السبت، 31 أكتوبر 2015

مقابر الطيور

في قصة (الكناري) لـ (كاثرين مانسفيلد) رأت ربة البيت في إحدى الليالي حلماً بغيضاً، وحينما ذهبت إلى المطبخ من أجل كأس ماء بدا لها من خلال نافذة المطبخ كأن الظلام يحدق في الداخل .. هذا الظلام الذي كان يتجسس على فزعها، كان هو أيضاً ذلك الشيء العميق في الأسفل تحت الغناء العذب المرح للكناري، والذي عرفت أنه الحزن .. المسمار الكبير على يمين الباب الأمامي لم يكن من الممكن بالفعل أن تحتمل ربة البيت أن تنزعه حيث كان قفص الكناري الميت معلقاً .. بدا الكناري كأنه مات بداخلها، وشعر قلبها بالخواء كما لو أنه كان قفصه .. تحب ربة البيت التفكير في أن الكناري كان هناك دائماً ـ حيث يوجد المسمار ـ حتى بعد زمنها، أحياناً تسمع الناس المجاورين يقولون: (لابد أنه كان هناك قفص يتدلى منه)، وكان هذا يريحها؛ تشعر أنه لم يُنسى تماماً .. قلبها كان معلقاً على هذا المسمار، وكان يعيش بداخله الطائر الذي قال لها في الليلة الشتائية التي رأت فيها الحلم البغيض: (حلوتي! حلوتي! أنا هنا يا ربة البيت! أنا هنا!) فشعرت بالراحة لدرجة أنها أوشكت على البكاء .. كان الكناري يمثل وجوداً أعمق من مجرد الحضور المناقض لقسوة رجال ربة البيت الثلاثة، الذين يصفونها بـ (الرثة الهزيلة)؛ إذ لم يكن الرفيق الصغير المثالي، المتعاطف، الذي يعطي بغنائه البهجة إلى الحياة الموحشة لصاحبته وحسب .. كان الكناري هو الكيان المخبوء لربة البيت، الذي لم يكن لديها الفرصة كي تكشف عنه .. الحقيقة التي لم يرغب أحد في معرفتها .. لم يكن الكناري مجرد كائن مسالم، ملائم لتخفيف بشاعة الوحدة أو لمنح المواساة تعويضاً عن جفاء الآخرين، بل كان أقرب إلى الذات الطفولية لربة البيت التي يمكنها التغلب على الأحلام الكريهة، وعلى الظلام حين يحدق فيها، ويتجسس عليها من نافذة المطبخ في الليالي الشتائية .. لكن موت الكناري بدا أنه انتصار كان محتوماً لذلك الظلام، وهو ما كان يكمن تحت غناء الطائر، وما كانت تدركه ربة البيت عند الاستماع إليه.
تقول ربة البيت: (والآن قد ذهب. لن أملك طيراً آخر بعده، أو أي حيوان أليف من أي نوع. كيف يمكنني؟) .. لو كان الكناري مجرد أداة مضمونة للعزاء لما أكدت ربة البيت عدم قدرتها على امتلاك أي حيوان آخر بهذا التساؤل الاستنكاري: (كيف يمكنني؟) .. ربة البيت حينما يموت كيانها المخبوء، وتضيع حقيقتها التي لم يرغب أحد في معرفتها حيث لن تعود أبداً فإنها لا يمكن أن تستعير كيانً آخر أو حقيقة أخرى .. لن يكون بوسعها أن توجد في ذات أخرى بديلة .. ربة البيت لم تعد تملك سوى أن تترك المسمار الكبير على يمين الباب الأمامي ليتذكرها الناس كأنه شاهد قبر.

