السبت، 9 ديسمبر 2017

تفكيك القصة البوليسية.. العاطفة مقابل الحبكة

تدور قصة (الكلب المفقود) لأجاثا كريستي وهي إحدى قصص مجموعة (أدلة الجريمة) حول مس كارنابي التي تقوم مع عدد من الوصيفات الأخريات باختطاف كلاب مخدوماتهن .. اعتمدت مس كارنابي في هذه الحوادث على الكلب أوغست الذي سبق أن أهدته لها إحدى السيدات اللاتي كانت تعمل لديهن قبل وفاتها ثم ادعت موت هذا الكلب كي تتمكن من استخدامه بحرية؛ إذ كانت تخرج بكلب مخدومتها ـ وهي نفس الخطة التي كانت تتبعها الوصيفات الشريكات لها ـ وبدلا من الذهاب إلى المنتزه تحضره إلى شقة شقيقتها العجوز المريضة وتستبدل به أوغست، وفي المنتزه وبعد أن تقطع الطوق الخاص به ليعود الكلب المدرّب على الرجوع بمفرده إلى الشقة تدعي مس كارنابي لحارس المنتزه أن مجهولا قد سرق منها كلب مخدومتها أثناء انشغالها بطفل ظريف ترافقه إحدى المربيات، وسيقرر حارس المنتزه ـ الذي لا يستطيع أن يفرّق بين الكلاب المتشابهة ـ أن هذه الوصيفة كانت تصطحب بالفعل كلبًا مدللا.
وفقًا لما جاء في القصة فقد وصل عدد حوادث الاختطاف إلى ستة عشر حادثًا خلال عام واحد أي منذ أن حصلت مس كارنابي على الكلب أوغست من مخدومتها المتوفاة مدام هارتنجفيلد قبل أن تدعي موته، وتدرّبه في الخفاء على العودة وحده إلى البيت.
التطابق المتكرر الذي لا يثير الريبة
ستة عشر حادث اختطاف كلاب خلال عام واحد جميعها تتم بنفس الطريقة (الخروج للتنزه) مع نفس الشخصيات (الوصيفات) في نفس المكان (المنتزه) بنفس رد الفعل (تسأل الوصيفة حارس المنتزه بهلع إذا كان قد رأى الكلب مدعية أن مجهولا قد سرقه منها) مع نفس القصة التبريرية الملفقة (انشغال الوصيفة بطفل ظريف مع إحدى المربيات)، ومع ذلك لم يشك أحد في أي وصيفة .. لم يتم منع أي وصيفة من الذهاب إلى المنتزه مع تكرار هذه الحوادث التي يعرفها الجميع، والتي وصفها السير جوزيف وهو الرجل طلب مساعدة بوارو بالمهازل التي يجب وضع حد لها .. لم يتم التنبيه على أي وصيفة ـ على الأقل ـ كي تأخذ حذرها.
