي غير مروّض، ولا يعلن لصاحبه عن هذا الوجود المقصي، الحصين والمتمنّع إلا بواسطة ما لا يمكن تذكره أو تدوينه، أي عبر الإشارات الذهنية الخاطفة، كما جاء في الرواية أيضًا، التي تمحو العالم بشكل مباغت وتعيدك بدهاء إلى طفولتك للحظة غير مكتملة، تتلاشى على الفور، كأنّ الموت نفسه هو الذي يفعل ذلك
.
تكتسب النهاية نوع من الغموض، فالفصل الأخير يُمكن اقتطاعه من السياق واعتباره قصة ترتسم بطابع السوريالية الوحشية. ويُمكن الربط بينه وبين السياق  من خلال نعي جريدة الأهرام في المقدمة وكذلك  عنوان الفصل نفسه (لغز كاتب المسرح) ، فإلى أي مدى يُمكن اعتبار الغموض مقصود؟
بالطبع لا أستطيع أن أتحدث، الآن على الأقل ـ بشكل تفسيري عن ما يبدو غموضًا في الفصل الأخير، ولكن يُفترض أن “لغز كاتب المسرح” مبني على ما أعتقد أنها استفهامات أساسية للرواية: من هو الابن؟ .. من هو الأب؟ .. لماذا يستعير الأب الذي هو بالتأكيد على قيد الحياة ابنًا وهميًا لينشر مذكرات طفولته؟ .. هل الأب هو كاتب المسرح نفسه؟ .. ما هو الحادث الأليم؟ .. هل ما جرى في اليوم السابق لهذا الحادث كان كابوسًا وصلت فيه رغبة طفولية قديمة إلى هلاكها حينما حاولت أن تتحقق؟ .. هل وقع الحادث كنبوءة لكاتب المسرح أم لحقبة الثمانينيات؟ .. هو بالفعل لغز لا يمكن حله مهما كانت الإجابة على هذه التساؤلات.
 إلى أي مدى اختلفت معالم المنصورة في الثمانينيات عمّا هي عليه الآن؟
اختلفت كثيرًا جدًا .. وما بقي كما هو ـ أو ما أظنه كذلك ـ  غابت "العيون الثمانينية" التي كانت تبصره.
"إثر حادث أليم" رواية تحكي عن منصورة الثمانينات؟ عن الطفولة وقتها عامة؟ أم ..؟
عن الطفل أو “المسرود عنه” بواسطة الرجل الذي صار إليه، والذي يُشهر مذكراته في وجه هذه التساؤلات التي كرّست لجحيمه الشخصي: ما الذي حدث؟، ما الذي لم يحدث؟، لماذا جرت الأمور هكذا؟، هل هناك نهاية أخرى؟، هل ستحدث معجزة ما قبل أن يأتي دوره في الفناء؟ .. المذكرات التي تتضمن ما تعتقد طفولة شخصية أنها تعرفه من الفضاءات المكانية التي اختبرتها داخل المدينة في ذلك الزمن.
تكتب في النقد والرواية والقصة والشعر والمسرح والنصوص الغير مقيدة بتصنيف معين. فأي هذه المجالات هي الأقرب إليك؟
القصة القصيرة بالتأكيد.
 ما هو جديدك القادم؟
نوفيلا "جرثومة بو" .. مجموعة قصصية جديدة .. كتاب نقدي عن فلسفة السرد عند جورج باتاي.
حوار: أحمد أبو الخير.
جريدة "القاهرة" ـ الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

الأحد، 18 نوفمبر 2018

تفكيك موسوعة الشر

تقوم قائمة الانتقادات والمآخذ على إرادة دائمة لاكتساب الأنا الفردية القارئة تلك الذات كلية المعرفة، المنطوية على قوة إدراكية مطلقة، وبالتالي يجدر بها امتلاك سلطة الهيمنة خارج ما يمكن أن يُفترض كحدود لوعيها.