الكناري – قصة كاثرين مانسفيلد
ترجمة رقية كنعان 

هل ترى هذا المسمار الكبير على يمين الباب الأمامي؟ أنظر إليه برعب حتى اللحظة وأيضا لم أحتمل أن أنزعه. أحب أن أفكر أنه كان هناك دائماً حتى بعد زمني. أحياناً أسمع الناس المجاورين يقولون: "لا بد أنه كان هناك قفص يتدلى منه"، وهذا يريحني؛ أشعر أنه لم يُنسى تماماً.
لا تستطيع أن تتخيل كم غنى بشكل رائع، لم يكن كتغريد طيور الكناري الأخرى، وذلك ليس فقط في مخيلتي. عادة ومن النافذة اعتدت رؤية الناس يقفون عند البوابة ليسمعوه أو ربما ينحنون فوق السياج بجانب البرتقالة المزيفة لفترة طويلة من الوقت- مأخوذين.
أفترض أن ذلك يبدو منافيا للعقل- ليس إن كنت سمعته- ولكن حقاً بدا لي أنه غنى أغنيات كاملة ببداية ونهاية لكل منها.
على سبيل المثال، عندما كنت أنهي عمل المنزل في فترة بعد الظهر وأغير بلوزتي وأحضر حياكتي إلى الصالة هنا، اعتاد أن يقفز يقفز يقفز من عمود إلى آخر، ينقر مقابل القضبان وكأنه يحاول جذب انتباهي، يرتشف قليلاً من الماء كما يليق بمغن محترف ثم ينطلق في أغنية رائعة، فأضطر أن أضع إبرتي جانبا وأستمع إليه. لا أستطيع وصفه؛ وليتني أستطيع، ولكنه دائماً كان الشيء نفسه كل عصر وشعرت بأني فهمت كل نوتة منه.
لقد أحببته. كم أحببته! ربما لا يهم كثيراً ماهية أن يحب أحد في العالم، ولكن الحب شيء واجب. بالطبع كان هناك دائماً منزلي الصغير والحديقة، ولكن لسبب ما لم يكونا أبداً كافيين.
الأزهار تستجيب بشكل رائع، ولكنها لا تتعاطف، ثم أحببت نجم المساء- هل يبدو ذلك حمقا؟ اعتدت أن أذهب إلى الساحة بعد الغروب، وأن أنتظره إلى أن يشرق فوق شجرة الصمغ المظلمة ثانية. اعتدت أن أصفر: "ها أنت هناك، يا حبيبي" وفي ذات اللحظة يبدو لي أنه يشرق لأجلي وحدي. بدا وكأنه يفهم ذلك... شيء ما مثل الشوق، وهو مع ذلك ليس الشوق. أو الأسف- إنه أقرب إلى الأسف. أسى لأي شيء؟، لدي الكثير لأكون شاكرة بسببه.
ولكن بعد أن جاء إلى حياتي، نسيت نجم المساء؛ لم أعد أحتاجه. ولكنه كان غريبا، عندما جاء الرجل الصيني إلى الباب ليبيعه حمله عالياً في قفصه الدقيق، وبدلا من الرفرفة، مثل عصفور صغير مسكين، أعطى سقسقة صغيرة ضعيفة، وجدت نفسي أقول، كما اعتدت أن أقول للنجم فوق شجرة الصمغ:"ها أنت هناك يا حبيبي". ومن تلك اللحظة كان ملكي.
يدهشني حتى اللحظة أن أتذكر كيف، هو وأنا، تشاركنا في حياتنا. في اللحظة التي أجيء فيها في الصباح وأرفع قطعة القماش من على قفصه يحييني بنوتة صغيرة ناعسة، عرفت أنها عنت:"ربة البيت! ربة البيت!" ثم أعلقه على المسمار في الخارج بينما أقدم لرجالي الثلاثة الشباب إفطارهم، ولم أكن أحضره في الداخل أبداً إلى أن يكون المنزل لنا ثانية. ثم، عندما ينتهي الغسيل، كان عبارة عن تسلية صغيرة. كنت أنشر جريدة فوق زاوية من الطاولة، وعندما أضع القفص فوقها، اعتاد أن يضرب بجناحيه بيأس، كما لو أنه لا يعرف ما سيحدث. "أنت ممثل صغير" هكذا اعتدت أن أوبخه ثم أكشط الصينية، أغبرها بالرمل الطازج، أملأ آنية البذور والماء، أثبت قطعة من عشب الطيور ومسحوقاً منعشاً بين القضبان، وأنا واثقة تماماً أنه فهم وقدر كل جزء من هذا الأداء. أنت ترى أنه كان بطبيعته رائع الأناقة. لم يكن هناك لطخات فوق ساريته، عليك أن تراه يستمتع بحمامه لتعرف أنه كان لديه عاطفة حقيقية تجاه النظافة. حمامه يوضع في الأخر، وفي اللحظة التي يكون فيها فيه فإنه يقفز بداخله. في البداية يرفرف جناحاً واحداً، ثم الآخر ثم يغطس رأسه ويرطب ريش صدره. قطرات الماء كانت تنثر فوق المطبخ كله، ولكنه لم يكن يخرج. اعتدت أن أقول له: "الآن هذا كاف جداً، أنت تستعرض فقط" وأخيرا يقفز وهو واقف على رجل واحدة، يبدأ يجفف نفسه بمنقاره، يعطي هزة، ضربة، ارتعاشه ويرفع حلقه- أوه بالكاد أتحمل أن أستذكر ذلك. كان وقت تنظيف السكاكين في ذلك الوقت دائماً وكان يبدو لي أن السكاكين تغني أيضاً، وأنا افركها لامعة على اللوح.