ما الذي تريده الحجة العاطفية حقًا؟
استخدمت أجاثا كريستي في هذه القصة حجتين عاطفيتين: الأولى جاءت على لسان مس كارنابي حينما قالت لبوارو بأن العوانس مغرمات بالأطفال، وأنه ليس بدعًا أن تنسى الوصيفة كل شيء إذا صادفها طفل ظريف، ولن تُتهم أبدًا بالتواطؤ والإهمال .. هذه الحجة كان يمكن أن تكون مقبولة لو استُعملت مرة واحدة، أو اثنتين أو حتى ثلاث لو افترضنا أننا نتجوّل في مدينة للحمقى، لكن أن تُستخدم هذه الحجة ست عشرة مرة؟! .. لنتخيل: ست عشرة وصيفة يُسرق منهن ستة عشر كلبًا، كأنه وباء مختص بالوصيفات أو تنويم مغناطيسي جماعي لا يقصد سواهم، ولا يمتلكن سوى قصة تبريرية واحدة لا تتغير للخروج من دائرة الاتهام، ومع ذلك لا تتوجه إليهن أصابع الشك لمجرد أنهن عوانس ومغرمات بالأطفال .. ألا يمكن ـ ولو كنوع من التسامح للمخيلة البوليسية ـ أن يتساءل أحد ما في هذه القصة لماذا لا توجد بينهن وصيفة واحدة على الأقل عانس ومغرمة بالأطفال ومتيقظة في نفس الوقت لحماية كلب مخدومتها خصوصًا مع الإدراك التام بأنها في مكان أصبح موطنًا لخطف الكلاب؟
ولو افترضنا جدلا أن هذه الحجة قد استُعملت على نحو منفصل، أي أن كل عائلة خُطف كلبها لم تعرف أن الإيضاح الذي قدمته وصيفتها كان هو نفسه الذي قدمته جميع الوصيفات الأخريات اللاتي خُطفت منهن كلاب العائلات الأخرى؛ ألم يحدث ولو مرة واحدة خلال الستة عشر حادثًا، وأثناء تداول حكايات الخطف المتعاقبة أن تم الكشف عن هذا التطابق في أقوال الوصيفات بأي طريقة؟ .. ماذا عن حارس المنتزه؟ .. الرجل الذي جاءته ست عشرة وصيفة خلال عام واحد كي تسأله كل واحدة منهن باضطراب إذا ما كان قد رأى كلبها الذي فقدته؛ كيف لم يثر هذا ارتيابه؟ .. ألم يصادف ولو مرة واحدة هذا التكرار في وصف اللحظات السابقة للخطف التي تسردها الوصيفات؟ .. لماذا لم يذكر حارس المنتزه في حواره مع بوارو شيئًا عن بقية الحوادث، واكتفى بتلك التي تخص مس كارنابي فقط؟ .. لماذا لم يسأله بوارو نفسه عن هذه الحوادث؟
تتعلق الحجة العاطفية الثانية التي استخدمتها أجاثا كريستي في هذه القصة بالحالة البائسة لمس كارنابي العانس التي تخشى من مستقبل مظلم مع شقيقتها الكبرى العجوز المريضة، وإذا كانت هذه الحجة قد أسفرت عن ما قام به بوارو من تسوية أخلاقية مع هذه الوصيفة تقتضي بإعادة نقود الفدية الخاصة بالليدي هوجين زوجة السير جوزيف، والتعهد بالتوقف عن الخطف في مقابل ضمان عدم إدانتها قانونيًا فإن هذه الحجة تجاهلت تمامًا استفهامين جوهريين في هذه القضية: ماذا عن نقود الفدية التي دفعتها بقية النساء لاسترداد كلابهن؟ .. ماذا عن بقية الوصيفات اللاتي شاركن مس كارنابي في اختطاف الكلاب وفي الحصول على مبالغ الفدية من مخدوماتهن؟
هاتان الحجتان العاطفيتان اللتان استخدمتهما أجاثا كريستي لم يكن الغرض منهما إعطاء دوافع منطقية لأحداث القصة، وإنما مثلتا معًا ما يشبه محاولة لتغطية ثغرات الحبكة البوليسية التي تتضمن هذه الأحداث؛ فالحجة العاطفية في قصة (الكلب المخطوف) بشكل عام لم تكن أكثر من برهان متعسف ومزيف من الشفقة، تبدو معه أجاثا كريستي كأنها لا تطالبنا بأن نغفر لمس كارنابي بسبب فقرها وعنوستها أو للوصيفات الأخريات بسبب أوضاعهن السيئة بل أن نغفر لأجاثا كريستي نفسها غياب المعقولية في قصتها.