تستدعي هذه الذات الصوت البلاغي الذي يحتّم أن يكون لرؤيتها في لحظة معينة بداهة عامة، حكمًا استحواذيًا قادرًا على توظيف التعارضات كافة لإثباته .. كأنها ـ مع اختلافاتها ـ تكرّس خطابًا ضمنيًا جماعيًا، تتباين مستويات حدته يقول: "أنا أعرف ما هي الكتابة، والكيفية الصائبة الوحيدة لمقاربتها .. ما الذي يجب أن يُكتب وما لا ينبغي .. كيف، ومتى يُكتب؛ ذلك لأنني دائمًا أتخذ الجانب الصحيح من كل شيء، وهذا ما يعطيني الحق الشامل في أن أكون معيارًا واجبًا للجميع، وبالضرورة ليس للآخرين الحق في رفض أو معاداة ذلك".
هذه الذات تتحدث كإله يتفرّد بالهيمنة على الحياة والموت .. التراث .. الحداثة .. السلوك الإنساني .. الأفكار .. التفسيرات النفسية .. التاريخ .. التحليل الاجتماعي .. الحرية .. الجرائم .. الأخلاق .. الحضارة .. الديانات .. القضايا الأساسية .. تتحدث كإله يحتاج للنجاة من إنسانيته .. تريد أن تدافع عن وجودها ـ غير الإلهي ـ أو كـ "أنا" عمياء في مقابل الحياة والموت التي لا يمكنها السيطرة عليهما .. لذلك؛ فمساحة العماء الشخصية بكل ما تتضمنه من أوهام مؤقتة أو دائمة لابد أن تُستثمر لتتخطى نفسها .. لتصير حقيقة لا تقبل الإرجاء أو التعطيل ومن ثمّ تكتسب تعويضًا عادلًا من الأبدية المفترضة للسلطة التي تستعملها .. هكذا يكون لهذه الذات حق التعبير "الصحيح" دون غيرها عن المعنى والمنطق والقيمة والجدوى والابتكار واللغة والأسلوب والعمق والتوافق والدلالة والمتعة والإشباع .. يكون لهذه الذات الحق في أن تفرض خبرتها الخاصة ليس على الكتابة المتحققة ونقدها فحسب، بل على ما لم يُكتب بعد، وبالتالي على طريقة تناوله وتحليله؛ أي تصبح هذه الخبرة "رادعًا مقدسًا" يتقدّم على كل نص محتمل ونقده بخطوة تفاديًا لأخطاء الماضي، وهو ما يفسّر التكدّس المتواصل للأعمال الأدبية والنقدية المتناسخة .. لا يسمح خطاب هذه الذات بالكشف إلا عما تنحاز إليه، وهو بذلك يقيم الحواجز اللغوية التي تمنع ما يقاومه من التسلل إليها .. تعلن عن يقين، وتصمت عن ما يمكنه انتهاكه .. ترسّخ خبرة وتزيح علامات خلخلتها.
أعود لكلمات سابقة عن تدوينات القراءة وكيفية تبرير الخطاب لنفسه: "هكذا نحن لا نتحدث عن "أخلاق" من أي نوع، ولا عن جماليات أدبية بل عن انتهاز متبادل، غير محكوم بين القارئ والسلطة ينتج دومًا ما لم يكن يبدو متضمنًا فيه منذ البداية".