الرفقة كما ترى- ذلك ما كانه. رفيق مثالي. لو عشت وحيداً فستدرك كم ثمين ذلك. طبعا كان هناك رجالي الشباب الثلاثة الذين كانوا يأتون للعشاء كل مساء وأحيانا كانوا يبقون في غرفة الطعام بعدها يقرؤون الجريدة. ولكن لم يمكن أن أتوقعهم يهتمون بالأمور الصغيرة التي كونت يومي. ولم عليهم ذلك؟ كنت لا شيء بالنسبة لهم. في الحقيقة، سمعتهم في أحد المساءات يتحدثون عني على الدرج ب "الرثة الهزيلة" . لا يهم. لا يهم ولا بأي شكل. إني أتفهم تماما. هم شباب ولم علي أن أمانع؟ ولكني أتذكر أني شعرت بشكر خاص أني لم أكن وحيدة ذلك المساء. أخبرته، بعدما خرجوا، قلت:"هل تعرف ماذا يسمون ربة البيت؟" ووضع هو رأسه إلى جانب ونظر لي بعينه اللامعة الصغيرة إلى أن لم أمنع نفسي من الضحك. بدا وكأن ذلك يذهله.
هل ربيت طيوراً؟ لو لم تفعل فكل ذلك يجب أن يظهر، ربما، مبالغاً به. الناس لديهم فكرة أن الطيور بلا قلوب، مخلوقات صغيرة باردة، ليست كالكلاب أو القطط. المرأة التي تساعدني في الغسيل اعتادت القول في أيام الاثنين عندما تتعجب لم لا أربي "كلب صيد ثعالب جميل"، " لا يوجد راحة سيدتي في كناري". غير صحيح، غير صحيح البتة. أتذكر في إحدى الليالي رأيت حلماً بغيضاً – الأحلام يمكن أن تكون قاسية بشكل كريه- حتى بعد أن استيقظت لم أستطع التغلب عليه، وهكذا وضعت ردائي وذهبت إلى المطبخ في الأسفل من أجل كأس من الماء. كانت ليلة شتائية وتمطر بغزارة. أظن أني كنت لا أزال نصف نائمة ولكن من خلال نافذة المطبخ لم يكن أعمى، بدا لي أن الظلام يحدق في الداخل، يتجسس. وفجأة أحسست أن فوق الاحتمال أنه لا يوجد لدي من أقول له "رأيت حلما بغيضا" أو "خبئني من الظلام" ، حتى أني غطيت وجهي لدقيقة وعندها جاءت "حلوتي! حلوتي!" صغيرة، قفصه كان على الطاولة وقطعة القماش انزلقت بحيث شق من الضوء أشرق خلالها، "حلوتي! حلوتي!" قال الرفيق الحبيب الصغير ثانية، بنعومة بقدر ما يمكن له القول، "أنا هنا يا ربة البيت! أنا هنا!"، كان ذلك مريحاً جميلاً لدرجة أني أوشكت على البكاء.
والآن قد ذهب. لن أملك طيراً آخر بعده، أو أي حيوان أليف من أي نوع. كيف يمكنني؟ عندما وجدته مستلقياً على ظهره، وعيناه باهتتان ومخالبه منزوعة، عندما أدركت أني لن أسمع ثانية حبيبي يغني، شيء بدا وكأنه مات داخلي. قلبي شعر بالخواء كما لو أنه كان قفصه. يجب أن أتغلب على ذلك. بالطبع يجب ذلك. المرء يمكن له تجاوز أي شيء مع الوقت. والناس يقولون دائماً أني أملك حسماً مرحاً. هم محقون وأنا أشكر ربي أنه لدي.
كله سواء، بدون أن تكون مريضاً، وتفتح الطريق إلى – إلى الذكريات وهكذا، يجب أن أعترف أنه يظهر لي أن هناك شيئاً حزيناً في الحياة. من الصعب قول ما هو. لا أعني الأسى الذي نعرف أجمعين، كالمرض والفقر والموت. لا، إنه شيء مختلف. إنه هناك، عميق في الأسفل، عميق ، جزء من المرء كتنفسه. مهما عملت بجد وربطت نفسي علي فقط أن أتوقف لأعلم أنه هناك، ينتظر. غالباً ما أعجب إن كان الجميع يشعرون بذلك. لا يمكن للمرء أن يعلم. ولكن أليس استثنائيا أن تحت غنائه العذب المرح الصغير كان هناك –الحزن؟ آه، ما هو؟ -ذاك الذي سمعتُ.

المصدر:
Katherine Mansfield
The Collected Short Stories
Penguin Modern Classics
1984