الثلاثاء، 29 مايو 2018

امتداد السماء فوق شارع البحر


ذهبت إلى مدرستي الابتدائية ومعي نسخ من روايتي "إثر حادث أليم" تكفي كل زملائي في الفصل وكذلك المعلمات .. وجدتهم يجلسون في أماكنهم بوجوههم وأجسادهم الصغيرة، ويرتدون المرايل البيچ، ويضعون حقائبهم عند أقدامهم .. فرحوا بمجيئي رغم جسدي الكبير، والشعيرات البيضاء في رأسي وذقني، ونوايا التجاعيد والتشققات في وجهي .. وزعت عليهم النسخ ثم جلست في مكاني المعتاد داخل الدكة الأولى كي أشاهد انطباعاتهم وهم يتصفحون الرواية .. شعرت بالسعادة لأن الابتسامة الممتنة لم تغب عن ملامحهم مع استمرارهم في القراءة .. بعد قليل خرجت من الفصل متوجهًا إلى حجرة المعلمات كي أعطيهن نسخهن .. استقبلنني بحفاوة بالغة، وبدأت كل واحدة منهن على الفور في تصفح الرواية وعلى وجهها نفس الابتسامة التي كانت لدى زملائي .. تركت حجرة المعلمات عائدًا إلى الفصل، ولكنني لم أدخل من الباب بل قررت التوقف وراء أحد الشبابيك ومراقبة زملائي دون أن يشعروا بي .. من مكاني المتواري رأيت كل ولد وبنت يقطع صفحات من النسخة التي بين يديه ليكرمشها ويلقي بها أسفل قدميه ثم يواصل القراءة فتتحوّل ابتسامته إلى ضحكات متصاعدة .. حينما رن جرس الانصراف؛ وضع كل منهم الرواية في حقيبته ثم بدأوا يخرجون من الفصل .. مروا من أمامي برفقة المعلمات اللاتي كن يضحكن أيضًا داخل الردهة المؤدية إلى السلالم دون أن يلتفتوا لي بينما ظلت ضحكاتهم التي يتخللها التهامس تتمادى في قوتها .. دخلت الفصل الخالي ورحت ألتقط الصفحات المنتزعة من الرواية والملقاة تحت الدكك لأعيد فردها .. اكتشفت أن كل واحد وواحدة منهم قد قطع الصفحات التي ذُكر فيها اسمه أو تحدثت عنه أو حتى أشارت إليه بشكل عابر أو غير مباشر .. توجهت إلى الحجرة المعلمات الخالية فوجدت الصفحات التي تخص كل واحدة منهن مكرمشة وملقاة على الأرض .. كان الأمر مؤلمًا فقررت الخروج من المدرسة وأصوات ضحكاتهم تمرح في رأسي، ونظراتهم التي لم تلتفت لي تجتاح عينيّ .. عدت إلى البيت .. كان أبي وأمي وأشقائي وجدتي في انتظاري، وجميعهم يحملون نسخًا من الرواية متقلصة لأحجام متفاوتة، وبين أقدامهم تتكوّم الصفحات المكرمشة التي تم انتزاعها .. كانوا يقرأون ويضحكون ولم يوجهوا عيونهم نحوي وأنا أقف أمامهم قبل أن أتحرك بتردد نحو الشرفة .. وجدت الجالسين أمام المحلات وعلى ناصية الحارة وأمام المقهى، وكذلك العابرين والواقفين في البلكونات كل منهم يحمل نسخة من الرواية، ويقطع صفحات منها ليكرمشها ويلقيها فوق أرض الشارع ثم يواصل القراءة ويضحك دون أن يرفع أي منهم رأسه تجاهي.
أصبح الأمر مؤلمًا أكثر، ولا يمكن تحمّله .. قلت في نفسي أن هذا لم يعد بيتي، وأن عليّ تركه الآن .. خرجت قاصدًا المنزل الذي أعيش فيه مع طفلتي وزوجتي .. قررت بمجرد وصولي أن أغلق على نفسي باب حجرتي، وأن أقرأ قليلا في الرواية من نسختي الخاصة كما تعوّدت .. بعد مرور وقت طويل فتحت طفلتي باب الحجرة ونظرت لي .. لم يكن بين يديّ سوى غلاف الرواية فقط في حين ظلت تتأمل مشدوهة الأعداد الهائلة من الطائرات الورقية الصغيرة التي صنعتها من أجلها.
أنطولوجيا السرد العربي ـ 28 مايو 2018