إن ما يسمح بوجود مساحات التوافق والتقارب الطاغية بين هذه الممارسات اللغوية العدائية هو استعمالها المستمر لمجاز السلطة حيث كل ما تم الاستقرار عليه ـ أو ما يبدو كذلك ـ في الذاكرة الفردية، والذي يتخذ ظاهريًا شكل المسلّمات العمومية، أصبح حاكمًا باختلافاته وتناقضاته؛ لذا تتحوّل المحاذير الشائعة إلى خامات يجب توظيفها مهما كانت متغيّرة، ومهما كانت غير قابلة للتجانس مع مفاهيم / أحكام أخرى .. تتحوّل العاطفة، والتميات المتصفة بالتقليدية، والخيالات التي يُشار إليها كصور نمطية إلى فرص للإدانة .. "كيف تجرؤ أن تتألم بهذه الطريقة الخاطئة؟" .. يتحوّل التأويل الذي يخلق الاستفهامات، ويؤجّل المعنى، ويحرر النص من الغايات القاصرة إلى مبرر للاتهام .. "مهما تكن حياتك التي أجهلها؛ لكنك يجب أن تفكر في العالم، وتعبّر عن تجاربك من خلال بصيرتي" .. هذا ما يُفسر أيضًا لماذا تتشابه الذخيرة اللغوية المستخدمة ضد العمل الأدبي الذي لا يسعى  وراء هدف مثالي، أو على الأقل لا يحوم حول غرض مناوئ للقبح "كما يتم تعريفه في وعي القارئ"، وبين العمل النقدي الذي لا يحاكم هذا النص وصاحبه، ولا يعيد تذكيره بـ"الهموم الحقيقية" للواقع أو الوطن أو العقيدة أو الأمة أو الإنسانية ... إلخ، ولا يضيء له "الطريق الصحيح" ليكون إنسانًا وكاتبًا أفضل.
هذا هو المقال الأخير من سلسلة مقالات الباب الأسبوعي "نقد استجابة القارئ العربي"، وقد مثّلت هذه المقالات متنًا مختزلًا على نحو ما للمشروع الذي سيُنشر في كتاب كاملًا، كما يسعدني أن أختتم هذه السلسلة بمقال أعتز به للكاتبة منال حسين نُشر على منصة "رقيم" في 9 نوفمبر  2018 عن "نقد استجابة القارئ العربي":
وللرواية محاكم تفتيش!
منال حسين
بدافع ما تكاد تجهله معظم المرات كُتبت تلك الرواية وتلك القصة؛ فإما أن تقرر خوض خبايا تلك المعاني والأسرار والعواطف الخفية التي بالكاد تُظهرها النصوص والحوارات كأنها قد خبأت نفسها خلف وشاح مستتر،خشية الحكم عليها بقذيفة مباشرة من قبلك أنتَ أيها القارئوإما أن تكون ذلك الحاكم المستبدّ الذي تخشاهُ الرواية متسلحاً بأدوات من النقد اللغوي والبلاغي والقيميّ والجمالي الذي لم يشهد أحد حتى الآن مَن أرسى قواعده وقدّس أحكامه!
لا يمكن للفنون أن تنزل منازل الأحكام النفعية الاستهلاكية؛ أن تنحصر بين قطبيّ"ناجحة،فاشلة" أن تتقزم وتتقلص أسباب انتشارها بجائزة معيارية محدودة؛ أو أن تتلاشى قيمتها ويُمحى أثرها كونها ذات معايير وتقيميات لا تخضع لسباق الجوائز ذلك! جرب لمرة أن تتجرد من تلك الأحكام المتعجلة السهلة؛ الأحكام التي تُطلقها عليها كوجبة غداء سريعة تناولتها في أحد مطاعم الوجبات السريعة:"جيدة،سيئة،عادية،مذهلة، تقليدية،ممتعة.."؛ أن تنزلها منزلة نظرية علمية متأرجحاً بها بين أخطأ في هذا وأصاب في ذاك وكان لابد من تلك! جرب أن تتعامل مع النص كلغزٍ متشابك عسير تحاول أن تفكك أسراره وأُحجياته، ولو بدا لك شديد البساطة تأكد بأن فك اللغز هنا أصعبحاول أن تتفاهم مع النص أن تتحاور معه أن تخلق جسر انسجام يربطك به، وذلك الذي لم تستطع أن تُفك لغزه أو تكشف الحُجب عنه استسلم حينها ولا بأس بذلك؛ حتى لو أمضيت وقتاً تحاول أن تكشف ما كان يقال وما لم يقال ولم تصل لنتيجة تُرضيك؛ جرب عندها لمرة أن تقول بأنك لم تستطع أن تندمج في تلك الألغاز البسيطة ذات المعنى المُبهم لك؛ جرب لمرة أن لا تُحمّل الرواية ضيق الأفق لديك أو توسع المدارك لديك فوجدتها أصغر مما لديك؛ أن لا تحملها فوق محدودية ذوقك الخاص
جرب لمرة أن تتواضع وتجيب بأنك لم تفهم الأنا الكامنة وراء تلك الرواية!