حماية حارس المنتزه
هل كشفت الاستفهامات السابقة عن الثغرات الأهم في القضية؟ .. ربما ينبغي علينا التفكير في أن هذه الاستفهامات أيضًا قد كشفت عن ما يتجاوز هذه الثغرات أي التعتيم الكامل على شريك أساسي في حوادث الاختطاف وهو حارس المنتزه.. الشخص الذي ظل طوال القصة مجرد شاهد، وتغافل عنه بوارو تمامًا ذلك لأن أجاثا كريستي قامت بالتضحية بالمعطيات التي ستقود لإدانته في مقابل تركيزها على الأسباب (الإنسانية) التي جعلت مس كارنابي والوصيفات يقمن باختطاف الكلاب، والتي بالضرورة عليها أن تعفيهم من الإدانة.
لو تأملنا جيدًا شخصية حارس المنتزه سنجد أنه الرجل المسؤول بحكم وظيفته عن المراقبة والحماية، الذي لم يتخذ أي تدابير إضافية مع تكرار حوادث الخطف في المكان المكلف بحراسته، وهو الوحيد الذي يستطيع أن يثبت صدق القصة التبريرية الملفقة الواحدة التي لا تتغير، والتي تكررها كل الوصيفات لمخدوماتهن دون حاجة لوجود مربية معها طفل ظريف بالفعل داخل المنتزه، وسيكون الغرض من وجود أوغست هو أن يراه الآخرون بصحبة الوصيفة وليس لإثبات هذا الوجود للكلب أمام الحارس.. هو الذي لم يشك في الوصيفات مع تعاقب ستة عشر حادث اختطاف لكلاب خلال عام واحد، ولم يقم بأي تصرف يشير إلى الحذر والانتباه تجاه القصص المتطابقة للوصيفات.. حارس المنتزه هو العنصر الموضوعي في القضية، الذي لا ينتمي إلى العائلات التي تُخطف كلابها، أو للوصيفات اللاتي تدعين عدم التورط، أي أنه المركز المحايد بين صاحبة الكلب والخاطفة، ولولا تواطؤه ما كان للقصة التبريرية الملفقة أي معنى، وما كان في وسعها ـ منطقيًا ـ أن تحقق هدفها .. بالعودة إلى تساؤلين سابقين سنتأكد من أجاثا كريستي قد تعمدت حماية حارس المنتزه من الإدانة:
لماذا لم يذكر حارس المنتزه في حواره مع بوارو شيئًا عن بقية الحوداث، واكتفى بتلك التي تخص مس كارنابي فقط؟ .. لماذا لم يسأله بوارو نفسه عن هذه الحوادث؟
لماذا قصدت أجاثا كريستي إبعاد حارس المنتزه عن القضية؟ .. ربما لأن إدانته كشاهد زور مشارك في الخطف ـ مع تغيّر الحبكة الذي يمنح القصة معقوليتها ـ كانت ستفسد العفو عن مس كارنابي؛ فحينما يتم توجيه الاتهام إلى هذه الوصيفة وحدها سيكون من السهل على بوارو أن يعقد معها ذلك الاتفاق الذي يبقيها خارج السجن، وحتى مع مشاركة وصيفات أخريات في اختطاف الكلاب سيكون من الوارد التوصل إلى تسوية مشابهة سواء كان ذلك صعبًا أو يسيرًا .. أما إدانة حارس المنتزه عن طريق اعتراف مس كارنابي والوصيفات الأخريات بدوره في تأمين الحكاية الملفقة للوصيفات التي لا يمكن لأحد تصديق تكرارها بهذا الشكل، والإقرار بحدوثها ـ لاسيما لو كان حارسًا ـ إن لم يكن كاذبًا ومتواطئًا نظير جزء من نقود الفدية مثلا، إضافة إلى التهمة التقليدية المتعلقة بالتقصير والإهمال في عمله؛ هذه الإدانة التي تغافلت عنها الكاتبة بإصرار ربما كانت ستدفع بجميع المتورطين للخضوع إلى سلطة القانون حيث سيتعذر ـ أو على الأقل لن يكون هناك ضمان كاف ـ لاستثناء أحد من العقاب نتيجة أوضاعه البائسة، وستعجز أجاثا كريستي بالتالي عن إنقاذ مس كارنابي.
 بتانة نيوز ـ 8 ديسمبر 2017