حاول أن تتذكر لمرة بأنك الآن لست في مقام دروس علمية وعظية، تناسى تلك الأطر الاجتماعية الدينية الأدبية التي تضع الرواية في زاوية الواعظ المرشد أو العالم الخبير؛ لأن الرواية هي من سُتخبرنا بما يمكن لتلك الأُطر أن تؤثر على الذات البشرية عن طريق تلك الرواية "الخيالية".
حاول أن تتعامل مع الرواية كقطعة من الأثر الماضي؛ قد نصل لشيء من حقيقتها لكن ثق بأننا لن نصل لحقيقتها الكاملة!
بتصرف مما كتب عنه بتفصيل مُستفيض الكاتب "ممدوح رزقناقداً على استجابة القارئ العربي.
موقع "الكتابة" ـ 18 نوفمبر 2018

الخميس، 15 نوفمبر 2018

كتمثال يحدّق في حائط

من وراء هذه النافذة الزجاجية الكبيرة
التي تطل على الميدان الواسع
رأيت كثيرات يشبهونكِ من بعيد
ملامحك                     
جسدك
طريقة خطوك
وكلما اقتربت أي منهن
أتأكد أنها سرابك الخبيث
الذي يعرف كيف يكون بصرًا حادًا
أتدركين ماذا يعني هذا
أنكِ لن تدخلي أبدًا من هذا الباب
دون موعد لا أقدر على تبريره
بابتسامتك التي لم تومض خارج مخبئي
منذ ثمانية أشهر ويومين وأربع ساعات
وأنكِ لن تجلسي أمام احتضاري الغافل
الذي جررته من أمام صورتك على شاشة اللابتوب في بيتي
إلى هذا المقعد الذي لم يتحوّل رغم الانتظار الطويل
ومراقبة الموتى
إلى عرش سماوي...
أنكِ لن تقرأي لي قصتك الجديدة
لا لكي أساعدك على إعادة خلقها
مثلما تعوّدت الحياة أن ترسم يقينًا قاصرًا لنا
بل لأكتشف أنها رسالتك المشفّرة
التي ليس بوسعها أن تكون خطابًا عاريًا
يخبرني بأنه إذا كان هذا شتائي الأخير
فإنني أستطيع اختلاس نهايتي داخلك.
أتدركين ماذا يعني هذا أيضًا
أن كل من رأيتهن من وراء النافذة الزجاجية الكبيرة
التي تطل على الميدان الواسع
كانوا حقًا أنتِ.
منصَّة (Rê) الثقافيَّة ـ 13 نوفمبر 2018
اللوحة للفنان التشكيلي: أكرم زافي ـ سوريا.

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

تأويل المسافات المضمرة في قصائد زهرة يسري

كيف يمكن أن يكون التصاق الجسد بالأشياء التي تمثّل علامات متغيّرة لسجنه المتنقّل واشيًا بالمسافات الموحشة بين الأنا والتفاصيل الأزلية لحصار الواقع؟ .. تحاول قصائد "زهرة يسري" التفكير في هذا الاستفهام بتوالداته الممكنة عبر مشاهد موجزة، وتكثيف لغوي يمرر الكلمات المقتضبة بنعومة نصل بالغ الحدة، ليخلق إيحاءً مستمرًا بطقس مقبض؛ كأن انفجارًا وشيكًا لم يوجد داخل النص، ولكن تم التجهيز لحدوثه لاحقًا، أي في صمت ما بعد الكلمة الأخيرة .. رغم الالتصاق الذي لا يفترض مساحة فيما بين الشيء والآخر؛ إلا أنه يمكن تأمل ذلك الفراغ القاتم والمضمر بين الجسد والأشياء التي تُغلق الحياة من حوله .. الفراغ الذي لا تنجم فداحته عن الرسوخ الدائم فحسب، وإنما في المقام الأول عن غموضه الذي لا يختل أيضًا .. عن كونه متاهة صلبة، وطائشة من الضلالات العدائية بين الأنا والتفاصيل الملتصقة بها .. هو دليل الخصومة بين الجسد وأشياء العالم التي لم يكن بمقدوره سوى أن يتوحّد بها كقرائن شخصية لهوية مسمومة.
"امرأة تنقل النظر من الحائط إلى الكأس 
من الكأس إلى السيجارة                        
من السيجارة إلى الحائط
من الحائط إلى الكأس...
لو كنتَ فى الشرفة المجاورة
لقلت إنها مجرد كائن 
يشرب و يدخن
ستفكر أنها فى يوم 
ستنهض
لتدفن رأسها فى طين الزرع
أعرفها كما أعرف نفسى
الكأس والحائط والسيجارة
ليسوا الأبطال الحقيقيين
المهم هو اختزال المسافة
بين السيجارة وفمها
بين الحائط وعينيها
بين الكأس وأمعائها
الأهم هو ملء الفراغ بين المركز والجسم المتحرك
فى دورانه يغزل شبكة كثيفة من التوهم
كلما ابتعد الجسم كلما ازداد المركز ثقلا".
نحن لا نلمس مجاورة أو اقترابًا بين العينين والحائط، أو الفم والسيجارة، أو الأمعاء والخمر بقدر ما ندرك التصاقًا بين هذه التفاصيل وبعضها، لا تشترطه الحركة الآلية للنظر أو التدخين أو الشُرب .. هناك نوع من الإقرار الضمني بالمداومة لعلاقة الجسد وهذه الموجودات الأمر الذي يجعلها أجزاءً أصيلة من تكوينه لا ترتبط بالفعل الظاهري الذي يحققها .. لهذا لا تكوّن المسافة بين الجسد والأشياء فراغات حسية، وإنما خلاءات وجدانية أشبه بدروب وعرة من الحنين الملتبس .. لهذا أيضًا ستكون الرغبة في اختزال المسافة بين الجسد والأشياء محاولة لترويضها في الذهن .. الاختزال المرادف لجعل الفراغ في موضع المراقبة الاستثنائية .. داخل نطاق التشريح الاستفهامي، المكافح للانفصال عن مكان وزمن النظر إلى الحائط، وتدخين السيجارة، وشُرب الخمر .. ستكون محاولة لتضليل التواطؤ الملغز فيما بين هذه الأشياء، ومقاومة ذلك التواطؤ كي يحصل الجسد على خفة متمنّعة من الخيالات خارج الحدود القهرية لتفاصيله .. هي الطريقة التي يمكن بواسطتها أن نبصر الأشياء كأنما تؤلف جسدًا كونيًا ثابتًا، أما الأجسام الحية التي تمتلك عيونًا وأفواهًا وأمعاءً كأنها جزيئات عابرة، تتلاشى تدريجيًا في رحلات دورانها العمياء حول الجسد الثابت.
"عندما استيقظت كان السقف ملتصقا بأنفي
ارتديت ملابسي
أو بالأحرى ارتدى السقف ملابسي
في العمل حياني الزملاء
أو بالأحرى حيوا السقف
سألتهم ألم تلاحظوا شيئا غريبا
قالوا لا
قلت هناك سقفا ملتصقا بأنفي
قال أحدهم أنه استيقظ يوما
ووجد السرير ملتصقا بظهره وأنه لحسن الحظ
لم يكن ملتصقا بجانبه
هكذا صرح النجار الذي نشر حواف السرير".
هناك من يرصد الأنا في هذا الشكل من الصراع بينها وبين تفاصيلها كأنه حصيلة المراقبة الاستثنائية، والتشريح المكافح للانفصال عن المكان والزمن .. كأنه ناتج الخيالات المتخطية للقهر (أحد ما في الشرفة المجاورة مثلًا) .. الراصد الذي يتخذ طبائعًا مختلفة من التمثّل، وصورًا متفاوتة من الوضوح والاختفاء .. هذا الذي يرصد الأنا هو المسافة المضادة لتلك التي بين الجسد والأشياء .. النسخة المقابلة لهذا الجسد الممتزج بالمسافة كرجاء يكمن على بُعد خطوات من العزلة .. لذا؛ فذلك الراصد ـ لكونه محتفظًا بهذه المساحة المفترضة والفارقة بينه وبين نفسه في لحظة التفاوض مع وحشية المسافات ـ  ربما بوسعه تأويل هذا الفراغ القاتم والمضمر بين الجسد الأصلي أو الواقعي، والأشياء التي تُغلق الحياة من حوله .. هو رغبة في وجود هذه الكينونة المبهمة التي تتأمل الأنا من نقطة تبدو خالصة من التورط .. أن تكون هذه الكينونة هي الذات لتلك الأنا العالقة .. لذلك ستدعي هذه الذات مع تكرارها المتباين في قصائد زهرة يسري حيادًا ضروريًا .. ستتظاهر بالغياب، أو تتنكر في انعدام الصلة، أو تختلس حضورًا غير منحاز .. لا تريد هذه الذات أن تكون جزءً من المتاهة الصلبة، والطائشة التي تُشكّلها الضلالات العدائية بين الأنا والتفاصيل الملتصقة بها .. لكنها تكشف عن وجودها أحيانًا كراصد مختبئ ومؤوّل للمسافة بين الجسد والأشياء عبر إشارات متناثرة .. كأن هذه الإشارات رموز من الآثار الناجمة عن تأمل الذات للأنا التي تخوض الصراع (أعرفها كما أعرف نفسي).
"معنى أن تنجو
أن تفيق في أي وقت فيقتحمك سطوع الضوء
يرغمك الليل أن تصير جزءًا منه
التماهي مع السواد يجعل عينيك وأسنانك كألق النجوم
يصير قلبك جزءًا من الخشب الذي تجلس عليه
تتوحد عيناك بعيني خروف قبل ذبحه
وصوتك بنباح كلب ضال .
معنى أن تنجو
أن تتلوى مثل قطط الربيع
على الرصيف المدبب بالليل والصمت.
لكن لماذا يجب أن تنجو
ويدك المرفوعة في الفراغ
ما هي إلا يد في وضع التشبث المخيف".
ليس غريبًا أن ترصد الذات تشبث الأنا بتفاصيلها رغم الوعي بكونها قرائن لهوية مسمومة .. هي مرغمة على ذلك لأن هذا فقط هو كل ما لديها، وما يحتّم عدم النجاة .. خبرة الخوف التي لا ينبغي استبدالها بخبرة خوف أخرى لم تُجرّب، وهذا ما يعنيه حصار الواقع؛ حيث يقدر الكأس أن يكون الليل، والسيجارة أن تكون عيني الخروف، والحائط أن يكون نباح الكلب الضال .. لهذا فإن ما يمكن أن تؤديه الذات هو تحويل المسافة بين الأنا وهذه التفاصيل أو "إطار التشبث" إلى ما يشبه الحلم من خلال توحّد مناقض .. الحلم الذي يُعادل شرطًا لحقيقة مجهولة، محرّضة على اقتفاء الاحتمالات المتعددة لتجسيدها .. الذي يستطيع ـ كنجاة واردة تتبدل ملامحها المعتمة باستمرار ـ أن يتضمن كل ما يمكن أن يكون خارج الفضاء الأساسي للخوف، أي الفراغ الأصلي بين الجسد والأشياء ..  كأن الذات تطمح بهذا الحلم لجعل الأشياء عناصر لهوية كونية مغايرة .. هوية فاضحة لتفاصيل الأنا، وتحديدًا للكيفية التي تُدبّر تعارضاتها هذا التواطؤ ضد الأنا .. هكذا يتوقف التشبث عن أن يكون أداءً قهريًا، ويتحوّل إلى مطلق آخر يجب مراقصته دون الإمساك به.
مجلة "عالم الكتاب" ـ أكتوبر 2018